رواية الحب اولا الجزء الرابع 4 بقلم دهب عطية

رواية الحب اولا الجزء الرابع 4 بقلم دهب عطية


رواية الحب اولا الجزء الرابع 4 هى رواية من تأليف المؤلفة المميزة دهب عطية رواية الحب اولا الجزء الرابع 4 صدرت لاول مرة على فيسبوك الشهير رواية الحب اولا الجزء الرابع 4 حققت نجاحا كبيرا في موقع فيسبوك وايضا زاد البحث عنها في محرك البحث جوجل لذلك سنعرض لكم رواية الحب اولا الجزء الرابع 4

رواية الحب اولا بقلم دهب عطية

رواية الحب اولا الجزء الرابع 4

سحبت نفسًا طويلًا وعيناها الفيروزية تبصران المنظر الخلاب من خلال شرفة الجناح المقمين
به والذي يطل بروعة على البحر مباشرة….
ممتد البحر بجمالا بأمواج عاتية متقاذفة بعنفوان
تشاركها صخب من نوع آخر…..
يماثل الصخب الذي يدور الان في راسها منذ ان عادت من الحفل الغنائي وبعد مقابلتها بالمدعوة روما…
تعلم ان نواياها سيئة وان الحفل ماهو الى عرضٍ
ساخر…..
ومع ذلك تريد ان تحضر الحفل باي طريقة وتبرع
في إثارة غيظ الجميع هناك….
فهي كيان عثمان الدسوقي علمها والدها من القسوة
درسٍ هام ان الجبان هو المذنب !!….
وهي لم ترتكب ذنبًا في تلك العلاقة كي تتوراى خلف الستائر بجبن… خائفة من المواجهة…..
زفرت نفسًا قد احتبس داخل صدرها لثوانِ كانت
كالدهر بنسبة لها وقد نست ان تحرره كما نست
من يقف خلفها عند باب الشرفة مستند الى
اطارها عاقد ساعديه امام صدره وعيناه
تراقبها بصمتٍ مبهمًا….
عالم بانها تتصارع مع أفكارها بجنون تأخذ قرارا وتلقي اخر بمنتهى الضياع…..
تافف سليم بصوتٍ عالٍ لفت انتبها له…
فاستدارت كيان إليه بتحفظ
قائلة…
“سليم…. غيرت هدومك ؟…”
اقترب منها قائلا بهدوء….
“من بدري…ووقوف هنا مستني….”
انعقد حاجباها بحيرة…. “مستني إيه….”
رد بجدية وعيناه تأسرها بقوة…
“العصفورة تحن عليا وتقولي اي اللي واخدها
مني كل ده….”
زمت شفتيها وهي تشيح بوجهها عنه ثم
القت السؤال بغيرة…..
“تعرف روما دي منين ؟!….”
بسيطه تلك العلاقة سلسلة رغم صعوبة تكوينها في السابق….إلى انها بعد الارتباط امتدت جذورها في قلوبهما لتكن منفردة عن غيرها…
رد بصراحة وهدوء…
“صاحبة ايتن….وعمها صديق المستشار….”
التوى ثغرها والغيرة تندلع كحريق في
صدرها…
“عم مين فيهم بظبط….”
“روما…”قالها سليم وهو يتافف بملل قال بلكنةٍ جافة…
“انتي شاغله بالك بيهم ليه ياكيان… احنا مش اتفقنا
نبدأ من جديد وننسى اللي فات…”
ضربت كيان بيدها على سور الشرفة الخشبي بغضب
مكتوم….
“اتفقنا بس هي اللي بتحاول تضايقنا… عشان كده
بعته صاحبتها….”
اردف سليم بلا تعبير…
“وليه سوء الظن ده…مش يمكن متعرفش اي
حاجة عننا…”
اندفع راسها اليه كثور الهائج
بجنون….
“انت بتدافع عنها كمان ؟!!…”
أردف سليم بتوضيح…
“انا مش قصدي ادافع انا شايف انها صدفة… ”
اثار حفيظتها فوضعت يدها في خصرها واهتزت أمامه شاهقة بتبرم…
“وانها تعزمنا على عيد ميلادها صدفة كمان…”
نظر الى خصرها المتمايل كـلحن شارد يريد
عازفه…بينما جسدها المكتنز الملتف بنعومة
يختفي أسفل مئزر حريري باللون الوردي
الشاحب..
تنحنح سليم بخشونة عائد لعيناها
الحانقة بتركيز…..
“صدفة أو مدبرة… كده كدا مش هنروح…”
ضاقت عيناها بشك لعين…. “ليه بقا خايف….”
على وجهه التعجب….. “هخاف من إيه ؟!!…”
قالت كيان باهتياج….
“امال ليه مش عايز تروح مع انها عزمتك…”
رد سليم بلكنة صادقة…
“أولًا لاني مليش في جو الحفلات ده… كلها استعراضات عن مين اغنى واحسن واحد فيهم… ثانيا روما مجرد صديقة للي كُنت خطبها الأول فهروح بصفتي إيه….”
قالت كيان بجنون… “بصفة انها عزمتك……”
رفع سليم اصبعه وهو يحذرها بسطوة…
“اسمعي ياكيان عشان ننهي الموضوع ده…مش هنروح حفلات حد…احنا جايين نقضي شهر عسل
ومش عايزين مشاكل ووجع دماغ…”
انتفخت شدقتاها غضبًا صائحة…
“هنروح ياسليم… ولازم الكل يعرف انك اتجوزتني..”
ضرب كف على الاخر متعجبًا….
“انتي متخلفة..ماحنا متجوزين فعلا والكل عارف..”
ضربت الارض بالخف الناعم متذمرة….
“وصحابها لازم يعرفه وهي بنفسها والكل بعد
كده لازم يلزم حدوده معايا….”
تشدق سليم بابتسامة هازئة….
“لولا اني عرفك كويس كنت قولت انك عايزة تغيظيها بيا…..”
اومات كيان براسها..
“ودا اللي انا هعمله فعلا….”
زجرها سليم بنظرة مستهجنة….
“يسلام على الرد المحترم…. وانتي شيفاني بقا شخشيخه في إيدك ياهانم….”
تراجعت كيان بتخوف مبررة….
“مش قصدي والله… انا بس عايزة اردلها القلم
اللي ادتهولي…..”
جفل سليم سائلا
بصدمة…
“اي ده هي ضربتك ؟!!….”
صاحت كيان كـنمرة شرسة….
“متقدرش…. دا انا كنت جبت أجلها… انا قصدي
على شادي اللي كانت بعتاه يقنع عثمان بجوازي
منه….ولا نسيت.. ”
أوغر صدر سليم فجاه بمشاعر سوداوية راغبًا
الان في قتل احداهم وغالبًا ستكون هي !..
“الموضوع انتهى ياكيان ودلوقتي انتي بقيتي
على ذمتي….”
رمقته باستجداء…
“بس انا مخدتش حقي منها ياسليم…”
صمت قليلا ازاء جملتها ثم اردف بعدها
بصلابة…
“ممكن تنسي…. مش هنروح حفلات ولا هنقرب
انا وانتي من اي حاجة ممكن تضايقنا وتوتر علاقتنا…وبطلي رغي بقا ويلا عشان ننام….”
دفعته في صدره بغيظًا…..
“روح انت نام… انا مش عايزة اتخمد….”
جز على اسنانه وهو يميل عليها فجأة دون اهتمام بتمنعها وفي لحظة كانت معلقة بين ذراعيه يدلف
بها الى الغرفة…
صاحت كيان بحنق بالغ…..
“نزلني ياسليم….قولتلك مش هنام..أبعد عني..”
اوقعها على الفراش بقوة المتها بينما انضم اليها
وهو ينزع ملابسه عنه ليظهر صدره العضلي
العريض المصبوغ بسمار الشمس….
“انا لحقت اقرب عشان أبعد…. وبعدين انا لسه
مطلعتش عليكي اللي عملتي فيا قبل الجواز..”
في لحظة انقض على شفتيها الشهية ضامم خصرها إليه واصابعه العابثة تخلصها من مئزرها الحريري
ملامسًا بشرتها القشدية الناعمة…
خدرها للحظات جعل اعصابها بأكملها في حالة
إنهيار شديد….تنهار بين ذراعيه كوردة مائلة
بضعف تزدهر بعد الروي…بينما مشاعرها
الحميمية تصحو مع قبلته الناهمه…..
حرر شفتيها ومعه حرر همسها المختنق باسمه…..
“سليييم….”
مسح على وجهها بحنان وكانه يرسمها باصبعه
يرسم أجمل أمرأه راتها عيناه ووقع في حبها
دون حسبان…
همس سليم امام وجهها الجميل المتورد…
“انسيها ياكيان… وانسي اي حاجة تخصها.. والله بحبك انتي… انتي اللي واخده قلبي وعقلي..
وعيني مش شايفه غيرك….انتي العصفورة الحلوة… اللي ساعات بتبقى مُزة…. مُزة عايزة تتاكل أكل….”
ضحكت كيان برقة وقد تناست كل شيءٍ
وهي تعقب بعدم استحسان…
“اموت وافهم….اي المصطلح ده…سليم الجندي
المحامي المخضرم… بيقول لمراته مُزة !!…”
اندمج معها في الحديث قائلا بمزاح..
“اه بتحصل.. الدلع بين المتجوزين ملهوش
علاقة بشهادة والشغل…دا بيعتمد على مدى
احتراف الشخص في صياغة الدلع…”
مطت الكلمات بعدم اقتناع….
“ممم… وحضرتك على كده محترف…”
أكد بغمزة شقية…
“أمال دا انا جايبها من تحت أوي يامُزتي…”
فلته منها ضحكة رنانة صاخبة….فشاركها
سليم الضحك وهو يجلسها على ساقيه في
احضانه…..
قالت كيان بقنوط مرح…..
“كده كتير والله…عصفورة ارحم اينعم ساعات
كنت بحسها شتيمه….لان انا فكرتي عن العصافير
البنادمين…تختلف عن رؤيتك ليا….بس كانت ارحم والله….”
عقب سليم بحيرة….
“انا مش فاهم اي المشكلة عصفورة ترمز للرقة
والجمال…”
سالته بظفرة مغوية…..
“طب ومُزة ؟!!.. ”
اجابها سليم وهو يدفن وجهه في جيدها
مداعب بشرتها باسنانه…..
“ا…Sexy woman….”(أمرأه مثيرة..)
تاوهت كيان ضاحكة وهي تقول
بذهول..
“انا Sexy woman انت شايف كده… ”
همس سليم….
“عندك اعتراض عليها كمان….”
طبع القبل على طول جيدها هبوطًا الى كتفها
فانزل الحمالة الرفيعة وكشف عن مفاتنها….
فتأوهت كيان وهي تقول بضعف
معترضة بتغنج….”سلـيييم ا…”
اختفى صوتها وما كانت تنوي قوله بين ذراعيه
فقد اكتسح كيانها مجددًا بضغطت زر واحدة
جذبها الى عالمه الذي معه تنسى إسمها ولا
تنساه !!….
………………………………………………………
كانت تقف عند جسر ممتد بقلب اليخت الكبير
تنظر اليه بابتسامة جميلة تشمل وجهها المتوهج
وعيناها الفيروزية تبرق بجمالًا وهي تراه أعلى
سطح الماء يحلق على بعد امتار بزلاجة مائية
طائرة بتقنية نفخ المياه للأعلى تسمى
(فلاي بورد)…
كان يحلق فوق الماء برشاقة واحيانا يقفز
بداخل الماء ويصعد مجددًا من خلال مضخة
الماء…..
كان عاري الصدر يرتدي سروال السباحة… أشار لها
سليم بان تقترب قليلا…. فهزت راسها بتردد…
فوصل اليها بزلاجة الطائرة بمهارة…
“تعالي ياعصفورة جربي الفلاي بورد هيعجبك
أوي…..”
قالت بعد ان طالت نظراتها اليه ثم الى
هذه الزلاجة…
“خايفه ياسليم…..”
“تخافي وانتي معايا… ينفع…..”قالها وهو يقترب
منها أكثر….
ثم احتجز خصرها بين ذراعيه وارتفعت الزلاجة
الطائرة للأعلى اكثر بمضخة المياة العالية…
اغمضت كيان عيناها بقوة وهو تتعلق في عنقه
بزعر ولم تلمس قدمها الزلاجة لفرق الطول بينهما
ولخوفها وتعلقها به….
ضحك سليم وهو يدفن وجهه في جيدها محافظ
على توازنه بذكاء وبدا يتحرك بالزلاجة الطائرة برشاقة وهي متشبثه به بكلتا ذراعيها كطفلة
صغيرة مرتعبة…
حتى بدأت تعتاد الوضع بعض دقائق بسيطه مجرد
وجودها في احضانه على هذه الزلاجة أضفى شعور
جميلا يشوبه الطمأنينة والاستمتاع….
رفعت وجهها اليه وهي ترمش باستحياء…
قائلة بحرج…”خايفه أقع…..”
سالها بحاجب مرفوع….
“بقالك نص ساعة متعلقة في رقبتي…وقعتي؟!…”
هزت رأسها بنفي وهي تلعق شفتيها فقال سليم
بزهو…
“انتي مش مع اي حد….انتي مع سليم الجندي..”
ابتسمت كيان بحب فطبع قبلة على شفتيها
فشهقت بخجلا وهي تنظر عند اليخت….
“سليم حد يشوفنا….”
اجابها وهو يقطف قبلة أخرى من شفتيها
حلوة المذاق……
“محدش شايف حاجة من هنا….تعالي في حضني. ”
تعلقت في عنقه برقة دون خوف وهما أعلى الزلاجة
الطائرة يحلقا بجنون يوازي خفقات قلوبهما المنتشية
بالسعادة…..
بدأ يدور بها وهي في احضانه ويتحرك بزلاجة
بشكلا مموج وهي متعلقه به بقوة تضحك
بشدة وتصرخ بصخب عالٍ مستمتعة….
حتى بدأت تخرج من احضانه قليلًا وتتحرك معه
بدلال متجاوبة مع العبة فكانا يشكلا ثنائيًا رائع
مندمج يرقصا على معزوفة حُرة حسية الإيقاع
أوتارها خرير البحر وحفيف الهواء ، اما سطح
البحر الأزرق الامع اسفلهما مسرح الأداء….
كانا يخطفا الأنظار من حولهما كعصفوران الحب….
…………………………………………………………..
ضحكت كيان وهي تعلق ذراعها في خصره بينما
هو يحيط منكبها بذراعه وهم يسيرا على رمال الشاطئ بعد قضاء ساعات طويلة رائعة على
اليخت ولعب بزلاجة الطائرة….
“اي رايك نقضي بكرة اليوم على اليخت ونبات
هناك….”
نظرت اليه وانعكاس الغروب ينعكس على وجهها
فيعطي لمعة ذهبية جميلة…..
“مش محتاجة سؤال المكان يجنن خلينا نقضي
اليوم بكرة عليه….”
اوما سليم براسه وهو يجذب يدها برفق حتى
جلسا على رمال الشاطئ الذهيبة وامامهما زُرقة البحر الصافية تنعكس عليها شمس الغروب، المتخضبة بالحمرة ، على امتداد البحر تغرب
وكانها تختفي داخله……
وضعت كيان راسها على كتف سليم قائلة
بتوله…
“حلو اوي منظر الغروب….يجنن ياسليم مش
كده…..”
عانق خصرها بذراعه وضمها اليه وهو يضع خده
على راسها ورائحة الياسمين منها تداعب أنفه بتغنج
بدأت عيناه تسبح في جمال المشهد الساحر الذي
يكتمل بوجودها في احضانه منصهرة بدلال الحب…
“هو يجنن لأنك معايا ياعصفورة وفي حضني..”
تنهدت بدلال وهي تضع يدها على مضخة
قلبه القوية…..
“انا بحبك اوي سليم….انت عوض ربنا الكبير
ليا…”
قبل راسها ثم رفع يدها وقبلها قائلا بعاطفة
جياشة….
“وانتي حياتي ودنيتي ياكيان…..انتي الست اللي
اتمناها قلبي… واتمرد عليا عشان يوصلها..”
مطت شفتيها…. “شكلك ندمان ؟!….”
أومأ براسه وعيناه تسبح في المشهد الخرافي
بجماله الساحر…..
“ندمان فعلا بس عشان ضيعت الوقت دا كله من غيرك…..ياريتني قبلتك من زمان يا كيان….”
ابتسمت كيان وهي تذكر سبب عملها في مكتب محماة معروف كمكتبه….
“شوف الصدف بتعمل اكتر من كده…المفروض
أشكر شهد بقا هي اللي خلتني أشتغل في المكتب عندك واقبلك….بعد ما توسطت لها زبونة معرفة
عندك عشان تشغلني معاك….”
أكد سليم مبتسمًا….
“لازم اشكر أختك ومدام هانيا على النصيب الحلو
اللي رموه في حضني..”
عضت على شفتها وهي تخرج من احضانه ناظرة
اليه بمشاكسة.. “انت شايف كده….”
“انا شايف ان احنا لازم نطلع الاوضة نكمل كلمنا..”
قالها سليم وهو ينهض من مكانه بخفة وهي معه قابض على كفها بين يده بامتلاك….
ضحكت كيان وهي تلحق
خطواته….
“سليييم….حاسب هقع….”
توقف سليم مكانه بعد ان عرقل سيره وجود
روما التي ظهرت من باطن الأرض تلوح لهما
بسماجة….
“أوه سليم هاي….” ثم رمقت كيان التي تقف
خلفه على بعد خطوتين بثوب ربيعي أنيق…
“هاي كيان….”
ابتسمت كيان لها بصعوبة كمن يمضع الليمون
الاذع….بينما قالت روما الى سليم….
“انا بعتلك العنوان زي ماتفقنا…. مستنياكم
النهاردة….”
تنحنح سليم قائلا باعتذار…
“مش هينفع ياروما مش هنقدر نحضر….”
انكمشت ملامح روما بدهشة بينما صاحت
كيان بتصميم…
“لا جايين…احنا اتفقنا ان احنا هنروح… ”
نظر اليها سليم بغضب….. “كيااان….”
ابتسمت روما بخبثٍ…..
“بجد سو هابي….هشرفونا بجد هستناكم أكيد..
باي…”
انسحبت روما من بينهما بسرعة وذكاء مستمتعة بنظرات سليم النارية نحو كيان التي يبدو انها
تهورت في قبول الدعوة….
صاح سليم عليها بغضب وقد انقلبت ملامحه
مئة وثمانون درجة…..
“اي اللي عملتيه ده….”
قالت كيان بهدوء مستفز….
“إيه اللي عملته يعني واحده عزمتنا على عيد
ميلادها وانا وافقت….”
“بمزاجك كده احنا مش متفقين…”مسك ذراعها بغضب وقربها منه فقالت بتحدٍ يشوبه الشك…
“انت خايف من إيه….”
زمجر سليم بعنف…..
“برضو هتقولي خايف….انتي اي اللي في دماغك
بظبط… تعرفيها عشان تروحي عيد ميلادها…”
اجابت كيان بتبرم ساخر… “كفاية انت تعرفها….”
أردف سليم بنفاذ صبر….
“معرفه قديمة وانتهت خلاص….”
نزعت كيان ذراعها منه قائلة بحدة….
“والله مش انا اللي عرضت عليها تعزمنا للمرة
التانية وتصمم هي اللي عملت ده…وانا كل اللي
عملته اني وافقت….”
تافف سليم وهو يشيح وجهه عنها وقد عيل
صبره منها..
“انتي عايزاني إرجع معاكي تاني لنقطة الصفر..
مفيش فايدة فيكي….”ثم عاد الى عيناها بنظرة
قاسية قال…..
“انا هريحك ياكيان وهروح معاكي….بس لو اي
حاجة حصلت ضايقتك هناك….مترجعيش تقولي
انت السبب….”
قالت كيان بانف مرفوع بإباء….
“متقلقش انا أعرف ادافع عن نفسي كويس…وبذات
مع الأشكال دي… ”
رمقها سليم بغضب ثم ابتعد عنها تاركها تقف مكانها
تحترق بالغضب والغيرة واخيرًا……الشك…
لماذا تبحث عن الجراح بهذا الشكل هل يدفعها
خوفها وشكها في بني آدم ان تصنع لزوجها
مكيدة كـتلك…..
لماذا لا تستكين مخاوفها وتعانق السعادة والحب
دون تردد……
…………………………………………………………..
خطت خطواتها بحرصٍ وهي تتأبط مرفق زوجها
بيدها…دخلت الى القاعة الفخمة المقام بها الحفل
الصاخب…
كانت تتأنق بثوب أسود يلتف على جسدها بجمالا
يفتن الأعين معه تركت شعرها البندقي حرًا فوق
كتفها ووضعت زينة رقيقة مشرقة على وجهها والكحل على حدود عيناها الفيروزية مقصد للغزل والافتتن بها…..
حتى سليم بجوارها قد تأنق بحلة رسمية فخمة
تليق به وبمنصبة الرفيع بينهم..
رغم ان الحفلة شبه شبابية إلا انها كانت تحتوي على
بعض رجال الأعمال المعروفين والحاضرين الحفل بسبب الصداقة التي تجمعهما بوالدي المدعوة(روما)..
عند دخولها حدثت بلبلة في المكان لم يتوقف أحد
عن ما يفعل لكن الأعين كانت عليها من كل إتجاه
كسهام تلاقيها غدرًا….
لكنها لم تبالي دخلت مرفوعة الرأس بابتسامة باردة
زائفة المعاني….كالابتسامات التي تلقتها من بعض الحاقدين والذين ادعوا الانبهار فور ان وقعت
عيناها عليهم….
رفعت كيان عيناها الى سليم تاخذ أول انطبع له
لكنه منذ خروجهما وهو يلتزم الصمت بملامح جامدة
كصخر وكانه يعاقبها على قبولها للدعوة….عقاب الخصام الأول ، بعد زواج دام لأربعة أيام فقط ؟!…
زفرت نفسًا مرتجف بعد رؤيتها لروما تستدير اليهما
بعد ان أبلغها أحد الأصدقاء بحضورهم…
مع استدارت(روما) تبعتها استدارة لامرأة اخرى ظهرها عاري حتى اخره ترتدي ثوبٍ لامع قصير
جدًا يكشف عن الكثير… بقصة شعرٍ عصرية
شبيهة للرجال…تضع زينة تعبر عن مدى حبها
للحرية من منظوم آخر…تضع الاقراط الفضية
في انفها وفمها وقد رسمة وشم أسود على
شكل عقرب على طول ظهرها العاري….
ايتن ؟!!…
وهل ستنساها لم تتفاجئ بوجودها فهي تعلم انها
ستحضر على اية حال..وسليم يعلم لذلك رفض
ان يأتي منذ البداية…..
تقدمت منهما روما بخطوات مائعة ونظراتٍ خبيثة
وايتن خلفها تقف مائلة بميوعة ترتشف من كأس النبيذ وعيناها من أعلى حرف الكأس معلقة على سليم تشع لها نظرات شوق وعتاب…
تلقاها سليم بنظرة جافة وهو يشيح بوجهه عنها
موجه الغضب كله نحو كيان التي ازدردت ريقها
ببوادر ندم بدأت تضفى على وجهها….
رؤية (ايتن) بعد كل ما حدث تضرب رجولته
بمطرقة حادة فكلما صادفها ونظر إليها اكتشف
كم كان مغفل في تلك العلاقة لسنواتٍ….
نسى انه رجلا وقبل بأشياء لا يقبلها الرجال فقط
كي يحافظ على علاقة حكم عليها بالفشل منذ
القاء الأول….
علاقة تختلف عن سجيته وحياته…علاقة انتهت
باعجوبة في آخر لحظة…..
قالت روما بابتسامة زائفة….
“مبسوطه اوي انكم جيتم نورتوا الحفلة…”
قدم لها سليم علبة هدايا صغيرة
وانيقة….
“كل سنة وانتي طيبة ياروما….”
“وانت طيب….مرسي…..”قالتها روما ثم لوحت
الى صديقتها بلؤم….
“ايتن تعالي…”
اقتربت منهم ايتن بخطوات متغنجة وفي يدها
كأس الخمر وكأنها تتحداه أو تحاول استفزازه
بما كان يمقته في السابق….
“هاي ياسليم…..”
اغتصب البسمة ويده مزالت معلقه في يد
زوجته….. “اهلا يا ايتن…..”
لم تلقي التحية الى كيان وكأنها غير مرئيه
رغم انهما يتبادلا النظرات الغير ودودة
الان….
قالت روما بنبرة قميئة…
“اي رأيك في اللوك بتاعها ياسليم يجنن…بقت
احلى من الأول…”
رفعت كيان حاجبها بغضب…بينما قالت
ايتن بزهوٍ…..
“روما….انا طول عمري حلوة….انا حتى عمري ما
عملت تجميل…. ”
تدخلت كيان بالحديث بازدارء ساخر…..
“مش قصدي أقطع كلامك عن جمالك الرباني
بس اللي عملك الفيلر نفخ الشفة اللي فوق اكتر
من اللي تحت…..دا غير البوتوكس مش مظبوط
خالص…انا اعرف دكتورة تجميل شاطرة جدًا
ممكن اديكي عنوانها وهخليها تعملك خصم
تلاتين في المية اي رأيك…..”
احمرّ وجه ايتن بالغضب وجحظت عيناها بالصدمة
وهي ترمق كيان بدهشة..وعقلها يصرخ بكبرياء
كيف تجرؤ……كيف تجرؤ…..
حافظت ايتن على الابتسامة المبتذلة…
“مم بجد…ودي بقا الدكتوره اللي بتبعي معاها..”
شهقة كيان بأسلوب شعبي أصيل جعل ايتن
و روما يبرمن افوههن بقرف…بينما كبح سليم
ضحكته وهو يحك في انفه متنحنح بخشونة
فقالت كيان باسلوب كياد….
“فشر…بعد الشر عني.. انا مش محتاجة انفخ
ولا اشد ولا ابوظ شكلي….. عن نفسي شايفه ان الناس اللي بتغير في خلقت ربنا فاضية اوي من جوا….”
احتقن وجه ايتن بشدة بينما تابعت كيان
بلؤم….
“انا شايفه ان الواحد لو صفى قلبه وضميره…هيبقا
عمل تجميل رباني لروحه وشكله….وهيبقا حلو اوي
في عيون الناس اللي بتحبه…..زي انا وسليم كده..”
وضعت كيان راسها على كتف زوجها بدلال….
مضيفة بأسلوب قميء يليق بغريمتها….
“بس انتي برضو معذورة يا ايتن…حكم السن
بقا يخليكي تتجهي للفيلر والبوتوكس وغيرهم..”
توسعت عينا ايتن بصدمة معقبة بنفسٍ
كارهه…
“حكم السن ؟!… على فكرة انا مش أكبر منك
بكتير ياكيان….”
رفعت كيان راسها قائلة ببراءة..
“ايوا عارفه طبعا….خمستاشر سنة مش كتير أوي..”
جزت ايتن على اسنانها بغضب يضرب كل عصب
داخلها بعذاب…فقالت بعد لحظتين من الصمت
وهي تنظر إليه…
“ممكن نتكلم شوية ياسليم… عيزاك….”
قبل ان يفتح سليم فمه قالت كيان بسطوة…
“هو اي اللي عيزاه ياحبيبتي…انتي شيفاه
واقف مع بنت أخته ؟!!…”
تبرمت ايتن ببرود…
“احنا صحاب قبل اي حاجة….”
هزت كيان راسها قائلة بجمود…
“لا انا مليش في الجو ده…عايزة تقوليه حاجة
قوليها واحنا مع بعض…جوزي حبيبي مش بيخبي
عني حاجة….ومش بيصاحب ستات….”
نظرت اليها ايتن
بقرف….
“اي التخلف ده ؟!!..”
اوقفها سليم بخشونة وهو غير راضي ابدًا عن
ما يحدث هنا…
“قولي اللي عندك يا ايتن….مفيش أسرار بينا..”
لطم كبرياؤها العظيم بالرد الاذع….فالقت عليه نظرة
غاضبة معاتبة ثم ابتعدت دون تعقيب…
فشعرت كيان حينها بفوران في راسها ورغبة
شديدة في الخروج من هذا المكان….
فهي أخطأت حينما اتت الى هنا بدافع المواجهة
لقتل الشكوك والظنون داخلها….
تشنج فك سليم المًا وامتلئ صدره بمشاعر
سوداوية تخصها وحدها…اتكأ على كفها بقوة وهو يقول الى روما بجفاء…
“احنا لازم نمشي ياروما كل سنة وانتي طيبة…”
وقفت روما مكانها بدهشة وهي تراهم ينويا
المغادرة وقبل ان تمنع هذا باي ثمن وجدت
صوتٍ رجولي عرقل طريقهما صوت رجل
أعمال معروف ترافع سليم عن أحد قضاياه
سابقًا….
“سليم الجندي بنفسه هنا….اهلا اهلا….”
استدار له سليم وعندما راه ابتسم
بود….
“اهلا ياعزام بيه….فرصة سعيدة.. ”
تبادل معه السلام بحفاوة…
“انا اسعد برؤيتك… معقول انت معانا في الحفلة…”
اوما سليم براسه مشير على روما
بعيناه بفتور….
“اه اصل روما معرفة قديمة…..”ثم أشار على كيان
بفخر واعتزاز وكأنه يعرف عن قبيلة ينتمي لها
بكل جوارحه…..وهذا أثار في نفسها بشدة فجعلها
ترتجف رجفة خاصة…..
“المحامية كيان… مراتي.. ”
اوما الرجل براسه مرحبًا
بها…..
“اهلا تشرفنا ياهانم…..”
اكتفت كيان بايماءة ترد التحية….بينما قال
سليم….
“وانت اي اخبارك ياعزام بيه…..شغلك تمام بعد
القضية اللي كسبناها.. ”
زفر الرجل بارتياح قائلا باستجداء….
“طبعًا كله تمام بس في حاجة بسيطة كده كنت عايز اتناقش معاك فيها… مسألة قانونية.. وكنت ناوي اعملك زيارة للمكتب بس انت سبقتني…..”
عقد سليم حاجباه معقبًا….
“مينفهش نأجلها…..انت شايف المكان اللي
وقفين فيه….”
أجاب الرجل بنبرة شبه متوسلة….
” مش هاخد من وقتك كتير… هما عشر دقايق…..”
ثم نظر الى كيان معتذرًا…..
“دا بعد اذن المدام….”
اجابت كيان على الفور…
“لا طبعا خده راحتكم….انا معنديش مانع…”
مالى سليم عليها وكانه يقبل خدها مع انه في الحقيقة يهمس لها بتعليمات صارمة….
“خليكي مكانك شوية وراجع…. اوعي تشربي
حاجة ياكيان انا بحذرك….”
زمت كيان شفتيها وقلبها يهفو اليه بعذاب وهي
تراه يغادر امام ابصارها لتكن وحيدة بصحبة
روما وأشخاص من حولها لا ترتاح لهم قط…
تستحق كل هذا بعد ان صممت على الحضور..
قالت روما بتصنع….
“تحبي تيجي معايا اعرفك على الشلة….”
رفضت كيان بهدوء…
“لا شكرًا انا هستنا سليم هنا…”
ابتعدت عنها روما بعد إبتسامة فاترة ثم اقتربت
من احد شباب الحفل وأشارت على كيان سرًا
هامسة الى الشاب في اذنه…..
“بقت لوحدها اهي…. وريني شطارتك….”
التفت الشاب ورمقها بنظرة دنيئة مقيم جمالها الامع كنجمة سينمائيّة تضوي بين الحضور دون مجهود يذكر…
عقب الشاب وقد سال لعابه
عليها….
“حلوة اوي تتكل أكل….”
خبطت روما على كتفه بقوة قائلة
بتحذير….
“أعمل اللي اتفقنا عليه لا أكتر ولا أقل…”
ثم اتجهت الى صديقتها التي استقبلتها بملامح
نارية كشيطان يحتضر….
“عملتي اي ياروما…مع ال********دي.. ”
قالت روما وهي تاخذ رشفة من
الكأس…
“بعت واحد من الشلة…..زي ما تفقنا….”ثم ضحكت
بتشفي مضيفة بلؤم….
“اتفرجي على العرض الجبار وانبسطي….”
“لازم انبسط تستحق اكتر من كده… الزبالة”قالتها
ايتن بغل وهي تتابع ما يحدث من بعيد…
كانت مزالت مكانها نفس الوقفة متسمرة كتمثال تتابع ما يحدث من حولها بعينين نافرتين من هذا
العالم المباح به كل حرام….
كل فتاة هنا تتعلق في عنق شاب بعهر يثير
الاشمئزاز…
الجميع هنا يستعرض ثروة والديه المهولة من ملابس وحلي سواء رجال او نساء.. الخمر كالمياة الغازية في أيديهم….والعري موضة العصر…..
ليتها ما اتت، سليم على حق…..غبية….غبية…
اقترب منها شاب يماثل هذا المجتمع ووقف
امامها قائلا بنظرة وقحة….
“هاي ياحلوة….شكلك وجه جديد معانا….أسمك
إيه….”
انكمش وجه كيان بامتعاض…
“وانت مالك ؟!!…”
رفع الشاب حاجبه بغرور قاصد اخافتها…
“تؤتؤ….كده أزعل بجد…انتي شكلك مش عرفاني..”
عقدت كيان ساعديها امام صدرها محاولة ان تتمالك نفسها ولا تفتعل مشاكل…. “ولا عايزة أعرفك….”
مالى الشاب عليها بعبث وقح…
“بس انا بقا عايز أتعرف….تحبي تاخدي مفتاح اوضتي ولا تديني مفتاحك….”
نظرت اليه كيان بصدمة وقد ارتجف جسدها
برهبة وغضب جراء حديثة….فلوحت بيداها
في وجهه بانفعال….
“احترم نفسك انت اتجننت….انت ازي تقولي كده اصلا…..انت فاكرني إيه….”
تجرأ الشاب وفعل مالم تتوقعه مسك ذراعها
وسحبها معه الى الخارج…..
“ماتهدي كده على نفسك انتي هتعمليلي الطاهرة الشريفة..تعالي معايا وهننبسط سوا.. وهراضيكي
في الآخر… ”
زجرته كيان وهي تحاول سحب ذراعها
منه….
“ابعد عني ياحيوان….وخدني على فين…”
وجدت نفسها تجر بين قبضة حديدية وقوة جسمانية تفوقها قدره تجذبها الى المجهول وعندما وجدت
محاولة الفرار منه تفشل مرة بعد مرة اطلقت
صرخة عالية باسمه تستنجد به ملفته الانظار
كذلك لها…
“سـلــيـم…….سـلـيـم…..الحقنيي….”
في أقل من دقيقة تلقى الشاب لكمة قوية أسفل عيناه واخرى اطاحت فكه فنزع يده عنها فورًا وانبطح ارضًا متاوهًا…
وضعها سليم خلف ظهره وبدأت هي ترتجف بخوف والدموع تجري على وجنتاها بغزارة ملطخه بالكحل الأسود متشبثه في سترة سليم بيدين ترتعشان….
تبادلت ايتن وصديقتها النظرات بضغينة فقد فشلت
الخطة قبل ان تبدأ ؟!!..
انحنى سليم على الشاب ومسك ياقة قميصة
صارخًا بوحشية…..
“مالك ومالها يا*****…..ماسكها كدا ليه…”
أجابه الشاب بنبرة مستفزة وهو يمسح الدماء
التي سالت من فمه…
“ابدًا طلبت مني ابسطها…..وانا مقدرش أقول
للحلوين لا….”
شهق بعض الحاضرين بصدمة… منهم من صدق والاخر استنكر بسبب خوفها الواضح وصرخة الاستغاثة التي اطلقتها منذ دقيقتين….
جاشت مراجل سليم وغلت الدماء في راسه فاندفع
اليه بملامح خطرة مظلمة مهيبة ينوي البطش به حتى الموت…
اتسعت عينا كيان بصدمة وهي تراه كالوحش الثائر
يفتك في الشاب دون ان يلفظ كلمة واحده يضرب بعنف و بوحشية….مغيبًا في تلك اللحظة تحديدًا وكل ما يريده الان سفك دماؤه ثم يحدث ما يحدث
بعدها…..
…………………………………………………………….
ازعجها صوت ضجيج بالخارج فزمت شفتيها وهي تفتح عيناها بصعوبة…
لتضح الرؤية امام ابصارها في نفس الغرفة الانيقة المرتبه بمفردها وكومة من الحزن تحيط بها بقسوة…..
نامت بملابس الخروج التي ارتدتها على عجله
في حمام غرفة الفندق اثناء وقوفه على راسها
عند باب الغرفة بملامح جافية متوعدة لها
بالكثير….
وعند عودتها الى هذه الشقة مجددًا ركضت بسرعة
الصاروخ الى الغرفة واغلقتها عليها بخوف وانتظرت
خلف الباب بانفاس متسارعة ترتجف كأرنب مذعور..
لكنه صدمها بالصمت يليه سماعها أغلق باب غرفةٍ
أخرى بقوة تعبر عن مدى غضبه واستياءه منها…
وقتها شعرت بمخالب حادة تنبش في قلبها وكبرياؤها….فانحنت ارضًا تدفن وجهها بين
ركبتيها بتعب وسالت الدموع على وجنتها
بغيظٍ والم…حينها غفت بعد وصلت بكاء لا
بأس بها…
نهضت عن الفراش بتكاسل وهي تحاول نفض هذا التعب والحزن من على جسدها فقررت ان تاخذ
حمام بارد وترتدي شيءٍ مريح….
جذبت المنشفة والملابس واتجهت الى الباب وضعت
يدها على مقبض الباب وانتظرت قليلا بتوتر حتى حسمت أمرها وهي تاخذ نفسًا مرتجف…
اطالت راسها للخارج أولا كزرافة لطيفة تنظر يمينًا ويسار بتوجس….
وعندما وجدت المكان فارغ ولا يوجد صوتٍ خرجت
بخطوات واسعه بطيئة حريصة وبين يداها كومة ملابسها النظيفة والمنشفة…..
وصلت الى الحمام وهي تلتفت حولها كل ثانية
كالصٍ….ثم دفعت الباب ودخلت واغلقت الباب
خلفها بسرعة…..
وضعت يدها على صدرها بارتياح ثم بدأت تعلق ملابسها وهي تتبرم بغضب مكتوم….
“زمانه لسه مخموض…..ليه عين ينام بعد عمايله السودة….”
شاطت غضبًا مزمجرة….
“المجرم…..هموت واعرف عرف مكاني إزاي…”
“تعالي ليفيني وانا أقولك….”
دوى هذا الصوت كالرعد فوق اذنيها قاتل الصمت
والسلام داخلها..
ارتعدت للخلف برهبة متسعة العينين بهلع وهي تراه عاري مغطى جسده برغاوي الصابون يقف خلف زجاج كبينة الاستحمام…ويمد يده لها بليفة الاستحمام قائلا بغمزة وقحة…
“تعالي ادعكيلي ضهري ياقمراية….”
جحظت عيناها بصدمة ولمعة الدموع بهما وهي تطلق صرخة عالية هاربة من أمامه بسرعة
وهي تصرخ باستحياء ووجهها أحمر كالدماء …
“مش تقول انك هنا…انت مش طبيعي…مش
طبيعي…”
صاح حمزة بوقاحة من خلفها بعد ان خرجت من الحمام ركضًا دون الاستدارة مرة أخرى….
“ماهو الطبيعي اننا بنخبط الاول..مش ندخل شبه
التيران…اديكي شوفتي كل حاجة اهوه….”
اردف حمزة ببراءة….
“كنت عايز اعملهالك مفاجأة….انا مُحرج أوي ياقمراية…. ”
وقفت بجوار الباب المغلق تاخذ انفاسها الهادرة
بصعوبة ثم صاحت عليه بسخط…
“مُحرج ؟!!..هو اللي زيك يعرف يعني اي احراج..
يا قليل الأدب..”
قال حمزة باختصار فطري….
“انتي مكبراها ليه دا انا جوزك يعني…ستر وغطى.. ”
انفعلت وهي تصيح بتهكم….
“يعني إيه جوزي تدخل عليا وانا بستحمى…”
أكد حمزة مكملا….
“و وانتي بتعملي بيبي….”
لوت شفتيها بتقزز معقبة…
“ممكن تبطل قرف وتخلص….عايزة اخذ شاور.. ”
قال حمزة بحفاوة مرحبًا بها….
“طب ما تيجي يابنتي واقفه ليه… الكبينة واسعة
وتساع من الحبايب إتنين….تعالي ونليفو بعض..”
زجرته قمر بضيق….. “بطل اسفاف بقا….”
استنكر حمزة قائلا….
“والله انتي اللي عايز يتسف عليكي…تعالي والماية
شغاله كده….”
صاحت بصوتٍ عالي….
“خلص ياحمزة لو سمحت…”
تافف حمزة بعناد….
“لا عشان نبقى على نور حاجتين مينفعش تستعجليني فيهم الحمى …”
توقف عن الحديث فجأة فرفعت قمر حاجبيها برهبة….
“والحاجة التانية ؟!!….”
بعد لحظة صمت قال
بسماجة…
“نسيت لما ابقى افتكر…..”
“رخم….”قالتها بحنق بالغ وهي تبتعد عن الباب
ودخلت الى غرفتها مجددًا حينها سمعت صوت
رسالة وارده من رقم مجهول….فتحتها بملل
ترمقها بنظرة باردة…..
(مش بيحبك ابعدي عنه واشتري نفسك…)
وقفت للحظات تنظر الى الرسالة بعدم فهم حتى
لوت شفتيها بعد تفكير وهي تقول بتوعد….
“اي الرسالة السخيفة دي….تكونش كيان بتعمل فيا
مقلب…..مين غيرها يعني ؟!!…ماشي لما أشوفك ياعقربة….وحشتني والله…..”
اطلقت تنهيدة حزينة وهي تبتسم باشتياق….
الان فقط بدأت تشتاق للحياة السابقة التي جمعتها
بثلاثتهم سابقًا رغم المشاكل وصراعات إلا انها كانت أفضل من وحدتها الان بدونهم….
حتى حمزة القديم تفتقده بشده….
كل شيءٍ انقلب فجأه امام عيناها وبصورة
مفجعة….موجعه لقلبها…..
………………………………………………….
دلفت الى المطبخ بعد ان اغتسلت وارتدت ثوب
بيتي رقيق من اللون الكحلي مطبع بالورد الأبيض
الصغير….يصل طول الثوب لبعض ركبتاها بقليل
كاشف عن رشاقة قدها المميز بارز مفاتنها المغويه بحياء…..
تطلق شعرها الغجري المندي حرًا طليق خلف
ظهرها يتراقص كالعادة بموجاتٍ جنونية مع كل حركة بسيطه تصدر منها…
وجهها ناصع ومشرق خالي من اي زينة حتى
الكحل الأسود الذي لا يفارق أطار عيناها
تخلت عنه اليوم..
وقفت مكانها تراقب عن قرب ما يفعل فكان يقف
في المطبخ بجاذبية خاصة يرتدي طاقم رياضي
رائع فوقه يضع المريول….
يقطع الخضروات باهتمام وتدقيق شديد وكانه يقوم
بعملية جراحية حساسة….
خصلاتُ الناعمة تسقط على جبهته مهما ابعدها او مشطها للخلف تلقيه خلسة وبعناد صانعة فوضى
جذابة مع عيناه العسلية ذات الامعة الاخذة
بضراوة لا يستهان بها….
ضراوةٍ جذبتها الى القاع في لحظة تغافل منها
فـبقت أسيرة هناك بارادتها !!…
“مش ناويه تساعديني….ولا هتفضلي واقفه كتير..”
شهقت دون صوتٍ وهي تنظر الى ظهره الذي مزال
يوليها إياه….وقد تخضبة وجنتاها مجددًا بحرج
متذكرة هذا الموقف المحرج الذي تعرضت له معه…
“انت بتعمل إيه بظبط….”
سالته بتحفظ دون ان تتحرك خطوة واحده للأمام
اجابها دون النظر إليها….
“بسخن اكل العشا اللي بقاله يومين في التلاجة
بيستغيث مننا…”
رفعت حاجبها مستفسرة….
“امال إيه اللي انت بتقطعه ده….”
التفت إليها يرمقها بنظرة طويلة متفحصه مقيم جمالها المتمرد ذي المحة الشعبية الأصيلة…..
ازدرد حمزة ريقه وهو يشعر بالهزيمة امام اسلحتها الفتاكة والتي تشهرها أمامه دون ان تدرك….
بل ومطلوب منه التعامل بجمود وسخرية مع كل
هذا ؟!!!..
اجاب بلا مبالاة….
“سلطه…. تعالي دوقي وقوليلي رأيك…”
هتفت باستهانه….. “في السلطة ؟!!….”
اوما حمزة براسه بزهوٍ…..
“اه ومالها السلطه…هو اي حد يعرف يعمل سلطه
حلوة ولا إيه….”
عقبت ببرود…. “اه انا بعرف اعمل سلطة….”
لوح بيده مع تعليق لاذع….
“اتنيلي مش لما تعرفي تعملي القهوة الأول…”
للحظة فغرت قمر شفتيها بغضب متسعة
العين ثم قالت بسخط…
“وبتطلبها مني ليه بقا عمال على بطال..”
برم حمزة شفتيه بقنوط….
“مضطر…المضطر بيركب الصعب….”
مطت شفتيها بقرف….. “مضطر ؟!!!…”
اكتفى بايماءة وضحكة مستفزة وهو يفتح الميكرويف مخرج منه طواجن الارز الصغيرة
ومن الفرن صنية الحمام وطاجن الحم بالبصل
ومعها طبق السلطة الطازج الذي اعده…
داهم انفها رائحة الطعام الشهي فشعرت الان بانها
تتضور جوع وانها لم تاكل منذ يومين كاملين
وضع حمزة الطعام على الطاولة الرخامية المستطيلة
بقلب المطبخ في ركن عصري لتناول الطعام…..
ثم جلس على المقعد ومسك المعلقة وبدأ يأكل
دون ان يوجه لها كلمة واحده….
جاشت مراجلها بغيظ وهي تراه يأكل بنهم دون ان يعرها نظرة إهتمام….
تنحنحت قمر بغضب حتى ينتبه لوجودها…لكنه كان
كالاسد الجائع يفترس الحمامة المحشوة المحمرة وياكل بعدها ارز محشو بقطع الدجاج….
جزت على اسنانها ومعدتها تصدر اصوات إغاثة
ليس لها علاقة بكبرياؤها العظيم المنتظر دعوة
على وجبة شهية كتلك….
اشاحت قمر بعيناها بعيدًا عن صورته هو يأكل
فهذا يزيد شعورها بالجوع….ثم قالت
بكبرياء….
“على فكرة انا مش جعانه خالص….”
نظرت اليه بطرف عيناها لتجده يدخل على الحمامة
الثانية بعد ان جعل الأول عبارة عن عظام
متشفيه !!…
عضت على شفتها السفلى بغيظٍ متخيلة نفسها هي
من تأكلها وتملئ معدتها الفارغة بها…
سعل حمزة فجأة بقوة واحمر وجهه ثم مسك سريعًا
كوب الماء وارتجف منه بعد ان اخذ انفاسه…
رمقها اخيرًا بنظرة طويلة متهمة
قائلا…
“انتي بصه ليا في اللقمة ولا إيه ؟!!…”
لوحت بيداها بغيظٍ متبرمة…
“لقمة ؟!!…كل ده ولقمة…..”ارتفع حاجب حمزة
جافلا…فقالت هي بامتناع عظيم….
“انا مش جعانه اصلا….انا مبكلش أكل بايت…”
عقب حمزة بنبرة هازئة…
“من ذوى الأملاك يعني…طب اتشطري يلا
واعمللنا أكل صابح زيه….”
قالت بضيق بالغ يشوبه الحسد…
“واعملك ليه هو لسه في مكان….بعد الحمامتين
اللي ضربتهم….وطاجن الرز.. ”
اتسعت عينا حمزة متمتمًا بخوف….
“الله أكبر في عينك…. مش بقولك بصه ليا في اللقمة….”
برمت قمر شفتيها هامسة بعدة كلمات لم يسمعها جيدًا الى انه اثار غيظها بتسلية قائلا وهو ينظر الى الحصة المتبقية من الطعام…
“عمتًا انا عيني في طاجن الرز بتاعك والحمامتين
التانيين….. تسبيهم وتاخدي حقهم….”
عقبت ببرود ساخر…
“واي هو حقهم ياظريف….”
غمز لها بوقاحة…. “بوستين….اي رأيك….”
كتفت ذراعيها امام صدرها تخفي ضعفها
وخفقات قلبها مزمجرة بتداعٍ..
“حد قالك اني عايزة اتباس….”
قال بعبثٍ جذاب….. “قلبي دليلي…..”
قالت بقنوط….
“وانا مش عايزه حقهم يا أنور وجدي….”
ثم اتجهت الى الطاولة الرخامية وقالت بتمنع..
“مع اني مش جعانه خالص… بس انا هاكلهم
عشان اضايقك بس مش أكتر…..”
التوى ثغر حمزة بضحكة خبيثة….
“عشان تضايقيني ؟!!…طب كُلي يلا عشان اضايق..”
جلست مكانها وبدأت تنظر للطعام بتردد وكانها
لأول مرة تأكل معه وتشعر بالحرج من صحبته…
نظرت اليه وسألته ببراءة
الأطفال…
“هو انت هتفضل قاعد كده…”
هز راسه وهو يرمقها بابتسامة
سفاح… “عندك مانع ؟!!….”
مما جعلها تزم شفتيها بضيق من هذا المتسلط المخيف..
ثم مسكت المعلقة وأول شيءٍ وضعت يدها به
كان طبق السلطة الطازج الذي لم يمسسه بعد…
بدأت تمضغه وهي تشعر بانه افضل طبق سلطة
تذوقته في حياتها ربما هي تبالغ او انه الحب
الذي يدفعها للشعور بهذا….
“انا هقوم اغسل ايدي واجيب علبة السجاير
من الأوضة…”
قالها حمزة وهو ينهض من مكانه بهدوء تارك لها مساحة خاصة….
وعندما اختفى عن مرمى عيناها نظرت للطعام
بجوع ومسكت الحمامة المحشوة وبدأت تفترسها مثله متنهدة بتلذذ بعدها وهي تملئ معدتها الفارغة اخيرًا بوجبة دسمة وشهية….
وقف حمزة على عتبت الباب يراقبها بابتسامة
شقية….ثم بعد دقيقتين من المراقبة صاح
يفجعها قائلا….
“واضح انك مش جعانه فعلا وبتاكلي عشان تضايقيني….لا ومش بتاكلي أكل بايت.. ”
توقفت قمر مكانها متسعة العينين بصدمة وحرج وبين يداها الحمامة المحشوة وخدها من الجهتين ممتلئ بكرتين من الطعام وشفتاها تلمع من آثار
الأكل…..
“زي ما انتي هاخد صورة للذكرى…”
قالها وهو يخرج هاتفه والتقط صورة لها على هذا
الوضع….
اربد وجه قمر بالغيظ وهي تراه ينسحب بعيدًا عنها
ضاحكًا باستفزاز….
يبدو ان الأيام القادمة بصحبة هذا المستفز المتسلط ستكون الاسوء على الإطلاق….
…………………………………………………….
وضعت صنية عليها قدح من القهوة وكوب ماء
امامه بوجهًا مكفهر قائلة بحنق…..
“القهوة…”
“تسلم الايادي ياقمراية…. تعالي قعدي…”
جلست بجواره على الاريكة تشاهد التلفاز مثله
وقد انتبهت للتو الى المشهد الساخن الذي يحضره
من فيلم اجنبي رمقته بطرف عيناها قائلة بقرف…
“ممكن تقلب حاجة عدله وتبطل قلة آدب…. انت مالك النهاردة بظبط….في إيه….”
برم شفتيه يلمح بحسرة….
“ابدًا عريس جديد ولسه مدخلتش دنيا لحد دلوقتي….”
قالت بترفع…..
“ولا هتدخل ياحبيبي….أنسى….”
نظر لها حمزة بوعيد خطر….
“بلاش تحزقي اوي كده… عشان انا لو عايز مش هتمنعيني…. انا سايبك بمزاجي ها… فبلاش جو
الاستفزاز ده عشان ميجيش على دماغك….”
لوت قمر شفتيها مكتفة ساعديها بتذمر….
فبدأ يقلب حمزة القنوات من خلال جهاز التحكم فوقف عند فيلم مذاع….وعقب عليه بمراوغة
وقحة…
“الله أموت في هيفا وهبي… تعرفي انها فتاة
احلامي من وانا صغير…تعرفي اي اكتر حاجة
بتشدني ليها..”
أوغر صدرها بنيران الغيرة ولم تعطي حديثه إهتمام
يذكر……
تابع حمزة وعيناه معلقه على شاشة
التلفاز….
“ضحكتها…..بذات لما تبقا بزاوية….”
“استغفر الله العظيم…. ممكن تتلم…”قالتها قمر
وهي تضغط على شفتيها بغيظٍ…..
استأنف حمزة ببراءة….
“انتي دماغك بتحدف شمال ليه قصدي على
زاوية الصورة….”
رمقته بطرف عيناها مستنكرة….فقال حمزة
بغمزة لعوبة….
“ماتقومي كده تاخدي زاوية خليني اتأكد من
أحلام الطفولة البريئة !!..”
لمعة عينا قمر بالغضب السائد واشارت على كوب
الماء القابع بجوار القهوة….
“عارف كوباية الماية دي هحميك بيها… لو ملمتش
لسانك وبطلت قلة آدب…انت اي اللي حصلك
بظبط مكنتش كده… كنت محترم عن كده…”
اكتفى حمزة بابتسامة شقية وهو يرفع فنجان
القهوة الى فمه ويرتشف القليل بتلذذ….
بينما التزمت قمر الصمت وهي تشعر بثقل شديد
فوق صدرها ووجع حاد في قلبها….
احلامها تحققت الان أصبحت زوجته يتشاركا
الطعام والجلسة والحديث لكن هناك شيءٍ
مات داخلها اطفأ فرحة قلبها..والحب به
تعكر صفوه…..
حتى هي أصبحت معه أمرأه بائسة حزينة تشعر
بالاهانة لكونها زوجة لها ؟!!..
عن اي أحلام وردية سعيدة تمنت ؟!!…
ليس هناك شيءٍ سهلا في الحياة حتى الأمنيات
التي تتحقق بسرعة البرق تهبط بنفس السرعة
مسببه دمار غير قابل للأصلاح !!…
قطع حمزة ضجيج افكارها بسؤال هادئ
صلب….
“اي اللي خلاكي تسيبي البيت وتمشي…”
دون النظر اليه اجابت بجمود….
“الغريبة انك عارف السبب… ولسه بتسأل…”
أردف حمزة بنبرة قاتمة…
“مهم كان السبب ميدكيش الحق انك تطلعيني
*******….. قدم نفسي والناس….”
اغتاظت من اللفظ البذيء الذي استعمل
إياه في الحوار لأنها لم تقصد هذا ابدًا….
ومع ذلك قالت بثبات انفعالي….
“انا لسه مصممة على الطلاق ياحمزة… ومفيش
قوى في الدنيا هتخليني اغير رايي….”
فتح حمزة فمه يحدق بها ببلاهه ثم عقب
بتجهم….
“ماشاءالله لسه الجنان ركبك يعني…طب وليه
قعده معايا لحد دلوقتي….”
قالت قمر بتمرد….
“انت اللي اجبرتني….ورجعتني هنا تاني بعد ما
كنت سيبالك الجمل بما حمل…. ”
هز راسه عدة مرات بعصبية سائلا
بنفاذ صبر…
“وده ملفتش نظرك لحاجة….”
فطنة بالامر فقالت….
“لفت نظري طبعًا انك عملت دا كله عشان تاخد امضتي على التنازل….”
“بجد….دماغك ابوسها…”مالى على راسها يقبلها
بعصبية فنزعت راسها عنه بضيق…
بينما قال هو بملامح قاربت على الانفجار
منها..
” اي النباهه والذكاء دا كله….انتي وقعتي عليها وانتي صغيرة ؟!! يخربيت دماغك رهيبة في التفكير… انا قربت اقطع شرايين منك….”
صاحت قمر بغيظٍ…..”انا مبهزرش….”
هدر هو في وجهها بصوتٍ جهوري بعد ان زال
قشرة السخرية والمزاح عنه…
“ولا انا بهزر…. اسمعي يابت…طلاق منك مانا
مطلق في حاجة تانية….”
رقصت قمر حاجبيها بتحدي….
“لا يابابا شغل العواء ده ميكلش معايا… وبعدين
انت عرفت مكاني منين عرفته منين…”
قال حمزة بغرور يليق به….
“مفيش حاجه تعدي عليا… انتي مستقليه بيا
ولا إيه….”
ثم انتبه الى السلسال الفضي المعلق في عنقها
يتدلى بين الترقوتان البارزتين بجمالًا يرتاح
القمر الأبيض المنير عند ثغرة النحر….
مد يده فجأة فخفق قلب قمر وهي ترى يده متجهة الى نهديها بلعت ريقها بذعر….فمسك هو القمر
الامع معقب بازدراء….
“وبعدين اللي بايع ده مش بيرمي كل حاجة ورا
ضهره….محتفظة بالسلسلة بتاعتي ليه…”
ظهر الارتباك على صوتها وهي تقول….
“انت مالك… وبعدين مبقتش بتاعتك انت جبتهالي
هدية وانا خدتها….يعني ملكش أصلا تعلق عليها..”
ترك حمزة القمر يرتاح في موطنة عند ثغر نحرها
ثم شردت أصابعه ملامس الترقوتان المنحوتان بتفاصيل مبهرة افتتن بها..
بدا يلمسهما باعجاب…ليست فقط جميلة بلمحة شعبية تروقه وجسدٍ يافع الأنوثة والطول…
بل ان شعرها الغجري ايضًا يثير اعجابه
معجب هو باصابعها لأنثوية الطويلة الشبيهة
بالجنية الساحرة…معجب بترقوة البارزة بدلال
تدعوه للقبل….
يعشق بُنيتاها الامعة كقهوة صباحية تهون عناء
الحياة فيكن المرء متصالح مع نفسه بقربها…
رموشها الكثية حول بُنيتاها سهام حادة تلقيها
عليه دون ان تدرك….ام شفتيها فهذا نهر العسل
سيرتوي يومًا منها ويعرف معنى رحيق الحياة
من خلالها……
عقب حمزة بعينين شغوفتين معجبتين بتفاصيلًا
أنثوية لم يجد لها منافسة….
“جسمك في تفاصيل مجنناني….وكانك أميرة هربانه من عالم ديزني… ”
ارتجف قلبها بين اضلعها بتأثر…فنزعت
يده عنها مدعيه الازعاج….
“أبعد إيدك عني….انت تعرف عالم ديزني ؟!!. ”
اجاب بفتور مبتسمًا…..
“اي واحد عنده أخوات بنات زي حالاتي يعرفهم..”
رفعت شفتها العلوية بتبرم ساخر…فمالى حمزة
عليها براسه قائلا….
“اسمعي انا عجباني اوي العبه اللي انتي بتلعبيها…
ومعنديش مشكلة خالص نلعب لعبة القطة والفار انتي عارفه اني بحب اللعبة دي معاكي انتي بذات..
فخليني معاكي للآخر….”
دفعته في صدره فاعتدل في جلسته بينما
قالت هي بصوتٍ محتدم….
“انا مش بلعب ياحمزة… ولا الموضوع يقبل هزار
واستخفاف بمشاعري… انا مصممة على الطلاق
لو سمحت طلقني وانا والله هتنازل عن كل
حاجة في سبيل حريتي…”
قال حمزة بصلابة….
“وانا ممكن اتنازل عن كل حاجه برضو في سبيل
انك تفضلي معايا….”
ابتسمت بمرارة…. “كدبة جديدة مش كده…”
مسك حمزة ذراعها بغضب وادارها
إليه…
“انتي متأكده انها الحقيقة….حتى اسألي قلبك
لو بيحبني بجد هيعرف اني صادق في كل حاجة
قولتهالك….”
تبادلا النظرات لبرهة بعذاب الحب حتى قال
حمزة مبررًا امام وجهها الجميل الحزين….
“انا استغليت الفرصة ووافقت اتجوزك… بس
عشان احميكي منهم واعرف اخد حقي وحق
أخواتي البنات…”
سالت دمعتين على وجنتيها وهي تساله
بوهن مرير….
“هو ده بس السبب ؟!!….”
قال بخشونة محتده…
“السبب الاول والاهم انتي عرفاه كويس….”
“حبي ليك مش كده ؟!!…”قالتها بنبرة ميته
مضيفة بعذاب….
“قولت تحن عليا وتتجوزني اهو تكسب فيا ثواب….تجوز واحده هتموت عليك…وفي نفس الوقت تأخد ورثك من أبوك قصاد امضى بسيطه منها… ماهي عمرها ما هتعترض ماهي هبلة بقا
وحبها ليك عميها….مش كده… ”
قست ملامحه ونظراته فاجابها….
“والله مش عارف لو انتي شايفه كده يبقا تمام..”
صاحت بحرقة…
“مش دا الرد اللي مستنياه منك…”
زم حمزة شفتيه قائلا بجمود….
“وانا مش هرد على الهبل ده…عشان انتي عارفه كويس اني مش بفكر كده….بس حلوة هتموت
عليك دي…عجبتني… ”
قالت قمر بشراسة…
“بس وجعتني…. واكدتلي اني غبية…”
سالها بعتاب…. “دا عشان حبتيني ؟!!…”
اكدت بقسوة قاصدة ايلامه…
“عشان حبيتك ووثقت فيك…انت متستهلش مشاعري ياحمزة….”
نهضت من مكانها تنوي الاختباء بغرفتها فلحق حمزة
بها بسرعة ومسك ذراعها يديرها إليه وهو يسألها بحدة والغيرة متقدة في عيناه الضارية….
“امال مين اللي يستاهلها ؟!!…”
قالت بقسوة تعنفه….
“اي حد غيرك…..اللي زيك ميهموش حاجة غير
الفلوس….الفلوس وبس….”
نظرت اليه بغضب بعد جملتها المهينة فرأت في عيناه شيءٍ يصرخ بوجع يأبى الافصاح عنه..
قال حمزة بغصة الوجع….
“دي حقيقيه الفلوس بتفرق مع اللي زيي…اللي اتحرمه منها…انتي متعرفيش انا عشت إزاي
زمان ورغم حبك ليا عمرك ما هتحسي بوجعي..”
رمشت قمر بعيناها عدة مرات بصدمة وكانها تلقت
الإهانة أضعاف بجملة مهذبة….
فاسترسل حمزة بصوتٍ أجوف….
“انا فعلا مستهلش حبك ولا مشاعرك…وانتي حد
كتير او عليا…بس انا برضو مش هطلقك…سميها
بقا انانية تناحه او افترى..سميها زي ما تسميها
الحاجة الوحيدة اللي هتبعدني عنك الموت..
الموت يا بنت عمتي….”
نزع يده عنها ودلف الى الغرفة وتركها واقفه
مكانها تنظر للفراغ بعينين مليئتين بالدموع
ووجهًا ممتقع حزنًا ، والالم ينخر في رحم
الفؤاد بعذاب…
ولم تلبث الدقائق إلا وخرج من الغرفة مرتدي
طاقم خروح وبين يده الهاتف وسلسلة المفاتيح
قال دون النظر اليها…
“انا خارج شوية….ساعة وراجع…”
وامام عيناها الغائرتين أغلق باب الشقة عليها بالمفتاح خوفًا من ان تهرب مرة أخرى…
اخرجت شهقة بكاء مكتومة تليها وصلة بكاء
حادة لساعات طويلة…
…………………………………………………………….
نزلت الدموع من مقلتاه بعجز محاول التفكير
في طريقة لكسب المال…
فالنقود الذي يحصل عليها في نهاية اليوم أقل
مما يحتاج….وهو يحتاج للاكثر ولا يعرف ماذا
سيفعل عندما يعود الى شقيقتيه وامه
المريضة….
مسح وجهه وهو يخرج زفرة متعبة…
فالبيت خالٍ من الطعام وامه تحتاج الى علاج وهو
غير قادر على الرجوع اليهم بهذا المبلغ الزهيد الذي
لن يكفي ثمن الخبز الحاف ؟!…..
(مالك ياميزو….شايل طاجن ستك كدا ليه…هو
المعلم شفيق مقبضكش ولا إيه…)
قالها صديقة المقرب وهو ينظر اليه وكان حمزة
حينذاك في عمر السادسة عشر….اجابه متافف بعجز…
(اداني خمسة جني أروح بيها…وقالي هقبضك اليوميات كلها على اخر الأسبوع …وانا كنت
محتاج اليومية دي أوي النهاردة…..)
ساله صديقة…..(وليه يعني….)
ضاق صدر حمزة بالهموم…
(نوع من الدوا اللي امي بتاخده خلص…دا غير ان
البيت مفهوش أكل…..)
هتف صديقة بذهول….
(وفين ابوك وسط كل ده…دا انا اسمع انه راجل
متريش….ازاي سيبكم كده…)
اظلمت عينا حمزة وهو يقول بنبرة تقطر
كرهٍ…..
(مانا حكيلك ياحودة كل حاجة اي اللي هيخليني
اشتغل صبي مع نجار مسلح إلا لو كنت بكح تراب
ومفيش غيرها قدامي….)
ساله صديقة بشك…
(وابوك ميعرفش انكم محتاجين فلوس…)
بلع حمزة غصة الغضب كشفرةٍ حادة
تجرح الحلق….
(انا مشفتوش بقالي شهرين… شهرين بحالهم معرفش
عنه حاجة ولا بيبعت لنا حاجة دا غير اني مقدرش
استلف فلوس تاني من الجيران….انا مسددتش
القديم…..)
هرش صديقة في شعره بحرج….
(انا كان نفسي اساعدك وقولك خد… بس انت عارف
الكيف بيزل صاحبه… وانا اللي معايا اشتريت بيه
مزاجي….)
استجدى حمزة به بنظرة متوسلة…
(مفيش اي طريقة اجيب بيها فلوس النهاردة.. المهم
متكونش شمال….)
نظر حودة اليه قليلًا ثم قال بعد تفكير…
(واضح ان ربنا بيحبك… النهاردة عندنا ملاكمة
في شارع اسمه****….)
انعقد حاجب حمزة بعدم فهم…
(مش فاهم وده اي دخله بالفلوس اللي انا عايزها…)
أوضح صديقة الأمر بدهاء…..
(أفهم لعبة الملاكمة دي بيدخلوها اتنين بيلعبوا قصاد بعض وبنلم رهان على اللعبة واللي بيكسب بياخد
جزء من الفلوس مبلغ حلو مش بطال أكيد هيفك
زنقتك…. اي رايك ؟!!..)
زجرة حمزة بتجهم….
(رايي في إيه….انت عايزني أروح أضرب
واضحك الناس عليا…)
لكزه صديقه في كتفه قائلًا…
(وليه التشاؤم ده ياغشيم… ماممكن انت اللي
تكسب وتاخد الفلوس كمان….)
ابتسم حمزة بعصبية هازئًا…
(يسلام طب افرض اللي هلعب قصادة جته عني.. هعمل اي ساعتها….)
وقف صديقه ينوي المغادرة لكن قبل ان يرحل
أخبره بخشونة…..
(بقولك إيه خدها حكمة مني الحياة عبارة عن لعبه
حلوة يا غالب يامغلوب….يتبقا جوا العبة يابراها
محدش غاصب عليك….)
ابتعد عنه صديقة متجه الى الدراجة النارية
الحديثة الذي يمتلكها فلحق حمزة به دون تفكير
يتمسك بأخر قشة أمامه…..
(بالعكس انا مغصوب ومضطر كمان…. انا هاجي
معاك ويا صابت ياخابت….العمر واحد والرب
واحد….يلا بينا…)
اتجهت شهد ذات الرابعة عشر الى اخيها بفرحة تستقبل عودته ليلًا عند باب الشقة….
(حمزة انت رجعت….اي دا كله انت قبضت…)
أخذت منه الاكياس الكثيرة الذي احضرها معه ووضعتها على الطاولة التي بجوار الباب ثم رفعت عيناها عليه فلم تلبث الا وشهقة سائلة بصدمة
تمتزج مع الخوف عليه….
فكان وجهه مليئ بالكدمات من كل إتجاه بالوان مريعة غريبة ارجوانية و زرقاء والتورم واضح على صدغه واسفل عيناه اليسرى…..
سالته شهد وهي تحاول
لمسه….
(ايه اللي في وشك ده….)
ابتعد عن مرمى يدها وهو يخطو الى الداخل
بصعوبة….
(حاجة بسيطة…خدي العلاج اللي ماما كانت
عيزاه…..)
اشار على كيس العلاج الذي وضعته شهد جانبًا
مع اكياس الطعام… لحقت به شهد بتساؤل
وهي تضع يدها على كتفه بتلقائية حتى
يتوقف…
(استنى…. فهمني اي اللي في وشك ده….)
تأوه حمزة فجأة من كتفه من مجرد
لمسة بسيطه منها….
(اه جسمي ياشهد متلمسنيش….)
رجعت للخلف بخوف بتحفظ….(مالك طيب…)
اخبرها بسخرية….(دخلت في تريلا…..)
ضربت على صدرها بذعر….(ياساتر يا رب….)
ابتسم حمزة بظفر قائلًا….
(متتخضيش اوي كده….مانا كسبت في الآخر رغم
ان ايده كانت شبه المرزبة….)
قالت شهد بحيرة…..(انا بجد مش فاهمة حاجة….)
أبتعد عنها حمزة قائلا بصعوبة وهو يكتم
اهات الوجع…..
(هدخل اخد دش افوق كده… وهحكيلك انا
عملت اي النهاردة…..)
……………………………………
دلف الى تلك الساحة الكبيرة شبه مستنقع
معزول عن العالم يقام به ملاكمة قتالية لأجل
متعة المشاهدين فالجميع هنا يشجع اللعبه العنيفة التي ربما تصل للموت داخلها بلا حول لك ولا قوة..
تذكر أول يوم دخل الى هذا المكان في عمر السادسة عشر كان يحتاج فقط لبعض النقود وحصل عليها وبعدها أحب الملاكمة والعنف ليس فقط لأجل المال
بل لانه وجد منفذ الى غضبه…
فبعد قسوة والده عليه وضغط الحياة أصبح
هذا المستنقع ملجأ مؤقت له…..
تذكر ايضًا انه شرب الممنوعات هنا جرب الكثير
منها تعرف على أشخاص سيئة وأصبح صديقهم المفضل…كان ايضًا إمبرطور مستنقع القتال
لسنوات عديدة بعد الفوز امام اللاعبين
الاقوى منه والاكبر….
“الامبراطور بنفسه هنا…اي ياباشا وحشتك
ايام الشقاوة….”
قالها صديقة القديم والذي كان سبب في معرفته
لهذا المكان….
سلم عليه حمزة بحرارة فقد قطع التواصل
معه لسنوات عديدة هو وجميع من تعرف
عليهم في هذا المستنقع….
“انت اللي وحشني عامل اي ياحودة…اي
اخبار الدنيا هنا….”
نظر حودة حوله والى الجمع القليل هنا…
“زي مانت شايف الحال مريح…مبقتش في
حاجة زي الأول….انت محتاج فلوس ولا إيه.. ”
ضحك حمزة قائلا بنفي….
“لا أطمن الحمدلله مستورة….انا جاي العب
وبس والفلوس حلال عليك لو كسبت… ”
اوما صديقة براسه مبتسمًا وهو يصافحه بخشونة…
بعد قليل…
وقف في ساحة المستنقع القتالي ومن حوله البشر
يصيح وامامه ملاكم ذي بنية قوية يفوق جسده
الضعف…
كانا كلاهما يرتديا ملابس الملاكمة و قفازات خاصة غليظة في يداهم…..
بدا يتلاكمُ الملاكمان امام بعضهما محافظين على قواعد اللعبة وجولاتها…..بينما الصياحات الرجولية العنيفة من حولهم تكاد تصم اذنيهم……
اظلمت ملامح حمزة بعينين متجهمتين ساخرتين وحديثها يتردد في اذنيه اثناء اللعبة كصاعقة
الرعد..
(فاشل وكداب ونصاب وحرامي…ومتفرقش حاجة
عن عثمان الدسوقي نفس العينة….)
(انت متستهلش مشاعري ياحمزة….)
سدد حمزة فجأة لكمات أشد قوة من السابقة
مما جعل الملاكم المنافس يرتد للخلف بدهشة
ممزوجة بالغضب…..
فالتوى ثغر حمزة بعدائية قاتمة…..
جعلت الملاكم يجز على اسنانه بغيظ وهو يندفع نحو حمزة بهجوم أكبر ، مسدد لكمتين قويتان
في صدغه….
فمالى وجه حمزة فورًا للجهة الأخرى وسالت
الدماء من فمه ارضًا….
فبصق حمزة الدماء ومسح فمه بظهر يده وهو يرفع راسه بعينين ضاريتين الى الملاكم بعداء ، وقد فارة الدماء في عروقه وامتلئ صدره بمشاعر سوداء عنيفة….
جعلته يندفع نحو الملاكم بجنون..مهاجمًا إياه بضراوة عنيفة وبدا يلكمه بقوة وصوتها القاسٍ الحزين يتردد في اذانه بعذاب…
(دي مش دراما يابن خالي..دا وجعي..انت كسرت
قلبي وكسرت ثقتي فيك…انت خليت اسعد يوم في حياتي هو أبشع يوم في عمري….ربنا ما يسامحك على اللي عملته فيا…..)
انبطح الملاكم ارضًا بعد الضربة القاضية الذي
سددها حمزة له….فانهزم واقعًا ارضًا اسفل قدمه
بينما صاح الجميع بحرارة وتشجيع إليه….وكأن
الزمن عاد للخلف……لكن هو لم يعد كعهده…لن
يعود ابدًا !!….
………………………………………………………….
كانت تجلس امام مرآة الزينة تمشط شعرها بعينين
شاردتين في عالم آخر…..
عالم براق يمتلئ بالبلونات الطائرة ودمى الفراء الناعمة بالرائحة العطرة ، عالم جميل بطلة هذا العالم الخيالي طفلتها الصغيرة التي تزداد لهفة لرؤيتها يومًا بعد يوم…
حانت نظرة منها على جانب المرآة التي تعكس صورة
عاصم الجالس على الفراش خلفها مشغول في دفتر الرسم يرسم أحد التصاميم لأحد عميلاتُ اللواتي يثقون في ذوقه الرفيع ويفضلوا اختياراتُ المنمقة لهن في الحلي ؟!…
زمت شفتيها بغيرة وحنق فمنذ ساعتين وهو يجلس
هكذا دون ان يتفوه بكلمة واحده.. مرتدي قناع الصمت وعيناه لا تبصران شيءٍ من حوله عدا
الدفتر والقلم امامه…..
“شكلك زهقتي….”
غافلها بشدة بسؤاله الهادئ وهو يرفع عيناه بمنتهى
الهدوء الى عسليتاها مباشرةً عبر المرآة…..
قالت شهد بدهشة….
“افتكرتك مش واخد بالك مني…ومشغول في الرسمة..”
أسرها بعيناه النافذة بحب العالم….
“دي تيجي برضو…تبقي معايا في المكان
وانشغل عنك…”
ابتسمت وهي تمشط شعرها بالفرشاة…..مدعية الانشغال وقلبها يقرع بشوقًا اليه….قالت بمناغشة
جميلة…..
“على فكره انت كلمنجي أوي…..”
ضحك عاصم بعينين ذاهلتين…. “انا إيه ؟!!…”
ازدادت ابتسامتها نغش….
“كلمنجي يعني شاطر في الكلام….”
داعبها بنظرة وقحة معلق….
“والافعال كمان….ولا الذاكرة عندك بعافية…”
قالت بصوتٍ رقيق….
“انا قصدي انك بقالك ساعتين موجهتش ليا كلمة
واحده يبقا ازاي منشغلتش عني….”
تحدث عاصم وهو ينقل عيناه بينها وبين
الرسمة….
“متكلمتش عشان شغال…بس دا ميمنعش اني
كنت مركز معاكي….من أول ماخرجتي من الحمام
بالبرنص لحد ما كنتي بتكلمي نفسك وبتنادي
على بنطلون البجامة في الدريسنج..”
فغرت شفتيها مشدوهة وهي تستدير اليه
براسها…
“ياخبر….هو انا كان صوتي عالي اوي كده….”
أكد عاصم وعيناه تجوبان ملامحها الملكية
بتأني وعشق…
“هو انتي متعوده لما الحاجة تضيع منك تنادي عليها…..”
قالت شهد بحرج وهي تخطو بالقرب
منه….
“بلاش البصة دي ياعاصم اكيد انا مش مجنونة
الفكرة كلها اني مقتنعه اني لما بنادي على الحاجة
اللي ضايعه مني بتظهر…”
جلست بالقرب منه تساله
بمرح….
“قولي بقا بترسم إيه….”
اعطاها الدفتر قائلًا بهدوء…
“كوليه مرصع بالالماظ….اي رأيك.. لسه مكملش.. ”
نظرت للرسمة التي قاربت على الانتهاء تفاصيلها
رائعة مبهرة تؤكد مدى احترافه وابداعه في عمله
وبعد لحظة تأني قالت شهد مشيرة الى عدة
خطوط برسمة…..
“حلو اوي…بس عارف ممكن تخليها سنبل اكتر
من كده..وتمسح ده…. ”
سالها عاصم…..
“انتي شايفه كده….”
حركت كتفها قائلة برقة….
“مجرد اقتراح وطبعًا انت فاهم في شغلك أكتر..”
نظر عاصم للرسمة قليلا ثم عاد الى عسليتاها الامعتان بالحب….وقال بجدية….
“خليني اكمله زي مانا عايز لان ذوق الزبونه يختلف
عن ذوقك ياست الحُسن…. بس وعد مني هعملك
حاجة قريبة منه وسنبل برضو… وهتبقى هديتك
بعد ما تولدي وتقومي بالسلامة انتي وشهد الصغيرة….”
عند ذكرى الصغيرة تنهدت شهد قائلة بلهفة
الأم….
“ياه ياعاصم….انا مستنية الكام شهر دول يجروا
عشان أولد واشلها بين ايدي….”
ترك عاصم الدفتر جانبًا وبدا يستمع لها بكل جوارحه بعينين تفيضان عشقًا…..فهو نادرٍ ما يراها متوهجة الروح بهذا الشكل المبهج….
بينما قالت شهد بحرارة…..
“تعرف اني بدأت أتخيل الأيام الجاية معاها…بتخيل
صوت عياطها لهفتها عليا أول ما اشلها….لعبها
وجريها هنا..متخيله انها أول ما تنطق هتقول بابا ساعتها هضايق اوي… بس لم أشوف فرحتك انك
أول حد تنادي عليه هفرح معاك….”
سالها عاصم بمناكفة…. “هتغيري عليا منها….”
هزت شهد راسها مستنكرة الأمر….
“لا طبعًا مش لدرجادي…..بس انا واثقة انها هتقع
في حبك أول ما تشوفك….”
تأملها بعيناه ولسانه يسالها
بهدوء….
“وليه واثقه اوي كده ؟!!….”
ابتسمت شهد بحلاوة قائلة….
“فيك حاجة غريبة بتشد اي واحده ليك…يمكن كلامك الحلو حنيتك…نظرت عنيك….”
بادلها عاصم البسمة بعمق صريح….
مجيبًا….
“الحاجات دي كلها بتبقى معاكي انتي بس….”
انتفض قلبها بتوله جراء تعبيره الصريح اليها
ورغم هذا ادعت عدم التأثر معقبة بسؤال
لئيم…..
“معنى كلامك انك بتكلم زباينك باسلوب وحش..”
برزت اسنان عاصم في ضحكة قانطة بينما زمت
شهد شفتيها بغيرة منتظرة…..
فمسك عاصم كفها الصغير ثم أعترف لها وهو
يأسر عيناها…..
“السوق علمني إزاي اتكلم مع الزباين…بس قلبي هو اللي عملني إزاي أكون معاكي..في فرق كبير بين الاتنين ياشـهـد اختلاف السما والأرض….”
اسبلت اهدابها بقلبٍ يقرع بشدة بين اضلعها
وبعد لحظة صمت قالت بخفوت….
“صعب أغلبك بالكلام…..انا بحاول بس مش عارفة
أعبر زيك…..”
بللت شهد شفتيها ثم قالت وهي ترفع عينيها الى
عينيه المستقبلتين لهما بترحابٍ….
“بيقوله ان مشاعر الست فياضه عن الراجل…بس في علاقتنا الآيه مقلوبة….ودا اللي مخليني متاكده انك
هتزهق مني في يوم من الايام….”
انعقد حاجبيه قليلا ناظرًا اليها بدهشة ثم
قال بخفوت أجش….
“انتي شايفه كده ؟!! انا بقا شايف ان لمعة عينك معايا غير… ابتسامتك ليا نبرة صوتك في كلامنا
نبض قلبك وانتي في حضني.. كلامك عن بنتنا…خططك للسنين الجاية معايا كلها حاجات
بتأكد اني عمري ما هزهق او مل منك….”
ترقرقت الدموع في عسليتاها اثناء كلامه ثم سالت دمعتين على وجنتيها بانسيابية حزينة…
وقلبها بين ضلوعها ولهان ملتاع في الحب يطالب بالتحرر من سياج الكتمان التي أُحيط به من قِبل عقلها العنيد…..
احاط عاصم وجهها بيده يمسح باصابعه دمعتها
سائلا بحاجب معقود بقلق….
“ليه الدموع دي…..دي هرمونات الحمل صح…”
هزت راسها وهي تقول بصعوبة….
“انا قلبي بقا في ورطه كبيرة معاك ياعاصم….”
ازداد انعقاد حاجبيه بقلق أكبر مستفسرًا….
“ورطة؟!!… مش فاهم تقصدي إيه ياشـهـد.. ”
سحبت نفسًا مرتجف وهي تنظر الى عمق عيناه
المظلمة المنتظرة بلهفة……فقالت بخفوت….
“انا بـحـبـكـ…..”
انتفض قلبه نفضة قوية وبملامح غير
مقروءة سألها…..”متاكدة ؟!!….”
قطبة شهد جبينها بملامح عابسة…..
“بذمتك دا سؤال يتقال….دا انا حامل في
بنتك حتى….”
لوى ثغره هاكمًا….
“كويس انك واخده بالك….”
“قربي…..”اشار لها بأمر بان تقترب اكثر منه
ففعلت وهي تجلس أمامه مباشرة على الفراش
الذي كان في تلك اللحظة تحديدًا اشبه بالبساط
السحري……
“اعترفي من الأول….”
ابتسمت برقة وقالت بصوتٍ عذبٍ
حلوٍ…… “بـحـبكـ……”
هز راسه بملامح غليظة وهو يمسك ذراعيها بقوة مقربها اليه بانفعال عاطفي….
“مش سامع كويس….قربي كمان….واعترفي….”
قالت شهد وهي امام وجهه المتلهف ، لا يفصل
بينهما سوى شعره واحده…..
“والله بحبكـ أوي ياعاصم…..”
سالها وهي يتكأ على ذراعيها
بخفة….”وليه سمتيها ورطة……”
قالت بارتجاف…… “عشان لسه خايفة….”
حررها من بين يداه سائلا
بعتاب….
“خايفة مني ؟!!….”
هزت راسها بنفي وهي مأسورة العينين به….
“من الحب…..خايفة اتعلق بيك أوي فلاقي
نفسي فجأه واقعه على جدور رقبتي…..”
“تتعلقي بيا ؟!!….هاتي ايدك…..”مسك كف يدها ووضعه عند موضع قلبه قائلا وهو ينظر الى
عيناها الامعة بالدموع….
“سامعه…انتي خليتي قلب المعلم يدوب من كلمة
واحده….ويبقا ملهوف يسمعها تاني وتالت وعاشر.. وتقوليلي ورطة وخايفه اتعلق بيك… مين فين اللي متعلق ومتورط في حب التاني ياشـهـد….”
قالت بحياء….. “يمكن احنا الاتنين…..”
حرك حاجبه ببلادة….
“يمكن…..انتي كنتي بتقولي إيه مش شوية….”
عادت البسمة تشرق وجهها وهي تتجرأ قليلا
وتعلق يداها في عنقه قائلة وهي تميل عليه
بدلال…..
“بحبكـ ياحبيبي….ومعنديش مانع اقولهالك
للمرة المليون……”
مالى عليها يطبع القبل على طول جيدها الناعم
بلهفة ونهم صعودًا الى وجنتها بينما هي تتأوه بحرارة مرددة بهمسًا ناعم…
“بـحـ….. بـحـبكـ……أوي…..يـاعـاصـم… ”
رفع عاصم راسه اليها ناظرًا الى شفتيها المنفرجة
باغراء منتظرة تدليل من نوع آخر…..وقبل ان يدللها
كما يجب همس الى حبيبة قلبه……
“وانا بعشقكـ ياست الحُسن…. ”
اغرقها في قبلات ناهمة شغوفة وهمساتٍ عذبة قريبة الى قلبها.. وفي احضانه اجتاح جسدها
مشعل الرغبات وهو معها يذوب في الشـهـد
متذوق اللذات…..
بعد وقتٍ طويل…….
وقفت شهد امام المرآة تمشط شعرها وجهها يلمع باشراقة من نوع آخر….
وقف عاصم خلفها ينظر اليها عبر المرآة بعد ان اخذ
حمام بارد وارتدى حلة عملية انيقة بدون ربطة
عنق..مصفف شعره الاسود الغزير للخلف مشذب
لحيته الكثة بشكلا جذاب لاَقَ بالوسامة الامعة
التي يحظى بها كنجم سينمائيّ عالمي…..
وكالعادة تحيط به هالة من الوسامة والرجولة الموقرة مع وجهة شديدة النظافة ولمعان…وعطرٍ
قوي رائع لا غنى عنه…..
“وكانك أول مرة تشوفيني….مالك ؟!!…”
ابتسمت وهي تضع الفرشاة جانبًا…مستديرة
إليه…. “انت نازل الصاغه؟!….”
اجابها بهدوء وهو يهندم السترة….
“ساعتين بظبط مش هتاخر….على ما ارجع
تكوني جهزتي….”
“أجهز ؟!!….ليه هنخرج…..”سالته وهي تمد يداها
الى ياقة قميصه تعدل بها برقة……
اجابها بهدوء وعطرها الطيب يداهم انفه…
“ايوا هنتعشا برا انا وانتي… في نفس المطعم اللي
روحناه يوم كتب الكتاب….اي رايك؟…ولا نشوف
مكان تاني…..”
هزت راسها بنفي قائلة….
“لا طبعًا لو نفس المكان وعلى البحر انا موافقة…
بس اي المناسبة بقا ؟!… ”
قال عاصم بمداعبة غليظة….
“بمناسبة ان عقدت لسانك اتفكت…واخيرًا بليتي
ريقي بكلمة حلوة…..”
انكمشت ملامحها بحرج….
“اي ده هو انا كُنت صعبة اوي كده ؟!!…”
اكد عاصم بغرور….
“ومازالتي بس واحده واحده…. هتفكي
احنا ورانا إيه…..”
ابعدت يدها عنه وهي تقول…
“عمتًا هستناك….وياريت يكونوا ساعتين بس
مش أكتر…..”
أذعن عاصم بصوتٍ أجش….
“ساعتين بظبط اللي هغبهم عنك… وبعد كده هتلاقيني قدامك….”
قالت شهد بنظرة غيورة متسلطه…
“تمام ياريت بقا في الساعتين دول تبقا عينك في الشغل وملكش دعوة بالستات….”
قال عاصم بهدوء مستفز…
“بس انا شغلي كله مع الستات….”
جزت على اسنانها قائلة بصلابة….
“غض بصرك يامعلم ياما هتلاقيني طبه عليك
في اي وقت….”
رد ردًا عاطفي لين……
“ياريت…اعمليها انتي بس وانا افرش شارع
الصاوي كله بالورد لاجل عيونك…”
رفعت شهد حاجبها وهي تتأوه
بيأس….
“ايووه عليك !!…..”
ضحك عاصم وفتح ذراعيه إليها بترحاب..فارتمت شهد بدورها في احضانه تُلبي الدعوة معانقة خصره بذراعيها النحيلتين بينما هو يخفي جسدها الصغير بين ذراعيه هامسًا بالقرب من اذنها…..
“بحبك ياشـهـد….”
همست شهد وهي تمرغ وجهها بدلال فوق
صدره كالحمل الوديع….
“وانا كمان ياحبيبي……”
بعد ساعة تقريبًا كانت تقف في غرفة تبديل الملابس تختار ثوب سهرة يناسب سهرة اليوم….
لكن رنين هاتفها المستمر جعلها تتافف بضيق ذاهبة
اليه وعندما رأت رقم المهندسة آلاء…..عبست بشدة
وهي تفتح الخط….
“ايوا يابشمهندسة خير…..”
اتى صوت آلاء مثار بالغضب….
(حضرتك عرفتي باللي حصل…..)
استفسرت شهد بلا مبالاة….. “مش فاهمه….”
قالت آلاء بغضب مكتوم….
(عاصم بيه مشاني…اداني بقيت حسابي وجاب
مهندس تاني يكمل الشغل…..)
قالت شهد بجفاء…
“ايوا عرفت…..فين المشكلة…..”
صاحت آلاء بغيظٍ مكتوم….
(فين المشكلة انتي اللي متفقة معايا اني أأخر تشطيب الشقة على قد ما اقدر باوامر منك…من
غير ما نعرف المعلم عاصم…..)
اكدت شهد بصوتٍ بارد….
“حصل وخدتي حسابك على الخدمة دي…ومهمتك
انتهت لحد هنا….”
قالت آلاء عبر الهاتف بحرقة…
(بس انا عيشي اتقطع….وخسرت عميل مهم زي المعلم عاصم…..)
قالت شهد بقسوةٍ تختلف عن تلك التي كانت
مدلها بالحب في احضان زوجها….
“شغلك اتقطع بس كسبتي مبلغ كويس من ورا حكاية المماطلة دي….وبنسبة لخسارتك للشغل
مع عاصم فانا هبقى اكلمه اطمني….”
حل صمت من الطرف الاخر وقبل ان تنادي عليها
بملل سمعت صوت رجولي خشن تحفظه على
ظهر قلبها….اخبرها بهدوءٍ خالٍ من التعبير…..
(شـهـد….حضري نفسك…نص ساعة وهتلاقيني
عندك…..)
شعرت بدلو ماء بارد يهبط فوق راسها فشهقت بصدمة وارتجف جسدها برعب وكانها رأت ما
يشيب له الرأس…..فقالت بصوتٍ مرتجف
مختنق…..
“عـاصـم…….”
كان الرد جرس اغلاق الهاتف من الجهة الاخرى
والذي صم اذنيها فجعلها تجلس ارضًا باعصاب منهارة متسعة الاعين بخوف وعقلها يتخيل الابشع…..هامسة بشفاه مرتجفة…
“دا عاصم ؟!!!…..معقولة… ”
حاولت ان تكذب ما سمعت اذنيها لكنها لم تقدر فهو
صوته هل ستغفل عنه….
هل صنع لها مكيدة بالاشتراك مع المدعوة
آلاء….فوقعت بها بمنتهى الغباء ؟!!…
غامت عيناها وهي ترى النهاية من بعيد تغلق
بستار أسود قاتم كروحها الان…..
……………………………………………..
قاد السيارة بسرعة جنونية بملامح مظلمة وعينيه
قاتمة مشتعلة ترى من خلالهما الجحيم…..
مزالت مشاعره متضاربة ومتخبطه مع حقيقة المكالمة…. شتان بين صوتها الجهوري القاسٍ في المكالمة وبين صوتها المذعن الناعم في احضانه….
كيف اتتها الجرأة ان تخدعه بهذا الشكل وما هو السبب خلف هذه المؤامرة الخبيثة أهو المقصود
ام شخصٍ بعينه !!….
بعد كل شيءٍ فعله معها…تخدعه بهذا الشكل المزري يظهر امام امرأة اخرى كالمهرج المضحك ؟!!…
لم يصدق ادعاءات المهندسة آلاء عندما زارته
في الصاغة تحكي السبب الرئيسي خلف تعطيل
عملها والذي كان بأمر من زوجته….
حينها انتفض من مكانه باعصاب مشدودة
وبملامح قاسية يشكك في الأمر….
(واي دليلك على الكلام ده…وليه مراتي اصلا
هتطلب حاجة زي دي من غير ما ترجعلي….)
اوضحت الاء بلهجة حانقة……
(انا معرفش السبب بس هي طلبت مني ان كل
حاجة تكون بدون علمك….وخلتني اماطل معاك
في معاد تسليم الشقة المدة دي كلها….وبنسبة
للدليل على كلامي فدي بسيطة أوي مكالمة تلفون
ليها من عندي هتعرفك ان كنت صدقه او كدابة…)
تبادلا النظرات بصمتٍ محتدم حتى عاد عاصم وجلس على مقعده خلف مكتبه في الصاغة
وامرها بخشونة حاسمًا….
(اتصلي بيها….. وعلي صوت المكالمة….)
اومات آلاء براسها بمنتهى الثبات الانفعالي وهي
تجري الإتصال….
بينما هو جالسًا على مقعده مضغوط الأعصاب
ينتظر بصبرٍ قارب على النفاذ…كمن يمسك بين قبضتاه جذوتين من النار مجبور على الاحتفاظ
بهما وتحمل الالم….
وبعد عدة إتصالات متتالية اجابت على الهاتف بصوتٍ ملول…..
وعند سمع صوتها كان في تلك اللحظة تحديدًا
يستمع الى اعترافها البارد ونبرة صوتها المجردة
من اية مشاعر اختبرها معها….
لم تكن هي.. صوتها نعم لكنها ليست سيدة الحُسن
التي احبها… كانت مسخ بشع مخادع وكاذب….
ام حبيبته فهي لا تعرف شيءٍ عن الكذب والخداع
انها بريئة جميلة مشكلتها الوحيدة انها عانت من معاملة والدها القاسية لها منذ الصغر… والان هو يعوضها بكل ما يملك من مشاعر وحب وبدأت تستجيب لهذا العلاج وتفتح قلبها له….
مستحيل ان تكون هي نفس المرأة التي اعترفت
بالحب له وعينيها كانتا تترجاه ان لا يخذلها
يومًا !!…
كيف وهي الان….
أسبل جفنيه حينها بكسرة لن ترمم داخله
ابدًا….فضاق صدره واعترافها ينزل فوق اذنيه
كسياط بقسوة تصم اذنيه….
وقتها سحب الهاتف من يد آلاء بتهجم ليس من شيمته مع النساء لكنه فقد اعصابة وصبره في
تلك اللحظة….
وقتها سمع صوت انفاسها المنتظمة وصمتها الذي
كان يشبهه بالرقي الملكي….الان كان صمتٍ منحط
لأمراه مخادعة… لم يعرف حتى الان سر خططها
للمكوث معه في بيت العائلة…..
حينها القى كلمات هادئة بسيطه بصدرٍ ضاق بقسوة
على انفاسه….
(شـهـد حضري نفسك…نص ساعة وهتلاقيني
عندك…..)
كرر ان تكون تلك الكلمات العادية هي التي ينهي بها المكالمة أمام أمرأه غريبة تنتظر بشماته ردة فعل قوية مهينة منه……
ومع ذلك انتظر دقيقة واحده سمع بها صمتٍ مريع
من الجهة الأخرى تليها شهقة مصدومة هامسة
باسمه باختناق….
وقتها أغلق الهاتف بملامح صخرية قاسية… لم تكن
مسخ بل هي زوجته..ولكنها بارعة في تغيير جلدها..
عاد يصب تركيزة كله على الطريق وهو يزيد
السرعة جنون بملامح غاضبة خطرة…..
……………………………………………………………
وقفت في حديقة البيت تنتظرة مجرية اتصال به
للمرة التي تجهل رقمها ومع ذلك يرفض الرد عليها
آلاف الرسائل ارسلتها له وهو يراها دون رد….
رفعت وجهها بملامح متوترة وعينين حزينة خائفة
الى السماء القاتمة…
تدعي الله ان يحفظه لها…وان يخرجها من هذا المأذق هي أخطأت تعرف لكن كان هذا بدافع
الانتقام رغبة حمقاء تلبستها عنوة عنها قادتها الى
الجنون….والان الندم….فان فقدت عاصم ستفقد
الحياة بفقدانه….
اشتدت زوبعة الذعر بداخلها أكثر وبدأت تفرك في يداها بتوتر وتخوف من العقاب…وكانها عادت الى غرفتها المظلمة من جديد تعاني من الخوف
والانتظار الساحق لروحها….
وجدت يزن يدلف من البوابة يدندن بصوتٍ ثمل
مترنح الجسد… اتسعت عينا شهد بصدمة وهي تتابع
اقتربه من موقعها ومزال يدندن ويبدو انه لم يلاحظ
وجودها حتى الآن….
رفع يزن عيناه الثملة اليها فابتسم وهو يقترب منها
مهللا دون وعي….
“معقول زهرة سراية الملوك بحالها في انتظري..”
وقف امامها على بعد ثلاث
خطوات…
“قلقانه عليا ولا إيه….”
قالت شهد بملامح مكفهرة مشمئزة…
“انت اي اللي عمله في نفسك ده..عاصم لو عرف
هيبهدلك….”
لوح يزن بيده صائحا بغضب…
“مين عاصم دا اصلا دا ولا حاجة…دا انا احسن
منه مليون مرة…..”
انعقد حاجبي شهد بتوجس…فقال يزن وهو يضحك
بهيسترية….
“شوفتي وهو غيران عليكي مني…عشان بدلعك..”
ازدادت الضحكات جنونًا منه وهو يقول
بوقاحة….
“امال لو يعرف انا بحلم بيكي إزاي….”
فغرت شهد شفتيها بعينين متسعتين بذهول ولم تتوقع ان يتجرأ على القول البذيء أمامها…..
صرخت بغضب وقد لمعة عيناها بالدموع….
“اي الجنان ده….انت بتخرف ممكن تطلع فوق
وتسبني في حالي….”
اقترب يزن منها خطوة متهورة وهو يقول
بحزن…
“انا مش عارف انتي ليه بتعامليني كده…هو احسن
مني في إيه عاصم ده…طب والله ما هتلاقي حد
بيحبك الحب دا كله زيي….”
على صوت تنفسها بخوف وانفعال وهي تنظر
اليه بصدمة يشوبها الاحتقار….فتابع يزن بغير
وعي مقترب منها خطوة ثانية….
“إيه…مصدومة….مش مهم بكرة تنبسطي معايا لما نهرب انا وانتي ونبعد عن البيت دا كله واولهم
عاصم ده…..”
اخذ الخطوة الاخيرة وهو يمسك ذراعها
بقوة وهجوم…..
“انتي مش عارفه انا بحبك قد إيه…..”
كان رد فعلها اسرع من الصدمة التي انتابتها
بعد تهجمه عليها……
“ابعد ايدك عني ياحيوان انت اتجننت….”
رفعت يدها الحرة وصفعة صدغه بكل قوتها
وهي تنزع يدها الأخرى من بين قبضته الواهية….
لم تصدق ان يقع يزن ارضًا أسفل قدميها بعد
ان سقط جسده الضخم بصفعة واحده منها….
ابتعدت للخلف خطوتين منهارة الأعصاب فوجدت
عيناها تبصر من على بعد خطواتٍ قريبة منها عاصم…
يقف كالمارد بجسده الضخم وقامة طوله المهيبة مشعث الشعر بعينين حمراون كالدماء ترمقها بغضب متقد…. وبملامح مظلمة خطرة بدا ينقل عيناه الثاقبة بينها وبين يزن المنبطح ارضًا بالقرب من قدمها يخرف بالكلمات..
خفق قلبها مذعور وهي ترى عاصم يقترب منها
بسرعة البرق مما جعل راسها يدور برهبة وهي
تراه اصبح على بعد خطوة واحده منها فارتخت
اعصابها فجأة فاقدة الوعي من شدة الخوف
منه فوقعت بين ذراعيه قبل السقوط
ارضًا…
من الغباء ان تسلم عنقك لأمراه أحببتها فحبك في
يدها كسيف المسمم مهدد بالذبح به ، شئت هذا
ام أبيت ؟!!….
وقد ذُبح على يدها اليوم وهو من اعطاها السيف مبتسمًا بحماقة واثق بانها لن تتسبب في اذيته وان هذا الوجه الملائكي الرقيق لا يؤذي عصفورٍ فكيف يأذي من أحبه بصدق !!…..
لم يتلاقى طعنة واحده منها فمن احبها بكل جوارحه
وراها وطنًا وعائلةٍ له لم تكتفى بطعنة واحده بل
نالت منه كما يجب وكانه عدوٍ لها…..
أنقلب كل شيءٍ راسًا على عقب مستحيل ان تكون هي نفسها من سمع صوتها في الهاتف تزأر بقسوةٍ
ومن رآها تصفع ابن عمه بكل قوتها بعد ان صارحها بحبه وهو مخمور….
راسه يدور في دوامه قاتمة قاسية على روحه
وقلبه….صدره يضيق وملامحه الخشنة مُتقلصة بالوجع.. يسحب انفاسه بصعوبة وكأن الغضب والحزن ألقوا به في قبرٍ ضيق خالي من الهواء والحياة والشعور…..
ماهو سرك ؟!…
ولماذا السر كان أقوى واصعب من ان يخفى بيننا
ولماذا سرك مؤلم ، يطعن كل من أحبك يخذل كل
من راكِ ؟!!…..
هل الاحزان التي كانت تطل من عيناكِ كذبة متقنة كقطرة عين تجيدي وضعها فتخدع الناظرين… هل
الحزن والقهر قناع تجيدي وضعه امام من تريدين
هل الآمك حقيقة ام انها قصة مؤلفة.. هل كل كلمة
عفوية نطقتِ بها في الأصل هي مبتذلة منكِ…..
هل انتِ حقيقة عشقتها بكل تفاصيلها ام كذبة تشبه
مرض لعين سرى بالجسد حتى الوهن ثم الموت…
كان يقف في شرفة الغرفة يفرط في شرب السجائر
منذ ساعتين تقريبًا يحرق عقب السجارة واحد تلو الآخر بفمه كما تحترق اعصابه الان بغضب هائل..
حانت منه نظره للخلف فوجدها مازالت نائمة على
الفراش بقلب غرفتهما…. بعد ان فقدت الوعي
بين ذراعيه ربما خوف او هروب من المواجهة…
لكن زمن الهروب ولى وحتى الاغماء لن يرحمها
من المواجهة ومعرفة كل شيءٍ تخفيه عنه.. فقبل
ان يضع الأحكام عليها يجب ان يتأنى بحكمة
وصبر كي يعرف السر الذي تخفيه عنه…
سمع صوت أنين خافت يصدر من بين شفتيها وهي تحرك راسها بتعب واضعه يدها عليها وكأنها تلقت
خبطة قوية به….
وهذا كان شعورها بالفعل عندما بدأت تفيق شعرت
بثقل في راسها ووجع حاد به…
إقترب منها ليس بلهفة كما اعتاد قلبه معها بل بخطوات هادئة باردة وبنظرة خالية من التعابير
قال بجفاء..
“ياريت تفوقي كده وتقومي…..عشان عايز اتكلم معاكي…”
رمشت شهد عدة مرات بعينيها وقد سقطت دمعة
من جفنيها وكانها كانت تبكي وتعافر في منامها…
زارها نفس الكابوس ، في جوف الظلام ترى نفسها فريسة سهلة للنيل منها اضاءة حمراء مريعة تنير وجوه بشعة مؤذية خانقة لروحها مزالت تتلقى الطعنات من كل من أذاها على أرض الواقع
ويفتك بها الان في منامها دون رحمة او شفقة…
كانت الخناجر سامة مميته وهي تتلقاه بصمتٍ
موجع كانت في الكوابيس السابقة ترتجف واحيانا
تصرخ مستنجده بأحد ينقذها منهم… لكن هذا
الكابوس يختلف فمن كان يطعن معهم وعند رؤيته
اصيبت بشلل تام فظلت تحدق به بعينين حبيسة
بدموع مصدومة فكان هو…..عاصم ؟!!…
استوت جالسة على الفراش تمسح دمعة أخرى
فارة من عيناها وضعت يدها على بطنها البارزة
قليلًا تلقائيًا تتاكد من ان جنينها بخير…..
وضع عاصم مقعد بالقرب من الفراش ثم جلس
عليه ومالى نحوها وبعينين قويتين غير
متهاونتين سالها مباشرةً دون مقدمات….
“طلبتي من المهندسة آلاء تأجل معاد
تسليم الشقة ليه ؟!!…..”
بلعت شهد غصة قوية في حلقها وهي متحاشية النظر اليه…..واجابت بوهن…
“عـ….عشان اجي اقعد هنا…..”
مسك عاصم فكها فجأه وامام عينيها المرتعبه
زأر بخفوت كالاسد الجريح….
“ليه ؟!!..اي السبب ؟…واياكي تكدبي… وتلفي
ودوري عليا…عشان مش هرحمك… ”
رمشت بعينيها بصدمة غافلة….نفس الوجه وهو يطعنها بالخنجر السام محتقن الوجه بالغضب
والعينين بكراهية….
ارتجفت شفتيها وشعرت بان نصف وجهها خدر
بين قبضة يده الفولاذية…..بينما صاح عاصم بوحشية…
“انطقي…. ساكته ليه…..دفعي حتى عن نفسك.. ”
صرخت عيناها بضعف…..
لا تفعل هذا أرجوك….تريث اقسم انني أخطأت عندما
سرت في درب الثأر مغضمة العين غافله عنك وعن
حبك لكن تريث ولا تقسو عليَّ فانا شفيت على يدك
وبت أريدك… وأريد ان اتابع حياتي معك دون
وجع…. لا أطلب إلا الغفران…..أغفر لي حبيبي..
قالت شهد بتقهقر….
“عاصم انا عارفه اني غلط اني خبيت عنك….”
هز وجهها بقسوة هادرًا….
“انا عايزة اعرف الحقيقة…عملتي كدا ليه…انطقي.. ”
صاحت برعونة وهي تنزع يده عنها بقوة ثم
نهضت من مكانها لتكن أمامه في مواجهة عاصفة محتدمة..
“عشان انتقم منها…..عملت دا كله عشان أحرق
قلبها واخد مكانها في البيت ده….ارتاحت…”
عقب عاصم بيقين….
“إلهام مش كده !!…ليه اي اللي بينك وبينها… ”
نزلت دموع شهد قائلة بمرارة…..
“ماهي دي الست اللي حبها عثمان وخان امي
معاها….هي دي اللي انتقمت مني وشمعت ليا
المطعم ونشرت الخبر على النت….دا بعد ما جت لحد عندي وعرضت عليا المبلغ اللي اطلبه عشان اسيبك وترجع لاختها…..”
الصدمات كانت فوق راسه بمثابة صاعقة رعدية
قاسية….فهاج صدره بالغضب والان بدأت توضح
الصورة كاملة أمامه كل شيءٍ من بداية رؤيتها
لألهام هنا وهروبها منه…ثم الموافقة على الزواج
وخطت مكوثها في هذا البيت….
تحدث عاصم بابتسامة ساخرة وهو يرى نفسه
الان في زي مهرج أحمق….
“يعني انتي وافقتي عليا عشان تنتقمي من
الهام…وتبقي مكانها في البيت ده…واي
كمان ياشهد ؟!..”
اهتزت حدقتاها بتردد…. “انت فاهم غلط…..”
جاشت مراجله فصاح بعنف….
“فاهميني الصح…اكيد مش هو ده بس اللي خلاكي
تجوزيني..اكيد في حاجه تانيه….”ثم أضاف بتذكر..
“اه يبقا انتي اللي عرفتيها بجواز عمي مش
كده…. ؟!… ”
اومات شهد برأسها قائلة بغل وحرقة…
“ايوا انا….انا اللي عرفتها ياعاصم…ولو اعرف حاجة تانية توجعها وتذلها قدامي هعملها من غير ما تردد
لحظة…..”
سالها عاصم بملامح مظلمة وعينيه تلقي اتهام
صريح…..
“وابنها……اي وضعه في دايرة الانتقام دي…كنتي
بتعلقي بيكي برضو عشان تردلها القلم اتنين….”
رجعت شهد براسها للخلف تنظر إليه بصدمة
وكأن شكه بمثابة طعنة لقلبها….
“انت بتقول إيه ؟!!…إزاي شايفني كده ؟!!..”
القى عليها نظرة شاملة معذبة لقلبه….
“انا مبقتش شايفك ولا عارف حتى انتي مين؟!….”
ثم تابع بجمود مزدري…..
“انا حتى كنت في الحكاية دي كلها كوبري بتعدي عليه عشان توصلي للي في دماغك…”
ارجع شعره للخلف مبتسمًا بسخط واهٍ…
“معقول كل اللي عشته معاكي كان كدبة…. كل
الكلام اللي قولناه كان كدب…انتي نفسك كنتي
كدبة كبيرة……ياخسارة ياشهد..”
ينطق اسمها الان بحسرة والندم يفيض بين
الكلمات بوجع….
ارتجف جسد شهد ونزلت دموعها من شدة
الضغط وعذاب الضمير….
فمن يرى عاصم يعرف جيدًا انه ضاع في زحام الغضب والصدمة خلف حقيقة زواجهما…
ومن يحدثها الان رجلا مطعون في كرامته
ورجولته….وقلبه قهر على يداها….
انها الحقيقة….
فمن أحبها وسلمها اسمه وشرفه ووضع اسفل
قدميها قلبه ومشاعره وكل ما يملك….غدرت به…واكتشف انه لا يساوي شيءٍ عندها….
مهرج باسم الحب يُضحكها ويسليها !!…
قالت بنبرة محشرجة باكية…
“انا عارفه اني استغليتك…. بس انا والله حبيتك..
وكنت ناويه اكمل معاك.. وانسى كل حاجة بدليل
اني مكنتش معترضة لما قولتلي هننقل لشقتنا…”
سخر بقتامة….. “لا بجد كتر خيرك…”
مسحت دموعها وهي تنظر اليه بعينين معتذرتين
نادمتين…..
“عاصم انا مش وحشه انا بس كنت موجوعه.. وكان
نفسي انتقم منها واوجعها زي ما وجعت امي..امي
ماتت مقهورة بسببها كانت صاحبتها كانت بتحبها
وبتثق فيها…خانت امي وشرطت على ابويا يطلقها
وحمزة كان لسه على دراعها سنتين وحامل فيا..
ولما اتولدت الناس صلحه بين امي وابويا ورجعها
على ذمته من تاني… ورجع لألهام عشان يتجوزها وكان شرطها يكتب العمارتين والبيت اللي احنا عيشين فيه باسمها….ولما رفض طردته من بيتها وبعدها بفترة اتجوزت من عمك….”
“بس احنا طفحنا رفضها ده ذل وقهر وقسوة..انا
حكتلك وانت شوفت بنفسك…فمش لازم أعيد اللي قولته ولا احكي حاجات انت شوفتها بعينك…”
تبادلا النظرات بصمتٍ وبملامح جافية
سألها…..
“وانا ذنبي إيه….ردي عليا….اي ذنبي في كل ده تجوزيني عشان تنتقمي لأمك ولاخواتك منها عن طريقي….طب وانا اي دوري في الحكاية دي…قعد مستمع…..متفرج..”
تشبثت في يداه كطفلة تائه
خائفة…
“انا حبيتك ياعاصم….”
نزع يداه عنها بقسوة هادرًا بتشنج…
“انتي اللي زيك ميعرفش يعني اي حب…انتي
حتى مقدرتيش تحترمي نفسك وتحبيها…
هتحبيني انا ؟!!…”
انحنى حاجبيها مبهوته حزينة وهي تساله
بضعف…..
“انت بتكلم كده ليه….المفروض تقدر وجعي….”
اقترب عاصم منها مهاجمًا بالكلمات قاصد ايلامها
بقدر الآلام التي نالها منها….
“وانا مين يقدر وجعي…وصدمتي فيكي….ولا انتي
خدتي على كده…اقدر وجعك..اقدر زعلك…واسهر على راحتك….خدام معاليكي مش كده….انا اللي اديتك اكتر من حقك… ونسيت اخد حقي منك..”
صفعه اخرى فوق قلبها زادتها وجعًا….بللت شفتيها
وهي تقول بخفوت….
“ليه القسوة دي…انا معترفه اني غلط…والمفروض..”
تابع عنها وعيناه تجلدها بالنظرات….
“والمفروض اني اسامحك واخدك في حضني واقولك خلاص حصل خير بس بلاش تعملي كده تاني مش كده…..”
اقتربت منه محاولة ان تمسك يداه ان تلقي نفسها
بين احضانه تفعل اي شيءٍ يخمد النيران الشعواء
التي تحرقهما معًا……نارًا هي من اشعلتها !!…
“عاصم……أهدى….”
مسكها من ذراعيها بقوة عاصر لحمها بين أصابعه
وهو يدفع ظهرها لأقرب حائط…هادرًا بهيجان….
“أرجوز….خلتيني أرجوز قدام واحده مكانتش تقدر ترفع عينها فيا وهي بتكلمني….خلتيني كوبري قدام
الهام وابنها….خلتيني **قدام نفسي….خلتيني في
نظرك ولا حاجة…. ”
نزلت دموعها وهي تنظر اليه بتوسل….
“انت كل حاجة عندي… اقسم بالله حبيتك…من قبل
حتى مانتجوز وانا بحبك….انا لو مش ناوية اكمل
معاك عمري كله….ليه هحمل منك…..”
رمقها عاصم باحتقار….
“عشان تقهري الهام برضو وتبقى راسك برأسها
في البيت ده..”
قالت بدفاع….
“انت بتقول إيه…..مش حقيقي….”
سالها بملامح تنذر بالشر…..
“اي اللي بينك وبين يزن….انطقي….”
فغرت شفتيها بصدمة متسعة العينين…ثم قالت
بعنفوان بعد ان اندفعت الدماء في رأسها….
“مفيش حاجه بينا…انت بتفكر إزاي….ابنها عمره
ما جه في بالي باي طريقة…. وانا لو كنت عايزة
انتقم عن طريقة….كُنت…”
بترت جملتها في آخر لحظة….
فكان بامكانها ان تدمر (الهام) بعمل تحليل بسيط
إثبات نسب لمسعد الصاوي من خلال شعرة واحده من يزن…لكنها استبعدت الفكرة لان الانتقام كان
سيحاسب عليه جميع من في هذا البيت…وليس
الهام فقط…
لذلك رفضت اقتراف شيءٍ تندم عليه مستقبلا
فبقى السر في بؤرة الأسرار فهي لن تكون مسخ
من إلهام…ولن تدمر بيت بأكمله كي تنال من
خصمها فقط…..
فأكثر المتضررين من قصة النسب مسعد
الصاوي ، من يعتقد انهُ ابنه ومن صلبه..
حتى يزن في نظرها لا يستحق هذا…وحتى ان
أخطأ في الحكم على مشاعره نحوها وتصرف باستهتار….يظل ضحية في هذه القصة….فهو
لم يختار ان يكون مجهول النسب ينتمي للأب
الخاطئ……
وتكون امه سبب هذا الضياع المريع ؟!!…
عصف الغضب في صدر عاصم أكثر عند صمتها
وشرودها المفاجئ فصاح بغيرة…..
“كُنتي إيه ؟!…اي اللي بينك وبينه…وصلت لفين حكايتكم بظبط…..”
اندفعت شهد بعنفوان متمرد…..
“أخرس…مش هسمحلك للمرة التالته تطعني في شرفي…لاني أشرف منك ومن عيلتك كلها… ”
توسعت عينا عاصم وظهرت خطوط الخطر
بهما…فاغلقت شهد فمها بخوف لتجده فجأه يرفع
يده عليها ويهبط بها على وجنتها بقسوة سمعت
معها انكسار قلبها…..
وضعت يدها على خدها منحنية الوجه وهي
تبكي بصمت متجرعه مرارة الوجع والصدمة
به…
كبرياؤها الان يئن متالمًا…بينما عقلها يصرخ
بتمرد وعذاب…
ان تقبلتي الأمر ستكوني نسخة من امك….وهو
صورة مصغره من عزرائيلك…..
اختاري نفسك وإياكِ ان تميلي للقلب…اياكِ…..
رفعت عيناها الحمراوان إليه فلم تجد على وجهه
ذرة ندم واحده تجعلها تتمرد على عقلها وتميل…
فقالت منفعلة بنظرة ميته…..
“طلقني…مستحيل أكمل معاك دقيقة واحدة….”
لوى عاصم فمه بكراهية….
“وانا مش همسك فيكي….اللي زيك ملوش أمان
سواد وغل وخطط مقرفة…..ظهرتي على حقيقتك
يا…. يا ست الحسن…..”
لأول مرة ينطق الاسم باستهزء قاتم !!…على صوت تنفسها بعصبية والنفس تحمل منه ما يجعلها تنفر منها الان مبتعدة آلاف الاميال..
نظر اليه بجفاء…..
“قد ايه انا مغفل…كنت اعمى اوي كده معاكي…”
كتفت ذراعيها امام صدرها وهي ترفع وجهها
بإباء يتناقض مع احمرار وجنتها بعد صفعته
لها….
“واديك عرفت الحقيقة…وعشان نريح بعض
طلقني وكل واحد يروح لحاله….”
نظر عاصم لها بتهكم… وقال بصوتٍ تردد صداه بهيمنة….
“اطمني انا كده كدا ناوي اطلقك….انتي مينفعش تفضلي على ذمتي دقيقة واحده….بس اللي في بطنك؟!…..”
وضعت يدها على بطنها بحماية …
“بنتي هتفضل في حضني انا امها…واولى بيها
من اي حد…”
استهجن عاصم قائلا بأمر واقع….
“لما تولدي وتيجي بنتي بسلامة…هتمضي على
ورقة تنازل عنها….قصاد المبلغ اللي تطلبيه….”
فغرت شفتيها بصدمة مع إتساع عينيها بنظرة مؤلمة غير مستوعبة بعد ما وصلا إليه معًا….
“انت أكيد جرا لمخك حاجة ؟!!….”
ضاقت عيناه وهو يفترسها بنظراتٍ قاتمة مخيفة….
“لا انا بس فوقت….وشوفتك على حقيقتك…وعرفت انا قد ايه كُنت مغفل للمرة التانية….”
فغرت شفتيها بوهن…
“انت بتقارني بيها ؟!!….”
ازداد سعير غضبه…. وأراد ايلامها أكثر
فقال…
“بالعكس دا هي قصادك ملاك….”
اشاحت بوجهها عنه والدموع تسقط من عيناها بغزارة وضعف…..فارادت ان تنسحب من تلك
الحرب الشعواء مستسلمة للهزيمة…..
مسك ذراعها بقوة يمنعها من البعد وهو يسالها بملامح متشنجة…..”راحه فين…..”
رفعت وجهها المنكسر وقالت بعينين تفيضان
بالعزم……
“هلم هدومي…وامشي…ولا هتحبسني هنا لحد
ما أولد…..”
طالت النظرات بينهما متبادلة كالحنًا عنيف الإيقاع حزين معاتب يقطع نياط قلوبهما…..ترك عاصم ذراعها بنفور وهو يحاول السيطرة على اعصابه….قائلا بجفاء قاسٍ….
“المفروض.. بس انا مش طايق ابص في وشك..ولا
اتنفس الهوا في مكان انتي فيه……”
قالت شهد بنظرة متوعدة…..
“هتندم ياعاصم…..والقلم اللي انت ادتهولي
هتدفع تمنه غالي….”
رد عليها ردًا بارد غير مبالي…..
“انتي عارفه انك تستحقي اكتر من كده…وبنسبة للندم انتي اللي هتندمي أوي مش انا…..”
اندفعت مبتعده عنه بكل قوتها تدلف الى غرفة
تبديل الملابس وتغلق بابها عليها….
ام هو فتناثر الوجع على وجهه بعد ابتعادها عنه
فانحنى جالسًا بانهزام على حافة الفراش يفتح
ازرار قميصه بعنف حتى كشف عن نصف صدره ومزال يشعر بالاختناق….غير قادر على سحب
الهواء الى رئتاه وكأنها تتقلص من شدة الوجع
رفع كف يده امام عيناه المظلمة الحزينة يرمق
اليد التي صفعتها بصدمة فكيف فعلها وليست
من سجيته ضرب النساء والتعنيف بالكلمات….
تحول الى وحش ثائر على يدها يغلي صدره
كالبركان…هائج بوحشية في درب محتدم…..
لم يتخيل يومًا ان يؤذيها بكلمة واحده أو يرفع
يده عليها مهما كانت الأسباب….
ففعل ما لم يتمناه….وهي فعلت ما لم يتوقعه
منها !!….
فكيف تلقي اللوم والوعيد وانتِ من اوصلنا إلا
هنا ؟!….
سند مرفقه على ركبته وأحنى راسه بين كفيه
مخفي وجهه المربد وعيناه المحترقه…تارك الحرية لدمعتين عاجزتين عن التخفي في مقلتاه !!…
فتحت حقيبة السفر الكبيرة وبدات تضع بها ملابسها
والأشياء التي اتباعتها بنفسها من حر مالها وتركت
اي شيءٍ ابتاعه لها من ملابس اخرى أكثر فخامة
الى مجوهرات فاخرة نفيسة…..
كانت تطوي الملابس بيدها بسرعة وتضعها في الحقيبة بانفعال فمزال وجع الصفعه التي تلقتها
منه ملتهب على وجنتها بعد ان تركت اصابعه
الغليظة آثر مهين عليها…..
وماذا عن الصفعات التي تلقاها قلبها من لسان
أشبه بالكرباج يضرب بقسوة دون ان يبالي يطعن في شرفها واخلاقها دون رادع ….ماذا سيكون آثر كل هذا عليها ؟!!…
توقفت فجأه وهي تشعر بوجع حاد في بطنها
فوضعت يدها عليها تمسد عليها والدموع تغرق
وجنتيها وهي تواسي طفلتها كي تصمد قليلا
معها على الألم….
“بلاش تتوجعي عشاني يامامي….انا قوية ومفيش
حاجة هتقدر تكسرني حتى لو أغلى حد في حياتنا
انا مش هسمحله يكسرني ولا يبعدني عنك…”
نظرت لعينيها في المرأة لتجد صورتها منعكسة
الى حطام منها يتحدث… أمرأه اخرى ضعيفة
منهارة بأسم الحب…امرأة أضناها الحب وكسرها بقسوة !!…
أغلقت الحقيبة بقوة وارتدت ملابسها على عجلة
ثم رفعت شعرها للاعلى في لفة فوضوية تتناثر
الغرة على جبهتها بحدة متناقضة بجمالها مع
بشرتها الشاحبه الحزينة وعيناها الحمراوان
المحتقنة كالدماء…..
خرجت من غرفة ملابس النوم فلمحت بطرف عيناها
جلوسه على حافة الفراش بملامح صخرية غير مقروءة التعبير…..
تحركت نحو الباب مندفعة وهي تجر حقيبتها خلفها بعنف بخطوات منفعلة عازمة على الهجر دون الالتفات للخلف……
وضعت يدها على مقبض الباب حينها اندفع
صوته يقول بتحشرج…..
“خليكي لحد الصبح الوقت اتاخر….”
لم تستدير اليه بل ظلت يدها معلقة بالمقبض
وهي تقول بلكنة مهذبة باردة….
“شكرًا انا كده كدا اتصلت بحمزة وهو زمانه
على وصول….”
خرجت من الغرفة بسرعة دون انتظار ردًا آخر
تاركه خلفها من علمها كيف يكون الحب وكيف
يكون عذابه….تاركه خلفها حياتها وحبها وكل
شيءٍ في عيناها….تاركه عاصم…..هويتها
وموطنها…..
لماذا عاهدتني بالحب وانت تنوي إيلامي ؟!!…
لم تتوقف دموعها الغزيرة وهي تندفع للخارج..خارج
حدود هذا البيت الذي شهد على كل ماهو جميل
معها وكل ماهو مؤلم وصادم لروحها….
سراية الملوك كانت كهف مهجور مظلم يخفي نفوس مريضة وحقائق مريعة…..وهي كانت واحدة من تلك
الحقائق وحان الوقت لتلوذ بالفرار منه..ومن سُكانه
وصلت الى حديقة البيت فسارت بها وعيناها الحزينة ترمقها بنظرة طويلة شاملة فأجمل مافي هذا البيت الحديقة المزدهرة التي بها روح نقية مريحة لا تنتمي لسكان هذا البيت….
حديقة كانت تجد نفسها بها أكثر من جدران هذا البيت.. هنا كانت ترتاح أسفل ظل تلك الشجرة
كما كان يرتاح قلبها بين ذراعي حبيبها….
بعد ان وصلت الى البوابة الحديدية للخروج
منها…رفعت عيناها تلقائيًا الى شرفة غرفتهما
تعطيها نظرة الوداع الأخير….
لكن ملامحها اضطربت فجأه عندما رأته يقف في الشرفة ساند كلتا يداه على السور عيناه معلقه
عليها بصلابة مخيفة توغلت الى اعماقها مما جعل جسدها ينتفض انتفاضة خفية…
بملامح رغم الحزن أبية عنيدة أمامه مع ان الدموع في مقلتاها تشي بما يتناقض مع كبرياؤها العظيم..
كان في تلك الوقفة يختلف عن سجيته التي تعرفها
مشعث الشعر قوي النظرات بقسوة بملامح خطرة… أزرار قميصه مفتوحة بهمجية تكشف عن انفاسٍ سريعة منفعلة وصدر متضخم بافكار سوداوية تخصها وحدها….
وجزة عيناها منسحبة من أرض المعركة مسبلة الاهداب محركة الاقدام للأمام دون رجعه…
ضرب عاصم على السور بغضب وهو يراها تبتعد
في ظلام اليل غير قادر على منعها….او سجنها
هنا…
اندفع بعد دقائق قليلة الى الخارج.. استقل السيارة وقادها باقصى سرعة باحث عنها بعيناه والقلق ينشب في قلبه كمخالب حادة..
قد حاول مقاومة رغبة الحاق بها وترويض مخاوفه
عليها حاول بقسوة لكنه فشل… فشل ذريع…فاندفع اليها بقلب معذب بالقلق…..
انتبه أثناء القيادة الى دائرة تعج بالبشر تلتف
حول شيءٍ ما وصوت بلبلة وحوقلة يخرج من
افواه الجميع……وعبارات متناثرة القت على
مسامعه فجاة كرصاص طائش….
هتفت احد النساء بشفقة….
“لا حول ولا قوة إلا بالله…دي شكلها حامل
وسقطت…عشان كده مغمى عليها……”
صاحت اخرى مستنجدة….
“حد يطلب الاسعاف…الست دمها بيتصفى…”
اوقف السيارة بقوة مصدر المقود صوتٍ قوي مزعج جعل الجميع يجفل وينظروا للخلف لتظهر هي من
بينهم واقعه ارضًا باهمال فاقدة الوعي والدماء
تسيل من اسفلها بغزارة……
وقع قلبه اسفل قدميه وهو يخرج من السيارة
بصعوبة يجر قدميه جرًا إليها…وعيناه جاحظة
بذعر غير مصدق بعد بانها هي….هي زوجته
الغائبة عن الوعي ارضًا… تفقد طفلتها الان
وروحها معها…..
اندفع بين تلك الدائرة بقوة وانحنى عليها بصمتٍ يحملها بين ذراعيه بهلع متجه الى السيارة حتى
يقلها الى أقرب مشفى لأسعافها…..
فهو خسر الطفلة كما خسر اخيها سابقًا…لكنه لا
يريد ان يجازف بخسارة شـهـد…فروحها وحياتها تعنيه أكثر من ذرية تموت قبل ان ترى نور الشمس ؟!!….
……………………………………………………….
رمشت بعيناها عدة مرات منزعجة من أشعة الشمس
المنعكسة على وجهها…ورائحة المشفى التي تحفظها على ظهر قلبها فهي خاضت رحلة علاج طويل ومؤلمة داخلها فكانت بيتها آنَذاك…
فتحت عينيها ببطئ وهي تشعر بنفس الألم أسفل
بطنها وتزداد تشنجًا…تاوهت وهي تمسد على
بطنها بتعب…..
وقد بدأت تسترجع ما حدث أمس من بداية مكالمة
آلاء الى صوت عاصم ومعرفة الحقيقة ثم…..
تحسست بطنها بخوف وكانها تفتش عن جنينها
بذعر….متذكرة سقوطها في الشارع وشعورها
بدم يسيل من بين ساقيها….
اقترب عاصم منها بعد ان كان بالشرفة يدخن السجائر بشراهه كحالة منذ ليلة أمس يسهر جوارها
باهتمام وخوف عليها….
بينما نفسه تتجرع بصمتٍ مرارة الفقد وصدمة
الخبر الذي تلقاه للمرة الثانية بنفس القلب
المجروح بخذلان الأحبه ؟!!….
وكأن الحكاية تتكرر عدا حبها في قلبه فكان ومزال
استثنائيًا….فهي لم تكن للفؤاد كباقي النساء !!…
على صوت تنفسها بارتياع وهي تحاول النهوض
من مكانها….اوقفها عاصم بقوة سائلا بخشونة..
“راحه فين ياشـهـد….انتي تعبانه…خليكي مكانك
ارتاحي…..”
قالت باعياء وبوجهٍ شاحب اصفر…
“كُنت…عايزة اسأل الدكتور اللي عالجني عن بنتي
هي كويسة….لازم يكشف عليها بالسونار عشان
يطمني…دي لسه مكملة خمس شهور من قريب..”
اشاح عاصم بعيناه عنها…فقالت شهد بلوعة
وهي تضع يدها على بطنها بحماية….
“ساكت ليه ياعاصم….بنتنا….كويسة….لسه هنا
اصلا هتروح فين….”
سحب عاصم مقعد وجلس بالقرب من حافة
السرير
ثم مالى عليها برفق قائلا بصبرٍ وسلوان اكتسبه
مع الوقت بالمداومة على العبادة والتقرب الى
الله….
“ربنا يعوض علينا…حصلك اجهاض ومقدروش
يعملوا حاجة قدام مشيئة ربنا…..إن لله ما أخذ وله
ما أعطى وكل شيءٍ عنده بأجل مسمى..مين عالم
ربنا عفاها من إيه قبل ما تيجي الدنيا… ”
تصلبت شفتيها بوهن بينما عينيها تذرفان الدمع بضعف مكذبه اياه…..
فقالت شهد بنبرة مقهورة…..
“انت بتقول إيه يا عاصم…انا لسه حامل….انا
محصليش اجهاض…..بنتي ما سبتنيش
ومشيت…. بنتي بتحبني….وهتفضل معايا… ”
ثم هتفت بحرقة قلب….
“ازاي سبتني دا…..دا انا كنت بعد الايام والشهور
عشان اشوفها…”
هدرت بهيستيريا….
“انا لسه حامل الدكتور ده كداب..كلهم كدابين متصدقهمش…..بنتنا لسه عايشة وكلها اربع
شهور بظبط وهتبقى معانا وسطنا….”
ثم توقفت عن البكاء للحظتين وهي تقول بنشيج
يقطع نياط القلب…..
“دا عقاب ربنا ليا صح…. هو ليه كل حاجة بتمناها
بتنتهي من قبل حتى ما تبدأ….ليه….انا مش عايزاها تسبني… طب حتى تاخدني معاها…ليه سيباني
هنا لوحدي ليه…”
بعد هذا الحديث المعذب للروح….
اندفع اليها واخذها بين ذراعيه بضعف فانخرطت هي في بكاءًا عنيف مرير على صدره تتشبث به بضياع وضعف يلين معه الحجر فما بال قلبه الذي أحبها حتى النخاع……
فبدأ يمسد على شعرها ويربت على كتفها… هامسًا بالقرب من اذنيها بعدة كلماتٍ مواسية حانية…ورقاها ببعض السور القرانية…حتى غفت بعد لحظات بين ذراعيه بتعب…..
…………………………………………………………..
فتح باب الشقة بالمفتاح ودلف الى الداخل ثم أغلق
الباب خلفه بحرصٍ حتى لا تستسيقظ فقد تأخر الوقت وقد أكمل السهرة في مستنقع القتال مع
بعض الأصدقاء القدامى…..
الذين اشتاقوا اليه والى صحبته ومناوشاتُ
الطريفة…قابل القليل منهم والباقية اختفوا
فجأة كحالة…….
تطلع في أرجاء الشقة فوجدها مظلمة عدا ضوء شاشة التلفاز المشتعلة مصدرة ضجيج….
القى حمزة سلسة المفاتيح على أقرب منضدة
ثم جر ساقة جرًا الى شاشة التلفاز…وهو لا
يشعر باسنانه الامامية بعد ان تلقى لكمتين
أسفل فكه اثناء الملاكمة…..
تسمر مكانه وهو يراها نائمة بالمقلوب راسها
يرتاح ارضًا بينما نصفها السفلي يعلوها متعلق
على ظهر الاريكة كمن تؤدي فقرة في السرك !!…
كانت ترتدي منامة حريرية وردية اللون واثناء تلك النومه الغريبة سقط قميصها للأسفل بفعل الجاذبية
مغطيه باطرافه نصف وجهها…..وكاشف عن بطنها المسطحة الممشوقة وصدرها المغطى بقطعة
انثوية رقيقة بيضاء…..
ازدرد حمزة ريقه بتأثر وهو يشعر بشيء يصب
في أوردته ساخن كالحمم البركانية….وعقله
يلح عليه بفعل كل ماهو غير اخلاقي معها….
كانت عبارة عن لوحة فنية وردية براقة…شعرها الأسود الغجري يفترش الأرض بحرية مطلقة
جسدها شديد الأنوثة والدلال وكأنها مرسومة
بالمسطرة كلحن لا يخطا الإيقاع…
بخصوص اللحن تلك المرأه قادرة على جعل قلبه
يطرق الطبول عند رؤيتها تتمايل على الأنغام وكانها
تتمايل على طبلة قلبه فلا يقدر على مقاومة سحرها
فيكن مأسور أمامها يراقصها بعصاه وكأنه يفرض
سيطرته عليها….فلا تتمايل على الاوتار الا أمامه
صانعه من قلبه ومشاعره نغمة خاصة معها..
زفر حمزة نفسًا ساخن متعب وهو يقترب منها
أغلق التلفاز واتجه اليها ثم حملها بين ذراعيه بخفة
واتجه بها الى غرفة النوم التي تبيت بها….غرفتهما الخاصة… الحلم البعيد بنسبة له…..
أضاء حمزة الغرفة ثم اقترب من الفراش ووضعها
عليه برفق ثم دثرها بالغطاء….وكان ينوي المغادرة لكنه توقف قليلا وحانت منه نظر الى ملامحها المستكينة الجميلة بلمحة شعبية أصلية شامخة….
سقط قناع التجهم والسخرية عن وجهه فجلس
على عقبيه بجوار حافة الفراش مستمتع بهذا
القرب يتأملها في نومها بحرية دون ان يتغافل
عن اي تفاصيله بسيطه بها…
هو مغرم بكل شيءٍ بها….
كان سابقًا يفكر كاي شاب لم يسبق له الزواج بان اكثر شيءٍ يغرم به الرجل في جسد المرأه هي
مفاتن تشبع الرغبات مفاتن مكتنزة لينة….
والآن بعد ان وقع في هواها وجد نفسه يغرم
باشياء غريبة بها…
مثل الترقوة البارزة أعلى صدرها تغريه بالقبل
مغرم هو باصابعها الرفيعة الطويلة كالمشعوذات..
يحب شعرها الغجري المتراقص، يحب خصرها الميال الى الهوى والأنغام يعشق عيناها البُنية هاتين العينين قهوته في كل الأوقات….
تنهد حمزة والابتسامة تعرف الطريق لعيناه…فمد
يده واخذ خصلة من شعرها يلمسها ويلفها بين
اصبعه بعينين مبهورتين من جمال خصلات
شعرها اللولبي الناعم…..
مالى عليها يملئ انفه بعطر شعرها الزاكي طيب
الرائحة..شردت يد حمزة وبدا يلامس قسمات
وجهها برقة… وعينيه شغوفتين في النظر إليها
ناعمة بشرتها جذابة قسمات وجهها بها لمحة
شامخة دليل على عنفوان وعناد تتمتع بهم
وهو ادراى الناس براسها اليابس…لكنها تمتلك
قلب لين يجيد الحب والحياة…..
وهذا ما يجعلهما غير متعادلا بالمرة…فهو مزال يبخل بالحب والحياة على نفسه فكيف سيقدم لها ما تريد
ان يبادلها إياه…..
قلبه مقيد بسلسال مسننه بالمخاوف لا يصلح للحب
ولا للحياة…..قلبه محشور في دهاليز الماضي… المظلمة…..وغير قادر على التحرّر منها…
مهما ادعى انه بخير يكتشف انه بعيدًا كل البعد
عن تلك الجملة….فهو يحارب وحده في وحشة
الظلام…نفسه وافكاره….وما مضى من عمره ؟!..
وصلت اصابعه الشاردة بلا اهداف الى شفتيها الحمراء ثغرها الشهي لا يدعو للقبل بل يجذبك
بقوة إليه……
مالى عليها يريد قطف قبلة من تلك الشفاه الناعم والتي اقسم يومًا ان يدللها بالقبل حتى تعتاد الدلال
منه….
تمايلت قمر بوجهها تبتعد عن مرمى فمه وهي تشعر
بان هناك شيء ثقيل فوق صدرها….وانفاس رجولية
حارة برائحة القهوة….تتسلل الى رئتاها…
فتحت عيناها عند تلك النقطة باتساع ناظرة اليه
بصدمة…..
لتجده بالقرب جدًا من وجهها يمط شفتيه للأمام
في وضعية التقبيل…فكان كل ما يفكر به هو سرقة
قبلة سطحية من فوق شفتيها قبل الخروج من الغرفة……
زم حمزة فمه باحباط…
“اي ده انتي صحيتي ليه..”
قالت قمر بعنفوان….
“هو اي اللي صحيتي ليه انت بتعمل اي هنا…”
اجابها بجدية….
“بغطيكي…..دا جزاتي يعني شيلتك من برا لحد هنا…قطمتي ضهري…..”
بلعت ريقها وهي تستوي على الفراش
جالسة…. “وكنت مميل عليا كدا ليه….”
قال حمزة بمناورة…..
“ابدًا كان في حاجة على عنيكي بشيلها….”
ضاقت عينا قمر بتشكيك…..
“كنت عايز تبوسني….أعترف… ”
عقب حمزة بفظاظة….
“اعترف بأيه بظبط…هو انا شايفلك شفايف
عشان أفكر ابوسك…. اتنيلي وكملي نوم….”
شعرت قمر بطعنة مهينة في انوثتها لكنها لم
تتركه يفوز عليها فقالت بمراوغة….
“طالما ده رايك يبقا لازم اروح احقنهم….”
احتدت نظراته عليها فأمرها بصرامة….
“عارفه لو حاولتي تبوظي اي حاجة في
شكلك هقتلك…”
كتفت ذراعيها امام صدرها
باستمتاع…
“والله انا برد على كلامك….”
نظر الى وجهها قليلا ثم هتف بوقاحة…
“لو قولتلك اني كنت عايز اعمل كده فعلا هتسبيني……”
توهجت وجنتيها فجأة فقالت
بتلعثم… “لا طبعًا….مستحيل….”
اوما حمزة براسه بتفهم….
“وانا اصلا مش هقرب منك… ولا هاخد حاجة غير برضاكي……”
قطبة قمر جبينها بصدمة شاهقة بقلق بعد ان
انتبهت للكدمة الحمراء عند فكه…..
“اي اللي في وشك ده ياحمزة..”
اسبل اهدابه متهربًا….. “اصلي اتخبط….”
قالت بضجر…. “كداب..مين ضربك؟!….”
نظر حمزة الى وجهها الجاد في سؤالها…وكأنها تتمثل الان بصورة الأم…..البطلة….المدافعة عن صغارها…
لطالما أسرت قلبه بتلك الصورة الخاصة…الحانية…
“بتضحك على إيه….”
سالته قمر بملامح منكمشة بتعجب..وقد انتبه
حمزة انه ضحك بالفعل اثناء شروده….
غامت عينا حمزة بالحزن وهو يخبرها…
“افتكرت امي…..أول يوم روحت في المدرسة
ورجعت مضروب سالتني نفس السؤال
مين ضربك ؟!….”
ابتسمت قمر وهي تساله بفضول…
“وقولتلها إيه بقا…..”
تابع بنبرة مليئة بالحنين لأمه….
“اللي فاكره اني اترميت في حضنها وقعدت
اعيط….وقولتلها مش عايز اروح المدرسه خليني
معاكي وهسمع الكلام ومش هنزل العب بالكورة
في الشارع…..”
“وقتها خرجتني من حضنها وقالتلي لازم تتجدعن
في المدرسة وتبقا شاطر…عشان تبقى الدكتور حمزة……”
“ساعتها قولتلها انا مش هبقا دكتور انا هكمل في الكورة وهلعب في أكبر نادي….”
انحنت الابتسامة على محياه بحزن مرير
مضيفًا…..
“لا كملت في الكورة ولا بقيت دكتور….”
قالت قمر بتعاطف…
“مش كلنا احلامنا بتمشي مع ظروفنا….ساعات
الظروف بتبقا اقوى وأكبر من أحلامنا…”
ثم مسكت كف يده بدعم متابعة….
“بس ربنا بيعوض…وانا متاكده ان ربنا
هيعوضك خير…..”
تبادل معها النظرات لبرهة ثم شبك يده بيدها
معانق اصابعها كما اعتاد معها…ثم قال بامتنان…..
“مش لسه هيعوضني هو عوضني خلاص بيكي وباخواتي البنات….عوضني باحن وأجمل تلات
ستات في الدنيا…هعوز اي تاني بعدكم…”
أسبلت قمر عيناها بحزن وهي في دوامة مع
افكارها وحديثه….
قال حمزة بصوتٍ متلهف
متوسل….
“قمر…..ينفع اطلب منك طلب….”
قالت قمر بإيجاز…
“حاضر هقوم اعملك فنجان قهوة…”
اوقفها قبل ان تتحرك من مكانها ثم نظر لبُنيتاها
الامعة بالحزن….وطلب منها بخفوت…
“مش عايز قهوة…..انا عايزك انتي….خليني انام
جمبك النهاردة…..في حضنك….”
فغرت شفتيها بصدمة مرددة…
“في حضني ؟!!…”
قراء التردد على ملامحها وربما الرفض سيكون
الجواب على طلبه…لذا نهض من مكانه منسحب
بكرامة…..
“تصبحي على خير…”
مسكت ذراعه تمنعه من الإبتعاد….قائلة
بتردد….
“استنى ياحمزة….موافقة.. بس اوعى تمد
ايدك كده ولا كده…..”
اكتفى حمزة بايماءة مهذبة…دون
وعود….
“مع انها صعبه ياقمرايه…بس هحاول…..”
استلقت بظهرها على الفراش باعصاب مشدودة مغضمة جفنيها بتردد..وهي تأخذ انفاسها باضطراب..
سمعته يغلق أنوار الغرفة ثم انضم اليها فوق الفراش بعد ان اغتسل وبدل ملابسه بأخرى نظيفة ومريحة…
اختلج قلبها بين اضلعها بقوة وهي تراه يجذبها
من خصرها اليه بعد ان نام على جانبه وهي كذلك
والوجوه متقاربة بشدة والانفاس تتلاقي خلسة بعذاب……والقلوب تقرع بصخب بين الأضلع..
انصهر جسدها بعد ان احتوى خصرها بيداه
بسطوة مقربها منه أكثر….
فرفعت هي أيضًا يدها تضعها على كتفه وبدأت تعبث
باصابعها في شعره الغزير الناعم بشرود حزين..
هل نست كل شيءٍ ببساطه…لماذا واقفت ان يشاركها الفراش وياخذها في احضانه…وكانها كانت متلهفة
لهذا الطلب…
ان قلبها يحترق صبابة…..وهذا ما يزيد مقتها
عليه وعلى قلبها الولهان فهو يتوغل اليه بسهولة
ويسر..بينما هي فشلت حتى في ان تطرق باب قلبه ؟!!..
داعب حمزة انفها بانفه بخفة واصابع يده تداعب
خصرها الغض دون ان يحرك كف يده….
بلعت قمر ريقها هامسة
بضعف…
“حمزة….احنا اتفقنا….”
سالها حمزة بلؤم…بين الظلام الحالك المغطي وجهيهما..”وانا عملت إيه….”
قالت بضعف…… “انت عارف….”
رفع حمزة كف يده ووضعه على خدها يلامس قسمات وجهها باصابعه الخشنة وكانه يرسمها
بشوق… هامسًا بخفوت ارتجف معه جسدها
بتأثر حميمي….
“كنت مفكر ان حضني وحشك….زي مانتي كل
حاجة فيكي وحشاني…..”
لمس شفتيها بابهامه…فهمست قمر
بلوعة.. “حمزة….”
طبع قبلتين على خدها بالقرب من شفتيها هامسًا
بلهفة وشوق…..
“قلب حمزة…وعيون حمزة…انتي كل حاجة عند
حمزة ياقمري…..”
على صوت تنفسها وهي تغمض عينيها
بعذاب….
“أرحم قلبي ياحمزة….وسبني أبعد…”
زمجر حمزة بعاطفة جياشة…..
“مقدرش…..مقدرش اكمل حياتي من غيرك…ارحميني
انتي من كلامك ده وشيلي موضوع الطلاق ده من دماغك….عشان انا مش هسيبك غير بموتي..”
ساد الصمت بينهما حتى سالته في الظلام وهي
بين ذراعيه….. “بتحبني ؟!!..”
انعقد حاجبيه وهو ينطق اسمها هاربًا من
الإجابة…. “قمر….”
قالت بنبرة تقطر أسى….
“صعب تحبني…لانها لسه عايشة جوا قلبك مش كده….”
اجابها حمزة بنفي…..
“والله أبدًا…..هي مبقتش فارقه معايا اصلا..ليه
بتجيب سيرتها دلوقتي….”
لم تجاوبه بل ابتعدت عنه مستديرة للناحية
الأخرى توليه ظهرها وهي تقول بهدوء…..
“تصبح على خير…..”
استلقى حمزة على ظهره متاففًا ثم مسك كف
يدها رغمًا عنها ووضعه على صدره فوق مضغة
قلبه العنيفة مجيبًا بفتور….
“وانتي من اهله ياقمراية…..”
هذا الفتور لا يتناسب مع مشاعره المشتعلة بجوارها ولا خفقان قلبه الهيمان بقربها….تنهد بضيق وهو يشعر بالفجوة تزداد اتّساع بينهما لكنه يريدها معه…هي موطنه حاضره ومستقبلة….وهو لن
يتركها حتى ان كان هذا قرارها !!…
……………………………………………………….
في الصباح رفع كف يده ومررها على الفراش
بجواره فوجد المكان خالٍ بارد…..
فتح عيناه بتكاسل وهو ينادي عليها وراسه
مازلت على الوسادة…
“قمر…..قمر…..”
لم يجد إلا الصمت ردًا عليه….
قرع قلبه بين اضلعه على نحوٍ مفاجئ كجرس
إنذار……وهو ينتفض في نومته ناهضًا عن الفراش
يبحث عنها في أرجاء الشقة….
بحث في كل ركن بالشقة بعينين ناعستين حانقتين…
وصدرٍ مشتعل كأتون حارق…بعد ان تأكد انها أخذت المفتاح من جيب بنطالة ورحلت….هربت من
جديد….
وقف حمزة في منتصف صالة الشقة ورفع الهاتف
على اذنه مغمغمًا بضيق….
“واضح ان الطفاشان ده أسلوب حياة عندها…”
فتح الخط بعد لحظات وقالت قمر بهدوء
من بين الضجيج حولها ….
(أيوا ياحمزة….)
جاشت مراجله من ردها الهادئ فصاح عليها
بعنف…..
“ايوا ياحمزة ؟!!….انتي فين ياهانم….”
ردت بنفس النبرة…
(بتسوق…..)
جفلت ملامح حمزة بشدة…..
“إيه !!….فين.. ”
قالت قمر بتعجب….
(في السوق بتسوق…انت مش سامعني ولا إيه…)
ثم تركته على الخط وتحدثت مع البائع
بجدية شديد وحذق…..
(بكام الطماطم ياخويا….هاخدها بخمسة….لا
متقلبش وشك بالله عليك انا مش ناقصة كفاية
اللي عندي في البيت….)
رفع حمزة حاجباه جافلا…بينما غمغمت هي
على الناحية الأخرى..
(رجالة تجيب الغم…..)
جز على شفته بغضب…
“مين دول اللي يجيبوا الغم يامهزءه…..”
قالت قمر بتبرم….
(انا فعلا كده عشان رديت عليك اصلا…اقفل بقا
انا شوية وجاية….)
صاح حمزة منفعلا….
“شوية وجايه إيه….انتي ازاي تخرجي من غير
من غير ما تقوليلي….”
قالت باختصار……(مانت كُنت نايم…..)
قال حمزة بتشنج…..
“والله متعرفيش تصحيني يعني….”ثم سالها
بضيق…..
“انتي خدتي كام من جيب البنطلون ؟!…”
قالت بعد فترة بضجر….
(انا قولت برضو المكالمة دي مش لله وللوطن…
معدتش خدت بالبركة…)
انعقد حاجباه عابسًا….
“هو اي اللي خدت بالبركة…هما شوية فكة…دي فلوس مجمدة..”
اجابته ببلادة….
(اه مانا عارفة…. مانا فكتها…)
مسح حمزة على وجهه بجزع….
“ماشاء الله عليكي جدعة…ما علينا…واضح ان اللي بيروح مبيرجعش…انتي فين بظبط….عشان اجي اخدك….”
قالت قمر بعنفوان…..(تاخدني إيه هو انا هتوه…..)
اكد حمزة بصلابة….
“اه هتوهي انتي روحتي السوق دا قبل كده…”
ظهر بعضٍ من التردد في صوتها….
(أول مرة….بس..يعني انا عارفه شكل العمارة بتاعتنا….)
إرجع راسه للخلف بصدمة مهللًا…
“أهلًا !!….شكل العمارة….مش العنوان…..”
قالت قمر بحرج مترددة….
(هو المفروض أعرف العنوان مش شكل العمارة…
اصل انا معلمة الشارع بتاعنا بصالون الحلاقة اللي
عنده الشجرة المعوجة….)
زاد قلق حمزة عليها وشعر بمن يقبض على عنقه
بقوة مؤلمة…فانفعل عليها بتقريع…..
“الشجرة المعوجة… ينهار مش فايت… انتي اي اللي خلاكي تتزفتي تخرجي تروحي السوق… ما قولتلك هاخدك من ايدك واعرفك الإماكن وبعد كده ابقي اتعملي لوحدك….”
قالت قمر بحرج اكبر……
(قولت اعملهالك مفاجأة… عشان تعرف انا
قد اي شاطرة ومفتحه…..)
التوى فكه بتشنج قائلا….
“هي مفاجأة فعلا… مفتحه إيه؟!!… ياريتك
مغمضة ياريتك مغمضة….”
قالت قمر بتململ…..
(طب خلاص بقا متقعدش تكسر في مجاديفي…
انا هستناك هنا عند الفكهاني….)
تافف حمزة بعنف وقد عيل صبره….
“هي اصطباحه باينه من أولها….طب اعمل فيها
إيه دي….اقتلها واخلص العالم من غبائها.. ”
سالته قمر بحيرة…..(اعمل اي طيب انا….)
سالها حمزة بحنق….
“انهو فكهاني اللي هتزفت اخدك من عنده…”
قالت ببراءة……(اسمه عم ربيع…)
نشد حمزة باستياء مضنيًا…..
“يارب…هي مرارة واحده وانا حاسس اني
هاشلها قريب….”
تبرمت قمر متاففه اكثر منه….
(في اي ياحمزة…. طب اقف عند ام سماح بتاعت
الفجل والجرجير….)
ارتفع حاجبيه بصدمة معقبًا بقنوط…
“انتي هتشليني يابنتي… يعني عرفتي السوق
كله ومش عارفه انتي فين….بقولك ايه.. هو
ربيع الفكهاني ده راجل كبير ولا شاب.. ”
قالت بسرعة كـنشرة أذاعية….
(عنده سبعين سنه….. متجوز اتنين ومخلف سبع
عيال كلهم شهادات علية مفيش غير ابنه الكبير
بس هو اللي شغال معاه فارش بفرشة على أول الشارع….)
اربد حمزة بالغضب متوعدًا والصدمة تعلو
وجهه….
“ينهار اسود… دا انتي جبتي تاريخ حياته….انتي
راح تتسوقي ولا راحه تتسايري مع الناس….اه لما اشوفك هنفخك ياقمر….”
قالت قمر بسأم….
(الله وانا مالي هو اللي قعد يتكلم قدامي مع
واحده واقفه جمبي….)
تمسك حمزة بزمام الصبر قائلًا….
“جمبك !…اديني الراجل ده اما أعرف انتي فين
بظبط…..”
(عم ربيع….عم ربيع…..)نادت عليه قمر بنبرة مرتاحة
مليئة بالمحبة والالفة وكأنهُ احد اعمامها….بينما رد الرجل بنبرة مبهجة….
(نعم ياقمورة…..)
شعر حمزة بالقرون تنبت وتترعرع فوق راسه وتزداد
ثقلا فغمغم وهو يستشيط غضبًا….
“قمورة ؟!!!… ورحمة امي مانتي معتبه السوق
دا تاني…”
بعد ان انهى المكالمة مع الرجل تحدث اليها بصرامة
قائلا كمن يحاكي طفلة حمقاء…..
“ربع ساعة وهتلاقيني عندك….خليكي مكانك اياكي
تتحركي….سامعة اياكي تتحركي…. ”
قالت مذعنة برقة…
(هفضل مكاني بلاش تتأخر عليا…الشمس كلت دماغي…..)
“شوية وجاي مش هتأخر….. “اتجه الى الغرفة
بعجلة واخذ أقرب شيءٍ أمامه وبدا يرتديه فوق ملابس النوم دون حتى ان يغسل وجهه…او
يبدلها !….
مما جعله يزفر بغضب بعد ان أدرك الأمر..فنزع ما ارتداه مجددًا وهو يتمتم بكلمات نابية…..
سالته قمر بريبة…
(مالك بتنفخ ليه…..)
رد بضيق بالغ…..
“اقفلي دلوقتي دقايق وهتلاقيني عندك….”
على الناحية الأخرى اغلقت قمر الخط معه وعلى محياها ابتسامة خبيثة….متوعدة له بأيام كثيرة
كتلك…….
زفرت بارتياح وهي تغمغم بلؤم….
“الغبي صدق اني توهت فعلا…ميعرفش اني
جيت هنا اكتر من مرة مع كيان وشهد…وقت
فرش الشقة…”
برقة عيناها بالوعيد مغمغمة بمكر أنثوي….
“ام جننتك ودوختك ورايا….مبقاش انا قمر….”
…………………………………………………………
ترجل من السيارة وهو يرفع عيناه على دكان
الفاكهة التي تنتظره عنده….
عندما ابصرها بعيناه تقف هناك ومن حولها المشتريات التي ابتاعتها من السوق….تقف بصمتٍ بائس تزم شفتيها المكتنزة وهي تنظر للأرض بملل…
الان شعر بانه يتنفس كباقي البشر وهو يتقدم منها
بخطوات ملهوفة رغم ان معالم وجهه جامدة متجهمة….
رفعت قمر عينيها بلا اهداف وكانها شعرت بسهام عيناه قبل ان تتلقاها….ابصرته يقترب منها متجهم
الوجه عابس النظرات لكن خطواته أسرع من الركض
وكانها تاهت بالفعل في الزحام ووجدها بعد عناء ؟!
ابتسمت عنوة عنها فرغم هالة الهجوم المصاحبة خطواته هناك شوقًا لا ينكره الأعمى….
عندما وقف امامها خفق قلبها برهبة من ان يتصرف
معها بأسلوب غير آدمي امام المارة…..
اتسعت عيناها بقوة وعلى وجهها علامات الغباء
وهي تراه يضمها الى صدره دون ان يتفوه بكلمة واحده ضمها لثواني معدودة ثم أبتعد مثبت كف
يده على منكبها
“انتي كويسة…..”
رفعت حاجب واحد بريبة وكانها تنظر لمختل..
فهذا ليس زوجها…الـ…المتجهم العصبي…الساخر
الغليظ….الفظ…..
هل الكدمة التي تترك اثر الآن على فكه هي من احدثت خلل في عقله ؟!!….
“مالك ساكته ليه…في حد هنا ضايقك…”
قالت بتبرم….. “محدش يقدر….”
“عرفت اربي يعني ؟!….”قالها ببسمة صغيرة
وبعينين صارمتين أمرها…..
“طب يلا على البيت يامحترمه…”
اومات براسها ببرود مشيرة على الاكياس الكثيرة
أسفل قدميها كالاميرة….. “طب شيل الكياس….”
زم شفتيه وهو يكبح غضبه ومال يحملهم
جميعًا معقبًا….
“انتي حطى فيهم طوب….وبعدين اي دا كله
دا احنا إتنين….”
ردت ببرود….. “تسوقيت الأسبوع…..”
استقلّ السيارة بجوارها بعد ان وضع
الاكياس….
“مفيش تسويق تاني أنسي….”
سالته وهي تنظر للامام
بوجوم….
“ليه بقا ان شاء الله….”
رد حمزة بغلاظة….
“ابدا… روحتي بس السوق معرفتيش ترجعي….”
قالت بتململ…. “عشان أول مرة….”
ازداد تجهم وجهه وهو يرمقها شزرًا….
“لا أول مرة ولا اخر مرة…وبعدين تعالي هنا إزاي
البياع يقولك ياقمورة….انتي بتاع إيه تقوليلو
على أسمك ؟!….”
هزت كتفها ببساطه….
“عادي يعني مش بياع وكده….”
زجرها حمزة بضراوة…..
“هو بياع في سجل المدني….بيشوف البطايق قبل
ما يبيع فين مخك ياهانم..”
قالت بسماجة…… “في راسي….”
“يالهوي على الضحك هموت….”ادعى الضحك بنظرة
سفاح يريد سفك دماؤها…..ثم مسكها من عند كتف
العبائها الانيقة وقربها منه بشكلا غير آدمي….
“فين بقيت الفلوس يابت….”
قالت بأسلوب متشرد…. “ملكش فلوس عندي….”
لمعة عيناه بتسلية وهو يقول….
“هو شغل نصب بقا ولا إيه…اطلعي بالفلوس
لحسان ارميكي للسمك….”
قالت بجسارة….. “متقدرش….”
ضاقت عينا حمزة قائلا بنبرة خافته مخيفة….
“أقدر….وافتكري انك عندك حساسية من الماية المالحة…يعني هتتعذبي قبل ماتموتي غرقانه..”
لوحت بيدها بجسارة الرعاع….
“بقولك إيه تعرف تسكت….مالاخر بقا ملكش
فلوس عندي…..واللي عنده معزة يربطها..”
فغر شفتيه وهو يتركها ناظرًا للطريق ثم إليها معلق بسخرية لاذعة…
“اي الكلام اللي مش راكب على بعضه ده..انتي
بتحولي تبقي شبح معايا….على بابا يابت..عيب…”
زمت قمر شفتيها تكتم ضحكة صاخبة….سعيدة بالمناوشة معه..وحتى ان كانت غليظة وسمجة مثله…..
“وصلنا انزلي….”
بعد هذا الأمر الخشن الخطر…..ترجلت من السيارة وسارت امامه وهو خلفها يحمل المشتريات بين يداه الإثنين متجهم الملامح عابس النظرات….
عندما دخلا الى الشقة كانت أول من ركضت الى غرفتها تختبئ بها كما حدث عند عودتهما من
الفندق ليلًا….
أغلق باب الشقة بسرعة وترك ما بين يداه يقع ارضًا وركض خلفها……وقبل ان تغلق الباب عليها وضع حمزة قدمه معرقلا ثم دفع الباب بجسده بقوة….
فوقعت قمر ارضًا على مؤخرتها تتأوه منها…بينما
دخل هو اليها بخطوات متباطئه راغب في ارهابها
مع نظرة تشع مكر الثعالب…
“عارف لو قربت مني هصوت….”
قالتها وهي تبحث بعيناها عن مفر…بينما هتف
حمزة بغضب….
“انتي ازاي تخرجي من غير ما تقوليلي…متجوزه
سوسن…..”
هجم عليها حمزة فحركت قمر ساقيها بعنفوان وتلقائية مدافعة عن نفسها وقلبها يرتجف بين اضلعها….
اعتقل حمزة ذراعيها بقبضة يده وهو يميل عليها مزمجر بغيرة….
“وبتاع إيه تعرفي أسمك لده ولده….انتي راحه
تجيب طلباتك ولا راحه تتعرفي على الغرب..”
صاحت قمر بوجهٍ محتقن كالدماء…
“سبني ياحمزة بقولك…متبقاش حيوان…”
هتف حمزة بعنف….
“انا حيوان……ياللي خالك عثمان الدسوقي…”
هتفت قمر بصدمة وهي تحاول التملص
منه….
“انت بتعايرني بإيه ماهو أبوك !!..”
صرخ حمزة فجأة متأوه وهو يبتعد عنها بسرعة واضع يده على سحابة بنطالة..قائلا بوجهٍ
محتقن بالألم…..
“ضيعتي مستقبلنا…..هتجوزك إزاي دلوقتي….”
جحظت عيناها بصدمة وحرج ونهضت عن
الأرض سائلة بخوف…..
“انت كويس ؟!….”
ضرب حمزة على الحائط بكف يده كاتم الآه وهو
يهز راسه بنفي ووجهه يزداد احمرار…..
فركت في يداها بخوف وهي تقترح
بقلق…
“طب…. طب اجبلك مايه ساخنة…..”
جز على أسنانه بوجع…… “هو انا بولد !!…”
رمشت بعينيها بهلع قائلة….
“ساقعة طيب…..طب مرهم…..”
هز راسه وهو يفقد صبره……
“معنديش تسلخات….الموضوع أصعب من كده بكتير…”
ثم رفع اصبعه بصرامة قبل ان يبتعد عنها
نهائيًا…
“عارفه لو منفعتش بعد الشلوت ده… هحرمك
من متع الدنيا معايا…..”
وقفت قمر مكانها بملامح مرتابه شاعرة بالشفقة
عليه فكانت الركلة قوية لكنها غير مقصودة…
بعد فترة من الوقت…..
كان حمزة يجلس امام التلفاز بعد ان أخذ حمام بارد
وبدل ملابسه وقد قل تجهمه قليلا عن محياه لكنه مزال صامتًا يمتنع عن التحدث معها…..عقابًا على ما فعلته صباحًا……
وضعت صنية الإفطار على الطاولة أمامه ثم جلست
جواره على الاريكة وفي لمحة خاطفة طبعة قبلة
صغيرة على خده هامسة برقة….
“انا آسفة….”
قال بملامح جافية دون النظر اليها…
“آسفه على اي ولا إيه…”
“على اني خرجت برا من غير ما قولك…مكنش ينفع
اعمل كده…انا آسفة….مش هتكرر تاني وعد…”
سحب حمزة نفسًا طويلا خشن…فلكزته قمر
قائلة بانين متوسل….
“خلاص بقا ياميزو سماح المرادي…..”
رد بضجر….. “معرفهاش…..”
عقدت حاجبيها سأله…… “هي مين؟!….”
اجابها بجدية….. “سماح دي…..”
رمشت باهدابها بسأم…
“آه من خفة دمك….اللي هتجيب أجلي….”
لوى ثغره هازئا…..
“الحال من بعضه….عامله فطار إيه….”
اعتدل في جلسته ومالى للامام ينظر الى صنية الفطور بينما تجيب قمر بجذل….
“بيض وجبنة وفول….”
تجهم وجهه بعدم رضا…
“في عريس يفطار بيض وجبنة وفول….”
قالت بضيق…
“امال انت عايز تفطر إيه….”
قال حمزة بتذمر…
“ظفر…طبيخ محاشي مشاوي…إيه مبتعرفيش
تطبخي؟!!….”
حركت قمر بؤبؤ عينيها بسأم…
“لا إله إلا الله…وكانك مكلتش من ايدي قبل كده..دا
احنا كُنا عايشين مع بعض في نفس البيت…”
قال بجزع….. “طيب وريني بقا شطارتك….”
اومات راسها بهدوء….
“ان شاءالله امال انا روحت السوق ليه يعني…”
ثم تناولت بين يدها ضمادة ثلج ووضعتها
اسفل فكه المتورم….قائلة باهتمام حاني..
“خد حط التلج دا على وشك…وشك
ورم اكتر من الأول….”
مسك حمزة الضمادة بصمت مذعن…بينما
سالته هي بالحاح….
“برضو مش هتقولي مين ضربك….”
رد حمزة باختصار….
“مفيش حد ضربني… كنت بلعب ملاكمة…”
عقبت بحيرة….
“بتلعب ملاكمة؟!.. انت صغير….”
التوى ثغر حمزة بابتسامة غريبة…
“صغير !!… امال لما تعرفي انها كانت اكل
عيشي زمان هي و الكورة…”
بدأت تأكل وهو معها يتشاركا وجبة الفطور
بالفة…..” إزاي بقا….”
مضغ الطعام وهو يخبرها بايجاز….
“لعب على الفلوس…. الكسبان بياخد اللي في النصيب….”
تغضنت زاويتا عينيها بالشفقة…
“لدرجادي……حياتك كانت صعبة
بشكل ده….”
شعر بلكمة قوية ازاء سؤالها المشفق الحزين…مما جعله يتكتم عن الكثير…..قائلا بخفوت….
“افطاري بس وبعدين نبقا نتكلم….”
قالت قمر بانزعاج…..
“بلاش تلغوش على السؤال… ورد عليا اي اللي
خلاك تروح تلعب تاني كنت محتاج فلوس…”
هز راسه بنفي وهو يشعر بان القمة تقف في
حلقه…..
“لا كنت محتاج ارتاح واطلع الغلب اللي جوايا…”
قالت بتردد…… “قصدك إيه…..”
نظر لعيناها نظرة توغلت الى اعماقها جعلتها
ترتجف داخليًا بعذاب…بينما قال هو باختصار
غليظ…..
“قصدي انك الغلب اللي مغلبني معاه….”
فغرت قمر شفتيها ولم تتوقعها منه…انها الحقيقة لكنه السبب في وصولهما لهنا….هل نسى ما فعله…
ام ان سكوتها وتقبلها للحياة معه سيجعله يرى
نفسه ضحيتها ؟!!….
ولماذا قبلت بالاستمرار معه بعد كل ما حدث…اي غباء جعلها تظل هنا معه وحتى ان لم تنطق بالقبول بلسانها يكفي عينيها التي تشي بالكثير
مما تتمنى اخفائه عنه…..
“خدي دي مني…….” قالها حمزة بصوتٍ حاني
وهو يمد لها لقمة مغمسة بالجبن….
فقالت قمر بامتناع…… “مش عايزة….”
“عشان خاطري ياقمراية…..”
قرب اللقمه من فمها أكثر وهو ينظر لها بعسليتان جذبتان ساحرتان عاشقة هي لهما بكل جوارحها..
جبارة نظرة عيناه وهمسه الحاني ان قلبها
ينصهر الان بين اضلعها بعذاب….
لم تقدر على المقاومة أكثر فهذا الوسيم متجهم الطباع يثير مشاعرها من أقل شيء يقوم به…
فتحت فمها ببطء وعيناها عليه.. بينما هو لا يحيد عيناه عنها حتى بعد ان بدأت تقضم القمة ببطئ شديد وبعينين ضائعتان في درب عسلي قاتم……
مد حمزة يده الى فمها مبتسمًا وهو يمسح طرف
فمها من الزيت ثم وضع اصبعه في فمه وامتصه اثره بنشوة ثم عاد بعدها للطعام بصمتٍ بينما هي…هي مزالت على وضعها هيمانة العينين
والقلب يحترق صبابة…
…………………………………………………………..
أصعب فترة تعيشها الان هي فترة حملها وتغيرات
جسدها وحالتها النفسية المتقلبة….
ورغم ان الأمر مرهق وكل مرحلة في الحمل تاخذ
من جهدها وصبرها.. إلا انها تشعر بانها تتغير للأفضل
وكانها تنضج مع هذا الصغير كلما زاد في عمره
يومًا يزداد إتساع فكرها وعقلها استيعابٍ للقادم
والذي يجب ان تؤهل له بمشاعر الأم ونضجها..
يحتاج هذا الصغير للكثير ووالده يحتاج للاكثر وهي
كل ما تحتاجة جزءًا بسيط في يومها لرؤيتهم
راضيين بها كأم وزوجة وربة منزل رائعة لهم….
صفعها الهواء بخفة ورذاذ الماء يداعب وجهها..فوقع
طرف من الحجاب عن كتفها فاعادته بسرعة على كتفها في تلك اللفه العصرية التي تناسبها وتزيد
وجهها بهاءًا وحشمة…..
“قولتلك مية مرة غيري لفة الطرحة دي..فيها ايه
لم تطوليها وتداري صدرك……”
قالها سلطان بغلاظة وهو يسير معها على (كورنيش الاسكندرية) على البحر مباشرةً عند الغروب…
فاخيرًا عطف عليها ووافق على مرافقتها و السير معها على البحر بعد ان رأى ان حالتها النفسية
تسوء من الجلوس في البيت طوال الوقت…
والان يفتعل المشاكل كاي زوج شرقي أصيل خرج
من البيت رغم انفه فيريد ان يعكر صفو زوجته ويجعلها تلعن الحياة كارهه نفسها قبل الجميع..
انها خطه في منتهى الذكاء لكنها لن تفلح معها فهي على كامل الاستعداد لابتلاع الحصى الذي يخرج
من فمه عوضًا عن العودة للبيت والجلوس به….
انها كادت ان تجن بين الحيطان وكأنها في سجن مشدد وممنوع الحركة والا ستكون العواقب
وخيمة…
هذا الصغير قيدها بالحديد ومزال…مزالا لم يلتقيا
بعد.. ما بينهما الان حديث وشعور متبادل ام اللقاء الفعلي فلم يحدث بعد…..
نظرت الى زوجها بطرف عيناها ثم برمت شفتيها
قائلة بعناد…..
“اللفه دي اللي لايقه عليا ومخليه شكلي حلو…
وبعدين اللفه اللي بتكلم عنها دي انتهت من ايام
امي وامك….”
قال سلطان بغلاظة..
“كمان لفة الطرحه بقيتوا بتخترعوا فيها….”
قالت داليدا وهي تشير على النساء من
حولها…
“ما تفكك بقا ياسلطان انت مش شايف الناس…
التجديد مطلوب… ”
نظر لها بملامح واجمة غير متجاوبة…
“واحنا مالنا ومال الناس انتي هتتحاسبي بحساب غيرك….”
زمت شفتيها بضيق…
“اوف بقا مش هنخلص…داخلنا في الحلال
والحرام…وشوية وهتقلبها خطبة الجمعة….”
اكتفى سلطان بالصمت بينما قالت هي
باقتضاب…
“انت عايز تنكد عليا صح بدور على اي حاجة عشان
تقفلي اليوم…..جيباك غصب عنك صح….”
لم يرد عليها بل شد اطراف الحجاب الى الامام
قليلا بغيرة…..فقالت بجزع…..
“والله الفستان واسع…بطل غيره بقا….وفك شوية..”
جلسا على السور الحجري معًا…..فسالته داليدا
وهي تنظر الى البحر بسعادة…..
“اي رايك في البحر….”
رد باسلوب جلف…..
“كأني أول مرة اشوفه يعني…مانا عارفه وحفظه
البحر والمكان كله….”
قالت داليدا بظفر مغوي…
“ايوا بس معايا انا حاجة تانية…..”
رد سلطان بغلاظة…
“لا والله انا شايف ان هو هو مفيش جديد….”
برمت داليدا شفتيها وهي تصيح في
وجهه بغضب…
“انت حلوف كدا ياسلطن….”
رد باسلوب بارد….
“جعان ومكلتش…وتعبان وعايز أنام….”
على صوت تنفسها بتشنج وهي ترمقه شزرًا…
“مش بقولك عايز تنكد عليا….عمتًا انا مطبختش النهاردة عشان تعبانه شوية….”
قال سلطان بقنوط……
“انتي من قبل الحمل وانتي مش بتطبخي اصلا..
غير مكرونة ما تتكلش… ”
اثار حفيظتها اكثر فقالت
بدفاع…
“الله هو انت ناسي البطة….”
رمقها بسأم وهو يقول بمعايرة…..
“يااااه دي الحاجه الوحيدة اللي عملتيها من ساعة
ما تجوزتك….هي والبسبوسة اللي ترميها في الحيطة
تتردلك تاني….”
فغرت داليدا شفتيها….
“انت جاي تعايرني قدام البحر….”
استهان سلطان وهو يقول بنظرة لئيمه…..
“ومالوا البحر…..مش عايزة تخرجي وتنبسطي
اديني ببسطك…..”
قالت داليدا بوعيد شرس…..
“على فكرة انا ممكن كمان انكد عليك لما تروح
وابات في اوضة الاطفال زي الأول…”
تراجع سلطان عن مضايقتها
قائلًا…
“لا وعلى إيه الطيب أحسن…..”
رمقته داليدا بنظرة مسيطرة متشفية به…فلم
تعجبه نظراتها لذا قال بغلاظة مناكف إياها
بتسلية….
“بس اي الواحشة دي مناخيرك كبرت أوي….
انتي الحمل في مناخيرك ولا إيه…..”
جزت على اسنانها بغيظ وهي تكاد تخرج نارًا
من انفها بعد تعليقه الجارح على شكلها…
فرفعت انفها بكبرياء…..
“انا مش هرد عليك انا جاية انبسط واشم هوا نضيف……”
تقدمت منهما بائعة صغيرة تبيع الورد في
باقات صغيرة وجميلة….قالت البائعة وهي
تقف بجوارهما…
“ورد يابية….وردة للمدام ربنا يخلهالك….”
لمعة عينا داليدا بالفرح..بينما سأل سلطان
بخشونة…
“آلورد ده بيتاكل ؟!…..”
على التعجب وجه البائعة…بينما احتقن وجه داليدا
بالغضب…..فقالت البائعة متوجسة منه…..
“لا يابيه….دا ورد أحمر بلدي…..”
اكفهر وجه سلطان وهو ينظر الى داليدا
بطرف عيناه….
“وطالما مش بيتاكل عايزاني اشتريه ليه…اي
الفايدة منه هشمه شمتين وارميه….”
قالت البائعة بالحاح….
“يعني المدام مش عايزة ورد…..”
“مش عايزة شكرًا….”قالتها داليدا بتشنج…
ثم ابتعدت عنه ناهضة من مكانها ووقفت بعيدًا
عنه نسبيًا توليه ظهرها…..ووجهها للبحر تنظر
اليه بحزن والغضب يظلل عينيها السوداء…..
زم سلطان شفتيه وهو يشعر بانه ازعجها اكثر من اللازم وكان المزاح سخيف وغير مقبول…
كانت تتقبل في السابق لكن الحمل جعلها حساسة
اكثر من اللازم في اغلب الأوقات ولا تشاركه المزاح
كما كانت تفعل سابقًا……
وكانها تغير سجيتها مع كل يوم يمر عليها كأم تحمل بين احشاؤها نبته منه ومنها….
عادت عينا سلطان الى البائعة الصغيرة ثم قال
وهو ينظر لباقات الورد الجميلة بين يداها….
“هاتي الورد اللي معاكي كله.. بكام….”
دفع المبلغ وأخذ باقات الورد الحمراء الجميلة
ثم راى من بعيد طفلا صغير يمسك بلونة شفافة
تشع بألوان مضيئة تشبه المفرقعات النارية عندما
تنفجر في السماء القاتمة…
الوان ممزوجة بشكلا مبهر مبهج للعين…..ابتسم سلطان وهو يوقف الصغير ويساله بلطف….
“جبت البلونات دي منين ياشاطر…..”
أشار له الصغير على البائع وهو ينظر له ببراءة…
اتجه سلطان الى البائع واشترى منه خمسة بلونات مضيئة واتجه بهم اليها مع باقات آلورد الصغيرة
مسحت دمعة فارة من عينيها وهي تزم شفتيها
بقوة حتى لا تنفجر في البكاء…..
فوجدت من يمد يده لها بباقات صغيرة من الورد الأحمر…عقدت حاجبيها وهي تنظر اليه بحنق بالغ
لتجد البلونات المضئة في اليد الأخرى تسر العين
بألوانها الزاهية….
ضحكت ببراءة طفلة وهي تساله
برقة…”دول عشاني….”
رد بفظاظة….. “امال عشاني….”
رمقته داليدا شزرًا فابتسم سلطان وهو يحتوي
كتفها يراضيها وهو يهزها بخشونة…
“جرالك اي دودا من امتى وانتي بتزعلي من هزاري……”
لوت شفتيها مستهجنة…..
“مش بحب هزار البوابين ده…راعي اني حامل…”
اوما سلطان براسه بأسلوب مهذب لطيف
على غير العادة….
“حقك عليا ياحبيبتي….مكنتش اقصد
اضايقك…اي رأيك….”
اشار على الاشياء الجميلة المفرحة التي جلبها لها
فقالت بابتسامة صافية….
“حلوين أوي….الورد والبلونات تجنن….كنت
بشتريهم وانا صغيرة….”
قال بملاطفة….
“على أساس انك كبرتي يعني…ما انتي لسه
صغيرة….”
ضاقت عيناها باستنكار….
“مانا كنت وحشة ومناخيري كبيرة…”
مسك سلطان انفها بطرف اصابعه قائلا
بغزل….
“مناخيرك…. دا مفيش حاجة جيباني ومودياني
غير مناخيرك المسمسمة دي….”
ضربت كف يده ومالت بوجهها للبحر ناظرة
اليه بضجر…. “طب والبحر…..”
رد بقلة صبر مبتسمًا….. “حلو اوي معاكي….”
لوت فمها متبرمة….
“وبنسبة انك جعان وعايز تنام….”
رد وهو ياسرها بنظرة تشع بالكثير من المشاعر
العنيفة الوقحة….
“لما شوفتك شبعت…وانا اعرف ان للسهر عشر فوايد…..محدش يعرفهم غير السهيرة اللي زي
حالاتي….”
حركت راسها مستنكرة….
“على اساس انك بتسهر يعني….تمام سامحتك مع اني كنت حالفة انام في اوضة الاطفال…”
أوغر صدره بالغيظ معقبًا….
“يادي اوضة الاطفال اللي هلغيها لأجلك….”
صمتا فجأة وهما يبتسما ونظرة اعينهما معلقة بالبحر
الثائر بأمواج متضاربة مجنونة……ينسدل عليه شعاع
الغروب المتوهج بحمرة خلابة بينما هواء البحر المنعش و رذاذ الماء يضرب وجهيهما برقة مشاركهما
روعة المشهد بتفاصيل رائعة….
قالت داليدا بعد فترة بنبرة
متدلله…
“انت بتحبني ياسلطان….”
رد بجدية رغم حرارة صوته….. “بموت فيكي….”
“مش باين…” انكمشت ملامح وجهها بضجر
متابعة باقتضاب…
“أصل انت لو كنت بتحبني بجد..كنت جبت مع الحاجات دي سندوتش شورما بيتز بالسي فود…..واحد همبرجر….يعني عشان اسامحك
من قلبي بجد….”
جفل سلطان ينظر اليها بدهشة وحاجبه بدا يرتفع
بغضب واستهجان….
بلعت داليدا ريقها وهي ترمق تحوله الجذري
عليها بعد جملتها فقالت بوداعة وهي تهز
كتفها…
“الهدايا حلو وكل حاجة…بس الأكل شيء
اساسي مينفعش يتنسى….وبصراحة الواقفة
قصاد البحر بتجوع….. ”
ارجع سلطان راسه ناظرًا اليها بقوة ثاقبة
تتوغل الى اعماقها…..
“بيجوع ؟!!….انا كنت حاسس من الأول..
ماهو مش معقول الحمل هيغيرك مية
وتمانين درجة….هاتي كده…. ”
اخذ منها البلونات المضيئة وباقات آلورد
فقالت داليدا بريبة…..
“انت مودي الحاجات دي فين….”
رد سلطان بإيجاز مختصر المسافات….
“هرجعهم واجيب طبقين كشري نضربهم ونروح..”
ابتعد عنها فنادت عليه بتذمر….
“استنى ياسلطن طب هات وردة طب..
بلونه واحده حتى…”
عندما لم يعرها اهتمام قالت بصوتٍ أعلى…
“سلطن خلي يزود الدقة وطبق عائلي ها…عشان هفتانه أوي…”
ثم تحسست بطنها هامسة بتذمر…
“ماهو الورد برضو مش مغذي..وانا حامل
ومحتاجة غذى…..”
…………………………………………………….
دلف الى الشقة واضاء الأنوار ثم خطى على الأرض المصقولة بحذائه الأسود الامع حتى وصل الى أحد الغرف المغلقة…فتح الباب بالمفتاح وولج الى
الداخل
فوجده كما تركه أمس نائم ارضًا ورائحة الخمر
مزالت تفوح منه….
خرج الى الحمام ثم عاد اليه وفي لحظة خاطفة
أنزل دلوٍ من الماء البارد فوق راسه…
انتفض يزن صارخ باستغاثه…..يمسح على عينيه
لكي يرى من الذي تجرأ على ايقاظه هكذا…
“اااااااي دا…في اااااايه…”
ارتعد يزن للخلف بخوف عندما وجد عاصم امامه مباشرةً جالسًا على المقعد يضع ساق فوق الآخر
يرمقه بنظرة سوداوية عنيفة….
ازدرد يزن ريقه وهو ينظر اليه بتردد والذاكرة
تنشط الذهن بما حدث أمس خصوصًا بعد ان
حمله عاصم ووضعه في حقيبة السيارة
ككيس قمامة عفن الرائحة…..
زفر عاصم نفسًا حاد كاد يقتلع معه ازرار قميصه
وقد بد الانفعال واضح على وجهه حين قال بقتامة……
“هسألك سؤال وترد عليا بأجابة واحده من غير
لف ودوران……”
تبادل يزن معه النظرات بصمت مهيب كان جسده
ينتفض برهبة…فمنظر عاصم الان أوحي بالجحيم
الذي ينتظره بترحاب !!…
“اللي قولته وانت سكران…ونقطة الخمرة
والشرب هتتحاسب عليها بس مش دلوقتي…
المهم انت فاكر انت قولت إيه لمراتي إمبارح
ولا ناسي ؟!!….”
التزم يزن الصمت بملامح مرتاعة….فصاح عاصم
بوحشية….
“فاكر قولت إيه لمرات أخوك ولا ناسي… انطق…”
انفعل يزن معه….
“فااااااكر…..فاااكر كل حاجة…..”
رفع عاصم حاجبه بسخط….
“يابجاحتك…. وهي من الرجولة يابن عمي تبص لمراتي….اللي هي المفروض اختك الكبيرة…”
اخفض يزن جفنيه بحرج وبدأت بوادر الندم
تعرف طريقها الى وجهه….بينما هدر عاصم
بعنف..
“رد…. انا لحد دلوقتي بكلمك راجل لراجل…مع
ان عملتك السودة دي ميعملهاش راجل بجد..
من عيلة الصاوي….”
تضخم صدر يزن بالغضب….فانحنى عاصم عليه
يمسك ياقة قميصه يسحبه اليه بقوة جعلت
جسد الولد رخوٍ بين قبضتاه الفولاذية….
“ليه يايزن….. ليه انطق….”
نزلت دموع يزن وهو يبكي كطفلا أذنب
في حق والده…
“معرفش غصب عني اتشديت ليها من اول يوم شوفتها فيه…. في المستشفى بتزورك…”
نزع عاصم يده عنه بنفور مستمع لحديث قادر
على احراق العالم باكمله ان انفجر غضبه….
تابع يزن بنشيج وهو يبكي بحرج…
“معرفش اي اللي حصل بقيت بفكر فيها..وبفرح لما بشوفها كانت شغلاني بنظرة عنيها ليا…اسلوبها كان
غريب ساعات بحس انها بتتعامل معايا عادي وساعات بحس انها مش طيقاني…شغلتني وبقيت
بحاول اقرب منها باي طريقة….”
ساله عاصم بصعوبة….
“وهي…..كان اي رد فعلها ؟!!..”
اجابه يزن وهو يشيح بوجهه عنه…
“مكانتش طيقاني…بتهرب مني وكاني جربه…
ولما سالتها ليها بتعاملني كده….شوفت في عنيها
نظرة عطف…..وتوهت الحوار باسلوب حلو عشان
متزعلنيش…..شكلي صعبت عليها وقتها…”
لوى يزن شفتيه بسخرية…فهو يعلم انه انجذب
لها وأحبها من طرف واحد….وبمنتهى الحقارة
كان يحاول لفت انتباها له….متغافل عن انها
زوجة ابن عمه…اخيه الكبير كما كانا سابقًا
قبل ان ينهار كل شيءٍ بينهم…
“انت عارف انك كده خونتني…..”قالها عاصم
بصوتٍ واهٍ مرير….مضيفًا بتقزز….
“من قلة الستات جاي تحب في مرات أخوك…
انت صنف ملتك إيه…”
صاح يزن مدافعًا عن نفسه….
“مش بايدي قولتلك…غصب عني….كان غصب
عني…..انا عمري ما كرهتك ولا شوفتك عدوي
غير لما دخلت هي بينا….”
صاح عاصم بصوتٍ جهوري….
“هي مدخلتش بينا….دي مراتي…مراتي ياغبي
مش واحده من الشارع…..”
تحدث عاصم بصعوبة يرفع من شأنها رغم
وجعه منها…..
“مراتي اللي صانت اسمي وشرفي… وابن عمي واخويا كان ناوي يوسخه بايديه….مراتي اللي مفكرتش تخوني ولو بمشاعرها بس ابن عمي
كان بيحلم بيها….من غير ما يحس ان انتهك
حرمة غيره….”
ثم تابع عاصم بخفوت…..
“دا النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه…)
ارتعش جسد يزن تأثرًا وخوفًا….بينما وهجت
النيران في مقلتا عاصم بوعيد أسود….
“انت بقا المفروض بعد عملتك السودة دي
ووسختك اعمل فيك إيه… اقتلك….ولا اعيد
ربايتك من أول وجديد؟!….”
هتف يزن بتردد….
“أعمل اللي انت شايفه…انا استأهل اكتر من كده..”
رفع عاصم حاجبه بتشكيك خشن….
“ندمان ولا دا شغل صعبنيات عشان اخرجك من هنا…”
صاح يزن بعنفوان…..
“انا كده كدا هخرج…مش هفضل محبوس هنا…”
هز عاصم راسه ببرود قائلا…..
“لا هتفصل محبوس…اصلا انا استبعدت فكرت القتل
والدم….عشان موديش نفسي في داهيه بسبب عيل
خايب ومترباش زيك….”
ثم استقام يلقي الحكم…..
“فقررت أعيد ربايتك من اول وجديد….”
انتفض يزن ناهضًا من مكانه ليقف أمامه
برفض قاطع…
“انت بتقول إيه….انا مش هفضل محبوس
هنا….انا هخرج دلوقتي انت هتعملي فيها أخويا الكبير…..انت حياله ابن عمي….”
تقدم يزن خطوتين يحاول تجاوزه للخروج فدفعه
عاصم في صدره بقوة حتى وقع ارضًا امامه…
“قولتلك قعد……”
ثم تابع عاصم بعينين تقدحان شررًا….
“انا لو كنت شايفك بس ابن عمي كنت دفنتك تحت رجلي ولا خدت وديت معاك زي البنادمين…هتقعد
هنا زي الكلب لحد ما اشوف هربيك إزاي…ياعديم
الرباية والرجولة…..”
التزم يزن الصمت بوجهٍ محتقن….فساله
عاصم بصرامة….
“من امتى وانت بتشرب القرف ده….انطق…”
اجابها يزن برد لاذع متمرد…..
“من شهر…..وملكش دعوة اشرب اللي عايزة انت مش ولي أمري….”
ساله عاصم….
“وامتى بقا اخر مرة صليت فيها…..”
احمر وجه يزن بحرج وتهرب من السؤال…
صائحًا….
“اي الأسئلة دي انت شايفني عيل صغير…سبني
أروح بقولك… ”
حاول يزن النهوض لكن عاصم وضع يده
على كتفه يمنع تحركه…..
“اقعد مكانك….مفيش مرواح…..”
ثم ابعد يده عنه وبدا يحل الحزام الجلدي
الملتف حول خصره….
فساله يزن بارتياع….
“انت بتفك الحزام ليه هتضربني ؟!!…”
اوما عاصم برأسه قائلا بصوتٍ مسنن حاد…
“لازم اصفي حساباتي معاك الأول….قبل ما اعيد ربايتك…..”
هتف يزن برعونة…..
“انت جرا لمخك حاجة…اقسم بالله لو الحزام ده اترفع عليا…انا مش هسمي عليك….”
خلع عاصم السترة والقاها على ظهر المقعد ثم
ثنى الحزام بين يده قائلا بملامح شرسة……
“أعمل اللي انت عايزة حقك….انا مش ربطك
انا سايبك براحتك خالص عشان تعرف تدافع
عن نفسك….”
بعد لحظات….
اغلق عاصم الباب خلفه بالمفتاح ثم إرجع شعره للخلف بوجهٍ متعرق أحمر كالدماء القى الحزام
جانبًا ثم فتح أول أزرار قميصه باختناق……
جلس على أقرب مقعد في تلك الشقة المؤجرة…
ثم شرد بعينيه القاتمة مفكر في العقاب الانسب
لهذا الشاب العاصي عقاب يعيد إصلاحه ومعه
يعود أفضل من السابق….
لمعة الفكرة في عيناه وهو لا يرى إلا مكانًا واحد
كفيل بالمعالجة واحداث تغييرًا جذريًا له….شارع الصاوي….ومحلات الصاغة !!….
علت ملامح عاصم المتجهمة بسمة استحسان للفكرة..فمن الان وصاعدًا سيكون يزن شغله الشاغل….حتى يستعيده ويخلصه من هذا
الوهم……
………………………………………………………….
اطرق على الباب ثم دلف اليها بعد ان علم من الممرضة انها مستيقظة وسألت عليه عندما لم
تجده بجوارها….
رفع عيناه عليها فأبصرها تجلس على فراش المشفى بملامح مستكينة ذابلة بتعب…
تألم قلبه لرؤيتها بهذا الوضع فلو بيده لكان
اهداها بدل الطفلة ألف حتى تمحو الحزن والهزيمة من عسليتاها المنطفئ بريقهما منذ ان فقدت طفلتها….سيدة الحُسن الصغير…..
وكانها أبت ان تعيش قصة مشابهة لأمها خشت
ان تربط علاقة زوجية حُكم عليها بالفشل…خشت
ان تكون في المنتصف كيس ملاكمة لكلاهما
فرحلت بسلام تاركه لهما العداء والحروب
الشعواء !!….
اقترب عاصم منها قائلا
بهدوء…..
“صباح الخير….”
اكتفت شهد برمشت بسيطه من عيناها…ونظراتها
خالية من الحياة كشخصٍ فارغ جدًا من الداخل
فراغ موحشٍ…..
وضع عاصم أكياس الطعام التي احضرها اليها
على الطاولة ثم سالها بهدوء….
“فطارتي؟….”
اجابت بوهن مختصر….
“مليش نفس….”
“لازم تاكلي…عشان العلاج اللي بتاخديه….”قالها
عاصم وهو يخرج لها شطيرة شهية… وقدمها
لها…..
“خدي السندوتش ده….”
نظرت اليه ثم للشطيرة ثم صرخت بهجوم
مبالغ فيه…..
“مش عايزة…..مش عايزة سبني في حالي….”
جز عاصم على اسنانه محاول تمالك اعصابه
وهو ينظر لها بحزم….
“لا اله إلا الله…للصبر حدود يابنت الناس…وطي صوتك واتكلمي بأدب….انا لحد دلوقتي مقدر اللي احنا فيه…”
لوت شهد شفتيها بسخرية مريرة….
“اللي احنا فيه ؟!!…..انت مش في دماغك اصلا اللي حصل وكانك ما صدقت….عشان ميبقاش في حاجة
تربطك بيا….”
تافف عاصم وهو يوليها ظهره قابض قبضة يده
بجواره مخفي انفعاله وغضبه عليها….فبعد كل
ما حدث مازالت تبرع في دور الضحية ؟!!….
سالت دموع شهد وهي تتابع بحرقة ويدها
على بطنها الخاوية….
“انت اللي سقطني….انت اللي قتلت بنتي.
وقهرتني..انا مش مسمحاك ياعاصم…عمري
ما هسامحك.. ”
أدار عاصم راسه اليها مجيبًا ببرود قاصد التغافل
عن انهيار قلبه معها…..
“وانا مش عايزك تسامحيني….ولا هطلب ده منك…
لاني مغلطش…محدش هنا غلطان غيرك..وكل اللي بيحصل ده عقاب ربنا ليكي…إزاي عايزة تكوني ام
وانتي بسواد ده…..”
ثم ضاقت عيناه بقسوة وهو يخبرها بنبرة
متبلدة…..
“انتي مفكره ان انا هنا عشانك مثلا…ابدًا انا هنا عشان لازم أكون موجود معاكي في ظرف زي ده
على الأقل قدام الناس…بس بعد ما تخرجي من المستشفى هنمشي في إجراءات الطلاق وحقوقك كلها هتاخديها بما يرضي الله وبالاصول…وبعدها
كل واحد يروح لحاله يابنت الناس….وكفاية لحد كده….”
امتقع وجهها بعنفوان……
“انت مفكر ان كلامك ده بقا هيكسرني…وهيفرق
معايا….”
ابتلع عاصم غصة مسننه بحلقه وهو يومأ براسه
بوجوم…..
“انا عارف كويس ان كلامي لا هيكسرك ولا هيفرق
معاكي لان انا اصلا من الاول مكنتش فارق
معاكي…. سهلة ياشـهـد….”
تبادلت معه النظرات بلحن معذب شاعره بثقل شديد فوق صدرها مما جعلها تميل بوجهها بعيدًا عنه….
فاقترب عاصم منها يمد يده لها بالشطيرة
مصرًا على اطعمها…..
“خدي كُلي عشان العلاج….”
كتفت ذراعيها امام صدرها برفضًا
قاطع…
“قولتلك مش عايزة….”
جلس عاصم على حافة الفراس بالقرب منها
مزمجر بأمر قاطع…..
“هتاكلي ياشـهد….حتى لو اضطريت أأكلك
بالعافية…بقالك يومين مكلتيش حاجة اي
ناويه تنتحري..”
اجابته بنبرة بائسة….
“أيوا…عندك مانع….اهو أموت واريح الكل مني..”
عقب بخشونة مستفسرًا…..
“الكل ؟!!….انتي تاعبه ناس كتير اوي كده غيري…
افتكرت ان انا لوحدي معاكي….”
قرب الشطيرة من فمها عنوة عنها قائلا
بأمر متسلط…..
“يلا كُلي افتحي بؤك…….”
رفعت عسليتاها اليه فبادلها النظرة عن قرب…القرب
المعذب لكلاهما…..
كانت خطوط الحزن والوجع مرسومه بالخط العريض على وجهه وعيناه….بارزة كندبة عميقة تلقاها بغته على يد أكثر مخلوقة أحبها ورأى معها ان الموت أهون من نسيانها..
سالت الدموع بغزارة من مقلتاها وهي تشعر بالخزي
من نفسها بعد ما جناهُ ركضها خلف الماضي….
“كفاية عِند وعياط…..اهدي شوية…..”
مد عاصم يده يمسح وجنتيها من الدموع متحسس قسمات وجهها بابهامه بشرود…وعيناه تتعمق بالنظر اليها بقلب مدلة بحبها…..
اغمضت شهد عينيها بضعف وحزن وهي تضع
يدها على كف يده وتريح خدها عليه بنعومة
هامسة بتوسل باكٍ…
“بلاش تسبني ياعاصم…..انا مقدرش اعيش
من غيرك…..”
خفق قلبه بعذاب وهو يضعف أمامها تارك مشاعره
تهفو اليها بلوعة…..أراد ان يضمها الى صدره بقوة كي يخمد نيران قلبه ويرتاح من العذاب…لكنه توقف
ونزع يده عنها كمن مسه ماس كهربائي…
وقف عاصم فجأه قائلا بصلابة….
“كملي أكلك ياشـهـد….”
انسحب فجأه الدفء من بين أوردتها وحل الصقيع
مجمد اطرافها….فنظرت اليه بصدمة مطعونة في كرامتها مصدومة من تذللها اليه بهذا الشكل وكانها
تلبستها فجأة روح امها الخانعة لأجل الحب مهم
قدم لها من مذلة واهانه…خانعة له !!…
هل كانت تترجاه منذ دقيقة بألا يتركها وحيدة
فهي لا تقدر على العيش بدونه….
هل حقًا يصعب العيش بدون الحُب كما يصور
لها قلبها الأمر بانها نهاية العالم ؟!!….
اطرقت براسها بصمتٍ وحرج من نفسها بل وبدأت
تاكل بصعوبة وبشهية مفقودة حتى تتهرب من
عيناه ومن نفسها…..
اما عاصم فاكتفى بالصمت منسحب الى الشرفة ليدخن السجائر….مفكرًا… مفكرًا بعمق في قرار
الانفصال…فهو لا يقدر على البعد اكثر منها…لكن
كرامته تزأر في أحد الزوايا…وعقله يشكك في
حبها !…
……………………………………………………..
ضمتها قمر بحنان الى صدرها مربته على كتفها
وهي تقول بمواساة….
“ربنا يعوض عليكي ياحبيبتي…متزعليش
نفسك….ربنا يجعلها شفيعة ليكم يوم الايام
وتاخد باديكم للجنة….”
قالت نصرة بتعاطف وهي قعيدة على مقعدها
المتحرك بجوار فراش شهد….
“الحمدلله على كل شيء….قدر الله ما شاء
فعل…..شهد مؤمنة وصبورة وهتعدي المحنة
دي وهتخرج منها احسن من الاول… ”
هتف حمزة الواقف خلف زوجته ينظر الى
اخته بعطف…
“ان شاء الله…..المهم انها كويسة… دي عندي
بالدنيا…. بس انا ليا عتاب عليكي….”
ثم استرسل مؤنبًا اخته…..
“بقالك يومين هنا… وجايه تبلغيني دلوقتي..
وكاننا غرب عنك… لو انا مش معاكي في ظرف
زي ده… مين هيبقا معاكي وجمبك…”
اسبلت شهد جفنيها بحرج مبررة..
“محبتش اخضكم عليا…خصوصا ان انا كنت
هنا قرب الفجر….”
انكمشت ملامح حمزة مستنكرًا….
“انتي بتقولي اي ياشهد انت وعيه للكلام اللي
بتقوليه يعني اي قرب الفجر….بقالك يومين
في المستشفى…وبتقوليلي محبتش اخضكم
عليا…. هو احنا غرب يابنتي…..دا انا اخوكي
ومراتي بنت عمتك….يعني لو احنا اللي مكناش معاكي في ظرف زي ده….مين هيبقا معاكي
وجمبك…. ”
اكدت قمر بابتسامة حزينة….
“والله احنا قلبنا وقع في رجلينا أول ما عرفنا…دا
بصدفة كده حمزة بيرن عليكي رد عاصم وبلغه
باللي حصل….”
تدخلت نصرة بملاطفة…..
“حصل خير ياولاد الحمدلله انها بقت احسن..
ربنا يخليكم لبعض ويبارك فيكم…وبعدين عاصم
كان جمبها مسبهاش لحظة واحده مش كده ياشهد..”
هزت شهد راسها بملامح شاحبة حزينة…
“اكيد لولا عاصم كان زمانكم بتترحموا عليا…”
هتفت قمر بلوعة…..
“بعد الشر عليكي ياحبيبتي الحمدلله انك بخير…”
اكتفت شهد بابتسامة صغيرة وهي تنظر
الى نصرة بلهفة…..
“هو فين عاصم ياماما….”
اخبرتها نصرة بهدوء….
“في الحسابات تحت…..بيخلص الاجراءات عشان
هتخرجي بكرة ان شاء الله…..”
هزت راسها بفتور…… “ان شاء الله…”
أراد حمزة تلطيف الجو فقال بزهوٍ مرح
“متزعليش نفسك ياشوشه.. محدش عارف
الخير فين.. تعرفي انا حاسس انك قريب اوي
ربنا هيعوضك بدستة عيال اشقيه وحلوين كده
زي خالهم وبيحبوا الكورة….وهيبقوا كلهم زملكاوية
طبعًا المشروطه محطوطه….”
لوت قمر شفتيها هازئة معقبة….
“يسلام وافرض حد فيهم بقا طلع اهلاوي..اصل الاهلاوية دول بيبقوا بالفطرة…مش زيكم نقاوة…”
ضاقت عينا حمزة بصدمة وهو يقول…
“انا كُنت من الأول شاكك فيكي…وحاسس ان
الغل ده مش طبيعي….انتي تبع انهو نادي
بظبط واياكي تقولي مليش في الكورة…”
ابتسمت شهد عنوة عنها وهي مستمتعه برؤيتهما
يتجادلا بشقاوة…..حتى الجدة نصرة كانت تتابع
المناوشة بوجهٍ بشوش….
أكدت قمر وهي تكبح ضحكتها….
“انا فعلا مليش في الكورة بس انا ممكن ابقا
اهلاوية لو حابب….”
تافف حمزة وهو يوضح الامر كمن يحاكي
طفلة عنيدة…..
“هو انتي ماشية معايا بالعكس…انا بشجع نادي
إيه دلوقتي…الزمالك يبقي انتي المفروض
تبقي ايه ؟….”
نظرت قمر اليه بوداعة مهذبة ثم اجابت….
“بسم الله الرحمن الرحيم…. الاجابة اهلاوية…”
فغر حمزة شفتيه بصدمة
“نعم…..إزاي يعني ؟!!….”
وضعت شهد يدها على بطنها بتعب وهي
تضحك.. “كفاية بقا بطني وجعتني…..”
إبتسمت نصرة قائلة بمحبة…..
“طب والله عرسان زي العسل…حلوه المناغشة اللي
بينكم دي…. خليكم كده دايما ياولاد خدوا الحياة ببساطه…ربنا يسعدكم….”
نظرا لبعضهما بصمتٍ والابتسامات تقابل بعضها خلسة…..
اقتحم الجلسة الصافية الهادئة شخصٍ ما فتح
الباب دون اخذ الأذن….
وقعت شهد عيناها على الزائرتان اللتانِ دخلا
عليها بهيئة متكلفة يوزعن النظرات عليها وعلى
المتواجدين بالغرفة بمنتهى التكبر والتشفي..
احتدت نظرات شهد وتلبسها شيطان الغضب
وهي تراهن يدخلن إليها بخطواتٍ مائعة
دون دعوة مسبقة….
تبادل حمزة وقمر النظرات بصمت وصبر منتظرين الخطوة القادمة منهن…..
رحبت بهما نصرة بفتور فهي ايضا لم تستحسن
رؤيتهن هنا….في هذا الوضع الحساس….
“أهلا يالهام ادخلي يارفيدة يابنتي…انتوا جايين
تزوره شهد؟….”
قالت الهام بنظرة ونبرة متعجرفة…..
“مش بظبط…كُنا بنزور ناس صاحبنا..وعرفنا ان
شهد هنا بالصدفة…اي اللي حصل صحيح….”
لوت قمر شفتيها بسخرية….
“وانتوا بقا مسألتوش قبل ما تدخلوا…غريبة…”
قالت رفيدة بتعالٍ…..
“إلهام لسه قايلة ان احنا عرفنا بالصدفة…وبعدين
انتي مين….”
زمت قمر فمها مغتاظة من نظرات تلك الشقراء
ثم اجابتها ببرود…. “قمر ياعنيا…..بنت عمتها… ”
“باين انك بنت عمتها….والي وراكي….”بطرف عيناها نظرت رفيدة الى حمزة الذي اجاب بغلاظة….
“اخوها…انتي بقا داخله تزوريها ولا تشوفي بطايقنا….”
اربد وجه رفيدة بالحرج واكتفت بالصمت بينما
قالت الهام بنبرة خبيثة….
“اي اللي حصل بظبط ياماما…طمنيني….”
اجابت نصرة على مضض…
“جالها نزيف حاد….وحصلها اجهاض…ربنا يعوض
عليها….ويصبرهم….”
كبحت الهام ابتسامة متشفية راها الجميع
بوضوح خصوصًا شهد التي حاولت الضغط على
نفسها والتزام الصمت حتى لا تنفجر فيهن….
تاوهت إلهام بحزن مدعية التأثر ببراعة…
“تؤ تؤ تؤ…وجعتي قلبي اوي ياماما دا زمان عاصم زعلان اوي من اللي حصل…ماهو مش أول مرة تحصل معاه….رفيدة حصلها اجهاض برضو قبل
كده وخسروا ابنهم….فاكرة يارافي… ”
تابعت رفيدة معها على نفس النغمة…
“وقتها رغم زعله من اللي حصل…مقدرش يسبني لحظة واحده…وفضل جمبي….”ثم نظرت رفيد
الى شهد بلؤم وقالت بتوله…..
“طول عمره حنين وبيفهم في الاصول….”
تدخلت نصرة بصرامة….
“مش وقت الكلام ده يارفيدة..ياريت نراعي مشاعر
شهد شوية….”
قالت شهد بابتسامه باردة….
“سبيهم ياماما نصرة اهم بيفضفضوا…بدال ما يطقوا…..”
شهقة الهام بذهول….
“اي الاسلوب ده…دا جزاتنا يعني اننا بنفهم في الأصول وجايين نزورك….”
جزرتها شهد بغضب…
“جايين تزروني ولا جايين تشمتوا فيا….”
قالت الهام بنبرة قميئة……
“نشمت فيكي..اي الكلام الغريب ده…شاهده ياماما
خيرًا تعمل شرًا تلقى… ”
صاحت شهد بانفعال….
“انتي يالهام اخر واحده يجي من وراها خير…”
قالت نصرة بقلق….
“اهدي ياشهد يابنتي…الانفعال غلط عليكي…”
نهضت شهد من على الفراش واقتربت
منهن قائلة بقتامة….
“جايين تشمتوا فيا مش كده…..عاملني
فرجة….وقعدين تلقفوني لبعض… ”
نظرت الشقيقتين لبعضهن بتردد فوجه شهد كان
محتقن ينذر بالشر والوعيد….
قالت شهد بنبرة عنيفة خطرة….
“انا بقا هخلي المستشفى كلها تتفرج عليكم… ”
صاحت بنبرة جهورية….. “قمر…”
ابتسمت قمر بانتشاء ووقفت
خلفها….
“في ضهرك يابنت خالي….”
علت ملامح شهد المجهدة ابتسامة واسعة مشرقة فقد تلبستها روحٍ شريرة مثارة بالغضب لن تخمد مراجل غيظها إلا ببطش أحدهم..
“انتي لبسه ايه في رجلك….يابنت عمتي.. ”
كبح حمزة ابتسامته مستمتع بمشاهدة جيشه النسائي يهاجم ويدافع دون تقهقر…..
وضعت قمر يدها في خصرها قائلة
بتسلية….
“حتة جزمة بكعب تجيب أجل اللي هينبطح بيها..”
مطت شهد شفتيها ببراءة….
“لا لا ياقمر…احنا مش عايزين نجيب اجل حد…
مش اخلاقنا….. انا بس عايزة اعلم عليهم خلينا
في شبشب الحمام…مع انه هيتوسخ بس يلا
فداهم…..”
هتف نصرة من خلفها بعدم رضا…
“مينفعش كده ياشهد…. عيب يابنتي…”
قالت قمر بدفاع وضيق….
“وهما مش عيب الكلام. اللي قالوا…جايين لحد هنا
يحرقوا دمها بالكلام….هي في إيه ولا في إيه…”
رفعت رفيدة اصبع التحذير الى قمر وهي
تقف خلف أختها بخوف..
“انتي عارفه لو رفعتي ايدك القذرة دي عليا..انا هاكلك بسناني…”
جحظت عينا قمر بصدمة وهي تشير على
نفسها…
“انا ايدي قذرة…انا يام صورم….دا انا وش
رجلي انضف من وشك يامبقعة….”
هتفت رفيدة بحماقة محاولة اظهار شجاعتها
وهي تحتمي في اختها…
“انتوا معندكوش مراية في بيتكم ولا إيه جتك
القرف…”
زاد اتساع عينا قمر بصدمة وهي تطلق شهقة
سوقية متابع بتقريع…
“قرف لما يقرفك يام اربعة واربعين….ياختي انتي تطولي تبقا في حلوتي وجمالي دا انتي كلك نفخ
وشد ياولية…لو غسلناكي هتصدي مننا يامنيلة…”
هلل حمزة بتشجيع….
“جدعه ياقمراية…اديها مترحمهاش…”
زمت رفيدة شفتيها بامتعاض..
“حقيقي بلدي…و سوفاچ ….”
لوحت قمر بيدها بغيظٍ قائلة…
“شوف ياخويا الوليه وعوجت لسانها تلهيك وترازيك
وتجيب اللي فيها فيك….. اقفي عوج واتكلمي عدل احسلك…. قال بطلوا ده واسمعوا دا…”
ارتعدت الهام للخلف مغمغمة بجدية….
“احنا غلطانين اننا جينا لحد هنا نعمل الواجب…يلا بينا يا رفيدة… ”
التقطت شهد خف الحمام بين يدها وقالت
بعنف….
“على فين العزم… مش لما تاخدوا واجبكم انتوا كمان…”
اتسعت عينا الشقيقتين برهبة….
هجمت شهد على إلهام بشراسة وخف الحمام في يدها تضربها به بكل قوتها مفرغه غضبها واستياؤها عليها….
بينما قمر تمسك ذراع رفيدة باسنانها وبيدها الحُرة
تضرب بخف الحمام الثاني….
تسمرت نصرة مشدوهة مكانها عاجزة عن ايقاف
تلك المهزلة بينما حمزة يتابع الموقف باستمتاع فخور باخته و زوجته بشدة وكانهما سيصلا للقمة بعد هذا الشجار !!….
كانت الهام تحاول البطش بـشهد لكن كلما حاولت تجد قمر فوق راسها تضربها بالخف بعد ان توقع
اختها ارضًا….
كانت شهد تضربها بكل قوتها باعصاب محترقة بالغضب والضغينة تلعنها وتسبها سرًا….محاولة ان تشفي غليلها منها بقدر الوجع والالم الذي سببته لها…..
كانت الهام تصرخ مستغيثه منها محاولة ان تخلص
نفسها من بين يدي هذه المجنونة التي لا رادع
لها….وكانها وصلت لقمة الجنون….
فتح عاصم الباب ودلف اليهم بعد سماع صوت الصراخات النسائية المستغيثة….
انكمشت ملامح وجهه بصدمة وهو يرى هذه المهزلة
وكأنه دلف الى احد الفصول الابتدائية ويحدث
الان تشابك باليد بين الفتيات وبعضهن…
تململ حمزة وهو ينهض بتكاسل من مكانه ثم
اقترب من زوجته يخلص رفيدة من بين يداها….
فرفضت قمر في البداية لكنها عندما رأت عاصم
ابتعدت عن رفيدة ووقفت جوار زوجها كالحمل
الوديع…..وكأنها لم تفعل شيءٍ….
أحاط عاصم خصر شهد ورفعها قليلًا عن الأرض بيعدها ببساطه عن إلهام….
صاحت شهد بتمرد وغيظًا…
“سبني ياعاصم…سبني بقولك….”
زجرها عاصم بغضب وهو يحملها اسفل ذراعه
كالوح خشب….
“اي اللي بتعمليه ده انتي اتجننتي…انت فاكرة نفسك
في الشارع…انتي في مستشفى….احترمي نفسك
شوية….فرجتي علينا الناس… ”
قالت شهد وهي تتأرجح أسفل ذراعه بعنفوان
شرس…..
“مش انا هما اللي عايزين كده…عايزين جنازة ويشبعه فيها لطم….جايين لحد هنا ليه عشان
يحرقوا دمي…..اي اللي جابهم انا مش عايزة
اشوفهم هما السبب في كل اللي انا فيه…هما
السبب…. ”
قالت الهام بحقد وهي تعدل ملابسها المنكمشة
وشعرها المشعث فكان مظهرها مزري بمعنى
الكلمة….
“شايف مراتك عملت فينا اي ياعاصم هي وقريبتها
واخوها….اخوها قعد يتفرج عليهم…”
رفع حمزة حاجبيه بملامح مشدوهة…
“محصلش… دا انا كنت بعمل مكالمة برا ولسه داخل..دانا حتى اتصدمت لما شوفتهم بيضربوا مراتي..”
شهقة رفيدة بتجهم…. “احنا ضربنا مراتك ؟!!…”
اوما حمزة بخشونة مهددًا….
“امال انا… دا انتوا بهدلتوها….هي البلد مفهاش
قانون ولا إيه….انا كده مضطر أعمل محضر
تعدي….”
جزت الهام على اسنانها وهي ترمق الجميع باستحقار… “اما عالم حوش ورمامه بصحيح..”
زجرتها شهد بـ….
“احنا لمامه ياوليه يابنت ال*…..”
كمكم عاصم فمها صارخًا
بصرامة..
“بس كفاية….. اياكي تشتمي…..”
ثم لوح بيده بملامح جافية لهن…
“خدي اختك يامرات عمي وامشوا من هنا….”
هتفت الهام بوعيد مزدري قبل ان ترحل….
“انا مش هسكت عن اللي حصلي ده…سامعين
مش هسكت…يلا بينا يارفيدة… ”
خرجت هي واختها من الغرفة صافعين الباب خلفهما
بقوة…..
تململت شهد بين ذراعي عاصم بغضب…فانزلها
عاصم ارضًا قائلا بعنف يوقف جنونها..
“اهدي بقا وكفاية جنان…. اهدي بقولك….”
على صوت تنفسها بتشنج وهي تقف امامه بوجه
أحمر كالدماء منفعلا…فنظرت اليه بصمتٍ خاضع..
لترى طاقة عنيفة سوداوية مرتسمه على محياه
تراها بوضوح وهو يلاحق ملامحها المربدة بنظراتٍ كالسهام الحادة…..
“لي عملتي كده؟!….”
سالها عاصم وقد تحول النفس في صدره الى آتونٍ
مشتعل يغلي……
اجابته بتبرم….
“استفزتني بالكلام هي واختها….”
أوغر صدره بالغيظ وهو يقول…..
“ويبقا ردك انك تضربيها بالشبشب…وفي المستشفى
إيه متجوز واحده من الشارع….”
صاح حمزة من خلفهما بحمائية…
“ما تحاسب على كلام ياعاصم…اي اللي بتقوله ده”
“استنى انت ياحمزة….”اوقفت شهد اخيها
ثم عادت الى عيناه الصقريتين بحرب شعواء….
” انت متعرفش هما قالولي إيه….”
قال عاصم بنبرة جافية…
“مهما كان ميدكيش الحق انك تتصرفي بطريقة دي…على الاقل إحترام للست الكبيرة اللي قاعده وسطكم بلا حول ولا قوة…. ”
نظر الى الجدة نصرة التي اطرقت براسها بخزي
على مقعدها بعد ما حدث أمامها….
ثم عاد اليها بعينين صقريتين غير متهاونتين
وهو يصفعها بالحديث بقسوةٍ…..
“كل مرة بتثبتي ليا اني كُنت غلط لما اختارتك…”
انفرج فم قمر بصدمة بينما شاع حمزة النظرات
العدائية نحو عاصم يود تمزيقه اربًا بعد رؤية وجه اخته الذي انكمش بوجع وهي تبادل زوجها
النظرات بكسرة نفس….

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

 وكأنها تجلس على صفيح ساخن تخفي وجهها بأحد
المجلات تخفي وجهٍ يشتعل بالغيظ والغيرة….
تجلس على احد المقاعد الممتدة امام البحر وهو
أمامها يسبح في البحر برشاقة ولياقة بدنية جذابة
يتمتع بها جعلت بعضٍ من النساء الغربيات يركزوا
معه هامسين لبعضهن سرًا بخبث وبضحكة رقيعة
كانت تظهر عيناها من أعلى حرف المجلة تراقبه
خلسة هو ومن يتغزلنا به….
وكأنه لم يكن هناك وسيم غيرة… لكي يجعلوا
منه نجم الشاطئ…..
جزت على اسنانها بقوة المتها… فمنذ ان عادا من الحفل وهو يبتعد عنها ممتنع عن الحديث معها
ومع ذلك خلال اليومين الذين مراو عليهما في الخصام لم يتوقفا عن الخروج والتنزة في البلدة
الساحلية….
يوم الحفل مرا عليها وكانه أمس…. مزالت تتذكر هجومة على الشاب وضربة له ضربًا مبرح حتى كاد
ان يموت بين يداه لولا تدخل افراد من الأمن
وبعض الرجال الموجودين….
وقد اعتذر الشاب حينها مدعي انه كان مخمور
وانه لم يقصد الإساءة لهما…..فقد ظنها صديقته..
وانتهى الامر وقتها عائدين الى الجناح لتجد رد
الفعل المتوقع قد سحبها من ذراعها بقوة معتصر لحمها وقتها صارخّا بعنف في وجهها ارعبها منه فاغمضت عينيها برهبة تستقبل الطاقة العنيفة
السوداء الذي يلكمها بها الان….
(قولتلك بلاش نروح….عاجبك كل اللي حصل ده…
عشان تبقي تصرفي من دماغك وتكسري كلامي..)
لم تقدر على الرد وقتها فكان محق..محق لدرجة ان لسانها شل في مكانه ولم يكن حليفها والتمرد والعناد
جلسا في احد الزوايا مكتفين بسلاسل.. حينها ازداد غضبه وبرزت عروق رقبته وهو يصيح بانفعال…
(أول واخر مرة تعارضيني في حاجة سامعة..والهبل
اللي في دماغك ده تشليه…عشان انا استحملتك
وصبرت عليكي كتير….وبرضو اللي فيكي
فيكي…. انا تعبت….)
قالها بسأم وهو يترك ذراعها بنفور ثم أكمل ليلته
على الاريكة يحرق صدره في شرب السجائر بالخارج ، ليلتين كاملتين وهو يلتزم بالنوم على الاريكة عقابًا لها…..
زمت شفتيها وهي تزفر نفسٍ ساخن محتقن بالألم
فهي اشتاقت اليه والى النوم بين ذراعيه…اشتاقت
بشدة….
من حافة المجلة رأته بعينيها الفيروزية البراقة
يخرج من البحر بالياقة وجاذبية مهلكة يرتدي سروال المسبح وصدره العريض عرضة للهواء ولعيون النساء…
صدره المشدود العضلي وذراعه القوية وخصره المنحوت الصلب وبشرته الامعة السمراء…..شعر
مبلل يلمع تحت اشعة الشمس مع وجهه وعيناه
البنية الحاده كعينين نمرًا مفترس…
يفترسها الان بالنظرات وهو يقترب منها….
تركت المجلة وسحبت المنشفة واقتربت منه وعيناها
ترمق بظفر شرس الشقراوات……
وضعت المنشفة على صدره تحاول ان تجفف جسده
لكنه منعها بتحفظ لا يوحي بشيء…. ثم ابتعد الى مقعده الممدد جالسًا عليه وهو يجفف جسده بصمتٍ….
زفرت كيان بضيق وهي تعود جالسة على مقعدها
تحبس الدموع في مقلتاها بحرج…
نظر سليم لها عندما اخفت وجهها خلف المجلة مما
اعطاه حرية النظر اليها بقلب ولهان ملتاع من ابتعاده
عنها ليومين كاملين……
اشتاق ان يلمسها يقبلها يسمع اسمه من بين شفتيها
وهي تئن في احضانه… اشتاق الى حديثها وحسها
الفكاهي….. أشتاق اليها بشدة…
لكن ما فعلته يستحق المعاقبة بالبعد… لكنه يشعر
بانه يعاقب نفسه معها… وهذا ليس عدلًا….
صدح هاتف كيان بجوارها فتناولت إياه وعندما رأت
المتصل امام عيناه الثاقبة عليها تهللت اساريرها وهي تبتعد عنه قائلة….
“دي قمر…. هروح اكلمها……”
ابتعدت عنه قليلًا موليه ظهرها اليه وهي تتحدث في الهاتف بسعادة لا توصف مثرثرة بالكثير مع قريبتها..
أبعد عيناه عنها وهو ينظر الى البحر ليجد من تقترب
منه وعلى محياها إبتسامة مبتذلة…
كانت في السابق أروع ابتسامة يراها على وجه أمرأه…
لوى سليم ثغره بسخرية…تغير القلوب من حال الى حال لهو أفجع شي ممكن ان يختبره الإنسان في حياته….
“هاي ياسليم…”وقفت ايتن أمامه بكامل اناقتها العصرية مرتديه ثوب قصير أبيض متسع من
عند الصدر والظهر وشعرها القصير كالعادة
تتركه دون إضافات فالقصة نفسها تحكي
عن مدى تحررها في المجتمع….
رمق سليم كيان الواقفة مكانها تثرثر من بعيد
بملامح منبسطه….عاد الى ايتن قائلا بضيق
بالغ…..
“في حاجه يا ايتن….”
رمقت ايتن كذلك موقع كيان وقد اربد وجهها فورًا متبرمة بسخرية….
“اي المقابلة دي ياسليم انت خايف منها ولا إيه…”
تافف سليم بجزع….
“ايتن….انا مش محتاج قلبان في حياتي…احنا ناهينا
كل حاجة في اخر مرة شوفتك فيها…”
هزت راسها هازئة بمقت….
“اه… سبتني عشان تروح تتجوزها…”
زفر بصوتٍ عال وهو يدير وجهه….
“واضح انك جايه تفتحي في القديم…. لسه عندك
امل اننا نرجع ؟!!….”
اكدت ايتن بصفاقة…
“أكيد لانها نزوة في حياتك…. واكيد هتزهق منها
قريب…..”
على وجهه تعبير خطير وهو يقول بصرامة…
“انتي اللي كنتي نزوة يا ايتن مش هي… هي
بقت مراتي… وحبيبتى وكل حاجة ليا….”
عقدة ساعديها امام صدرها وظلل عينيها حزنًا
دفين……
“انا كمان كنت كل حاجة ليك ولا ناسي… انت كنت
متعلق بيا اكتر منها.. ولا ناسي السنتين اللي عشناهم
سوا…. وقبل كده لما حاولت بدل المرة الف انك تكلمني وتقربني منك ولا ناسي كل ده…..”
تمالك سليم اعصابه وهو يجيبها بجدية
حازمة…
“اديكي قولتي كُنت…احنا في النهاردة..وانا النهارده
راجل متجوز….وبحب مراتي وبقضي شهر عسل
معاها ….في أكتر من كده اثبات انك بقيتي من الماضي…..”
تأوهت ايتن بعذاب وهي تضع يدها على ذراعه
متجرعة مرارة الذل وهي تقول…..
“سليم انا مش قادرة أكمل حياتي من غيرك..انا تعبانه
اوي من ساعة ما سبتني…إزاي قدرت اهون عليك
بشكل ده…..انت خونتني ووجعتني….”
سحب سليم ذراعه بتحفظ متحدث بصلابة….
“ليه مصممة تفتحي في اللي فات….يمكن غلط في
الأول لما مشاعري اتحركت لغيرك…بس مكنش بايدي مش نقص مني او عيب فيكي….الحقيقة اني مكنتش
بحبك زي مانا فاكر…..وزي ما حبيتها….”
شحب وجه ايتن وكأنه لكم صدرها بقوة مؤلمة فوقفت مشدوهة تستمع اليه بعينين غائرة…..
فتابع سليم بشفقة معتذر بحرج…..
“اسف لو كلامي وجعك…بس دي الحقيقة ياايتن
وانا سيبتك مش عشان كيان…بيها او من غيرها
مكناش هنكمل…ويمكن كنا اكتشفنا ده بعد فوات
الأوان….والندم هيكون أكبر…..أرجوكي افهمي..
انا مش عايز أأذيكي…. ولا عايز اوجعها….”
تبادلا النظرات بمشاعر عنيفة وكلا منهما يلقي اللوم
على الاخر في فشل تلك العلاقة….
فقال سليم بعد فترة صمت….
“احترمي رغبتي يا ايتن….وابعدي عني وعن مراتي..
دوري على حد شبهك يفهمك ويحبك بجد…اما انا
فالكلام معايا هيبقا تضييع وقت…متوقفيش
حياتك عشاني وكملي مع اللي يستحق ايتن…
مش ايتن الشهاوي….”
رفعت حاجبها فور انتهائه ثم سألت مبهوتة
الملامح…
“معنى كلامك اني كنت بنسبالك بس…ايتن الشهاوي !!….”
اوما براسه يواجها بالحقيقة الذي اكتشفها
مع الوقت…..
“دي الحقيقة كنتي البنت المناسبة.. بنت الحسب والنسب…الاسم اللي معاه هتكبر وتتعرف…العيلة
اللي للازم تناسبها وتدخل وسطها وانت مغمض عينك…خصوصًا ان بنتهم جميلة وشيك ومتخرجة
من أكبر الجامعات الأوربية…..”
“كل الحاجات دي كانت السبب اني اقربلك واقنع
نفسي اني بحب ايتن الشهاوي…..”
لفهما صمتٍ مؤلم كلاهما تناسى اين هما تحديدًا
وتغافلا عن التي تراقبهما بصمت لا تسمع شيءٍ
منهما لكن اعينهما تشي بالكثير !…
قالت ايتن بعد فترة وجيزة……
“كويس انك صرحتني باللي جواك….مش هقدر
أقولك ان انا مسمحاك على اللي عملته فيا…بس
اقدر أقولك انك عندك حق….وكمان قبل ما أدور
على حد يحبني زي ما بتقول…لازم أحب نفسي…”
ابتعدت عنه منسحبة من أمامه وهي ترمق كيان بنظرة باردة ممتلئة بالغيرة والكره…
فهي نالت ما ظنت انها تمتلكه لسنوات ؟!!..
رفع سليم عيناه عليها ليجدها تقف مكانها بهدوء
بملامح مستكينة غير مقروءة التعبير….
وبعد وصلة من النظرات بينهما قالت كيان بفتور وهي تنظر الى ساعة يدها….
“مش المفروض ان احنا هنتغدى دلوقتي…”
ضاقت عينا سليم بارتياب كي يتأكد من انها جادة في طلبها فهو متأكد بانها راتهما معًا….
في قلب مطعم الفندق كانا يجلسا أمام بعضهما
امام الطاولة يتناولا وجبة الغداء بصمت…وبشهية مفقودة….
كان سليم كل ثانيتين ينظر إليها ليجدها كما هي عيناها في الطبق أمامها تاكل بصمت وبملامح
باردة التعبير…..
تنحنح سليم يسالها بهدوء….
“كنت بتكلمي مين….”
اجابته كيان…. “قمر……مرات اخويا….”
تعمد اطالت الحوار….
“ممم……واي الأخبار كله تمام….”
زمت شفتيها قبل ان ترتشف من كوب
الماء…..
“مش عارفه باين من صوتها ان في حاجة بس
مش عايزة تقولي….”
انعقد حاجب سليم…… “حاجة زي إيه يعني….”
رفعت عينيها اليه بتلقائية…..
“مانا لو عارفه مش هحتار كده….يمكن تكون شادة
هي وحمزة شوية بتحصل… ”
اوما سليم مستهجنًا….
“اه أكيد بتحصل مالحال من بعضه….”
برمت كيان شفتيها وهي تسبل جفنيها عنه…
فقال سليم بخشونة….
“لما كنت بتكلمي في التلفون….ايتن جت وقفت
معايا واتكلمنا….”
قالت ببرود….. “كويس…”
أصابه الذهول وهو يسالها… “هو اي اللي كويس….”
قالت كيان بابتسامة باردة ونظره تماثلها وهي
تنظر إليه….
“انكم اتكلمتوا هترجعوا صحاب يعني زي الأول…”
عقب سليم بقتامة…
“احنا مكناش صحاب في الأول….”
وكانه ذكرها بما تحاول ان تتخطاه معه…فكان
ردها على حديثه نظرة بغض وكراهية ولم تتفوه بحرف…فشاط سليم غضبًا من نظراتها المعبرة
بالكثير ما ترفض قوله بالسانها السليط…..
“عشان كده انا بفتح الموضوع…لاني عارف دماغك
هتحللي اللي شوفتيه على مزاجك….”
ردت عليه بنبرة مهتزة…
“مش محتاجه احلل على مزاجي…باين انها عايزة ترجعلك……وانت.. ”
رفع حاجبه منفعلا….. “وانا إيه بقا….”
بلعت غصة مسننة وهي تقول….. “متردد….”
ارتفع حاجباه بصدمة جافلا بقنوط….
“متردد !!… طب وانتي بقا وضعك اي بينا بما اني متردد…هتسبيني ؟!!…. ”
سالها بقسوة مزدري…فارتجف قلبها ملتاع بين
اضلعها فقالت بعد فترة عويصة…..
“دي متوقفة على اختيارك انت يا متر…”
جاشت مراجله بالغيظ….
“وانا لسه قدامي اختيار تاني بعدك.؟!!..انتي
مخك فين ياكيان…..”
مسحت دمعة فارة من عينيها بوهن….بينما
قال سليم بصوتٍ أجوف عميق…..
“نفسي في مرة تنصفي قلبي اللي حبك…”
اختلج قلبها بقوة وهي ترفع عيناها الامعة بدموع
اليه….فقال بخشونة كالفولاذ الصلب….
“عمتا انا هوضحلك اللي حصل…هي فعلا عايزة
ترجعلي….وشايفه انك نزوة في حياتي ومسيرها
تنتهي…بس انا مكنتش متردد زي مابتقولي وانا ببعدها عني للمرة التانية…وبقطع اي امل جواها
اننا ممكن نرجع تاني….”
ثم سحب نفسًا طويل وهو يضيف بارهاق مضنٍ
فهو سأم من اللف في دائرة الشك….
“حكايتي انا وايتن إنتهت من قبل حتى ما افكر اتقدملك…وكانت بيكي او من غيرك هتفشل…بس حبك عجل بده….”
“كملي أكلك….”رفع فنجان القهوة الى فمه منهي الحديث بسطوة….
………………………………………………………………
كانت تسير في الغرفة ذهابًا وايابًا غير قادرة على النوم ككل ليلة…فما حدث وهما يتناولا وجبة الغداء
اثار حفيظتها واشعل ضميرها بنيران مستعرة…
كل شيء قاله جعل حجمها يتضاءل امام عيناه
حتى أصبحت من كثرة حماقتها معه لا تُرى
بالعين المجردة….
دبت كيان على الأرض مغمغمة بجنون…
“يعني لو اتكلمت مش عاجب وان سكت برضو
مش عاجب…المفروض أعمل إيه…أعمل إيه…”
قالتها من بين اسنانها وهي تنظر الى صورتها المنعكسة في المرآة حيث قميصها السماوي
الحريري الامع والذي يكشف عن قدها المكتنز
الغض…وساقيها البيضاء الامعة كقشدة الصباح
وبه قصة من عند الصدر لها مفعول السحر….
إبتسمت كيان بخبث وهي تمسك قارورة العطر وترش منها على جسدها عبق ناعم مغوي
كمظهرها الفاتن الشهي الان…
قد بدأت تضع ايضًا الكحل في حدود بحرها الفيروزي وزينة رقيقة على وجهها وحمرة
شفاه مشتعلة بالقرمزي…..
ثم ارتدت مئزرها القصير وخرجت من الغرفة الى
عنده الى الاريكة اللعينة الذي يصمم النوم عليها
معاقبًا اياها بالبعد…..
داهم انفه عطرها الناعم التي تضعه في لحظاتهما الخاصة…..حتى تزداد رغباته تأجج بها….تأجج حلو
فنيران الهوى حلوةٍ عند التلاقي…
أبعد سليم عيناه عن شاشة التلفاز ونظر الى باب غرفة النوم…
فوجدها تخرج بخطوات متمهلة مستحية بـ….بمئزر
قصير جدًا حريري سماوي اللون زاهي بنعومة كعيناها الكحيلة الان والبراقة في النظر إليه…..
سحب سليم نفسًا خشن وهو يضغط على نفسه بغضب فان ترك نفسه لمشاعره لمزق ثغرها قبل
المئزر !….
جلست كيان بجواره بصمت فعقد سليم حاجباه وهو
يعود للتلفاز بطرف عيناه دون ان تلاحظ انه كان يتابع تقدمها منه…
ارجعت كيان خصلة خلف اذنها وهي تنظر معه للشاشة الكبيرة قائلة بـتردد….
“انت بتتفرج على اي يـاسـلـيـم….”
نطقت اسمه ببطئ شديد قاصدة لفت انتباهه ليرفع
عيناه عليها….رد بعدم إهتمام…
“فيلم اجنبي….”
قالت بخفوت….. “مفيش حاجه كوري….”
مد لها جهاز التحكم بملل…
“اتفضلي شوفي اللي انتي عيزاه..”
رفضت كيان بتردد وهي تتناول كوب من الماء وترفعه على فمها بسرعة حينها سقطت قطرة ماء
من ثغرها وسارت على طول نحرها الأبيض حتى….
اغمض سليم عيناه بغيظ وهو يركز على أحداث الفيلم أمامه…..
ان كانت تريد ان تعذبه فهذا أصعب عقاب يتلاقاه
رجلا مشتهي امرأته !…
وضعت كيان الكوب مكانه ثم ركزت على احداث الفيلم بعقلا مشتت….فهي لا تعرف كيف تكون الخطوة القادمة…..
فقرع قلبها بشدة وهي تقترب منه أكثر ملتصقة
به ملامسه جسده بجسدها….فلم يمانع سليم
بل ثقلت انفاسه وهو ينتظر الخطوة الأكبر…
فمدت كيان يدها ووضعتها على ركبته متأوهه
برجاء…..”انا آسفة…..”
نظر لكف يدها على ركبته ثم عاد ينظر الى التلفاز
بملامح صخرية غير متجاوبة….
فزاد انين كيان توسلا وهي ترفع يدها الحرة وتدير
وجهه اليها حتى ينظر لها….وعندما فعل بملامح واجمه غليظة قالت بضعف…
“انا آسفه ياسولي….على كل اللي عملته الأيام اللي فاتت دي…آسفه مكنش قصدي والله…..”
تاه سليم في بحر عينيها المتوهجة بالكثير من
المشاعر ثم جاب قسمات وجهها بضياع وهبطت
ابصاره مستقرة بين فتنة ثغرها القرمزي….
بلع سليم ريقه وهو يشيح بوجهه عنها بصعوبة
قائلا ببرود….
“مش هنعيد الكلام تاني ياكيان…..كل اللي محتاجه
منك شوية ثقة….وتقدير….اللي حصل يوم الحفلة
قلت تقدير وقلة سمع كلام….واللي حصل النهاردة
قلة ثقة فيا…قوليلي المفروض اقبل اعتذارك
إزاي….”
بللت شفتيها وهي تقول باستعطاف…
“تقبله لاني مش هكرر الغلط ده تاني وعد مني
هسمع كلامك ولو معترضة على حاجة هتناقش
اكيد معاك وهنوصل لحل…”
رفع حاجبه وعيناه تطوف على
وجهها بتأني….
“والثقة……هتعرفي تثقي فيا…..”
زمت شفتيها قائلة بصدق…
“مع الوقت هعرف…بس انت أصبر شوية ياسليم
بعد كده مش هحكم عليك غير لم اوجهك باللي عرفته او شوفته….دا وعد مني…..”
ظل سليم ينظر اليها بصمتٍ وبملامح جافية
ظنت ان قلبه لن يلين لها….
فقالت كيان باستياء حزين….
“واضح انك لسه برضو مش قادر تصفى من
ناحيتي….عمتا انا آسفة للمرة الأخيرة…تصبح
على خير……”
نهضت من مكانها بالفعل وامام عيناه المراقبة
اتجهت الى الغرفة بخطوات حزينة محبطة تجر اذيال الخيبة خلفها….
دلفت الى الغرفة واغلقت الباب خلفها لكنها وجدت من يدفع الباب بخفه ويعتقل خصرها مديرها اليه
بجنون….
فطار شعرها البندقي حول وجهها بانسيابيه وكأنه يراقصها على الاوتار……
ابتسمت كيان واشرق وجهها فور رؤيته يلحق بها
بلهفة وشوق ظنت انها لن تراهما في عيناه بعد ما حدث….وضعت يدها على صدره هامسة بدلال..
“سليم…..”
“مُزتي…..”
ضحكت مغمضة عينيها بضعف وهي تجده يميل
على عنقها يقبلها بنهم…هامسًا بحرارة..
“وحشتيني ياعصفورتي…كنت هتجنن عليكي…”
همست كيان بضعف وهي تئن بين يداه
مستسلمة له……
“وانا أوي ياسليم….كنت مخنوقة وانت مخاصمني ونايم برا وسيبني لوحدي..”
داعب انفه بانفها وهو ينظر لشفتيها القرمزي المنفرجة بتعب تتطالب باعتذار من نوع آخر
يفضله بشدة…..
مسك وجهها بين يداه وغاص بين ثغرها بعنف
متأجج بالعواطف…ثم بدات يده اليمنى تنزلق
الى جسدها تلامسه بوقاحة قبل ان تبدأ في
نزع مئزرها الحريري عنها……انهارت اعصابها
وهي تئن بضعف بين يداه غير قادرة على
الوقوف على ساقيها….
فسقط مئزرها الحريري ارضًا…ونظر سليم الى جسدها المغوي من خلال هذا القميص القصير
المهلك الذي لم يعطي المخيلة فرصة…سرى
فجأه في اوردته سائل هلامي حار كالحمم
البركانيّة… ملح برغبات متأجج بالاشواق….
فلم يقاوم أكثر وحملها بين ذراعيه فجأه
هامسًا من بين قبلاته المتناثر على وجهها
ونحرها وثغرها الشهي…
“عقابًا ليكي…..مفيش خروج من الجناح تاني…”
نزع سليم ملابسه وانضم اليها على الفراش
مضيفًا وهو يميل عليه يغرقها بالقبل الحارة
بينما يداه تعمل على نزع قميصها…..
“هنقضي الأيام الجاية هنا….اذا كان عاجبك…”
قالت كيان بخجلا وهي تعلق يداها في
عنقه بضعف….
“مش معترضة طالما هبقا في حضنك….”
سحبها الى احضانه وانهال عليها بالقبل مرتوي
منها بقدر ظمأه لها……وهي في احضانه تبادله
الشوق بجسد منصهر بين يداه هيمان…..
………………………………………………………….
أغلقت حقيبتها باحكام ثم رفعت عسليتاها الى شقيقها وزوجته….وقالت لهما بهدوء…
“قد تمام….. يلا بينا….”
نظر حمزة الى حقيبة السفر الكبيرة ثم الى وجه
اخته الشاحب الحزين…. فمنذ أمس وهو يلتزم
الصمت مراعي مشاعرها خصوصًا بعد ان القى
عاصم حديثه المحتقن بالغضب في وجهها وخرج دون رجعه هو والجدة نصرة..
وهي ظلت مكانها ليلة أمس صامته بملامح باهته
حزينة….تهرب منهما عن الحديث حول الأمر ولو
من باب الاطمئنان عليها….
لكن حمزة لم يقدر على تجاهل الأمر أكثر فسالها
وهو يرمق حقيبة السفر الكبيرة بشك….
“انتي كُنت جايه بشنطة السفر دي المستشفى؟!…”
اكتفت شهد بايماءة بسيطة ولم تعقب فالقى
حمزة السؤال بقلق….
“ما تفهميني في إيه هتفضلي مخبيه عليا لحد
إمتى….انا لحد دلوقتي مش ناسي الكلام اللي قولهولك هنا…. ”
قالت قمر بحرج منسحبة من بينهما….
“انا هستناكم برا….على ما تخلصوا كلامكم… ”
لم يعترض أحد منهما على قولها وهي لم تنتظر اعتراض فكانت تفهم جيدًا حساسية الوضع…
جلست شهد على حافة الفراش بداخل غرفة المشفى التي ظلت بها الأيام السابقة في فترة علاج مكثفة بعد ان فقدت ابنتها في شهرها الخامس….
انحنت شهد براسها ارضًا منهزمة وهي تخرج النفس
بصعوبة بصدر ضاق بها…..كالعالم من حولها….
كل شيء انساب كالماء من بين قبضة يدها بصورة
موجعة…..قاتمة لروحها…..
هي من جعلت نفسها عرضة للخطر تركت العنان لمشاعرها وقلبها…..صعدت على الأمواج العتيه فاخذها الموج معه الى المجهول….
هي من تركت قلبها يتذوق جمال البدايات غافله
عن النهاية فالكل بداية وردية نهاية مأساوية….
تقدم منها حمزة وانزل الحقيبة ارضًا ثم جلس
بجوارها بهدوء واحاط منكبيها بذراع واحده
وقربها من صدره قائلا بعطف….
“تعالي هنا….يمكن ترتاحي…..”
وضعت راسها على صدر اخيها وبكت بمرارة وهي وتتاوه بصوتٍ عالي معذب…
“انا تعبت ياحمزة….تعبت ومبقتش قادرة استحمل
خسارة ورا خسارة…..وجرح ورا التاني…انا مش
جبل….ولا بقيت قادرة استحمل كل ده….مش
قادرة استحمل….ياريت أموت وارتاح بقا…”
ربت حمزة على كتفها وهو يحاول ان يحتويها كما كان يفعل معها وهم صغار….فهم كانا من بين
وحشة الظلام وقهر الحياة سند وانس لبعضهما…
“احكيلي اي اللي حصل هتخبي عليا…”
بلعت غصة مسننة وهي تحكي له كل ما حدث في
خلال فترة زواجها متجنبه الحديث عن الصفعة
التي تلقتها منه وقصة النسب…..
ابعدها حمزة عنه برفق معاتبها وهو يربط الخيوط
في بعضها….
“انتي غلطي من الأول ياشهد…واتصرفتي من
دماغك….”
مسحت دموعها وهي تقول بنشيج…
“عارفه بس ده ميدلوش الحق انه….يطعن
في شرفي….”
وضح حمزة بنبرة محتدة صارمة…..
“انا عذره لاني راجل زيه….واللي بتحكيه ده تطير فيه رقاب….انا لو كنت مكانه كان ممكن ارتكب جريمة قتل قبل حتى ما اسألك او اخد وادي
معاكي في الكلام…..”
“وبعدين إزاي توافقي على الجواز منه وانتي
حطه في دماغك إلهام…واللي حصل زمان…اي
مش قادرة تنسي….”
سالته بسخرية مريرة….. “انت نسيت؟!!…”
اسبل حمزة جفنيه معترف بعد فترة بضيق….
“مش ناسي بس قادر أكمل في حياتي…لا بنتقم من
حد ولا حاطت حد في دماغي…ودا اللي كان نفسي تعمليه من أول يوم ربطي نفسك بعاصم الصاوي..
وانتي عارفه ان الهام مرات عمه….اي الجديد.. ”
قالت شهد بوهن مرير….
“الجديد حاجات كتير انت متعرفهاش..زي انها السبب في تشميع المطعم ونشر الاخبار على النت بمساعدة خلود بعد ما اشترتها بالفلوس… عشان تبعني… ”
نظر لها حمزة مصعوقًا من ما سمع للتو…
فقال بعد فترة بملامح خطرة غير متهاونة….
“وطالما انتي عارفه كل ده مقولتليش ليه من
الاول وانا كنت اتصرفت معاهم…..واشتغلت لهم
في الأزرق…”
قالت شهد بسأم….
“اللي حصل حصل…”
ثم استرسلت بنبرة مثخنة بالجراح…..
“احنا اتفقنا على الطلاق…وانا شايفه انه انسب
حل بعد كل اللي حصل… واللي قاله إمبارح…..”
سارت قشعرة قوية فجأه في كامل جسدها كمن اصيب بالحمة…وهي تخبر اخيها بلوعة…
“انا حاولت اعتذر اكتر من مرة بس هو مش قادر يسامح….وانا متعودتش اتذلل لحد اكتر من كده..
طالما هو هيرتاح…يبقا يطلقني وكل واحد يروح
لحاله…..”
سالها حمزة وهو ينظر الى عينيها الفاقدة
لمعتها….
“هو هيرتاح لما يطلقك….طب وانتي ؟!!..”
قالت شهد بقلب مقهور….
“انا هفصل زي ما كنت الأول…الفرق اني هبقا
مطلقة…”
نهضت بعدها تقول بعنفوان….
“يلا ياحمزة مش هنفضل هنا كتير انا اتخنقت من قعدت المستشفيات…..يلا نروح….عربيتك معاك.. ”
أكد حمزة بهدوء….
“اه معايا…عشر دقايق وهنبقا في البيت…”
قالت شهد بحيرة….
“الفرق بين المستشفى والبيت نص ساعة…انت
تقصد اي بيت….”
تشدق حمزة مستفهمًا…
“شقتي…امال هنروح فين؟!….”
ارجعت شهد راسها للخلف معترضة…
“لا انت روح شقتك مع مراتك…وانا هروح بيتنا….”
تأجج الغضب في مقلتاه…..
“بيتنا ؟!!….هترجعي لعثمان الدسوقي من تاني….”
اجابت بفتور….
“مؤقتًا لحد ما أدور على شقة إيجار….”
اثارت حفيظة حمزة أكثر فقال بضيق….
“اي الهبل اللي بتقولي ده..تدوري على ايجار
والشقة موجوده….الشقتين اللي وخدهم من ابوكي
دول بتوعنا إحنا التلاته وليكم فيهم زيي تمام…”
رفضت شهد بتعنت….
“لا دي شقتك وحقك…..واحنا اتفقنا اننا هنكون…
شُركا معاك في المصنع بس…دا لما تبدا تفتحه ان شاء الله…اما الشقة بتاعتك ملناش حاجة فيها…”
صاح حمزة منفعلا…..
“انتي بتكلمي كدا ليه ياشهد…انتي هتروحي
معايا بلاش تزعليني منك….”
رفضت شهد مصممة على رأيها…
“مش هينفع ياحمزة…عشان خاطري سبني على راحتي انا هبقا أحسن لو فضلت في شقتنا..”
عيل صبره فقال بانفعال….
“مفيش حاجة اسمها سبني على راحتي…طب
عليا الطلاق مـ….”
وضعت شهد يدها على فمه وهتفت
بعصبية…
“اخرس ياحمزة اياك تحلف بطلاق….عشان انا مش هنفذ حلفانك ولي في دماغي هعمله…سبني براحتي
الله يخليك…سيب كل واحد بينام على الجمب اللي
يريحوا…..”
رمقها بصدمة متشدق باستهجان….
“يـاشـهـد…..”
مسكت شهد ذراعه تتوسل اليه ، فهي سئمت
من كثرة الجدال حول الأمر…..
“ورحمة أمك تسبني براحتي…انا عايزة أفضل في بيتنا القديم….عشان خاطري سبني أعمل اللي
انا عيزاه بلاش تغصب عليا…كفاية اللي انا فيه… ”
بعد لحظات قصيرة خرجا من بوابة المشفى متجهين
الى سيارة حمزة القديمة التي لم يفرط بها بعد…
بملامح صخرية غليظة….كانتا عيناه الصقريتين تتابع خطواتها الهادئة كنسمة نحو السيارة من خلال مرآة سيارته الجانبية..
كانت ملامح وجهها مجهدة باهته وعينيها غائمة في الحزن..جسدها النحيل فقد الكثير من الوزن في
تلك الايام القصيرة…..وظهر هذا بوضوح عليها…
اغمض عاصم عينيه بعذاب وهو يدير محرك السيارة خلفها ليرى الى أين تتجه فهو سيقوم بزيارتها قريبًا !….
كان عنده أمل ان تذهب الى شقتها التي كتبها باسمها
لكنها لم تفعل فاثناء السير خلف سيارة اخيها توقع
بعدها ان تذهب الى شقة اخيها الجديدة لتقيم معاهما لكنه تفاجئ بسيارة حمزة تقف اسفل بنية
الحي القديم وقد ترجل من السيارة ثلاثتهما
متجهين للأعلى…..
ازداد عقدة حاجباه وقرع قلبه كالناقوس بالخطر
والخوف عليها….فوجودها مع أبيها في نفس المنزل من جديد سيؤذيها ولا يضمن اي فعله خسيسة سيقدم عليها معها……
فمن يشوه روح ابنته بهذا الشكل تتوقع منه مالم يطرق على البال….
ضرب على عجلة السيارة بغضب عاجز عن الدخول خلفها ومنعها من المكوث في هذا البيت..فيبدو انها اصرت على الأمر حتى اخيها فشل في اقناعها….
وهو لم تعد لديه الصلاحيات للاعتراض…فقد علم الجميع الان بانهما سينفصلا عما قريب….
“معاكي المفتاح….”
سالها حمزة وهما يقفوا أمام باب الشقة المغلق….
قالت شهد بوهن وهي تخرج المفتاح من جيب تنورتها…
“ايوا معايا….وكاني كُنت حاسه اني هرجع هنا
تاني.. ”
اخذه حمزة منها وفتح الباب قائلا بعدم رضا…
“لو كُنتي وافقتي تروحي معايا مكناش هنرجع
هنا تاني….”
“هنا مكاني ياحمزة…وانا رجعتله….”قالتها وهي
تدلف الى الشقة بهدوء…..
بينما قال حمزة بمقت….
“مخدناش من المكان ده غير وجع القلب…مش
حاجه حلوة عشان نمسك فيها….”
جلست شهد على الاريكة التي كانت تجمع
ثلاثتهن سابقًا…..
“انا عِرفت قمته لما سبته…بيتنا احسن من الدنيا
اللي برا دي….واحن من الناس…..”
“المشكلة مش في البيت ياشهد…المشكلة في ابوكي…”
قالها حمزة بكراهية وهو يجلس على المقعد وقمر
في المقعد المجاور له.. تستمع لهما بصمت مذعن….
قالت شهد بعد تنهيدة ثقيلة….
“أكيد مش هتوصل انه يطردني…معملهاش قبل
كده….”
تجهم وجه حمزة بالقول…..
“بس ممكن يرفع ايده عليكي…يضايقك يهينك..وانا مش هبقا موجود…..”
قالت شهد بهدوء…
“قولتلك اني هأجر شقة قريب اوي….”
تدخلت قمر بعتاب….
“وليه ياشهد…ما شقة أخوكي موجوده….”
تافف حمزة وهو ينظر الى زوجته يطلب منها
العون بصوتٍ مرتفع…..
“قوللها ياقمر…انا تعبت من الكلام معاها….”
سالتها قمر بتردد….
“هو انتي مش عايزة تيجي تعيشي معانا ليه
ياشهد…اوعي يكون عشاني…”
هزت شهد راسها بنفي مجيبة….
“عشانك اي ياقمر…هو انا أول مرة أعرفك…الحكاية
وما فيها اني مش هرتاح غير في بيتنا ده….سبوني
براحتي عشان خاطري… ”
ثم نهضت تنهي الجدال بملامح
منزعجة…..
“ويلا بقا مش وصلتوني…. يلا روحوا….”
رفض حمزة وهو يرجع ظهره للخلف….
“احنا مش مروحين احنا هنبات هنا النهاردة…اهو
نبقا جمبك لو عوزتي حاجة….”
تململت شهد وهي تحرك حدقتاها بملل….
“وكاني عيلة صغيرة…..عمتًا براحتكم….انا كده كدا
هدخل انام معرفتش أنام كويس اليومين اللي فاتوا…..تصحبه على خير… ”
ابتعدت امام اعينهما ودلفت الى غرفتها…فقالت
قمر بوله…..
“قلبي وجعني عليها اوي….لو فضلت هنا ممكن يجرلها حاجة….ما تحاول تقنعها تاني ياحمزة…..”
زفر حمزة نفسٍ خشن…
“مانا بتحايل عليها قدامك اهوه…وطول مانا في العربية بحاول اقنعها انا وانتي…مفيش فايدة…
ركبه دماغها وعايزة تفضل هنا….”
زمت قمر شفتيها متعجبة من رفضها….
“مكنتش اعرف انها حساسة اوي كده وهتعملنا
زي الغرب….غريبة…..”
هز حمزة راسه وهو ينظر لباب غرفتها
المغلق…..
“شهد طول عمرها كده…. مش جديد عليها….”
دلفت شهد الى غرفتها واغلقت الباب عليها ثم
دارت بحدقتاها الحزينة في انحاء غرفتها وعبقها
الدال على الهجر لأشهر بدون صاحبتها…..
خرجت من هنا عروس تطمع في الحياة في الحب
في تكوين أسرة….وبعد سبعة أشهر كاملة عادت
الى هنا بالخيبات الكبرى…
خسرت كل شيء…الأول والدها في طفولتها ثم
اذنها في صباها وعمرها مهدور في ريعان شبابها
معه انقلع الحلم من جذورة… وخذلت من أقرب
الأصدقاء….فقدت صغيرتها….وانتهت علاقتها
الرائعة بزوجها….وانتهى الحب قبل كل شيء..
فكما بدا أولًا ، انتهى أولًا …..
استلقت على الفراش بتعب مضنٍ مغمضة العينين
تاركة العنان للدموع بان تبوح عنها بالكثير…
………………………………………………………..
فتح باب غرفة النوم ودلف اليها مغلق الباب خلفه
رفع عيناه القاتمة بتأني ينظر الى أرجاء الغرفة التي مزالت تحمل عبق عطرها الطيب عبير الزهور…والبحر
بلع غصة في حلقة تشبه الشفرة الحادة القادرة
على شطر حلقه لنصفين….
ثم اتجه الى غرفة تبديل الملابس والصور تلاحقه
أينما ذهب.. رحلت لكنها تركت اثر لها في كل مكان هنا..فكيف سيتخطى الفراق….وهو يرى الموت
أهون من نسيانها….
وقف بقلب غرفة تبديل الملابس بملامح متجهمة
غليظة… بدا ينزع سترة الحلة عنه وربطة العنق بعصبية وضيق….
ثم حانت منه نظرة على خزانة ملابسها فوجدها فارغة عدا فستان صغير وردي اللون معلق يخص صغيرتهما قد ابتاعه عاصم يومها بنفسه وهي احتفظت به هنا عن الأغراض الأخرى….
كان هذا الفستان الصغير منفرد ورائع بالقبعة
المماثلة الانيقة والحذاء…. اختاره وهو يأمل
بكل ماهو جميل لتلك العائلة الصغيرة….
اين هي عائلته الآن ؟!……لم يبقا سواه وحيدًا
في نفس الغرفة وكأن الأيام عادت من جديد
بصورة مضنية تحمل الأعباء الى قلبه…
سحب الفستان الصغير وضمه الى صدره وهو يتنفس
بتعب وصدره ثقل من كثرة الهموم والحزن لماذا لا تعيش له ذرية؟!… طفلين تنتهي حياتهما قبل ان تبدأ وزوجتان يخذلانه بدم بارد….
تخطى علاقته الأولى وكانها لم تكن…لكن تلك العلاقة
غير قادر على وضع رقم لها…فهي بنسبة له الاولى
والاخيرة……وهذا ما يجعل تخطيها أصعب ما يكون
استلقى على الفراش وفستان الصغيرة بين قبضة
يده يوهم نفسه بانه يحمل رائحة ابنته….لكن
الثوب كان يكذب احساسه فكلما استنشق
منه وجد فراغ….فراغ موحش…..ومؤلم
لروحه…..
أغمض عاصم عيناه بتعب….غط جسده المنهك
في نوم عميق وراحه مؤقته…لتداعب أحلامه
سيدة الحُسن بابتسامة جميلة وهمسة عطرة
وصغيرتهما بين يداها تلوح له….بالوداع…
…………………………………………………………
ضرب حمزة على ركبته وهو ينهض من مكانه
قائلا…..
“طب يلا عشان ننام….والصبح يمكن تغير رايها
وتوافق تروح معانا….”
هزت قمر رأسها باستحياء وهي تقفز من مكانها قائله….
“تمام تصبح على خير…..”
“على فين….”مسك ذراعها قبل ان تتخطاه…..
بينما اجابت قمر وهي تنظر
إليه…..
“هنام في اوضة كيان….”
رفع حاجبه مندهشًا وارجع راسه
مرددًا…
“أوضة كيان اه….لا تعالي معايا….”
شبك اصابع يده باصابعها ثم جذبها برفق الى
غرفة النوم الخاصة به…..
عندما دخلا سويًا…أغلق حمزة الباب بالمفتاح حتى
لا تتمكن من الهروب….
بينما قمر وقفت مكانها تنظر الى زوايا الغرفة بعينين
عاشقتين ورغم انها اقامت في هذه الشقة أكثر من عام إلا انها لم تدخل غرفته إلا مرة واحده….وكانت
حينما حاول ان يقبلها….
احمرت وجنتيها مع ذكرى مشاعرها حينها….كانت
رغم الخجل غاضبة بشدة….وقد رضاها بالدمية
البقرة والسلسال الفضي…..بقمرة الناصع…
وضعت يدها تلقائيًا على كنزها تلامس الدائرة المرتاحة المضوية اسفل نحرها….
ومزالت بُنيتاها تراقب كل شبر بهذا المكان…غرفته
بسيطه ذي طابع رجولي واضح بكل شبر بها…فراش
متوسط الحجم وخزانة ملابس وطاولة صغيرة…
و….وصور قديمة معلقه على الحائط لـ…..بعض الشقراوات الجميلات……
أوغر صدرها بالغيظ مع ارتفاع حاجباها بقرف
وكانت على وشك التقريع له وفرض سيطرتها عليه…ورفض هذا الأمر بما تمتلك من صلاحيات…
لكنها فتحت فمها مصدومة متسعة العينين وهي
ترى حمزة يبدل ملابسه في وسط الغرفة بمنتهى الاريحية وكانها ليست موجوده….
جزت على اسنانها وهي تستدير مزمجرة
باستحياء…
“ايه… ايه انت…. مش واخد بالك اني واقفة….”
خلع حمزة القميص واصبح عاري الصدر ثم بدا
بنزع البنطال وهو ينظر لظهرها بتسلية ومكر….
“ايوا واخد بالي….انتي مدياني ضهرك ليه..اوعي تكوني مكسوفه….”
قالت قمر بتهكم….
“أكيد مكسوفة مش بجحه زيك….”
قال حمزة بتحذير خشن….
“وليه الغلط ياقمراية…ما تخلينا لذاذ مع بعض..
عشان اليلة تعدي على خير…..”
استدارت دون ان ترفع عيناها عليه
وقالت بضيق….
“انا هطلع برا لحد ما تغير….هات المفتاح…”
“براحتك….تعالي خديه… ”
قالها بمراوغة وهو يتوقف بعد ان نزع الحزام من
حول خصره…..
اقتربت قمر منه بضيق وعيناها في الأرض فمدت
كفها أمامه بحنق….
“هات لو سمحت…..”
رفع حمزة المفتاح للاعلى وبد يهزه أمامها كمن يلاعب جرو صغير….
“ما تاخديه أهوه…انا مانعك…”
رفعت يدها لمستوى يده فابعد يده للجهة الاخرى
بلمح البصر.. فزفرت باستياء وهي تلحق به وكلما
قاربت على التقاط المفتاح يبعد يده عنها فتلحق
هي به بتصميم مزمجرة بعناد…
وهو كان يضحك بتسلية عليها يلاعبها كالجراء..
واثناء هذا المزاح الغليظ منه…وقع فجاة بنطالة
من حول خصره…فصرخت قمر بخجلا وهي تلتقط المفتاح من بين يده ثم اتجهت الى الباب راكضة
بوجنتين مشتعلتين بالحرج…..
رفع حمزة البنطال واغلق الزر ثم لحق بها وهو يضحك وقبل ان تفتح قمر الباب وضع يده
يغلق الباب من جديد….ثم دفن انفه في شعرها
الغجري هامسًا بلوعة….
“على فين ياقمراية….”
على صوت تنفسها متهدج وهي تشعر بانفاسه الساخنة تتوغل بين خصلات شعرها….فارعبها
وهو يقول بلؤم….
“مكتوبالك ياشابه…..”
ارتجف جسدها ولم تقو على ادارة وجهها اليه
فقالت بصوتٍ متقطع……
“هو..انا…انا….انا.. ”
اكمل حمزة عنها بمزاح وهو يستنشق شعرها
بأدمان…
“انا مش انا… لدي ملامحي ولا شكلي..شكلي
ولا دا انا….”
اتسعت عيناها بوجل…. “هو انت هتغني ولا إيه….”
قال حمزة بخبث يستفزها…
“شكلك مستعجلة اكتر مني…وانا كنت لسه بقول
همهدلك الموضوع إزاي….”
ادارة وجهها اليه بعنف شرس…
“احترم نفسك….احنا في ايه ولا في إيه….”
برم حمزة شفتيه ساخرًا ببرود….
“اي الهجوم المبالغ في ده…..انا كنت عايز اسألك
حابه تنامي على الجمب اليمين ولا الشمال…”
نظرت قمر إليه بدهشة وعندما رأت الجدية
تعلو ملامح وجهه قالت بارتباك…
“اي حاجة….مش بدقق….”
ابتسم باستحسان…… “شاطرة مخك كبير….”
سحب من بين يدها المفتاح واغلق الباب مجددًا فقالت قمر بوجوم…
“انت بتعمل إيه….انا عايزة اغير هدومي….خليني
أروح أشوف اي بجامة في دولاب كيان او شهد..”
رفض ببرود…. “مفيش خروج….”
وضعت يدها في خصرها منزعجة…
“نعم….ليه بقا ان شاءالله….احنا في سجن…”
اجابها بغلاظة…
“لا بس مضمنش انك هترجعي على هنا تاني….”
وكانه قرا أفكارها فهي كانت ستفعل هذا مغلقه
على نفسها الباب بالمفتاح هروبًا منه…فقالت بعد
فترة مدعية الغيظ الشديد…..
“والله….طب انا هغير هدومي إزاي هنام كده…”
اشارت على الثوب التي ترتديه بضجر….فسارت
عينا حمزة على طول قدها بينما لسانه يسأل
بهدوء…
“لبسه ايه تحت الفستان….”
زمت شفتيها…..
“فنالة كت….وبنطلون كارينا….”
لمعة عينا حمزة مع إبتسامة مريبة بنسبة
لها !!..
“طب ماهي محلوله..”
دبت الأرض بقدمها متذمرة…
“لا مش محلوله ممكن تخرجني من هنا….”
رفض حمزة بخشونة….”مفيش خروج…..”ثم فتح
درفة الدولاب ووقف خلفها…مما جعلها تسأل
بفضول….
“بتعمل إيه….”
رد من خلف الباب الخشبي…..
“هغير هدومي…..تعالي اسحبي درفه وغيري
جمبي طالما محرجه اوي كده… ”
قالت قمر بتبرم وهي تقترب منه…
“الله يسامحك….مش عارفه انت بتعمل فيا كدا
ليه….”
رد حمزة وهو يرتدي بنطال
المنامة….
“محبة دي ياقمرايه….”
ابتسمت وهي تقف خلف درفة الدولاب ثم رفعت
الثوب عنها وهي تسأله….
“تفتكر شهد نامت…..”
اجابها حمزة بخفوت….
“أكيد…..اليومين اللي فاتوا مكنتش بتنام أصلا…”
أغلق حمزة درفة الدولاب وكذلك فعلت قمر التي أسبلت اهدابها بخجلا فور ان أطلق صفيرة إعجاب صغيرة وعسليتاه تلمع كشعلتان منصهرتان….وهو
ياكلها بنظراته الوقحة……
كانت قمر ترتدي كنزة سوداء قطنية طويلة قليلا بحمالات رفيعة… اسفلها بنطال اسود ملتصق
في لحمها يصل طوله لبعد الركبه بقليل…
كانت اخف واجمل في العين دون تكاليف وملابسها
تفصل قدها المنحوت بالمسطرة كمقياس للجمال
مع شعرها الأسود المموج المتأرجح بدلال الان
خلف ظهرها يكمل صورة البهية ذو المحة الشعبية الأصيلة….
نظرت له قمر بطرف عيناها وعندما وجدته يحدق
بها بقوة….قالت بتجهم….
“بص قدامك….كل ده بسببك….”
ثم خطت بقدميها للأمام هاربة منه… فلمحت صور النساء الشقراوات على الحائط فوق السرير مباشرةً…
استدارت اليه بغضب وقبل ان تفتح فمها امسكت
به متلبسًا ينظر الى مفاتنها من الخلف بصورة وقحة..
شرسة وكانه سيهجم عليها الآن…
بلعت ريقها بخوف وهي تنظر اليه بصدمة
وغضب…فرفع حمزة عيناه عليها ببراءة معلق…
“دا انتي طلعتي فورتيكه…”
فغرت قمر شفتيها وهي تشعر ان الكلمة ردت
في صدرها قتلتها…فقالت بعدم فهم….
“يعني إيه ؟!!….”
مط حمزة شفتيه متأوهٍ….
“يانهار أسود….على الادب والبراءة…دا احنا محتاجين نراجع المنهج من أوله…”
رمشت قمر بعيناها بارتباك وهي تقرأ المعنى
الصريح في كلماته….. “على فكرة…..انا….انا…..”
قاطعه حمزة مبتسمًا بعبث….
“يخربيت التاتأه اللي هتخليني انسى نفسي
واتهور….وانا بصراحة على شعره….”
تاففت قمر وهي تخشن صوتها بغيرة…
“ممكن افهم اي الصور اللي انت معلقها دي..
مين دول…..”
رد حمزة بهدوء مختصر….”نسواني…..”
تحولت حدقتاها لجمرتان مشتعلتان…وقد وضعت يدها في خصرها وهزته بعصبية وهي تشهق شهقة عالية سوقية نشاز….”نااااااااااعم ياااااخويااااااا…..”
صفق حمزة منتشيًا من شراستها وهو يعقب
باستمتاع……
“ايوا طلعيلي البت الشرشوحة اللي جواكي…. دي
اللي بعرف اتعامل معاها….لكن البريئة المكسوفة
دي بتقلقني منها..”
على صوت تنفسها وهي تساله من
بين اسنانها….
“يعني اي نسوانك…..افهم….”
قال وهو يرفع راسه للسقف بملل…
“يعني كُنت معجب بيهم زمان…ايام الطيش والشقاوة…..فعلقت صورهم زي اي واحد
في سني وقتها … ”
هزت راسها بانفعال مستفسرة….
“اه…..وليه ما شلتهمش من اوضتك بقا….”
رد حمزة باختصار هادئ…
“نسيت…. الصور دي محطوط هنا من سبعتاشر
سنه فاتوا…. دا كان في أكتر منهم بس عريانين فشلتهم….”
لوت ثغرها هازئة….
“بجد ماشاء الله… اكيد استحرمتها مش كده…”
اوما بعيناه قبل لسانه…
“اه طبعًا…. انتي عندك شك في كده….”
جاشت مراجل صدرها فعلى صوتها
بنفاذ صبر…..
“انت عايز تشلني…. ومشلتش الباقيين ليه…”
زجرها حمزة بخشونة….
“قولتلك نسيت يابت…بطلي زعيق…..دول تلات
صور بالعدد….”
“طب ممكن تشلهم….”اشارت الى الحائط بأمر
وهي تهتز بعصبية….
اقترح بوقاحة….
“طب هاتي بوسه….. وانا اشيل ابوهم…. ”
رفضت بضجر….
“لا هتشلهم…. ومن غير حاجة….”
رفع حمزة حاجبه وقال بعناد…..
“مش شيلهم…خليهم متعلقين على الحيطه..
يروقه عليا….”
ارتاح على الفراش والصور فوق راسه مباشرةً…
فصاحت قمر بهيجان…..
“مقرف وقليل الأدب…..عارف لو الصور دي
متشلتش انا هنام في الأرض….”
نظر حمزة لها قليلا ثم حرك حدقتاه باستهانه….
فقالت قمر بغضب سافر….
“مش مصدقني صح… طب اهو……”
سحبت الوسادة من اسفل راسه والقتها ارضًا…
فتافف حمزة وهو يقف على الفراش….
“خلاص يابت هشيلهم….. يخربيت نكدك…”
غمغم بحسرة وهو يسحب صور الشقراوات
عن الحائط……
“الجواز بيغير بقا ياحلوين….وقمراية بصراحه تستاهل اضحي بيكم….”
كور حمزة الصور بين يده ثم القاها في سلة
المهملات وهو يرمق قمر بقنوط……
“اديني عملت بلوك للنسوان اللي في حياتي
اتهدي بقا ونامي….”
قالت بابتسامة متشفية….. “أحسن…”
استلقى حمزة على الفراش ثم ضرب وجهها
بالوسادة الأخرى مغتاظ…..
“طب نامي…. نامي نوم الظالم عبادة….”
استلقى كل واحد منهما على الفراش يولي ظهره
للآخر….ومن بين الظلام الدامس زفرة قمر وهي تتمايل للناحية الاخرى لتنام على ظهرها وعيناها للسقف…
فسالها حمزة دون ان يستدير….
“مش عارفه تنامي ولا إيه….”
قالت وهي تنظر للأعلى وسط الظالم الحالك…
“شكلي عشان غيرت نومتي….مش عارفه بصراحة
بس انا مش مرتاحة على سريرك….”
أضاء حمزة المصباح بجواره وانبعث ضوء خافت
من حولهما يكاد يروا وجهيهما…
استدار حمزة كذلك على ظهره وادار راسه اليها
قائلا بغمزة عابثة….
“شكلك مش هترتاحي غير في حضني….ما تيجي..”
لكزته في كتفه وهي تضحك بسأم…
“احترم نفسك بقا..اي حوار يا تقلبه هزار ياقلة
آدب…..”
“دي احسن حاجة….” ثنى حمزة ذراعه أسفل راسه وعيناه معلقه على السقف معها…..ليقول بعد لحظة
“تعرفي تقولي.. بسيطه وماتستبسطهاش وصعبه ماتستصعبهاش…..”
وضعت قمر يدها على فمها تكتم ضحكاتها وهي
تردد باستمتاع….
“بسيط ما تستبهاش وصعبة ما تسـ…ما تسـ…
ما…..إيه… ”
ضحك حمزة بتسلية وهو يقول…
“بلاش دي صعبة عليكي… طب تعرفي تقولي
أرنبنا في منور أنور وأرنب أنور في منورنا…..”
قالت ببهجة وحرارة…..
“سهلة دي ارنبنا في منور أنور…ومنور ارنب في منورنا……”
ضحك حمزة معلق بسخرية… “منور ارنب إزاي…..”
ضحكت قمر بخجلا وهي تحرك راسها لتنظر
إليه بشقاوة……
“طب اقولك فزوره……لي الخشب يتيم….”
انعقد حاجباه بحيرة… “ليه يتيم؟!!…..”
رقصت حاجبيها قائلة بانتصار…
“عشان مقطوع من شجرة….”
ضحكت باستمتاع بينما زم حمزة شفتيه
بقرف معقبًا بفظاظة…..
“يخرب بيت خفة دمك اللي هتخليني أروح اقطع
شرايين من الضحك….”
لكزته قمر في كتفه….
“اي ياحمزة طب والله حلوة….”
تنهد وهو ينظر للسقف قائلا بوقاحة…
“طب اقولك انا فزوره…اي اللي حاجة اللي تبوسها
تقلـع لـ…..”
اوقفته مزمجرة بحرج…..
“عرفاها…..وياريت تقول فوازير محترمة…ولا
أقولك…. قول نكتة…”
قال حمزة بمكرٍ……
“انا النكت بتاعتي بتخدش الحيا لو مستعده
تسمعي انا معنديش مانع….”
هزت راسها بنفي وهي تغمض
عينيها….
“لا مش عايز اسمع….انا هحاول أنام….”
فتحت عيناها مجددًا عندما شعرت بابتعاده عنه
فسالته بلهفة…..
“رايح فين ياحمزة……”
اجابها بهدوء وهو يفتح الباب…
“هروح أطمن على شهد وهشرب سجارة في البلكونة…..”
جلست على الفراش بسرعة ثم اقترحت
بتردد….
“تحب اجي اقف معاك في البلكونة….”
اوما حمزة براسه مبتسمًا….
“لو مش هضايقك ريحة السجاير ياقمراية.. تعالي..”
…………………..
“لقتها صاحيه….”سالته قمر وهي تقف امام سور الشرفة المغلقة بستائر سميكه…
اقترب منها ووقف جوارها قائلا بزفرة ارتياح….
“راحت في سابع نومه كده أحسن الأيام اللي فاتت كانت صعبة ومكانتش بتعرف تنام كويس….اي ده…”
نظر لكوب الشاي الموضوع على السور جوارها
فقالت قمر بابتسامة براقة……
“شاي بالقرنفل….”
التقط الكوب واخذ منه رشفة…..
“جاي في وقته….ليه عامله كوباية واحده…”
قالت بابتسامة شقية….. “هنشرب منها سوا….”
ضاقت عيناه مناغشًا…
“ويترى دا بخل بقا ولا غلاسة…”
قالت بمناكفة لذيذة….. “غلاسة….عندك مانع…..”
“مقدرش….نخمس فيها سوا…”هز راسه بنفي وهو يعطيها الكوب…اخذت منه الكوب وهي تنظر من
شق الستائر منبهرة برؤية القمر المضوي فاشارة بتلقائية إليه……
“الله القمر طالع شايفه….”
هز حمزة راسه وهو ياخذ منها الكوب….
“مش واخد بالي منه…كفاية القمر اللي جمبي…”
ضحكت بخجلا بعد هذا الإطراء اللطيف….
ثم صمتا قليلا يتاملا السماء القاتمة المزينة بالنجوم والقمر المضوي اعلاهما….يؤنسهما بسحرٍ خاص…
قالت قمر بعد فترة بتردد…
“حمزة هي فعلا شهد وعاصم هيطلقوا ؟!…..”
انعقد حاجباه بغلاظة معقبًا…
“انت كنتي بتلمعي اوكر ورا الباب ولا إيه….”
لكزته في كتفه مغتاظة….
“بطل غلاسة بقا…انت مش عايز تحكيلي؟!!…”
مط شفتيه قائلا بنبرة مهمومة…..
“الموضوع باين ياقمر مش محتاج أحكي….واضح
انهم متفقوش…..واحتمال يطلقوا فعلا… قريب….”
انحنى حاجبا قمر بحزن متأثرة….
“إزاي بس دول بيموتوا في بعض….دا عاصم
بيحبها أوي…..”
غامت عسليتاه وهو يقول بشرود….
“الحب لوحده مش كفاية…في حاجات اهم من
الحب…”
وكانه القى سهم سام في قلبها فبلعت ريقها
وهي تستفسر بوهن…… “زي إيه مثلا….”
اجاب حمزة وهو يرتشف من الكوب….
“دماغنا تكون واحده…بنفهم بعض كويس
وبنقدر نحترم بعض….واهم حاجة نرتاح مع
بعض بجد….”
قالت قمر بتذمر……
“كل د بيعملو الحب على فكرة….”
رد حمزة مستنكرًا….
“كل ده بيجي مع العشرة والسنين….والتعود..”
قالت قمر باصرار عاطفي…
“ما إحنا كملنا عشان بنحب….”
استدار حمزة بكليته لها سائلا…..
“انتي عايزة تقولي اي يـاقـمـر انا سمعك..”
بللت شفتيها وهي تقول بدفاع….
“عايزه اقول ان الجملة اللي قولتها غلط الحب هو اهم حاجة…. عليه بتتبنى حاجات كتير اوي….حتى
المودة والرحمة والعشرة مستحيل يجوا من
غير حب…. ”
هز راسه بعناد معقبًا بملامح
رصينة….
“احنا مختلفين في الحته دي….”
مسكت قمر يده فجأه تساله بنفاذ صبر….بنبرة
قوية متعطشه اليه……
“انت لي بتهرب من الحب….”
نظر الى عينيها الراجية أجابه مقنعة..فقط أجابه
تخمد لهيب قلبها….فقال بتجهم…
“عشان خايف…..خايف اصدقك فتجرحيني…”
فلتت يده وهي تقول بلوعة…..
“بس انا حبيتك بجد….ومستعده أموت عشانك….”
“الكلام مش بفلوس ياقمر… الحب مواقف….
أفعال…..”اولاها ظهره وهو يقولها بانفعال غريب…
هي وحدها من تفهم لماذا هو منفعل حتى هو
يجهل ثورة مشاعره الان بقربها…..
سالته بصوتٍ خافت باهت…..
“انت اتجوزتني ليه ياحمزة……”
سحب أكبر قدر من الهواء البارد لرئتاه وهو يغمض
عيناه مجيبًا بقلبه قبل لسانه…
“عشان برتاح معاكي….ببقا مبسوط وانا معاكي..بحب
حبك ليا….حابب نظرة عينك ولمعتها….اسمي من بين
شفايفك….لمسة إيدك حضنك وكلامك….حابب فيكي حنيتك….طيبة قلبك…بشوفك أم ليا…. اكتر من زوجة…”
اختلج قلبها بلوعة وهي تسأله
بدموع…..
“وتفتكر ده مش حب ؟!!……”
ادار وجهه لها يرمقها بجدية قبل ان يتفوه بـ….
“لو سمعتي اللي جوايا هتصدقي… ولا هتفتكريها
كدبة جديدة…. متفق معاهم عليها….”
سالت الدموع من عينيها وهي تقول
بعذاب….
“هصدقك ياحمزة…والله هصدقك….بس قولي الحقيقة…”
بلع حمزة غصة مؤلمة في حلقه وهو يعترف
لها بضعف…..
“الحقيقة ان انا لما وافقت اتجوزك…كنت واخد
ورث امي حجة…عشان أوصل للحاجة اللي مش
قادر اعترف بيها بيني وبين نفسي حتى….
وفعلا خدت حقي….وخدت الشقتين وشرط
انهم يبقوا شقتين وافتحهم على بعض…عشان املى النقص اللي جوايا….وأقول انا عملت اللي هي كانت عيزاه بس مش معاها مع واحده تانيه..”
أغمضت عينيها بوجع وكانه صفع كرامتها مجددًا
بذكرى أخرى….فتابع حمزة بصوتٍ خافت…
“لقتني ففترة الخطوبة….بتشد ليكي اكتر من الأول
زي المغناطيس…اليوم مكنش بيكمل غير لما بشوفك وبتكلم معاكي…نتغدى سوا نفطر سوا…..نقعد ندردش في البلكونه زي دلوقتي……بقا يومي عبارة عن..
قمر…..جمال قمر وحلاوتها وضحكتها….هزارها
وخصامها….”
خفق قلبها متجاوبًا بجنون معه…لكن ملامحها
كانت هادئة متزنة وهي تسمعه…أضاف حمزة
بجدية يقر……
“كنت بحس بنغزة ضمير كل ما افتكر اني مخبي عنك حقيقة اتفاقي مع عثمان…بس برجع وبقول
اني مش متجوزك عشان كده….كنتي وسيلة اني أعرف اخد حقي واحافظ على حقك في نفس
الوقت…بس جوازي منك…..كان حقيقة بيني
وبين ربنا مكنش من وراه اي مصلحة..كنت ناوي
اكمل معاكي لاخر عمري…..كنت شايفك مراتي
وام ولادي من قبل حتى ما اكتب عليكي…”
هبطت الدموع من مقلتاها بغزارة يآمن
قلبها على الحديث….لكن عقلها متخبط بين
ما سمعته يوم الحنة والان…..
لكنها دوما تسير خلف مشاعرها مغمضة العينين
واليوم تسير بنفس الطريقة دون حذر….
لكنها تشعر بانه صادق معها…قلبها يقسم لها
بانه صادق…لكن اين البراهين؟!…..
مد حمزة يده واحتجز وجهها بين يداه ثم
مسح دموعها باصابعه قائلا برفق حاني…..
“ليه بتعيطي…اقسم بالله كل حاجة بقولهالك
حقيقية…وخارجة من قلبي….أوعى تكدبيني.. ”
نظرت الى عسليتاه المتوسلتان لها المطالبتان
بعطفها….رق قلبها له كأم تحنو على طفلها..
فعادت الدموع الى عيناها بعذاب…بينما
خرجت نبرة صوتها مهتزة..
“انا بحبك ياحمزة…….”
مالى حمزة على جبهتها ساندًا عليها وهو ينهت
بتعب مغلق مقلتاه للحظات…..وقد تسارع نبض
قلبه بمشاعر عنيفة مضطرمة…..وهي بين يداه مستسلمة بمقلتان حمراوان كالدماء وخفقات
تكاد تصل للعنان….
فتح عيناه وهو يستقبل بُنيتاها بحرارة هامسًا
وهو يقترب من وجهها أكثر ومالى على ثغرها
الشهي وبدأ يطبع قبل سطحية فوق شفتيها
وهو يعترف بهمسًا عذب حار….
“انا بموت فيكي…بعشقك….بهواكي…بهواكي ياقمري…..”
فغرت شفتيها بجمالًا سائلة بعدم
تصديق….
“بتحبني بجد ياحمزة…..”
همس وعيناه مسحورتين بها….
“والله العظيم بحبِك….بحبِك اوي ياقمراية…..”
اعتقل خصرها بين يداه مقربها منه أكثر ثم
أنقض على شفتيها على حين غرة مقبلها قبلة
جامحة حارة…افقدتها صوابها واذابت معها
اعصابها منهارة…..
جرتا يداه الجريئتان بوقاحة على جسدها يكتشفها بصورة أخرى….صورة اشعلتها ولم تتوقع ان تشعر بكم هذا الاحتياج بين يداه…..
تعلقت قمر في عنقه غير قادرة على الصمود
أكثر….فالوقح يعذبها دون ان يعي….فحملها
حمزة عندما انهارت بين يداه…..
حملها من خصرها ثم وضعها على المقعد الخشبي
بقلب الشرفة….دون ان يطلق سراح شفتيها….
ومالى عليها أكثر يرتشف من رحيق ثغرها الحلو الطري وهي بين يداه مسالمة تتشبث في خصلات شعره الناعم بانهيار انثوي راقه بشدة……
سرقا من عمرهما لحظات ستكون من أجمل
الذكريات الحميمية الجميلة بينهما……
……………………………………………………………
فتح باب الشقة ثم اغلقه خلفه بالمفتاح….
ورفع عيناه المظلمة ليجد يزن يخرج من الحمام
وحول عنقه المنشفة يجفف بها وجهه…
مرا أسبوعين كاملين على وجوده في تلك الشقة
يقوم عاصم بالمرور عليه كل يوم تقريبًا يحضر
معه الطعام واغراضه الخاصة….
كل يوم تحدث مشادة كلامية بينهما تنتهي بمغادرة عاصم مكفهر الملامح بغضب…
مزال يرفض يزن العمل في الصاغة مزال يتحجج
بدراسته وحياته التي يفضلها خارج نطاق شارع
الصاوي…..
“انا موافق اشتغل معاك في الصاغة….”
نطق بها يزن عندما رأى عاصم أمامه… لم يبدوا على عاصم اية اهتمام او سعادة بقراره المنتظر….
بل قال بجمود جافٍ وهو يضع الإفطار على
الطاولة بفتور…
“كويس… اهو بدا عقلك يرجعلك….افطر عشان
ننزل شارع الصاوي….اسلمك شغلك الجديد…”
رفع يزن حاجبه بملامح جافلة….
“بسرعة دي هستلم الشغل… مش لما اشوف الأول
مواعيد محاضراتي واوفق بين الإتنين…. ولا انت عايز مستقبلي يضيع….”
التوى ثغر عاصم في ابتسامة ساخرة….
“مستقبلك كان هيضيع فعلا يادكتور…. لو كنت
كملت في سكة شرب الخمرة….”
بلع يزن ريقه بحرج واشاح بعيناه الزرقاء بعيدًا
عنه…. فقال عاصم بخشونة…
“روح هات طبقين وسكينة من جوا….”
نظر له يزن بعدم فهم للحظات فانتبه بانه يعد فطور
سريع على الطاولة أمامه….
فاستدار بغيظ يلبي طلبه فاوقفه عاصم…
“استنى… خد اغسل الطماطم والخيار دول كويس
أوي…”
فعل يزن وهو ياخذهم منه على مضض….
بعد لحظات كان عاصم قد اعد فطور بسيط وشهي
ثم جلسا بجوار بعضهما على الاريكة وبدأ ياكلا بصمت…..
شعر يزن بان اللقمة تكاد تنزلق بصعوبة من حلقه
كل يوم يواظب عاصم على المجيء والافطار معه
و…والصلاة جماعة معه….واصبح مداوم عليها في تلك الايام القصيرة……
واحيانا يذهبا سويًا للصلاة جماعة في الجامع القريب
من هنا…..كان في السابق يصلي مع عاصم مجبور فرض او اثنين معه ثم عندما يغادر عاصم لا
يقوم بقضاء باقي الفروض….معاندًا كطفلا متذمر….طائش..
حتى بدا يشعر بندم كلما سمع صوت الأذان وتهرب
منه….كلما سمع الايات القرانية تتلى من صوت المكبر القريب منه ويتغافل عن رسائل ﷲ له…
حتى حدث ما زلزل كيانه في أحد الأيام عند صلاة
الفجر….كالعادة سمع الأذان ولم يقضي الفرض بعناد
شيطاني….حتى سمع اية قرانية قد قرأها الشيخ
وقتها وهو يبكي متأثر من كلمات الله العظمة….
بسم الله الرحمن الرحيم…..
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ* خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ
كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ).
حينها ارتجف جسده متأثر برهبه وهو يفهم المعنى الصريح خلف الكلمات….
لذا نفض فجأه الغبار عنه…وتقدم يتوضا ويصلي
ثم واظب على فروض الصلاة في البيت ومع ابن عمه عند قدومه…..وفي فترة قصيرة اصبح اهدأ واكثر تفهمًا للامور من حوله……وكأن الشياطين بداخله سُلسلة بالحديد عندما اقترب خطوة
واحد من ﷲ….
افاق من شروده على صوت عاصم الخشن
وهو يقول بأمر…..
“من بكرة تروح الجامعة وتلتفت لمحاضراتك وتحاول توفق بين مواعيد محاضراتك في
الجامعة وبين شغلك في الصاغة….”
اوما يزن براسه منصاع للحديث…وهو يأكل بشهية
مفقودة…..
فانطلق صوت الأذان فجأة معلن عن صلاة الظهر…
فتوقف عاصم عن الاكل مردد مع المؤذن وعندما
انتهى نظر ليزن قائلا بخشونة….
“لو خلصت فطارك يلا…عشان نلحق نصلي الضهر
جماعه ونطلع على الصاغة…..”
نهض عاصم من مكانه مردد الحمد وهو يتجه للحمام
فاوقفه يزن فجأة بجملة اخترقت الصميم…
“امتى هتسامحني على اللي فات…..”
تشنج جسد عاصم وهو يوليه ظهره منفعلا بضراوة
بعد هذه الجملة القاتلة….
فحتى الإعتذار في هذا الموضوع خطر….ومؤلم لمن
تعرض للخيانة والغش من قِبل ابن عمه…ابنه البكري..
كما يراه دائمًا وابدًا…..
لم يأخذ إلا ثوانٍ قليلة ثم استدار له مردد جملة
كانت بمثابة خنجر مسنن طعن به نفسه بقسوة…
“لم أبطل اشوفها في عنيك…..”
ثم تركه وأكمل طريقه للحمام…وقتها احنى يزن
راسه بغضب وندم على ما أوصل نفسه إليه…قد انغرس في وهم الحب…وليس اي حب…حب
محرم وقد عرف هذا بعد فوات الأوان !!……
دلف يزن الى الصاغة برفقة عاصم ليست أول مرة
ياتي الى هنا ويدخل شارع الصاوي…لكن دوما كانت
زيارته مختصرة ومرفهة…اما اليوم فهو قد اتى
بنفسه للعمل في هذا المكان……
الذي كان في السابق من رابع المستحيلات العمل
في هذا المجال….
لكن يبدو انه سيعاني قليلا قبل ان يصل لرتبة
دكتور….
“رجب…..”
نادى عاصم على الشاب الذي يعمل معه ويعتبر
المسئول أمامه عن العمال في الصاغة….
اقترب منه رجب باحترام….
“اوامرك يامعلم عاصم …..”
وضع عاصم يده على كتف يزن وربت عليه
بخشونة متحدثًا…..
” يزن….هيشتغل معانا في الصاغة…”
اتسعت عينا الشاب رجب بصدمة فحك يزن في
انفه بحرج شديد….بينما تابع عاصم بامر صارم..
“عايزك تشربه الصنعة…عايزة في خلال أسبوعين
هو اللي يقف يبيع ويتعامل مع الزباين….سامع..”
اشار رجب على عيناه الاثنين منصاع للحديث..
“من عنيا يامعلم عاصم…..اتفضل معايا يادكتور يزن…”
تافف عاصم بقلة صبر وهو يمسك ياقة رجب فجأه مقربه منه….مهسهسًا امام وجه رجب الذي انتابه
الفزع….
“إسمه يزن…..مفيش دكاترة هنا…احنا مش
في مستشفى اعقل الكلام شوية….”
اوما رجب براسه بهلع متعرق
الجبين برهبة….
“اللي تؤمر بي يامعلم عاصم….”
تقدم يزن منه وخلص رجب من بين يدي ابن عمه
قائلا بمرح طفيف….
“خلاص ياعاصم…اسمي يزن بس…كدا كده لسه متخرجتش عشان ابقى دكتور…..”
ترك عاصم رجب ثم نظر اليهم وامر بخشونة
حازمة….
“على شغلكم انتوا الإتنين…واللي قولتوا يتنفذ
يا رجب…..”
اوما رجب براسه مجددًا وهو يسحب يزن معه
برفق…..
صعد عاصم على السلالم المذهبة حتى وصل
الى مكتبه الفخم فجلس خلفه ثم بدا يفتح
الملفات ويتابع عمله…..
وجد من يقف فوق راسه مستاذن بأدب…رفع
عاصم عيناه المظلمة على أحد صبيانه وسأله
بهدوء……
“عرفت فين محل الهدوم بتاع بشير…”
اكد الصبي مملي عليه المعلومة…..
“ايوا يامعلم عاصم قريب من هنا…في
شارع **…”
ابتسم عاصم باستحسان وهو يخرج ورقة
مالية واعطاها له…
“عافاهم عليك….خد دول…وانزل على شغلك…”
اخذها منه الصبي قائلا بامتنان…
“كتر خيرك يامعلم عاصم…خيرك دايما سابق..”
إرجع عاصم ظهره للخلف وعقد النية بثبات..وعيناه
القاتمة تلمعان بالعزم والتصميم….
…………………………………………………………
ترجل من السيارة ونزع النظارة السوداء عن عيناه
وهو يقرأ يافته محل الملابس الكبيرة والواجهة
الزجاجية الأنيقة للاطقم المعروضة على المجسمات….
تقدم عاصم بخطى ثابته وقوره الى الداخل المحل المكتظ حاليًا بالزبائن !…
وعندما وقف في منتصف المكان…ساد صمت مهيب
فجأة من قِبل الزبائن وخلود والعاملة التي تعمل
لديها….
فالجميع يعرف من هو (عاصم الصاوي)ودخول
عاصم الى محل نسائي بسيط جلب الصمت التام بعيون متسائلة بفضول….
نظر عاصم بعينين كالصقر الحاد الى خلود امرًا
بصلابة…..
“عايز اتكلم معاكي يام نسمة….على انفراد….”
بلعت خلود ريقها وهي تنظر للجمع الواقف
منتظر المشتريات….
عادت الى عاصم المنتظر كجبل شامخ في وقفه مهيبة اربكتها مع نظرة عيناه المخيفة عليها…
صاحت خلود معتذرة بجسد يرتجف….
“مفيش بيع وشرى دلوقتي…. عدوا علينا كمان
نص ساعة….”
تبرم بعض الزبائن خارجين على مضض وهم يلقوا نظرة عابرة على عاصم…. حتى العاملة خرجت خلفهن بعد ان امرتها خلود بذلك…..
اقتربت خلود منه تشير على احد المقاعد بنبرة
مهتزة…
“ا…. اتفضل يامعلم عاصم..واقف كدا ليه..نورتنا…”
فتح عاصم زر السترة ثم جلس على المقعد وهو
يحرك حدقتاه على زوايا المحل من حوله معقبًا….
“ما شاء الله…دا امتى فاتحتي المحل دا يأم
نسمة..”
جلست بالقرب منه عن بعد خطوات….. مجيبة
بتوتر جلي…..
“من بعد فرحك انت والست شهد…. هي عاملة
اي صحيح….”
ضاقت عينا عاصم بتساؤل….
“انتي مش بتكلميها ولا إيه…. انا اعرف انكم
صحاب اوي….”
ازداد ارتباكها فقالت بابتسامة مرتعشة…
“اه طبعًا احنا صحاب اوي… بس انت شايف بقا.. الدنيا مشاغل وكل واحد ملهي في دنيته….”
ثم استرسلت بترحيب….
“منورنا والله يامعلم عاصم دا كأن زارنا النبي
تـ…. تحب اجبلك حاجة تشربها.. القهوة جمبنا..”
رفض عاصم قائلا….
“عليه افضل الصلاة والسلام…. انا مش جاي اضايف…. انا كنت جاي ابلغك بس ان قضية التسمم اتفتحت من تاني..”
قرع قلبها برعب وهي تقول بصدمة….
“إيه…. ا… اتفتحت من تاني… ليه… يعني مش هي اتقفلت وشهد الحمدلله خرجت منها سليمة…”
اوما عاصم يتحدث بنبرة لا شك بها….
“الحمدلله…وشهد معلهاش غبار في القضية دي..
في ناس تانية… طلعت متورطة….ولبست شهد
التهمه….”
فركت خلود في يداها بشكلا يدعو
للريبة
“ناس ؟!…. ناس مين يعني….”
سحب عاصم نفسًا طويلا وهو يستلذ بلعب
على أوتار خوفها…..
“اللي بدلوا البضاعة اللي في المطعم ببضاعة تانية
منتهية الصلاحية وفسدة…وطبخوها لواحد بعينه
كانوا متفقين معاه من قبلها….”
رفعت خلود حاجبيها وتحشرج صوتها
بالقول…
“معقولة…وانت عرفت المعلومات دي
منين بظبط…”
بدا بالارتجال بمهارة فإن اوقعها سيكون الباقي
سهل المنال !!……
فقال عاصم بلهجة جادة……
“ماهو الراجل اللي عمل المحضر… ضميرة صحي واعترف انه كان ليه شاركا ليهم يد في ان شهد تتسجن ومطعمها يتشمع….”
مالى قليلا للأمام وتابع بصوتٍ مهيب خطر
جعلها تنتفض واقفه…..
“تعرفي مين أول واحده نطق اسمها في التحقيق..
انتي ياخلود…تصوري مكنتش مصدق لما قال
أسمك…..اتوقعت اي واحده تانيه من البنات اللي
كانوا شاغلين معاها إلا انتي…. ”
قفزت من مكانها تصرخ بتهدج….
“انا معملتش كده…. الراجل ده كداب….”
وقف عاصم يواجه كذبتها بشد الجام بقسوة…
“الراجل ده معاه تسجيل بصوتك وانتي بتتفقي
معاه…..”
صرخت خلود بهلع وهي تعترف….
“والله العظيم ابدا… انا متفقتش على حاجه..
كل ده كان تخطيط الست الهام وهي اللي متفقة
على كل حاجة… انا… انا بس نفذت جزء من
الخطه وهو كمل الباقي…انا معرفوش ولا
هو كمان يعرفني….”
لمعة عينا عاصم بالانتصار….
“يعني الهام هي اللي عملت كل ده….عشان
تنتقم من شهد….معاكي دليل على كلامك؟!.. ”
اومات خلود براسها وهي تبكي….
“أيوا…مسجلالها كام مكالمة وهي ببتفق
معايا على كل حاجة…..”
اظلمت عينا عاصم أكثر….بينما مالت خلود فجاة
على يده منتحبه بتوسل…..
“أبوس ايدك يامعلم عاصم إرحمني….انا لو جوزي
عرف حاجة زي دي هيطلقني فيها…ولو انا اتحبست
عيالي هتتبهدل…..أبوس إيدك… ”
ابعد يده عنها بغضب يرمقها بقرف بعد ان تأكد انها خلف كل شيء حدث سابقًا لزوجته…
فهدر عاصم مشمئز منها….
“خايفه تتطلقي وتتبهدلي انتي وعيالك..ومخفتيش
عليها ليه وهي محجوزه في القسم وسط ولاد
الحرام…..مزعلتيش عليها ليه وانتي عارفه ان
حاجة زي دي هتخليها مش بس تخسر شغلها
وحلمها اللي انتي أول واحده عارفه بيه…لا
دا كان كمان ممكن تطلق… وتقضي عقوبة
التهمه دي كام سنة…..”
نزلت دموع خلود بغزارة على وجنتيها وهي تقول
بتهدج……
“شهد عرفت الحقيقه…. أكتر من خمس شهور
عرفت ان إحنا اللي كنا السبب في كل حاجة..بس
هي مأذتنيش….رحمتني من غير ما اطلب منها
الرحمة…ابوس ايدك بلاش تسجني…أبوس إيدك.. ”
مالت على يده بمذلة فسحب عاصم يده عنها
بغضب وهو يخفي صدمة معرفة شهد بان
خلود مشتركة مع إلهام في تلك الجريمة…..
وقد اخفت ايضًا تلك المعلومة عنه…
عاد عاصم الى النظر الى خلود الباكية المطالبة
بالعفو…..فقال بسطوة مهيبة….
“انا ممكن اسامحك بس بشرط واحد…تيجي معايا
وتعترفي قدام الكل باللي عملتيه…”
قالت بتخوف…..
“قدام مين…. شارع الصاوي….”
هز راسه بنفي مصحح…
“قدام كبير عيلة الصاوي…. يونس الصاوي….اللي هيحكم بالعدل…عليكي وعلى اللي سلطتك.. تأذي
مراتي….وانا هرضا بحكم الكبير….مهما كان… ”
…………………………………………………….
ضرب الحاج يونس بالعصا الغليظة ارضًا بقوة
وهو يوقفها بحدة…..
“اخرسي يا إلهام….”
انتفضت الهام وهي تبكي بقوة….موزعة النظرات
الزائغة على الموجودين في صالة السرايا الكبيرة
في مواجهة الجميع بعد ان اعترفت خلود بكل
شي امامهم…..
والتي مزالت واقفة مكانها تنتظر الحكم الاخير
عليها من كبير عائلة الصاوي الحاج يونس….منتظرة بخوف يسري في كامل جسدها الان يضربها بقوة….
كمن ينتظر حكم الإعدام ؟!!…
كان جالسا الحاج يونس على مقعد وثير بهيبة وشكيمة يتميز بها يرمق إلهام بعدم رضا وخزي
بينما الحاجة نصرة التي تجلس على مقعدها ترمقها بازدراء……وخلفها يقف عاصم يستمع للحديث بملامح جافية وعينين مشتعلتين كالجمار عليها…
اما مسعد فكان جالس على الاريكة ناكس الرأس
بحرج منها وقلة حيلة…..
فعادت الهام تنكر بمسكنة…
“مش هقدر اسكت يا حاج يونس…البت دي كدابة
بتتبلى عليا…..”
هتف عاصم بنبرة خفيضة خطرة….
“حتى بعد ما سمعنا المكالمات اللي مسجلهالك…”
تاففت نصرة بخزي وبنبرة مجهدة قالت…
“لاحول ولا قوة إلا بالله…عملت اي فيكي شهد..
عشان تحاولي تاذيها بشكل ده…اعوذ بالله…شايف
مجايبك السودة يا مسعد…..وكأن انا وابوك كنا
حاسين بالمصيبة اللي دخلتها علينا…..”
نظر مسعد الى الهام بغضب ووعيد لأول مرة
تراه في عيناه…فبلعت ريقها وهي مصممة
على الانكار…..
“اكيد التسجيلات دي متفبركة…..انا معملتش كده
صدقوني….صدقني يا حاج يونس… ”
ضرب يونس بعصاه مجددًا صائح بغلاظة…
“بلاش تصطادي في الماية العكرة ياالهام….كلنا
عارفين ان ليكي مصلحة من ورا عملتك دي..انك
تبوظي جوازة عاصم…عشان يرجع لاختك من
تاني….”
ثم أشار على خلود محتقر…
“وبعدين اي اللي هيخلي واحده زي دي تتبلى
عليكي بتهمة زي دي ياحرم مسعد الصاوي….”
قالت الهام بضغينة سوداء….
“أكيد شهد اللي بعتاها ما هما صحاب…ومتفقين
سوا…..عشان يشوهه صورتي قدامكم….”
قالت خلود بنبرة مرتعشة وهي تبكي….
“اقسم بالله كل حاجة قولتها حقيقة…وانا معرفش
حاجة عن شهد يجي أكتر من ست شهور..انا
مستعده أحلف على المصحف ان كل كلمة قولتها
بيني وبين الست الهام حصلت…. ”
هتفت الهام بضراوة متشنجة…..
“مش حقيقي انا مستحيل أعمل كده….متصدقهاش
دي كدابة……. ”
ثم جزت إلهام على اسنانها بشراسة وهي تتقدم
من خلود تحاول بطشها….
“انا يازباله ياواطيه…ياكدابة…مين مسلطك عليا
يابت…انا أول مرة أشوفك…..”
قبل ان تصل الى خلود وقف عاصم حائل بينهن
قائلا بنبرة مهيبة……
“مكانك يامرات عمي…إيه هتضربيها قدمنا…مفيش
احترام للكبير…..”
استشاطت إلهام غضبًا متبرمة….
“وكانت مراتك احترمت الكبير لما رفعت شبشبها
في وشي…..وضربتني بيه….”
أبتسم عاصم بعصبية امام عيناها الزرقاء المحتقنة ثم مالى عليها قليلا مهسهسًا بصوتٍ خفيض شرس لم يسمعه سواها…….
“تعرفي انك تستحقي الجلد….لو مفكرة اني
دخلت الكبير بينا….عشان عاجز مثلا اني اخد حقي منك….تبقي غلطانه….انا دخلت الكبير عشان خاطر عمي وابنك….ولولا اسم العيلة…..العيلة بس كان زماني مشيل لك قضية…تقضي عقوبتها…الباقي
من عمرك في السجن….”
ارتجف بدن الهام بذعر وهي ترجع خطوة
للخلف…فقال عاصم بقتامة…..
“من رحمة ربنا…انك مرات عمي…..وابنك ابن
عمي الوحيد…ودا بس اللي مانعني عنك….”
استدار عاصم ينظر الى خلود امرًا بخشونة
“طلعي تلفونك ياخلود…ورني على رقم ام
يزن……”
رمشت الهام باهدابها بتوتر…..بينما رفعت خلود
الهاتف على اذنها فورًا متصلة برقمها……
صدح هاتف الهام بعد ثانيتين على الطاولة القابعة
امام الحاج يونس…
مد الحاج يونس يده واخذ الهاتف ثم رأى بوضوح
رقم خلود مسجل باسمها على الهاتف……
فرفع شاشة الهاتف للأمام مصوبها على إبصار
الهام ثم تشدق باحتقار….
“واضح فعلا انك أول مرة تشوفيها…عشان كده
مسجله رقمها…..”
قالت الهام بتلعثم مرتبكة النظرات….
“انا مقولتش اني أول مرة أشوفها….انا معايا
رقمها عشان بعطف عليها…زيها زي اي واحده
بتجيلي…..”
ابتسم عاصم باستياء وهو يتركها متقدم من
الحاج يونس قائلا بملل….
“عشان نوفر على نفسنا لف ودوران…مرات عمي
عمرها ما هتعترف حتى لو متصورة صوت وصورة
فانا عايز حكمك ياحاج يونس باللي وصلك
دلوقتي..
“اللي أكد ان مراتي بريئة…وانا مرات عمي..
هي ورا كل حاجة…..”
صمت يونس لفترة وجيزة ينظر الى حفيدة
الكبير…هذا الحفيد الذي سينال المقعد من بعده
فلا أحد انسب منه ليكن كبير عائلة الصاوي…
تحدث الحاج يونس برجاحة عقل….
“اللي حصل مش بس ضر مراتك يا عاصم ده ضرنا
كلنا كعيلة…وانا مقدرش افتح القضية بعد ما اتقفلت والناس نست…ولا حتى اقدر اعاقب مرات عمك بالسجن…..”
يعلم جيدًا ان العائله واسمها العريق فوق كل
شيء….حتى ولو كان التستر على فضيحة
بمثابة ظلم للآخرين ؟!!…
اوما عاصم بهدوء…. “واي هو حكمك ياجدي….”
اجابه يونس بنبرة غليظة……
“حكمي….ان الهام تكتب مبلغ *….لشهد تعويض
عن تشميع المطعم…..واليوم اللي قضته في
الحجز.. ”
صاحت الهام ببغض…..
“مستحيل مش هديها مليم واحد من فلوسي…”
اوقفها يونس بصوتٍ أعلى…
“وهي فلوسك دي جمعتيها منين يالهام..ماهو من
ابن اخويا….مسعد….”
رفضت الهام وهي تبكي بمسكنة….
“انا مش هنفذ الحكم ده…لاني بريئة من التهمه
دي ياحاج يونس….”
أشار يونس بالعصا عليها بتحذير….
“الهااااااااااام….انتي عارفه ان اللي بيعارض
كلامي يبقا عقابة اي عندي…..”
ارتجف جسدها وهي تبكي
بحرقة….
“ياحاج يونس…. انا مظلومة….والله مظلومة..”
تشدق يونس بصوتٍ قوي زلزل المكان
من حولها….
“انتي مذنبة…. وطلع كذا دليل ضدك وقدمنا كلنا..
اعتراف البنت دي… وتسجيلات المكالمات اللي
معاها…واسمها اللي متسجل على تلفونك…”
اخفضت جفنيها وهي تقول بقهر….
“المبلغ كبير اوي…وده مش تعويض دا خراب
بيت ليا……حرام…..والله حرام.. ”
تدخلت الحاجة نصرة مشمئزة من تلك المرأه التي
غلبت الشيطان بمكرها وشرها…
“حرمت عليكي عيشتك…..يعني همك الفلوس اوي ومش فارق معاكي اخرتك….ضميرك ازاي كان بينام
مرتاح وانتي عارفه انك ظلمتي غيرك وحرقتي
قلبه على شغله ومجهودة اللي اترموا في الأرض
بغمضة عين…..”
مسك مسعد ذراع امه بقلق…..
“اهدي يا أمي….اهدي عشان صحتك.. “ثم نظر
الى زوجته امرًا بصلابة…
“نفذي يالهام ياما وديني…..هرمي عليكي يمين الطلاق…..”
نظرت الهام اليه بذهول….
“حتى انت يامسعد…انت كمان مصدق اني ممكن
اعمل كده….”
لوى مسعد فمه متهكم….
“انا مصدق كل حاجة من قبل حتى ما اسمع المكالمات…اوراقك مكشوفة يا الهام ومن زمان
ولولا ابنك….كان زمانك مطلقة وقعده جمب أختك…..”
بعد لحظات كانت تمضي الهام على شيك بمبلغ
كبير من ضمن مبلغ مهول مسجل باسمها في
البنك….
اعطت الشيك الى الحاج يونس فاخذه يونس
بدوره واعطاه لعاصم قائلا بأمر….
“تسحب الفلوس دي…وتحطها في حساب مراتك
تعويض عن اللي حصلها…”
رد عاصم وهو ينظر الى الهام بقنوط…
“الفلوس دي مش هتدخل حساب مراتي….الفلوس
دي هتبرع بيها…..اما نفس المبلغ ده هحطه من معايا في حساب مراتي…..احنا مش بنقبل العوض من حد…”
احتقن وجه الهام بغيظ وهي تجز على اسنانها
وتسب وتلعن من كانت سبب بدمار كل شيءٍ
من حولها….
بينما كان قلب خلود يقرع بذعر وهي لا
تعرف مسيرها القادم بعد….فقالت بتردد….
“انا….انا عايزة أمشي ياحاج يونس…”
اشار لها يونس باصبعه الغليظ يلقي الحكم الثاني
عليها……
“انتي فعلا هتمشي….بس من اسكندرية كلها..مش عايز اشوف وشك في البلد ولا أسمع انك
موجوده فيها…..”
شحب وجه خلود بصدمة كبرى وهي تقول
بمذلة…
“اتغرب فين ياحاج يونس….انا اهلي كلهم هنا…حياتي وشغلي هنا…..هروح فين بس….”
علق الحاج يونس بصرامة…
“مش مشكلتي….اختاري بين انك تعيشي هنا
مسجونة….. او تخرجي من البلد حُرة….”
تبادلت النظرات معهم بقلة حيلة حتى جرت
الدموع على خدها وهي تقول بعجز….
“اللي تشوفه..اللي تشوفه يا حاج يونس كتر خيرك…”
استدارت تنوي الرحيل الا ان عاصم نداها ولحق
بها قائلا…..
“استني ياخلود….خدي دول…”نظرت اليه لتجده
يمد لها مبلغ لا بأس به ثم قال بتقريع خشن…
“دول مش عشانك…..دول عشان ولادك….محدش
ظلمك ياخلود….انتي اللي ظلمتي نفسك لم قبلتي
تأكلي ولادك مال حرام…..”
نكست خلود راسها أمامه بخزي باكية….
فاضاف عاصم بسخط….
“وعشان اصحي ضميرك النايم ده…شهد اللي
بعتيها…وقبضتي تمن سجنها وتشميع المطعم..
كانت بتتحايل عليا قبلها..عشان بس اسيب المطعم مفتوح عشانكم……ومقطعش برزقكم انتم…..
والبنات اللي كانوا شغالين معاكم….”
بعد ان غادرت خلود…وبعدها استأذن الحاج
يونس لمهام عائلية أخرى……
كان مزال الجميع جالس مكانه ولم يغادر أحد
بعد…..فقالت إلهام بانفعال وهي ترمق زوجها
الذي ينظر اليها بصمت مبهم…
“اوعى تصدق يامسعد كلامهم…انا بريئة….”
اثارت حفيظة مسعد اكثر من اللازم….فقد ضغط
على نفسه كثيرًا في تلك الجالسة حتى لا يتهور
امام كبير العائلة…..
لكن الصبر نفذ داخله…يجب الآن ان يلقي هو ايضًا
حكمه على تلك الحية التي دخلت حياته قاصدة
الافساد والخراب….وهو بغباء سمح لها بفعل ما تشاء…..
حتى أصبحت مؤامرتها المقرفة أشد خطورة
واذى على من حوله….
انتبهت الهام الى مسعد ينهض من مكانه مقترب
منها بملامح مربدة وخطوط وجهه تزداد عمق
خطير….. والغضب متأجج بعيناه…
اهتزت حدقتاها بخوف شاعرة بالاختناق كلما
اقترب خطوة منها بتلك الملامح التي تنذر
بالشر والوعيد……
وقف مسعد امامها وعلى مسامع الجميع
زأر بصوتٍ جهوري…..
“الحاج يونس حكم حكمه وانتهى…بس لسه
فاضل حكمي انا يا حرم مسعد الصاوي…..”
رمقها بنظرة مخيفة جعلت الدماء تهرب من
عروقها ولم تمر الثوانٍ إلا وصرخت بقوة وهي
تضع يدها على صدغها فقد تلقت صفعة منه
اشد قسوة من السابقة التي تلقتها في شقة
ضرتها….
ما المها ليس فقط الصفعة القاسية بل الصمت الذي
نتج من خلفها…فلم يكن احد من الجالسين معارض
على هجومة الغير آدمي عليها….وكأنها تستحق
هذا وأكثر !….
نزلت دموعها وبدأت تبكي بصوتٍ مقهور نشاز…
فقال مسعد بصدر متضخم بمشاعر سوداوية…
“حكمي انا يا الهام مش قلم…حكمي هو طلاقك
انتي طالق يالهام…طالق طالق بتلاته….”
اتسعت عينا نصرة بصدمة بينما تابع عاصم العرض الجبار بجمود مزدري…..فهو يعلم جيدًا ان كشف أوراق الهام ستكون القشة التي يتعلق بها عمه
حتى يخرجها من حياته…دون ان يتلقى الوم
والتقريع من أحد…..خصوصًا ابنه….
فأصبح لديه أسباب قوية للتخلص من تلك العلاقة
للأبد……خلاص أبدي دون رجعه…..
هزت الهام راسها بصدمة وهي تتشبث بملابسه
بغضب أهوج….
“انت بتقول اي يامسعد…. انت هطلقني…. انا
الهام… حبيبتك… ام ابنك الوحيد….”
نزع مسعد يداها عنه بنفور قاسٍ…
“انا مش لسه هطلقك…. انا خلاص رميت يمين الطلاق عليكي…. وقريب اوي هتوصلك ورقة
طلاقك….. في المكان اللي هتكوني فيه بعد
ما تمشي من هنا….”
رفضت الهام بهيسترية وعنف…..
“امشي من هنا… انت اتجننت… دا بيتي…انا مش هسيب بيتي….”
مسك مسعد ذراعها بقوة هادرًا…
“مبقاش بيتك خلاص…. اطلعي لمي هدومك.. ويلا من غير مطرود… وورقة طلاقك هتوصلك ومعاها
كل حقوقك….”
صرخت بعنف وهي تنزع ذراعها بتمرد…..
“لااااااا… مش هاخد شنطتي مش همشي من البيت
ده… انا عملت كل حاجة تتخيلها عشان افضل هنا
ومش هسمحلك تهد كل ده بكلمة… لااااا…..”
انعقد حاجبي عاصم فور نطقها بتلك الجملة الغريبة
بينما وصل مسعد لذروة غضبه وهو يسحبها من ذراعها بقسوة ينوي رميها خارج حدود بيته….
“يبقا هتخرجي من هنا باللي عليكي….”
هتفت نصرة وهي على مقعدها بوهن…
“مسعد…. عيب يابني دي مهما كان ام إبنك….”
رفض مسعد بتعنت وهو يجرها للخارج باهانة..
“سبيني يا امي…انا خلاص جبت اخري منها… استحملت كتير ومش مستعد استحملها
اكتر من كده….”
قالت نصرة لحفيدها بتعب…
“اعمل حاجة ياعاصم….مينفعش يرميها في
الشارع كده….اعمل حاجة يابني.. ”
اقترب عاصم منهما على مضض ومسك ذراع عمه مبعده عنها وهو يقول بخشونة…
“اهدى ياعمي……اهدى متفرجش الناس عليك..ام
يزن عاقلة…وهتطلع تلم هدومها وتخرج بكرامتها..
مش كده يا ام يزن…..”
رمقته الهام بمقت داعيه عليهم جميعًا
بقهر…..
“حسبي الله ونعم وكيل فيكم….. منكم لله….”
ابتسم عاصم من زاوية واحدة ببرود مستفز
وهو يعقب على دعوتها……
“لو كنا ظلمينك…ربنا يخسف بينا الأرض….ولو
كنتي ظالمة ربنا يديكي على قد الأذى اللي
سببتيه لغيرك…..”
فارة دماء مسعد بعد دعوتها عليهم فحاول بطشها مرة اخرى لكن عاصم منعه بقوة جسمانية تفوقه
وقال بحزم……
“اهدي ياعمي…وتعالى معايا….”
…………………………………………………………
كانت جالسة على الاريكة تضم ركبتيها للأمام
سانده راسها على ظهر الاريكة…تتابع أحد الأفلام القديمة عبر شاشة التلفاز بنظرة بائسة…
كانت الشقة فارغة عليها…قد غادر شقيقها وزوجته
لتناول الطعام بالخارج وقد رفضت كالعادة الخروج
معهم معتكفه الجلوس فالبيت لشهرٍ كامل….
شهر كامل يجلسا معها رافضين الذهاب الى بيتهما
في محاولة مستميته منهما لاقنعها بالعيش معهم
لكنها ترفض…ترفض كل شيءٍ يقدم لها…ملتزمة الصمت والكآبة في هذا البيت الباهت كروحها..
لم تتخطى بعد…ولا قدرة لديها على فعلها….
قد تعبت وخارت قوتها امام صفعات الدنيا لها..
وضعت يدها على بطنها تمسد عليها بشوق.. فارغة
بطنها خالية من صغيرتها الجميلة…
اين ذهبت ولماذا تركتها وحيدة تتجرع مرارة وألم
الفقد…. يالهُ من وجع….
مسحت دموعها التي لا تجف في مقلتاها…مسحتها
وهي تفتح فمها زافرة بتعب…..
فصدح جرس الباب حينها…. جعلها تجفل للحظتين
ثم نهضت بتكاسل تجر قدميها جرًا صوب الباب…
فتحت الباب تنظر الى الطارق بفتور…. ولم يدوم
إلا قليل فسرعان ما توسعت عينيها وتعالى نبضها
وهي تراه يقف أمامها مشخصًا كحلم بات مستحيل……..عاصم…..
همس بها قلبها بلوعة ونطقت عسليتاها بالكثير…
سارت عينا عاصم عليها بشوق ثاقب… توغل الى أوصلها فجعلها تنتفض انتفاضة خفية…. وهو
يقف هكذا بقامة طول شامخة ووسامة مهلكة
بحلة سوداء نظيفة لامعة….فقد القليل من وزنه
وأصبح أكثر صلابة عن ذي قبل…..
ملامح وجهه رغم الجهد والحزن بهم متجهمة
بقسوة….وعينيه تغيرتا كثيرًا تبدد الدفء بهما
الى الصقيع….والجفاء بات ملازم لنظراته…..
سافر عاصم بعيناه القاتمة على وجهها الباهت
وعينيها الحمراوان… صعودًا لغرتها المتناثرة
المشعثه على الجبهة ثم لشعرها الملفوف
بفوضوية وعدم إهتمام فوق رأسها…
هبطت عيناه الصقريتين….الى جسدها الانثوي النحيل الفاقد للكثير من الحيوية….في ثوب ناعم
بسيط يبرز قدها النحيف….. استقرت عيناه بقوة
على بطنها التي عادت الى حجمها الطبيعي..بعد
ان غادرة طلفتهما موطنها…
وضعت شهد يدها على بطنها بتلقائية وهي
تخفي انفعالها وتأثرها العاطفي برؤيته بعد
شهر كامل من الهجر…. وقلوبهما لم تكن معتادة
ابدًا على هذا البعد القاسي…..
“اهلا ياعاصم….”
كانت تود قتل الصمت بينهما لكنها عضت على باطن شفتيها بغباء بعد ان سمع صوتها ورفع عيناه الواجمة
إليها….وكأن صوتها مقرف وغير مستحب…..
لماذا اتى اليها ان كان يكرهها الى هذا الحد….
تشبثت في حرف الباب بعذاب الإنتظار…
حتى قال عاصم بجفاء….
“عايز اتكلم معاكي شوية….. في حد جوا….”
هزت راسها بنفي…..قائلة بفتور…
“مفيش حد غيري….. اتفضل….”
تنحت جانبًا…. فدخل عاصم بخطوات هادئة مبصر
المكان من حوله بلمحة سريعة قبل ان يتخذ أحد المقاعد القريبة منه ويجلس عليها….
أغلقت شهد الباب خلفها وقالت بهدوء عكس
قلبها المختلج في حضور سيدهُ….
“تحب أعملك حاجة تشربها….”
رفض وهو يشير بأمر الى المقعد المقابل
له…
“مش عايز… انا مستعجل….تعالي قعدي…”
تقدمت منه شهد وجلست على المقعد كما أمر
منتظرة بصمت مذعن….
بينما أخرج عاصم ورقة مطوية من جيبه
واعطاها لها قائلا….
“خدي الورق دي…..”
“اي دي….”سالته وهي تاخذها منه وتفتحها
باصابع ترتعش !…
أجاب بهدوء وعيناه ترصد أقل حركة تصدر
منها بشوق…..
“كشف جديد بحسابك في البنك…..”
رفعت عينيها اليه قائلة بعدم إهتمام…
“ليه بتزود عليهم…انا اصلا ممدتش ايدي على
القدام…. ولا ناويه اخد حاجة منهم….”
حُسنها رغم الحزن ذابح…والقلب مشتاق…والله مشتاق…. والشوق سلاح قاتل ليس له ردع !!….
كور عاصم قبضة يده يخفي مشاعر عاصفة
ثم سحب نفسًا عميق صبور…..وقال…
“وليه مش عايز تمدي ايدك عليهم….”
قالت بكبرياء اهوج…..
“بسيطه مش فلوسي….دي فلوسك انت… ”
رد عاصم ببرود أجزع….
“بقت فلوسك لما اتحطت في حسابك….زي الشقة
اللي مكتوبة بأسمك….ومع ذلك عايشة هنا…”
رمقته بمشاعر متبلدة….
“ومالو بقا هنا…..دا بيتي اللي كبرت فيه…”
قال عاصم بعينين قاتمة هازئة….
“ومين ليكي هنا…عشان تفضلي هنا….إيه حبًا
في ابوكي مثلا عايزة تبقي جمبه….”
الان فهمت لماذا بعض النساء يتسترنا على أخطاء
عائلتهن امام أزواجهن….
بلعت غصة مسننة شاعرة بالاهانه والمعايرة
في حديثه الساخر….فقالت دون ان ترفع
عيناها عليه…
“والله انا حرة….انا لا عايزة فلوس ولا شقق
منك…ولا اتجوزتك عشان كده….”
ازداد ظلام عيناه وهو يقول بتهكم….
“مانا عارف انتي وافقتي على الجوازة دي ليه..
مش محتاجة توضحي….”
لفهما صمت قاتم بارد أشد من الصقيع على
العظام……
حتى قال عاصم بملل……
“خلاصت الكلام….الفلوس اللي في البنك دي
بتاعتك والشقة كمان… والمبلغ اللي اضاف عليهم
ده حقك…. ”
عقدة حاجبيها بعدم
فهم…
“حقي في اي بظبط…..”
اجابها بجدية وعيناه تتشرب من حُسنها
الحزين…..
“خلود اعترفت باللي عملته…وبلغت الحاج يونس
باللي حصلك من ورا تخطيط إلهام….وبتسجيلات اللي مسجلاها كمان….والحاج يونس أمر ان الهام
تدفعلك المبلغ ده تعويض على اللي حصلك…”
فغرت شفتيها بصدمة….
“واي اللي خلى خلود تعترف باللي عملته
بعد كل المدة دي….”
ادعى عدم المعرفة….. “يمكن ضميرها صحي….”
لم تهتم شهد وهي تقول…..
“يمكن… وحتى لو كلامك صح انا مش عايزة
الفلوس دي… لا من الهام ولا من غيرها…ولا
ممكن اسامحها على اللي عملته فيا… ”
نهض عاصم من مكانه يغلق زر السترة متنحنح بخشونة قبل القول….
“محدش قالك سامحيها… انا مهمتي انتهت لحد
هنا… ووصلت الامانه… حتة بقا عايزاها او لا
فدي بينك وبين جدي… الحاج يونس تقدري
تسحبي المبلغ وترجعهوله تاني…”
نهضت شهد منفعلة من اللاشيء وهي تقف
امامه بالمرصاد….
“انا مش هرجع حاجة… انت اللي هترجع المبلغ
زي ما خدته…..”
القى عليها نظرة قصيرة قبل ان يوليها ظهره
معلق……
“ما قولتلك مهمتي انتهت انا مجرد مرسال…”
سار للأمام صوب الباب أمام عينيها المشتعلة
بالحنق….فقالت بغيظٍ على حين غرة…
“عاصم…..امتى هطلقني….”
توقف عاصم مكانه فجأه وكأنها طعنة ظهره
بخنجر حاد فور نطقها بهذا السؤال…الاشبه
بأمر واقع يجب تنفيذة فورًا….
مولعة بالحصول على لقب مطلقة في أسرع
وقت…بينما هو يحترق على جمار مشتعلة كلما استيقظ على يوم جديد دونها…كلما خلد للنوم
وهو على يقين انه حرم من لذة قربها….حُرم منها…ومن طفلته ومن تلك العائلة التي انهارت
فجأه في طرفة عينٍ…..
يبدو انه الوحيد هنا الذي يعيش على الأطلال..
بينما هي تنتظر الطلاق كي تطوي الصفحة
وتبدأ من جديد !…
أجابها عاصم دون ان يستدير لها….وكأنه ينفر
من رؤيتها الآن….
“بلاش استعجال يامدام….قريب أوي…. هبعتلك ورقتك…”
ثم خرج أمام عينيها الحزينة مغلق الباب خلفه
بقوة نتج خلفها صدع أكبر في قلبها….

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

 قبل شهر…
القت نفسها في احضان اختها منفجرة في البكاء على صدرها وهي تنهت بغضب…
“انا مش عايزة اكلمك تاني ولا عايزة أعرفك….”
ترقرقت الدموع في مقلتا شهد التي ادعت المرح
متبرمة….
“واللي مش عايز يكلم حد ده…بيترمي في حضنه
ليه وبيعيط…..”
ازداد نحيب كيان وهي تتشبث في أحضان اختها
بمرارة باكية… تشارك معها جزء من الوجع….
فقد سمعت بالخبر من على لسان قمر…..
بعد محاولات مستميته من كيان خلال الاسبوعين
الماضيين لمعرفة سر هذه الغصة التي تستشعرها
عندما يتحدثون معها ثلاثتهم عبر الهاتف للاطمئنان عليها…..
وأخيرًا بعد معافرة قد تكرمت قمر وحكت لها ما حدث خلال هذا الأسبوع…..اخبرتها منذ ساعتين
تقريبًا وهي في سيارة سليم متجهين الى البيت
بعد قضاء أجازة شهر العسل…..
اخبرتها بكل شيءٍ اخفوه عنها… وكأنها غريبة عنهما
الجميع في حالة كآبة وحزن…. بعد فقدان شهد لصغيرتها وطلاقها الوشيك من عاصم الذي لا
تعرف له سبب حتى الان…وهي
هي كانت في حلم وردي لامع تستمتع وتلهو… وشقيقيها يعانون في هذا القبو المظلم….شقة والدهم….
هل حقًا تخلى عاصم عن شهد لمجرد انها فقدت صغيرتهما ؟!….انها مجرد حادثة…ومشيئة الله… لماذا
يتخلي عنها في هذا الوضع و تلك المحنة….النذل…
جزت كيان على اسنانها وجاشت مراجل صدرها
بالحزن والغضب على أختها وحظها العاثر….
تستحق الأفضل وهذا النذل خسر الشهد…ولم
يبقى له إلا مرارة الأيام……هنيئا له…….
ربتت كيان على كتف اختها بحنان تواسيها دون
كلمة حتى لا تجرحها بذكراه…بينما بادلتها
شهد العناق بضمة حانية وهي ترفع عينيها الى قمر الجالسة على المقعد تنظر اليهما بصمت وقد ترقرقت الدموع في مقلتاها هي ايضًا تأثرًا بالمشهد…
“احنا اتفقنا على اي ياقمر….”
خصتها شهد بهذا السؤال المعاتب…
فقالت قمر بحرج…
“والله العظيم حاولت اهرب منها زي كل مرة
بس مقدرتش…زنانه اوي…..مقفلتش غير لما
عرفت كل حاجة…..”
رفعت كيان راسها عن صدر اختها هادرة
بغيظ…..
“انتي كنتي عايزة تخبي عليا اكتر من كده كان المفروض تقوليلي أول ما دخلتي المستشفى..”
لوت قمر فمها متحسرة….
“والله يابنتي احنا ياللي قريبين منها معرفناش
غير بعد دخولها المستشفى بيومين…”
قالت شهد بنبرة مستاءة…
“عايزاني اقولك إيه ياكيان….عايزة تنكدي على
نفسك وعلى جوزك باخبار وحشة زي دي…”
انفعلت كيان بحمائية…..
“انا مكنتش هبقا فاضية أصلا للنكد…انا كنت هرجع
علطول عشان ابقى جمبك….”
هتفت شهد مندهشة….. “وتسيبي سليم ؟!!….”
اجابتها كيان بسرعة محتدة……
“اسيب عيلته كلها….انتي عبيطه ياشهد…اي
المقارنة دي؟!!…..”
هزت شهد كتفيها قائلة بحنان معهود ورقي
ملكة تجيد إخفاء مايعتريها….
“مين قالك اني بقارن….انا شايفه انه مكنش ينفع تعرفي الأخبار دي….انتي عروسة ياحبيبتي وبتقضي
شهر العسل مع جوزك…..عايزة تنكدي على نفسك
ليه بس….”
ثم استرسلت بنبرة متزنة صبورة….
“وبعدين انا الحمدلله راضية بقضاء ربنا….مين عالم
لو كانت جت كان اي اللي حصلها قضا اخف من قضا….”
نفخت كيان وهي تقول بمقت….
“طب وبنسبة للي اسمه عاصم ده…عايز يطلقك ليه
ما يحط في عينه حصوة ملح شوية….مش شايف
الحالة اللي انتي فيها اي الندالة دي….”
نهرتها شهد بصرامه محذرة……
“كيان اياكي تتكلمي عليه كده…عاصم خط
أحمر…امسكي لسانك عشان مزعلش منك….”
رفعت كيان حاجبها بصدمة…
“انتي بدفعي عنه بعد ما تخلى عنك….”
أسبلت شهد جفنيها تخفي المسطور في عسليتاها
وهي تقول بكبرياء…..
“هو متخلاش عني انا اللي طلبت الطلاق عشان متفقناش…والكلام ده حتى من قبل ما يحصل
اجهاض….بلاش تظلميه…. انا اللي مبقتش عايزة
أكمل…”
ازداد انفعال كيان بتكبد….
“وازاي يوافق على قرارك ده…كان لازم يتمسك
بيكي عن كده….”
فغرت شهد شفتيها مبتسمة بذهول
معقبة….
“يابنتي انتي عايزة تطلعي الراجل غلطان وخلاص…”
وهج صدر كيان بنيران مستعرة أكثر…متخذة
الأمر على محمل الجد…
“انتي اللي عايزة تبرأيه قدامي….قمر قالتلي على الجملة اللي قالهالك في المستشفى…قال إيه غلط
انه اختارك….هو كان يطول اصلا…محموق اوي
على طلقته واختها…..”
بهت وجه شهد على ذكرى رفيدة ودفاعه عنها….
بينما زفرت كيان متابعة بحرقة….
“وطالما بيحن لها اوي كده…جه خبط على بابك
ليه وصدعنا….”
لكزت قمر كيان بحذر….
“يا أشعال ذاتي أهدي شوية مش كده….”
بينما رمقت شهد قمر مؤنبة
بالقول…
“مفوتيش حاجة ياقمر إلا وقولتيها..”
احمر وجه قمر مغمغمة…..
“كنت مفكراها اعقل من كده…سامحيني ونبي…”
لوحت كيان بيداها مندفعة بسرعة البرق…
“تسامحك على إيه انا بقول الحق…إزاي يدافع
عن طلقته وينصفها عليها دا لو انا كنت كومته
فوق منهم…..”
لوت قمر شفتيها معقبة…
“انا طول عمري اسمع عن بوتجاز عشرة شعلة
بس أول مرة اشوفه قدامي….”
لم تهتم كيان بحديثها بل رفعت فبضتاها للأعلى
هاتفه بشراسة….
“ياريتني كنت معاكوا وانتوا بتضربوهم… ياسلام
على المتعة…مكنتش طلعت واحده سليمة من
بين سناني…”
تنهدت شهد مغيرة مجرى الحوار….
“خلاص بقا ياكيان اقفلي على السيرة دي..
وطمنيني عنك اي أخبار الجواز…”
رمشت كيان باهدابها منبسطة الملامح بسعادة وقحة
وهي تقول بطرافة…..
“كان نفسي اطلع مؤدبة واقول الحمدلله زيك…بس
انا هموت واحكلكم اللي حصل…”
اطلقت قمر ضحكة رنانة….بينما صفعة شهد
اختها على كتفها قائلة باتزان….
“يامجنونة احنا مش عايزين تفاصيل..يعني
اختصري الحمدلله انبسطي في سفرية…او لأ…”
قالت كيان بفيروزيتان متبسمتان…..
“لا انا الحمدلله انبسط رغم ان حصل كذا حاجة
كده عكرت مزاجنا في الأول بس عدت يعني..هبقا
اقولكوا بعدين بقا…. ميزو جه…سامعين المفاتيح… ”
سمعا تلاثتهن صوت رنة سلسلة مفاتيح حمزة فبدات
كيان تفتح حقيبتها وتخرج منها قناع على هيئة شبح مخيف معه ارتدت سترة طويلة سوداء تليق بالهيئة المفزعة……
وقبل ان يلفظ أحد بسؤال عما تفعل قالت
هي بضحكة خبيثة…..
“هستعد بقا للمفاجاة…دا ميزو الغالي… ”
“مجنونة….”غمغمت بها قمر وهي تتابع المشهد
من أوله دون ان ترمش….
أغلق حمزة الباب خلفه ليجد قمر وشهد يجاور
بعضهن على الاريكة وينظرا اليه بصمت….قال
بفتور….”سلام عليكم…..”
ردا عليه بنبرة عادية….بينما كانت كيان خلفه مباشرة
تتحرك مع خطواته الهادئة….
شعر حمزة بان هناك شيء خلفه فاستدار بهدوء
يطلع عليه فوجد كيان ترفع يداها للامام صارخة
بمظهرها المرعب…..”هاااااعاااا….”
صفعها حمزة على مؤخرة عنقها قائلا بشفاه
مقلوبة بقرف…..
“اي يابت اللي انتي لبساه ده انتي اتهبلتي….”
لاح الاحباط على وجه كيان وهي تنزع
القناع متذمرة بضيق….
“اي ده انت بجد مخوفتش ليه…..”
وضع حمزة يده على صدره عندما راى
وجهها قائلا باستعراض….
“سلام قولا من رب رحيم…. عفريت….”
قفزت كيان من مكانها بجبن وهي تتشبث
في عنق اخيها ناظرة للخلف…
“يامه فين….فين…. فين.. ”
ضحك ثلاثتهم عليها وسحبها حمزة لاحضانه باشتياق وهو يضحك…..
“تعالي ياهبلة في حضني….وحشتني ياكيمو….”
بادلته العناق باشتياق أكبر… “وانت أكتر ياميزو….”
همست بلؤم وهي تسرق الانظار الى قمر
التي تنظر اليهما……
“احضن جامد عشان اغيظ البت قمر….”
ربت حمزة على ظهرها قائلا….
“حبيبة قلبي..أحلى وأجمل عمه حرباية
في الكون…”
“اخص عليك…. طب وسع بقا….”دفعته كيان بغيظ
وهي تحاول الخروج من بين ذراعيه…..
فقال حمزة بمكر…..
“خليكي يابت بدأت تتغاظ….”
سكنت بين احضان اخيها ضاحكة بشقاوة…بينما
أشار حمزة على ظهر كيان ثم الى قمر بعسليتاه
المتعلقة بها بشوق….
“اختي العشق……. وانت القلب….”
اطرقت قمر براسها بخجلا بعد ان غمز لها…..بينما
تبسمت شهد وهي تتابع ما يحدث فهذا التجمع العائلي يهون مرارتها قليلا…..
أبعد حمزة كيان عنه قائلا بمحبة…
“تصدقي بالله البيت مكنش ليه طعم من غيرك..”
رفعت كيان انفها بزهو تشيع النظرات
اليهم جميعًا..
“بجد….عشان تعرفوا كلكوا قمتي…..”
مالى حمزة على اذنيها قائلا….
“مكناش لقين حد نضحك عليه….قصدي معاه.. ”
ضحكا الفتاتان بينما قوست كيان شفتيها
بعتاب…..
“اتغيرت اوي بعد الجواز ياحمزة…. غيرتك…”
عادت بعيناها الى قمر التي قالت لها
بقنوط…
“ما بلاش شغل الحموات دا ياكيان اتهدي ها…
انتي جايه تقعدي معانا ساعتين مش عايزين
وش وخناق…”
اقتربت كيان منها وجلست في المنتصف
بعناد بينهن…..
“مين قالك اني جايه قعد ساعتين…انا جايه
قعد كام يوم مع اختي….”
لوت قمر شفتيها بقرف وداخلها سعيدة بهذا
الخبر !!…..
بينما تدخلت شهد مستهجنة…
“إزاي بس ياكيان وهتسيبي سليم لوحده…”
اكدت بلا مبالاة….. “اه عادي….”
رفضت شهد بضيق….
“لا مش عادي انتي هتروحي اخر النهار…
حمزة هيوصلك…..”
تذمرت كيان قائلة بتعنت….
“انا قولتله اني هبات معاكم وهو وافق….واستأذنت
من عمو مصطفى عشان ميزعلش مني والاتنين قدروا الظروف انتي معترضة على إيه بقا….”
تدخل حمزة بملاطفة…..
“خلاص ياشهد سبيها تبات معاكي…..طالما استأذنت
من جوزها ووافق…..”
زمت شهد شفتيها بسام….. “براحتكم….”
اقترب حمزة منهن وجلس على المقعد المجاور
للاريكة….وخص اخته الصغرى بكلمات
مشاكسة…..
“بس اي الحلاوة دي كيمو….دا واضح ان السفرية
جت على النفسية اوي…..”
تخضبة وجنتا كيان خجلا…..
“أمال….انت ليه مسفرتش صحيح كنت قضيت
كام أسبوع معانا كنت هتنبسط أوي…..”
اجابها حمزة وهو يرمق قمر بعتاب مغتاظ منها
على ضياع الفرصة الذهبية…..
“كنت ناوي بس في كذا حاجة حصلت كده بوظت
الدنيا…ويمكن ربنا جعله سبب عشان منسفرش كلنا ونسيب شهد لوحدها….”
تاففت شهد وهي تتبلع غصة مختنقة….
“يادي شهد اللي موقفين كلكم حياتكم عشانها
ياجماعه عيشة حياتكم وبلاش تركزوا معايا اوي كده…انا كويسة… ”
زجرها حمزة بنظرة عطف….
“بدأنا نخرف ياشوشة…..هو احنا لينا غير بعض لو احنا مش جمبك مين هيبقا جمبك وفي ضهرك
ياهبلة…..تعالي.. ”
نهضت قمر من مكانها وجلس هو ثم سحب
شقيقته الى احضانه بحنو بعد ان راى الدموع
تتجمع في مقلتاها……
“هششش…..كل حاجة هترجع احسن من الأول
ياشهد…بس الصبر…..الصبر…..”
انفجرت شهد في البكاء على صدر اخيها
وفعلت كيان مثلها وبكت على ذراعه الآخر
وهي تربت على كتف شهد بيدها…..
فابتسمت قمر وهي تنظر اليهم بعطف وحنان
يفيض من بُنيتاها الامعة بالدموع….
أنهم مثال لكيف يكون( الحب اولًا) رغم محن
الحياة والاوجاع الناتجة عنها…..
انهم مثال للحب رغم ندبات الماضي…مثال
للعائلة المترابطه رغم قساوة الأهل….انهم
مثال للاخوة التي يتمنى ان يحظى بها
البعض في حياته القاسية……
همست قمر سرًا حتى لا تصيبهما بالعين
دون قصد….
“ماشاء الله… تبارك الله ربنا يحفظهم…..
ويبارك فيهم…..”
تافف حمزة وهو يبلع غصة مهددة بالبكاء
معهن……
“بطلوا نكد انتوا الاتنين…..كفاية عياط….”
ثم نظر الى حبيبة قلبه غامزًا لها بمناغشة…
“قمراية هنتغدوا ولا تيجي انتي كمان في
حضني ونقضيها عياط للصبح…..”
ابتسمت بحياء حلوٍ وهي تبتعد
عنهم….
“دقايق والسفرة تكون جاهزة…..”
نهضت كيان تمسح دموعها وهي تلحق
بها….
“هغسل وشي واجي اساعدك…..”
ظلت شهد مكانها وكذلك حمزة بجوارها…ساد
الصمت للحظات حتى تنحنح حمزة بتردد…
“انا عارف الكلام ده مش وقته..بس طالما بقينا لوحدنا عايز احكيلك على حاجة عملتها كده…”
اعطته شهد كامل تركيزها…
“خير ياحمزة…عملت إيه….”
اعترف حمزة وهو يهرش في خده….
“انا كنت عند عاصم من شوية في الصاغة….”
انعقد حاجباها بخفقة
قلق…
“ليه روحت عنده ؟!!…”
“جايلك في الكلام….”ثم استرسل دفعة واحده…
“كنت عايز اصلح اللي بينكم….وارضيكم على بعض..”
أوغر صدرها بالغيظ شاعرة بالاهانه….
“حد طلب منك تعمل كده ياحمزة….انت كده بترخصني ليه…..”
ضربته جملتها بصميم رغم ان نيته عكس
هذا الظن المشين…..
فقال حمزة بحمائية….
“لا عشت ولا كُنت يامجنونة…دي كلمة تتقال…
اخوكي يرخصك برضو…انا روحت بنية اني اصلح
بينكم….ولاني عارف ان الغلط الاكبر عندك انتي..”
قالت بضيق…. “مكنش المفروض تعمل كده….”
سالها بشك…. “مش عايزة تعرفي قالي إيه….”
رفضت مدعية الصلابة….
“مش عايزة أعرف….عشان هو حتى لو رجع عن قراره انا هصمم عليه….”
صمت حمزة قليلا ينظر الى جانب وجهها المنفعل بالغضب…. فقال بعد فترة….
“ملخص القعدة الطويلة اللي كانت بينا…ان الراجل ده بيحبك بجد….بس موجوع من اللي عملتيه
ومفكر ان الطلاق الحل…. زي ما بيقولوا السكينة
سرقاه ومسافة ما يطلقك هيندم…وانتي كمان هتندمي…..”
رمشت بعيناها عدة مرات بتردد
ثم سالته…..
“قال حاجة وحشة عني…شكك في اخلاقي قدامك…..”
هتف حمزة بضراوة…..
“ميقدرش كنت قطعت لسانه… واصلا مجبناش سيرة ابن عمه في حاجة…..ولا ينفع نفتح الموضوع من الأساس…بس انت اتفجات وانا عنده ان ابن عمه
شغال معاه في الصاغة…..”
عقبت شهد متعجبة….
“دا في كلية طب… إزاي شغال معاه في الصاغة….”
ثم نظرت الى اخيها بذعر….
“حمزة اوعى تكون مديت ايدك عليه….”
جز حمزة على اسنانه فكان يتمنى فعلها لولا ذرة
العقل المتبقية لديه….
“كان نفسي بس تلاشيت امه بالعافية….مع انه كان
عايز علقه تفوقه… بس واضح انه بيتأدب على ايد
ابن عمه….”
حركت شهد راسها بعدم اهتمام….
“يصطفوا مع بعض بعيد عني…الموضوع انتهى خلاص….وياريت ياحمزة بعد كده متخدش خطوة في حاجة تخصني غير لما تعرفني…..ياريت….”
نظر حمزة اليها بشفقة قائلا بصدق….
“بلاش تأزميها يابنت امي وابويا…انا عملت اللي
المفروض اي واحد مكاني يعمله…خراب البيوت
مش بساهل برضو…..”
هزت راسها بتعنت تقسو على قلبها بـ…..
“الموضوع انتهى ياحمزة…صدقني مكنش ينفع
نكمل سوا بعد اللي حصل….كل شيء قسمة
ونصيب… ”
………………………………………………………..
كانت منبطحة على بطنها تعبث في هاتفها مشيرة صورة جديدة لهما معًا على صفحتها الشخصية
من مقتطفات الإجازة….وكتبت فوقها بسعادة
ا(My love)
حازت على الاعجابات الكثيرة من قِبل الأصدقاء
في فترة قصيرة فانتبهت الى الإشعار المنتظر
منه هو لتجد انه بمنتهى الصفاقة وضع (الايك)
الأزرق دون تعليق يحفظ ماء وجهها امام هذا
الجمع….
جزت على اسنانها وهي تستدير براسها تنظر
لاختها لتجدها نائمة منذ ساعتين تقريبًا…
استوت على الفراش ثم نزلت من عليه بخفة
خارجة الى الشرفة وهي ترسل له على الخاص
بغيظ….
(انت بتتعمد تضايقني يعني…هو انا كل صورة
انزلها تحط عليها لايك أزرق…انت بتحقد عليا
ولا إيه…افهم !…)ارسلت وجه غاضب…
على الناحية الأخرى ضحك سليم بعد ان تلقى
رسالتها المغتاظة….انه في الحقيقة يتعمد
فعلا أستفزازها فالامر يشعره بنشوة ليس
لها مثيلا…..
خصوصًا بانه مغتاظ منها فلم يراها منذ ثلاثة
أيام حين تركها عند باب البنية لزيارة اختها المريضة….
وأصبح التواصل بينهما مجرد رسائل ومكالمات قصيرة مختصرة للاطمئنان حتى بات يحترق
شوقًا كل يوم بدونها….
تهجره العصفورة كما تشاء وتعود كيفما تشاء وهو
المنتظر على جمار الهوى ان تترفق به وتطل من
نافذة قلبه بتغريدة الوِصال…..
(انا مش فاهم اي مشكلتك مع الايك الأزرق…
انتي معقدة ؟!..)
قرأت رسالته بفيرزيتين ينفثان شررًا….
أرسلت بعدها بضيق….
(انا برضو اللي معقدة ولا اللي بيدوس لايك
أزرق عمال على بطال….على فكرة انا مراتك…
والبوست اللي مش عاجبك ده في صورتنا
احنا الإتنين…)
رد سليم ببرود مستفز…..
(مين قال انه مش عجبني…دا انا حاطت الايك
عشان أأكد انه عجبني….)
ضربت كيان بتذمر على سور الشرفة وكتبت….
(حط لاف…علق بكومنت قولي كلمة حلوة…خليت
الناس تاكل وشي….)
ارسل لها سليم بشك….
(انتي منزلاها عشان الصورة عجباكي ولا عشان
اعلق عليها…..)
ردت بصراحة مطلقة تأمر….
(الإتنين…شيل الايك الأزرق ده احسلك..)
أرسل ببلادة……(هتعملي اي يعني….)
ارسلت بقلة حيلة….(هخاصمك ياسليم….)
ارسل لها مغتاظ ….
(اكتر من كده خصام…اتقي الله دا انا بقالي تلات
ايام معرفش عنك حاجة….)
ارسلت كيان……(ظروف بقا…)
أرسل بحنق بالغ….
(والظروف دي هتخلص امتى…عشان انا على اخري..)
ارسلت بلا مبالاة….
(مش عارفة…..شكلي مطولة هنا…)
أرسل لها رسالة صوتية….
(وبعدين معاكي ياكيان مانتي بقالك تلات ايام معاها
أهوه….كفاية…..لاحظي اني هرجع الشغل على اول
الأسبوع الجاي….)
ارسلت له كتابة متحججه….
(انت عايزني اتخلى عنها في فترة صعبة زي دي..)
ارسل رسالة صوتية أخرى يكاد يحترق
من ردها البارد….
(مقولتش كده….اكيد مش همنعك عنها…بس اي
رأيك لو تقضي طول النهار معاها…وترجعي البيت
على العصر كده….اهو منها تطمني عليها ومنها
تبقي معانا…سيادة المستشار سألني عنك النهاردة..)
ضحكت وهي تكتب….
(انت بتعمل عمو حجه على فكرة؟!…)
أرسل كتابة…..(في حجه اهم يا أستاذة…..)
أرسلت بتغنج….(اي هي يامتر….)
أرسل رسالة صوتية حارة المعاني….
(اني لسه عريس جديد ومكملتش شهر جواز…وانا بصراحة وحشتني مُزتي…..ومش واخد على البعد
ده….)
عضت على شفتيها وأختلج قلبها بالنبضات وهي
تعيد سماع الرسالة أكثر من مرة…حتى أرسل
سليم كتابة……
(سكتي ليه….)
ارسلت كيان بتورد……
(لما تشيل الايك الأزرق الأول هرد عليك….باي..)
اغلقت الهاتف وهي تتبسم متوردت الوجنتين حتى
سمعت أشعار آخر منه….قد أضاف قلب أحمر كما امرت ومعه تعليق مقتطف من قصيدة غزل
لـ(نزار قباني…)
(أنتِ امرأةٌ صُنعَت من فاكهة الشِّعرِ ومن ذهب الأحلام أنتِ امرأةٌ كانت تسكن جسدي قبل
ملايين الأعوام……أحبك….)
ازدادت اتساع بسمتها تألق وعيناها تجري على الكلمات بسعادة لا توصف تقرأها للمرة الألف…
………………………………………………………….
في صباح اليوم الثاني وقفت برفقة سليم امام باب
الشقة بعد ان انتظرها أسفل منزل والدها واقلها
بالسيارة معه الى شقتهما الجديدة……
تبادلا النظرات معًا بابتسامات مشاكسة مليئة بالشوق
فتح المستشار الباب وعندما ابصرهما تهللت اساريره
ورحب بكيان بحفاوة قائلا…
“أهلا بعروستنا…..ادخلوا واقفين كدا ليه مستنين عزومة…..”
دلفت كيان الى البيت والحياء يفترسها ولحق بها
سليم بخطوات هادئة…..
“عامل اي ياعمو….اي أخبارك….”
قالتها كيان وهي تقترب منه لتسلم عليه فسلم عليها
المستشار بمحبة وقبل مقدمة راسها قائلا…
“الحمدلله بخير يابنتي…وبقيت احسن لما شوفتك..”
ثم استرسل باهتمام….
“أختك عاملة إيه دلوقتي بقت أحسن…..”
ردت كيان بإيجاز…..
“اه الحمدلله في تحسن…..”
تبادلت هي وسليم النظرات بصمتٍ بينما قال
المستشار بمحبة…..
“طب يلا عشان تفطروا…. السفرة جاهزة…عملتكم الفطار بنفسي….”
قال سليم بوجه عابس….
“ليه تعبت نفسك يابابا بس…ما قولنا هنفطر
كلنا برا….”
تحدث المستشار بعدم استحسان…
“ومين قالك اني بحب أفطر برا…انا ياما افطر في بيتي ياما على عربية فول…لكن المطاعم اللي بتوديني ليها دي مش بتيجي معايا….”
اقتربا ثلاثتهم من السفرة اشار المستشار الى
كيان وهو يقول بمرح….
“يلا ياكيان افطري بقا وقوليلي رأيك….”
قالت كيان بحياء…
“تسلم ايدك ياعمو…..من قبل ما أكل باين من
ريحته وشكله…..”
نظر سليم للسفرة والاصناف المتعددة….
“بس سيادة المستشار متوصى بيكي اوي…مش بيعمل معايا كده….”
تافف المستشار بمزاح….
“بياكل وبينكر….مين بيطبخ في البيت دا
غيري يا أستاذ….”
ضحك سليم قائلا…
“ومين بيغسل المواعين…..”
اردف المستشار باسلوب ديمقراطي..
“بنقسم المهام بينا….دا العدل…..ولا اي ياكيان…”
قالت كيان بحرج وهي توزع النظرات عليهم..
“مش مستاهلة ياعمو…من هنا ورايح سيبوا
كل المهام دي عليا…..”
قال المستشار بلؤم…
“يسلام يعني بتعرفي تتطبخي….”
لكز سليم والده قائلا بطرافة…
“سيبك من الطبيخ….بتعرفي تغسلي المواعين…”
ضحكت كيان متجاوبة
معهم…
“بعرف اعمل كل حاجة…..”
تنهد سليم بارتياح….
“كده ضمنا راحة ابدية……”
تنحنح والده قائلا بجدية لها…
“عمتا احنا عيلة ديمقراطية…..وكل واحد عارف
اللي عليه وبإذن الله هترتاحي معانا وهتعتبرينا
زي اهلك تمام….”
ببسمة صافية قالت….
“دا أكيد ياعمو من غير ما تقول……”
عادت للأكل بصمت وهي تستمع الى حديثهما المرح
الرائق…وحبهم الدافئ كعائلة…أحبت صحبتهم بشدة
وتمنت ان يكونوا العوض لها ولهم…
حانت منها نظرة على الحائط الامامي لتجد صورة
المراة الجميلة ذات الوجه الملائكي المبتسم.. لوهلة شعرت بالحزن والحسرة لغياب أهم فرد في العائلة والتي مستحيل ان تعوض غيابها…
بعد فترة نهضت كيان قائلة بهدوء….
“الحمدلله انا شبعت….تحب اعمل لحضرتك الشاي..”
قال المستشار بنبرة عادية….
“احنا بنشرب قهوة بعد الفطار….مكنة القهوة عندك
تعرفي تستخدميها….”
هزت راسها بممكن….فقال المستشار
بملاطفة….
“خلي سليم يوريكي إزاي بتشتغل….انا برضو لسه
مستعملها من قريب….”
نهض سليم من مكانه حامل بعض الاطباق الفارغة
وهو يقول بهدوء….
“تعالي ورايا ياكيان…..”
اومات كيان براسها وحملت بعض الاطباق الفارغة معه ودلفت خلفه الى المطبخ…..
بدأت بغسل الاطباق بينما سليم يقف بجوار مكينة
القهوة بعد ان علمها كيف تعمل…..
اختلس سليم النظرات اليها بوقاحة
هامسًا…
“عجبك الفطار يامُزتي….”
اشاحت بوجهها ضاحكة…دون تعقيب فاقترب
سليم منها ووقف خلفها يشاكسها باللمسات
الجريئة….
همست كيان بارتباك…
“سليم باباك ممكن يدخل في اي وقت….”
طبع قبلة بالقرب من اذنها….
“وحشتيني ياعصفورتي….”
قالت بلوعة الحب….
“وانت كمان…..بس بقا عشان باباك.. ”
ابعدت يده محاولة التملص منه فقال هو
بحرارة….
“طب خلصي اللي في إيدك واسبقيني على
الاوضة… في موضوع مهم لازم نتكلم فيه….”
اومات براسها بوجنتين مشتعلتين لتراه بعد لحظات يبتعد عنها خارج المطبخ ومعه فنجان القهوة….
بعد ان انتهت دلفت الى مملكتها الخاصة غرفتهما
والتي غيرت بها الكثير حتى وضعت بصمتها في
كل ركن بها….
جلست على حافة الفراش تتأمل المكان من حولها
برضا وسعادة….ثم اتجهت بعدها الى الحمام وبدلت ملابسها بقميص نوم قصير حريري….
خرجت من الحمام تجفف شعرها بالمنشفة لتجد
سليم يدلف الى الغرفة وبين يده علبة مستطيلة
الشكل…..
عندما لمحها سليم وهو يغلق الباب توقف مكانه
لبرهة مشدوه بجمال قوامها الفاتن المنكشف
من خلال هذا القميص الملتف عليه….
قالت كيان بارتباك من نظراته….
“اتأخرت عليا….فقولت اخد شور….على ما
تيجي..اي اللي في إيدك ده….”
اجابها وهو يقطع المسافة بينهما….
“شوكولاته بالبندق…..اللي بتحبيها….”
لمعة عينيها بسعادة….. “بجد….جبته إمتى…..”
اجابها سليم وهو يكاد ياكلها
بنظراته….
“إمبارح….تخدي واحده… ”
اومات كيان براسها ففتح سليم العلبة واخذ منها واحده من الحلوى وقربها من فمها فاخذتها منه وتركت نصفها بين ثغرها الأحمر بدلال في دعوة
صريحة للمشاركة معه….
ترك سليم العلبة جانبًا واقترب منها محيط خصرها
الغض بيده واليد الاخرى على مؤخرة عنقها ثم مالى على ثغرها ملتقط نصف الحلوى الأخرى ومعها
شفتها في قبلة حارة مشتعلة بالاشواق….
…………………………………………………………….
عودة للحاضر..
إبتسمت قمر ولمعة بُنيتاها كنجمتين متلألاتين
وهي ترى المكان الجالسة به… مطعم فخم يطل
على البحر من خلال هذا الحائط الزجاجي في
الطابق العلوي على أحد الطاولات الانيقة….مقبلين
لبعض في جلسةٍ على الشموع…..فكان الليل
يصاحب جلستهما مضيف سحر خاص عليها…
توهجت وجنتيها وهي تعود من النظر الى البحر
الى بحر اخر هائج بامواج ثائرة مموجة بالكثير
من المشاعر العنيفة……عسليتاه….بها تضيع تغرق
بإرادتها…في بحر عيناه مرساها وموطنها……
فرد حمزة كف يده على سطح الطاولة
هامسًا بساؤل عذب….
“عاجبك المكان ياقمراية….”
اومات برأسها بعينين كحيلة جميلة وقد تانقت
بثوب أنيق يليق بالمكان تاركه شعرها الغجري
حرًا خلف ظهرها بتمرد…تضع زينة وجه رقيقة…
وضعت يدها في كفه فوق سطح الطاولة بانسيابية
جميلة…..ابتسمت وهي تجيبه…
“أوي ياحمزة…المطعم يجنن اوي…وبيطل على
أحلى مكان في اسكندرية….البحر….”
سحب حمزة نفسًا طويل وهو يتعمق في النظر
الى قهوته المسائية البراقة…عينيها……
“نبقا نيجي نتعشى هنا كل يوم….اي رأيك….”
رفعت قمر حاجبها بعدم رضا….
“انت عايز تضيع فلوسك ولا إيه…انت داخل على
مصاريف ومشروع جديد بتفتحه…ركز شوية…”
اتكأ على يدها وقال بعسليتين شغوفتين
بها…..
“مش عايز اركز غير معاكي…..وبعدين فداكي
اي فلوس….المهم اننا ننبسط مع بعض….”
لمعة عينا قمر وعقبت بعفوية مذهولة من تغيره الجذري خلال هذا الشهر…..فكلما زاد مقدار كلامه
المعسول لها ازدادت دهشتها به…..
“يا خلاثي عليك وانت رومانسي…”
انعقد حاجبا حمزة بصدمة….
“ياخلاثي !!…المفروض ان دا الرد على كلامي…”
ضحكت بجمالا تسارع معهُ نبض قلبه…
“مش قصدي بس وانت رومانسي حاجة تانية..”
غمز لها بزهو….. “أعجب يعني…..”
قالت بنبرة غيورة….
“كفاية انك عجبني….عايز تعجب مين تاني…”
تراجع مدعي الخوف….”ولا حد طبعًا كفاية انتي…”
ثم قلب في يدها يمينًا ويسار منتبه الى هذا الانسيال ذي الخرز الأحمر البراق……عبس وجه حمزة بتساؤل…..”اي الأحمر ده….”
نظرت قمر الى الانسيال معه وقالت
بابتسامة شقية….
“قولتلك قبل كده بيجيب الحظ…..”
مط فمه غير مقتنع…..
“متأكده ان الأحمر بيجيب الحظ !…”
أكدت قمر بمناغشة….
“ايوا طبعا…..بدليل ان النتيجة قدامي اهيه….”
ضحك حمزة وعقب
بمزاح…
“بس بقا يابت بتكسف….”
“ياكسوفي…..”قالتها قمر وانفجرت ضاحكة…
بينما أكد هو مدعي الحياء بمهارة…..
“أمال إيه دا انا من عيلة محافظة….ماتجيبي بوسة….”
اخفت ضحكتها بيدها…
“هنا !!…ينفع برضو….”
هز راسه وهو يترك يدها ويميل للامام هامسًا
باشتياق ملتهب……
“لا…بس انا عندي فكرة حلوة…ماتيجي بعد ما نخلص
أكل نطلع على شقتنا….نريح شوية..وبالمرة واقولك
كل اللي في قلبي…اي رأيك.. ”
توقفت قمر عن الضحك بتدريج وهي تنظر اليه
وكأنه اهانها للتو….مما جعلها تصيح على نحو
مفاجئ وبصوتٍ عال……
“عايزني اجي معاك الشقة….. ازاي يعني…”
انتبه بعض الناس المحيطون بهما على أحد الطاولات
الى جملة قمر العالية…مما جعل وجوههم مرتابة
وهم ينظروا لحمزة بعلامات استفهام كبرى……
بلع حمزة ريقه بحرج وهو ينظر اليها بغضب
مكتوم هامسًا…..
“وطي صوتك اللي يخربيتك… الناس بتبص
علينا…. هيفكروا اني شاقطك…..”
هزت قمر كتفها ممتنعة….
“ماهو برضو اطلع معاك الشقة بمناسبة إيه….”
تافف حمزة بجزع متشنج….
“يانهار أسود… انتي عايشة الدور كدا ليه انا
جوزك على فكرة… ولا الشهر االي عشناه في
الشقة القديمة اثر على مخك….”
أسبلت قمر جفنيها بقنوط….
“تقريبًا…. بس اصل ليه هنطلع الشقة… احنا
مش جبنا هدومنا وحاجتنا من هناك..هنروح ليه.. ”
اجابها حمزة بقلة صبر…..
“تقريبًا نسيت أجيب الليفه من الحمام هنروح انا وانتي نجبها ونرجع تاني….”
قالت بتحذلق….
“وليه اللفه دي كلها….. ما نشتري غيرها….”
زفر حمزة وهو يلقي المحارم على الطاولة
بعصبية….
“انا هسكت أحسن عشان مقطعش شرايين
واخلص….”
زمت قمر شفتيها مفكرة بعمق قبل ان تقول
بحرج مترددة….
“انا معنديش مشكلة اطلع معاك…بس نص
ساعة مش هنتأخر….”
انصدم من جملتها فرفع حاجباه بريبة وكأنه
نسى من تكون تلك المرأه ويحاول التذكر…
عقب بعدها باستياء حانق….
“اقسم بالله لو حد معدي وسمع الكلام ده…لو حلفت
ليه على الماية تجمد انك مراتي مش هيصدق…”
قالت قمر بشفاه مقلوبة ببراءة….
“في اي ياحمزة….”
جز على اسنانه مصرح….
“في انك غبية…احنا بقالنا قد إيه متجوزين..”
ردت باختصار….
“داخلين في شهرين….”
لوى ثغره مغتاظ بينما يشعر بان النيران تتغذى
على جسده كلما طال البعاد بينهما….
“شهرين ؟!…وحضرتك لسه آنسه….بذمتك مش
عيب في حقي…وحقك…..”
اهتزت حدقتاها بارتباك عذراء….
“ماهو انت عارف المشاكل اللي كانت بينا في أول
الجواز…وسكوتك وحيرتي معاك…واهي قفلت
باللي حصل لشهد…عايز وسط كل ده أفكر في
حاجة زي دي….”
اعترف حمزة بحرارة…..
“نفكر ياحُب….نفكر عشان انا على أخري…ومبقتش
قادر أصبر اكتر من كدة..”
عضت على باطن شفتيها بخجلا صارخ جراء
حرارة اشواقه نحوها…
“حمزة….”
ضرب ساقها أسفل المقعد بمشاكسة…
“حسي بيا ياقمري…خليني اخطفك شوية…نهرب
انا وانتي من كل ده في حضن بعض….ادلعك وتدلعيني ولا إيه…..”
احنت راسها وقلبها يقرع بجنون….فقالت
بعد فترة بتردد….
“مش عارفه اقولك إيه…اللي تشوفه… ”
تنهد حمزة بارتياح وهو يكاد يلتهمها
بعيناه….
“ياخربيت حلاوتك….بعشقك وانتي مطيعة..”
فرد كف يده لها مجددًا فوضعت يدها به وهي
تبتسم برقة بينما هو عانق اصابعها بانسيابية
جميلة..
بعد فترة قصيرة رصت اطباق الطعام امامهما
وكانت وليمة شهية باصناف عديدة…..
عقبت قمر بحنان….
“ياريت شهد كانت معانا…..كانت هتنبسط اوي
بالمكان….”
زم حمزة شفتيه متنهد بيأس….
“ياريت….بس انا يأست اقنعها باي حاجة..لا راضية
ترجع معانا الشقة….ولا تخرج معانا…و بتاكل وبتشرب بالعافية…وبتقعد وسطنا بعد محايلة…انا مش عارف اعمل إيه…. ”
قالت قمر بصوتٍ حنون متفهم….
“طول بالك…الله يكون في عونها مستحيل تفوق
من الخبطتين في يوم وليله…خسرت اللي في بطنها
وبعدها جوزها…وحياتها كلها اتهدت قدام عنيها…دا
غير المطعم اللي اتشمع قبل الجواز….بصراحة
الله يكون في عونها…انا لو مكانها…مكنتش
هقوم من أول خبطه….”
عقب حمزة بهدوء…
“بتكلمي كده على انك حد ضعيف يعني…انتي
أقوى واجدع بنت انا قبلتها…..”
ابتسمت على هذا الاطراء اللطيف…. “بجد….”
أكد حمزة بابتسامة صغيرة….
“بجد….انتي ناسية انتي نزلتي اسكندرية ليه…”
هزت راسها بنفي شاردة قليلا في عيناه…
“مش ناسية…عشان اجيب ورث ماما من أخوها..
بس لقيت نفسي بتكعبل في ولاد خالي بعيش
معاهم في بيت واحد…بقرب منهم بتعلق بيهم وبحبهم مع الوقت….”
توقفت قمر عن الحديث باستحياء فدفعها
حمزة للحديث بلهفة عذبة…
“كملي عايز اسمعك….”
ارجعت خصلة من شعرها خلف اذنها بحياء لذيذ…
متابعة بخفوت….
“مرة على مرة لقيت نفسي واقعه في حب ابن خالي الكبير أكبر اخواته واحن واحد عليهم…اللي هو اصلا كان غتت معايا وقتها ولسانه بيحدف طوب في وشي…وبتاع بنات وصايع…..”
عقب حمزة مشدوهًا…. “تؤ تؤ…انا كده هزعل….”
ضحكت بتورد…. “الله مش بقول الحقيقة….”
اكتفى بايماءة عفو….. “ماشي وبعدين….”
هامت عينيها وهي تنطق بعفوية….
“وبعدين عذبني شوية… ودوخني شويتين
وحيرني كتير اوي…..لحد….”
تابع هو عنها بحرارة العشق….
“لحد ما استويت انا…وجبت أخري وقولت يا دي
يا بلاش…..بحبك ياقمراية….”
اطرقت بوجهها المتخضب بحمرةٍ خلابة….
وقالت…
“انا كمان…تعرف تنفع حكايتنا دي تبقا رواية…”
سلبت قلبه وعيناه بضحكتها الحلوة فقال لها
بعذوبة المحب…..
“تنفع تفضل بينا أحلى رواية…نحكيها لولادنا
وولاد ولادنا…. ”
أكدت قمر بتورد….
“عندك حق….هتبقا أجمل طول ماهي بينا….”
“خدي دي من ايدي….” دللها حمزة وهو يمد لها الشوكة بقطعة لحم صغيرة….
فتحت قمر فمها واخذتها منه ثم قالت
بعدها بحب….
“تسلم ايدك …طعم اللحمة حلو أوي….”
شاكسها حمزة بغمزة وقحة….
“بالف هنا…عايزك تتغذي ها….قدمنا سهرة صباحي”
زجرته بخفة رقيقة ثم غيرت مجرى الحوار
باهتمام نابع من قلب حنون…
“بطل بقا…قولي صحيح…شهد كانت بتقولك اي الصبح…..”
رد بايجاز….. “عايزة تنزل تشتغل….”
تحمست قمر…… “بجد فين….”
رد حمزة بعدم استحسان….
“مطعم لناس زمايلها من أيام الجامعة كانت شغاله
معاهم الأول….تقريبًا صاحبتها اسمها نورهان…”
كانت قمر تمضغ الطعام وحماسها يزداد
لهذا الحوار الشيق….
“طب والله كويس….وانت اي رأيك….”
عقد حمزة حاجبيه مستنكر…
“طبعًا رفضت…وقولتلها لو محتاجة فلوس
خديها مني…..”
قالت قمر…. “بس المسألة مش فلوس ياحمزة…”
لوى حمزة ثغره…
“نفس ردها……انتي اتعديتي منها ولا إيه…”
قالت قمر بجدية ودفاع….
“ماهو فعلا كده..انت لو ركزت في طلبها..هتلاقي
انها عايزة تخرج من اللي هي فيه…بشغل…دا
أكتر حاجة بتحبها….”
وضح حمزة وجهة نظرة بحزن على شقيقته
وما تعرضت له منذ ان وطاة قدماها شارع الصاوي !!….
“انا رفضت عشان خايف عليها….شهد مبقتش مستحملة وجع قلب تاني..اختي وانا عارفها
هي بتكابر…زي ما اتعودنا نكابر حتى واحنا
مكسورين…..انا خايف عليها ياقمر….”
قالت قمر معارضة برجاحة عقل….
“انا غيرك شايفه انها فرصة كويسة…تحاول تتخطى
اللي عشته…وطالما الشغل مع ناس صحابها…وسبق
واشتغلت معاهم قبل كده يبقا فين الخوف بقا.. ”
رمقها حمزة بحيرة وسؤال.. “انتي شايفه كده ؟.”
أكدت قمر بهدوء….
“اه والله…بجد سيبها…وبلاش تقف قصاد رغبتها..”
أسبل حمزة عيناه للطبق أمامه وهو يفكر
بجد…..
“هشوف لو فتحت الموضوع تاني….”
بدأ ياكلا بصمت مستمتعين بالاجواء والمشاركة
والطعام الشهي…..قطع وصلة الاستمتاع رنة
هاتف قمر عن وصول رسالة…
فتحتها قمر فور رؤيتها لنفس الرقم الذي لا يكف
عن مضايقتها برسائل سخيفة تشككها في زوجها
(خلي عندك دم وسبيه….عمره ما حبك…)
جزت قمر على اسنانها بشدة واحمر وجهها
بغيظ مكفهرة….
كانت في السابق تظن انه مقلب سخيف من كيان…لكن بعد تكرار الرسائل بصورة مهينة فجة
شكت بهوية المرسل…
فكيان مستحيل ان ترسل هذه الكلمات الوقحة
المهينة….وان كانت هي فلن يطول الأمر بهذه
الصورة المريبة….
لذلك استبعدت مع الوقت ان تكون كيان الفاعلة..
وشكت في شخصٍ اخر له مصلحة كبرى في إنهاء
علاقتها بزوجها….مثلا…..نجلاء !!
هذه المرة كانت حاسمة وقادها غضبها وغيرتها
للتواصل مع المرسل برسالة مختصرة لئيمة…
(لو عندك دليل على كلامك ابعتيه…..مع اني
واثقه ان اللي زيك اخره فاضي….أطمني
بيموت فيا…..كفاية انه معايا….)
“مين ياقمر…..”
سالها حمزة وهو عاقد الحاجبين ينظر لها وللهاتف
بين يداها بفضول…فاجابته قمر وهي تضغ الهاتف
مكانه….”رسالة مش مهمة….”
تنهد حمزة مبتسمًا وهو يقرب من فمها
معلقة أرز…
“سيبي التلفون وكملي اكلك..خدي دي من
ايدي…..”
اخذتها منه مبتسمة بعينين متوهجة كشهاب
ساطع……
………………………………………………..
خفق قلبها برهبة العروس….وكأنها تدلف للشقة
لأول مرة مما جعلها تتراجع عن الدخول معه
قائلة امام باب الشقة….
“حمزة انا شكلي نسيت شنطتي في العربية
هنزل اجبها…..”
مسكها حمزة قبل ان تبتعد عنه ناظرًا
اليها بتعجب…..
“ماهي في إيدك اهيه…..”
نظرت الى موضع عيناه بتردد لتجد الحقيبة في
معصمها بالفعل.. توردت وجنتاها بحماقة وهي
تعود اليه بابتسامة مهتزة….
“آه فعلا…. مخدتش بالي….”
اخرج المفتاح من جيبه وسالها
بشك…
“انتي بتهربي مني ولا إيه….”
هزت راسها بشجاعة زائفة….
“انا… ههرب لي يعني… انت هتاكلني…..”
هز راسه بنفي مؤكد بنظرة سفاح
متسلط….
“لا… دا انا هبلعك…..ادخلي يابت… ”
لكمته في ذراعه بقوة وهي تتخطاه بحنق…..
دلفت الى الشقة تقدم ساق وتأخر أخرى… فوضع
حمزة سلسلة المفاتيح على طاولة بجوار الباب
ثم اقترب منها من الخلف وحملها على حين
غرة بين ذراعيه الإثنين شهقت قمر وهي
تتشبث في عنقه بذعر بكلتا يداها….
رافضه بخوف….
“اي اللي بتعمله ده…نزلني ياحمزة… انا محتاجة
شوية وقت….عشان خاطري….”
كان حمزة متجه بها الى الغرفة وعند حديثها
ورهبتها الواضحه توقف في مكانه ينظر اليها
بحيرة جادة…
“خايفه مني ياقمر ؟!…..”
نظرت لعسليتاه بتردد وصدرها يعلو ويهبط بانفاس سريعة مضطربة….
فمالى حمزة براسه عليها يداعب انفها بانفه هامسًا
بتهدج ثائر المشاعر…
“معقول خايفه من حبيبك….مش وحشك حضني
ولا إيه ياقمري…..”
ذابت اعصابها وجسدها مع كلماته وقلبها ضاع في متاهة عيناه بهما الرغبة والشوق يتوهجا بشدة..
طبع حمزة قبلة سطحية على شفتيها الفاغرة
بشرود والمنتظرة حصة من الدلال كذلك…. حصة اعتادت عليها بعد أول قبلة بينهما في الشرفة…
ومن بعدها ولمدة شهر كامل اعتادت الدلال…
معتادة تقاربهما الحميمي كزوجين……
شعرت به يتابع سيره متحرك بها الى غرفتهما وشفتيه متعلقه بثغرها الشهي يقبلها قبلات
طويلة حارة….تبث بها عشقه وشوقه إليها…..
فبدأت تتارجح بين الرفض والقبول…بين
الخوف والشوق…غزرت اصابعها في شعره
الغزير الناعم وهي تئن بعذاب بين يداه..
وقح جدًا وماهر في اثارت مشاعرها واشعال
قلبها وجسدها بالحب…..
أبتعدت عنه وهي تلهث مسلوبة الانفاس ثم اخفت وجهها المحمر في صدره…شاعره بمضغة قلبه تزداد قوة أسفل مسامعها….
انزلها حمزة ارضًا برفق جوار الدولاب فاطرقت
قمر براسها بخجلا منتظرة…
فتح حمزة درفة الدولاب وبدا يقلب في محتوياتها
الخاصة سالته قمر مقطبة الجبين….
“بتعمل إيه….”
كان منشغل في رحلة البحث حتى اجابها
بعد ان وجد القطعة المنشودة….
“استني بس… ايوا هو ده…. هيبقا نار عليكي
عايز اشوفك بيه….”
رفع امام ابصارها قميص نوم قصير من اللون
الأبيض كان شفاف وناعم….قالت قمر بحرج
صارخ….
“اي ده….لا طبعًا…. دا عريان أوي…..”
القاه حمزة للخلف بعدم إهتمام….
“عندك حق…. من غيره هتبقي أحلى….”
اتسعت عيناها ضاحكة بصدمة وهي
تنحني لتاخذه بسرعة…..
“لا لأ خلاص… هلبسه….. ”
“أطلع برا على ما أغير هدومي….” قبضة على القميص بيدها وبدأت تدفعه في ظهره للخروج…
لم يتحرك حمزة من مكانه بل قال
بغلاظ وقحة….
“طب ما تغيري قدامي… مانا جوزك….”
ضحكت بدلال رافضة وهي تدفعه للأمام صوب
الباب المفتوح…”اطلع بقا ياحمزة بطل غلاسة….”
اوما حمزة براسه مستدير لها….
“ماشي هروح أحضر حاجة نشربها… وادور على اغنية رايقة كده نبدا سهرتنا بيها… تسمعي وردة..”
قالت بجذل….. “آه وردة حلوة أوي….”
خطف قبلة سريعة من ثغرة بشقاوة….
“عليا الطلاق مافي احلى منك في عيني….”
لكزته في كتفه منزعجة….
“متحلفش بطلاق….بطل العادة دي…امسك لسانك
علشان اليمين ميقعش…. ”
“ماشي شوية وراجع….غيري بسرعة…..”خطف قبلة
أخيرة من خدها المتورد ثم ابتعد مغلق الباب خلفه….
اتسعت ابتسامة قمر وهي تنظر الى القميص الأبيض
الشفاف مجددًا باستحياء صارخ….
وقبل ان تهم بنزع ملابسها…رن هاتفها مجددًا عن وصول رسالة جديدة عبر الواتساب…مسكت الهاتف
بفضول وجلست على حافة الفراش تسمع الرسالة
الصوتية…..
دلف حمزة بعد لحظات الى الغرفة وهو يدندن عاري
الصدر وبين يداه صنيه عليها كوبان من العصير واطباق صغيرة من المكسرات…..
وجدها جالسة على حافة الفراش ومزالت بملابسها
وجهها شاحب والدموع متحجرة في مقلتاها الحمراء..
وضع حمزة الصنية جانبًا واقترب منها بقلق
جالس على ركبتيه أمامها….
“في اي ياقمر….مالك بتعيطي ليه…اي اللي حصل..”
لم تتفوه بحرفٍ بل نظرت الى الهاتف بجوارها…مسك
حمزة الهاتف بارتياع ليجد الشاشة تنير برسالة صوتية من مجهول….
فتحها بحاجب معقود وعينين شاخصة فسمع
مكالمة صوتية مسجلة كانت كالاتي….
(ودلوقتي ظروفي بقت احسن… فبقيتي عيزانا نرجع….طب ازاي وانا متجوز عندك استعداد نبقا
مع بعض كده….)
(موافقة على إي حاجة ياحمزة…طالما هنرجع..)
(حتى لو من غير جواز ؟!!…)
(مصيرك تتجوزني انت مش بتحبها ياحمزة…انت بتحبني انا…..)
(وانتي قدرتي الحب ده…. انتي بعتيني للي
دفع أكتر…..)
انتهت الرسالة على هذا النحو ومن بعضها لفهما صمتٍ مظلم قاسٍ بارد….فرفعت قمر عينيها إليه تساله بنبرة مهتزة بالخوف من الإجابة…..
“دا صوتك…..ولا متفبرك ؟!….”
لم يتحرك من مكانه وهو جالس امامها ارضًا…اجابها
بعد فترة قصيرة كانت كالدهر عليهما…..
“صوتي مش فبركه بس المـ..”
برقة عينا حمزة بالغضب وهو يتوقف عن الكلام فجأه بعد ان صفعته على صدغة بقوة….
تلقى صفعة منها…..من قمر !!…….
هجم عليها كالثور الهائج بجسده الضخم…فوقعت
على الفراش وهو فوقها…حاولت التملص منه
صارخة بغيظ…
“طلقني ياخاين ياغشاش طلقني….انا استاهل
كل اللي يجرالي بعد ما صدقتك….واديتك الأمان
من تاني…..”
كبل حمزة معصمها فوق راسها وهو يصيح
بتشنج…..
“انتي بتضربيني بترفعي ايدك عليا يابت..انتي
اتهبلتي….”
بدأت تتلوى بجسدها اسفله صارخة بهيجان….
“ابعد عني بقولك… بتخوني مع السفيرة عزيزة بتاعتك…غور في داهيه انت وهي…..طلقني وروحلها…خليها تنفعك…..”
جز على اسنانه وهو يحاول تمالك نفسه امام
حديثها المهين المستفز…
“ياغبية ياحيوانه…..دا صوتي اه…بس المكالمة
مقصوص منها…مش كاملة… ”
حررت يدها ولكمته في صدره بقوة منتفخة
الأودج بعصبية……
“انا حيوانه….ياندل ياواطي….ياغشاش ياخاين..
طلقني بقولك… ”
كبل حمزة يداها مجددًا للأعلى صائح بتأوه….
” يابت إيدك لمي نفسك بقا… انا لحد دلوقتي
مش عايز امد ايدي عليكي….”
صرخت في وجهها بحرقة….
“طلقني دلوقتي حالا…طلقني… ”
قال وهو ينظر لملابسها بغيظ….
“مش مطلقك…قومي البسي قميص النوم
واستهدي بالله….”
توسعت بُنيتاها بغضب مصدومة..
“قميص النوم ؟!!…..هو دا كل اللي فارق معاك….”
هز راسه بتأكيد ان هذا هو الاهم الان….
فانقضت فجأه على رقبته براسها قاضمة لحمة
بقوة بين اسنانها…..صرخ حمزة متأوه وهو
يبتعد عنها ناهضًا….
“ااه يابنت العضاضة….”
“ابقا لبسه للحلوة بتاعتك…”سحبت حقيبتها وركضت
لخارج الشقة باكملها…..
“بت ياقمر….استني يامجنونة…”
لحق حمزة بها بعد ان ارتدى ملابسه في عجالة ثم
أخذ بعدها سلسلة المفاتيح واغلق الباب خلفه…
اتجه الى المصعد فوجده مغلق وقد استقلت
به….ركل باب المصعد بعصبية ثم هبط على
السلالم بعدها بسرعة شاتمًا بغضب ووعيد
محتد…
“آه يابنت الكلب يانجلاء بوظتي اليله…..منك
لله انتي وامك….ورحمة امي مانا سايبكم….”
خرجت قمر من المصعد والرؤية ضبابية أمامها من كثرة الدموع مسحت عينيها وانفها بتشنج وهي
تلعن بغضب فقد خدعها للمرة الثانية ودمر ثقتها بنفسها….
لكن هذه المرة كانت اقسى واصعب من تحملها..
كانت تمر الطريق بتشتت ولم تلاحظ السيارة
الاتيه بسرعة عليها…وفي لحظة خاطفة وقبل
ان يقع اصطدم مريع وجدت من يسحبها بقوة
للخلف محاوطها بذراعيه….
صرخة قمر في احضانه فهي كانت على وشك الموت
بينما صاح حمزة بغضب في سائق السيارة الذي مر
عليهما وكأن شيءٍ لم يكن….
“ما تفتح يابن ال***….”
اخذت انفاسها بصعوبة تهدأ من روعها وهي بين ذراعيه حتى وعت على نفسها وابتعدت عنه
بعنف مشمئزة منه…..
مسكها حمزة من خصرها بقوة وصاح بهمجية..
“اياكي تجري ولا تتحركي من مكانك…اعقلي بقا
نشفتي دمي…..”
هدرت قمر بغيظ وهي تحاول الفكاك
منه…
“ليك عين تتكلم كمان….”
عيل صبره منها فقال بتهكم……
“ايوا ليا عين….عشان المكالمة مقصوص منها…جزء كبير من الحقيقة….ايوا كلمتها تاني يوم من فرحنا بعد ما هربتي ودا عشان الهانم كانت من قبلها مقضياها رسايل حب وغرام بتحن لايامنا….فرديت عليها يوم ما اتصلت عشان أقفل الحوار ده بضبه
والمفتاح….وهي بنت الكلب استغلت ده….”
قال آخر جمله من بين أسنانه مشتعلا بالغيظ….
فقالت قمر باستهجان….
“ولو كلامك صح…ليه عرضت عليها ترجعوا لبعض..”
نفخ حمزة بقنوط مستنكر سؤالها…
“مين قالك اني عايزها…حتى لو في الحرام…انا
حبيت اثبتلها انها رخيصة واثبت لنفسي ان اللي
زي دي كلبة لا راحت ولا جت..وما تستهلش حتى كرهي ليها…”
لان قلبها قليلا مع الحديث لكنها عادت الى
التصلب على رأيها….
“انا مش مصدقاك انت بتلعب بيا وبمشاعري…انت
كداب….طلقني وخلصني بقا.. ”
مالى حمزة بوجهه للناحية الاخرى بملامح مظلمة
متغضنة بالغضب للحظات فقط…..ثم عاد اليها
قائلا بعتاب…..
“يابت متبقيش بياعه كده…اي حاجة تحصل بينا
تقوليلي طلقني…قولتلك مظلوم…وبنت الكلب دي
قصة من المكالمة….وبعته بس الكلام اللي يوقع
بينا….”
سالت الدموع من عينيها بحرقة وهي فاقدة
الثقة به…..
تافف حمزة وهو يمد يداه ويمسح دموعها…
مقترح برجاء حاني….
“اسمعي طيب وبطلي عياط…..طالما مش مصدقة
كلامي ومش واثقه فيا…انا هحاول اجيب المكالمة
كاملة وسمعهالك….بس توعديني انك مش هتمشي
هتفضلي في الشقة زي ما انتي…بلاش تغدري بيا
وتهربي زي كل مرة…..خليكي معايا لحد ما أثبتلك
انك ظلماني… وان انا والله مكنش في نيتي ارجعلها
ولا باي طريقة….”
لم تلين قسمات وجهها اليه فقد زادت عناد مع
نظرة حزينة منكسرة…..
لم يصدق انه يخاف هجرها مجددًا بل ويترجاها
متسول قربها…
يذل الحب ويعذب أحبابه !!…
فمن يعتنق الحب دون حذر يستحق لوعة
الهوى وعذابة……
قالت قمر على مضض…..
“موافقة بس لحد ما ده يحصل متقربش مني
ولا ليك دعوة بيا….حتى لو عايشين مع بعض
تحت سقف واحد….”
وافق حمزة بنظرتٍ غاضبة متوعدة….
“تمام….بس بعد ما تتأكدي انك ظلماني….لينا
كلام تاني مع بعض…..يلا عشان اروحك…”
…………………………………………………………
بدأت تقلب في الحساء بذهن شارد مصوبة عسليتاها
على غليان الحساء بنظرت فارغة كروحها…..
في لحظة سهوة لسعها البخار القوي فرفعت يدها
عن الإناء ثم اغلقته وهي تطفئ الموقد…. ثم عادت ادراجها الى الرخامة خلفها حيثُ شرائح اللحم السميكة بدأت تدق عليها بالمطرقة الصغيرة
الخاصة به….
حانت منها نظرة على المطبخ من حولها والنافذة
المطلة على البحر بنفس المكان قد قضيا بعض الوقت اعدت الطعام له وساعدها هو بذلك وهم يثرثرا في مواضيع عديدة…..
ثم تناولا الطعام عند تلك النافذة اعينهما للبحر والنسيم المعطر به يصفي ذهنهما اما قلوبهما
فحينها قد اشتبكت خلسة بخيط الحب …
خيطٍ رفيع رقيق تمزق سريعًا عندما قرر أحدهما الهجر معاقب الآخر بالضياع الأبدي !…
بلعت غصة مسننة وهي تشعر بوجع يفتك بقلبها..
لماذا لا تنسى وتتابع حياتها كما قررت منذ ان خرجت
من البيت من أسبوع مقررة ان تعود للعمل والحياة
دون الالتفات لكل ما عاشته في السابق…
اتكأت على قلبها وقادها عقلها لمحاولة النسيان بالعمل فيما تحب….
قد عادت للعمل في مطعم نورهان وزوجها حسين زملاء الجامعة كما كانت معهم في السابق…
قد رحبا الزوجين بها ودعموها في محاولة التاقلم
مع الحياة القادمة كأمراة على وشك الانفصال..عن
عاصم زوجها…..
كلما رن إسمه في عقلها تختنق انفاسها وتقرع
النبضات بوجع وحنين إليه….
هل هانت عليه…هل اعتاد البعد….هو الذي اخبرها ان
الموت اهون من نسيانها؟!..
كان مجرد حديث في غمرة الأشواق لفظ به وعندما
خرج على لسانه تبخر على أرض الواقع…..
فلا يليق بالخيال ان يمتزج بالواقع ويحيا أمام
أعيننا….
ارتدت قفازات المطبخ ثم اتجهت لحمل اناء
الحساء وعقلها يتسأل بلوعة عن اي حظ عثر
جعل منها أمرأه منفطرة القلب لمجرد انها لم
تعد في كنف رجلًا احبته ؟!…..
ازداد ارتجافها بغضب من نفسها فقد تلفت اعصابها
الايام السابقة تفكيرًا بما وصلت إليه بسبب.. الحب
لماذا الحب أولًا في حياتنا لماذا عند الهجر
يسيطر علينا الضياع والحزن لمجرد ان الحب
لفظ بنا بعيدًا……
لماذا لا يكون آخر الاشياء التي نفكر بها….ليتها تعود
لرشدها وتنفض عنها حالة الضياع تلك….وتعود لعهدها فهي خرجت للعمل فقط لتسترد نفسها..
لكن حتى العمل عجز عن نشلها من هذا..
فلت الاناء فجاة من بين يداها فوقع الحساء الأحمر
ارضًا صانع فوضى مريعة من حولها….
شهقت شهد وهي تتراجع للخلف واضعه يدها على راسها بغضب من نفسها…. مجهود ساعتين أصبح
في الأرض الآن اي غباء قامت به للتو…..
وضعت يداها الاثنين على وجهها وصرخت بغيظ
مكتوم…. وهي تلعن نفسها….
“اي ده اي اللي حصل هنا…. شـهـد انتي كويسه..”
اتى صوت نورهان القلق وهي تنظر للأرض المتسخة
بالحساء الأحمر والإناء المقلوب ارضًا….
ابعدت شهد يداها عن وجهها وهي تنظر لها بحرج
معتذرة….
“اسفه يانورهان… مش عارفه إزاي وقعت من ايدي
تقدري تخصميه من مرتبي….”
اولتها ظهرها وهي تبحث عن أدوات التنظيف باعصاب مشدودة حانقة من نفسها…
انعقد حاجبا نورهان وهي تقترب منها
بعتاب..
“اي الكلام البايخ ده…. اخصم اي من مرتبك…
هو انتي شغاله عندي… احنا مش اتفقنا اننا شغالين
سوا وبعدين عادي يعني فداكي بيحصل اكتر من
كده معانا في المطبخ مش نهاية العالم …”
مسكت شهد الممسحة فأوقفتها نورهان وهي تقول
بحزم….
“سيبي كل حاجة مكانها ياشهد…انتي مش شغلتك التنضيف انا هطلع حد ينضفها….”
قالت شهد بتصميم….
“مفيش مشكلة يانورهان…سبيها وانا هعملها مش هتاخد حاجة….”
سحبت نورهان الممسحة وقالت باصرار…
“سبيها وتعالي معايا نتكلم تحت شوية….انا هطلع
حد ينضفها…. على ما نخلص كلمنا يكون المكان نضف….”
قالت شهد بملامح عابسة….
“هنتكلم في اي بس يانورهان…. دا وقت شغل.”
سحبتها نورهان معها للأسفل….
“يتأجل الشغل شوية…الشيفات اللي تحت تقوم
بطلبات عنك…تعالي بس معايا….”
جلسا على أحد الطاولات المطلة على البحر في
مكان هادئ أنيق….سالتها نورهان بابتسامة
مشاكسة..
“مستغربة انك النهاردة مسالتيش عن هيلينا
هي مش بتوحشك ولا إيه….”
كانتا عسليتاها متعلقة بالبحر والنسيم يداعب غرتها
الناعمة وعند ذكرى اسم (هيلينا)لانت ملامحها
وتبسم ثغرها وهي تعود بعيناها الى صديقتها..
“طبعًا وحشاني….دي حبيبة خالتو….ليه مجبتهاش
معاكي النهاردة…”
بدأت نورهان بالثرثرة بابتسامة واسعة….
“سبتها مع ماما…تراعيها الساعتين دول….كلها شوية
وهرجع البيت…تعرفي اني مش عارفه اوفق بينها وبين الشغل من وقت ما ولدتها ولمدة سنة ونص
وانا مقسومة نصين…حسين كذا مرة يقولي سيبي
المطعم وانا هديره وركزي أكتر معاها…بس مش عارفة المسئولية كبيرة اوي عليه مش عايزة اسيبه
عايزة أفضل في ضهره خصوصًا اننا الحمدلله اتعرفنا
والمكان بقا مفضل عند بعض الزباين اللي بتجلنا
باستمرار…..”
قالت شهد بهدوء….
“بس هيلينا أكيد محتاجه اهتمام أكتر….”
اندمجت معها نورهان في محاولة منها لقشع
غيمة الكآبة عن صديقتها….
“انا بعمل اللي أقدر عليه مش مقصرة معها ابدًا..
هيلينا جميلة بس شقيه شويتين عشان كده في أغلب الأوقات باخدها معايا المطعم أصلها بتغلب
ماما أوي…مش عارفة بجد لما تكبر أكتر من كده هتعمل فينا إيه….”
ضحكت نورهان وهي تنظر لوجه صديقتها الهادئ
دون تعبير تستمع لها دون تعليق…..فقالت نورهان
بعد ان زالت بسمتها بتدريج…..
“ليه ساكته انا بحاول ادردش معاكي عشان تطلعي
من اللي انتي فيه…..”
سالتها شهد بفتور……
“اي اللي انا فيه…مانا عادي أهوه…”
هزت نورهان راسها معقبة….
“مش باين خالص… مش انتي شهد صاحبتي.. قوليلي بصراحة في أمل انكم ترجعوا…”
قالت شهد بنظرة شاجنة….
“مستحيل الموضوع اتقفل….نهائي….متوفقناش
مع بعض زي ما قولتلك….الحمد لله… ”
تنهدت نورهان متعجبة….
“لحد دلوقتي مش مصدقة انكم انفصلتوا… كان
باين انه بيحبك أوي….وانتي كمان بان عليكي
أكتر لما بعدتوا… ”
قالت شهد باختناق…
“غيري الموضوع يانورهان…انتي كده بتزيدي
وجعي بكلام لا هيقدم ولا هياخر….”
قالت نورهان بحرج….
“عندك حق….ربنا يكتبلك اللي فيه الخير…”صدح
هاتف نورهان فنهضت من مكانها وهي تقول
على عجالة….
“دي ماما بترن…..هقوم اكلمها واطمن بالمرة على هيلينا…..خليكي مكانك دقايق وراجعه… ”
ابتعدت نورهان أمام عينا شهد التي تراقب ابتعادها
بذهن شارد وعيني منطفئ ومضها….
رفعت شهد حاجبها وهي تنتبه الى طاولة على بعد
مسافة منها يجلس عليها رجلا عريض المنكبين شامخ الطول بشعر أسود كثيف….
خفق قلبها فجاة كاناقوس وهي تتوهم بوجوده مجددًا حولها فرجل الذي يوليها ظهره على المقعد يجلس امام أمرأه شديدة الجمال يتحدثا وهم يأكلا وجبة الغداء والمرأة منبسطة الملامح متسعة الفم وكأنه يطعمها النكات !!..
اشاحت بوجهها للبحر مكتفة ساعديها امام صدرها
فمستحيل ان يكون هو….كيف لها ان تتعرف عليه
من منكبي ومؤخرة عنق ؟!!….
وقعت نبرة صوته الرخيم على اذنيها كسياط وهو يطلب من النادل فنجان قهوة وكوب عصير لمن
ترافقه…
عادت بعينيها اليهما بصدمة تنظر الى ظهره مجددًا
بقوة مؤكده احساسها انه هو…لماذا اتى الى هنا
ومن تلك….
ابتسمت المرأة الانيقة بسعادة وهي تفتح علبة
المجوهرات لترمق الطاقم الالماس الفخم بتأني
واعجاب معقبة….
“بجد ياعاصم مش مصدقة الابداع دا كله…بجد
انت فنان….خسارة انك ملكش براند بأسمك اي
اللي موقفك تاخد الخطوة دي…..انت ممكن تحقق
نجاح كبير لاسمك واسم عيلتك في تجارة الدهب
خسارة……”
ابتسم عاصم شاكرها بالسانه وذهنه شرد في حديث
آخر يشابه هذا الحديث لكن لامرأة غالية على قلبه
كان صوتها الحماسي وعينيها المتلألأة تفعل به العجب…..
اين ذهبتِ ياسيدة الحُسن ولماذا خذلتي قلبي في
حبك……
اخرجت المرأه ايصال دفع بالمبلغ المتفق عليه
وقالت بابتسامة واسعة….
“حقيقي ياعاصم تستحق اكتر من كده…فكر بجد
في المشروع اللي بكلمك فيه هتبقا نقلة أكبر
ليك…حطه هدف قدامك…وانا هكون أول
واحده تدعمك……”
تحدث عاصم بالباقة….
“أكيد ياهانم دا شيء يسعدني….ان شاءالله
أفكر في كلامك…..”
قالت السيدة الانيقة وهي تنوي
المغادرة…
“انا مضطرة استأذن….”
رفع عاصم حاجبه….. “والعصير….”
اعتذرت السيدة بصوتٍ رفيع….
“عندي اجتماع مهم في الشركة….انا مبسوطه اوي
انك قبلت عزومتي على الغدا المطعم دا هايل بحب
اجي ليه من وقت للتاني….”
نظر عاصم حوله ومخيلته تطفو للبعيد….
“مش أول مرة ادخله…. جيته قبل كده مرة..”
عاد للسيدة قائلا بالباقة…
“تشرفت بعزومتك ياهانم….بإذن الله ميكنش
آخر تعامل بينا.. ”
قالت السيدة وهي تنهض…..
“هو أول تعامل بينا بس أكيد مش الأخير….فرصة
سعيدة يامعلم عاصم زي ما بينادوك في شارع
الصاوي….”
نهض عاصم وصافحها باحترام…
“انا اسعد… هستنا زيارتك للصاغة قريب…”
قالت السيدة برضا تام….
“أكيد ومش هبقا لوحدي هجيب مريهان بنتي عشان
تصمم شبكتها من عندك…..”
أبتسم عاصم مجيبًا….
“باذن الله….تشرفنا ياهانم…وتحياتي للباشا الكبير.. ”
ابتعدت السيدة بخطوات أنيقة عنه…كانت سيدة
من عائلة مرموقة زوجها يحتل منصب كبير في
البلدة….
قد أشادت عنه أحد اصدقائها بانه موهوب في صناعة الحلي والمجوهرات فطلبت منه طاقم
الماس بمواصفات دقيقة رفيعة فبدأ يصممه لها
كما تريد مضيف لمسته الخاصة على الماس…
وقد اعجابها كما حدث منذ دقائق وانبهرت به..وهذا
ما جعله يرتاح قليلا ويزفر نفسًا ثقيلا على صدره
بعد ان انهى المهمة التي اخذت منه ليالٍ طويلة
مرهقة يعمل في الورشة لساعات لانهاء الطاقم
على أكمل وجه…..
جلس عاصم مكانه وهو يسحب الهواء البارد الى رئتاه منتظر احتساء القهوة ثم الذهاب الى الصاغة
لمتابعة العمل….
أصبح يكثف ساعات يومه بأكملها للعمل ولا يذهب
للبيت إلا منتصف الليل ويستقيظ في الصباح الباكر
الى الورشة او الصاغة وتظل الأيام تعيد تكرارها
بفراغ موحش وارهاق مزمن وكل هذا بدونها…
دون قطرة الشهد التي كانت تحلي حياته في السابق
أصبحت الان ذكرى مريرة كالعلقم المُر في الحلق….
تنهد بضيق كلما حاول ان يبتعد عن ذكراها تلاحقه
اينما ذهب…بدليل انه هنا الان في نفس المكان الذي
جمع ذكرى جميلة بينهما….
أغمض عيناه بعذاب قد عادت الهلوسة ايضًا انه
يستنشق عطرها بوضوح…شذايا عطرًا طيب
ممزوج بنسيم البحر ورائحة الزهور….
مزيج فائق من الجمال تنافس به افخم العطور
واشهرها ، عطرًا خلق لها لتكن الأولى والاخيرة
التي تضعه…
لاحت ذكرى بعيدة على ذهنة فشرد بعيناه مبتسمًا
وقلبه يخونه ويميل لذكراها….
كانت تقف امام مرآة الزينة ترتدي قميص قصير
حريري شعرها المندي خلف ظهرها حرًا…..
مسكت زجاجة عطرها الانيقة ورشت القليل منه
عند عنقها والترقوة فلاح نسيم البحر المالح في
ارجاء الغرفة ممتزج برائحة الزهور الطيبة….
اغمضت شهد عيناها مبتسمة بنعومة وهي تشعر
بذراعيه الصلبة تحتوي خصرها الغض من الخلف
مائل على عنقها هيمان يشم رذاذ العطر بتأني…
ذابت شهد بين يداه تاركه لقلبها الاستمتاع
بتلك اللحظات….
فقال عاصم وهو هيمان في احضانها…
(انا قولتلك قبل كده اني بعشق البرفان اللي
بتحطيه ؟!….)
قالت وهي مغمضة العين بهيام….
(مش فاكرة انك ذكرت حاجة زي دي….بس البرفيوم
عادي مش واوو اوي….)
طبع قبلات متفرقة على طول جيدها وهو يقول
بشغف متقد….
(بنسبالي انا مش عادي….بحب ريحته أوي…بذات
عليكي بتبقا حاجة تانية….)
عضت على شفتها وهي تفتح عسليتاها ناظرة
الى صورتهما المنعكسة في المرآة….
(مش مصدقة وصلت انك تتغزل في البرفيوم
اللي بحطه؟!!….اي الدلع دا كله….قولي بجد انت
هربان من اي رواية ؟!….)
سند عاصم ذقنه على كتفها ناظرًا معها الى
المرآة ثم قال بمشاكسة….
(لو قولتلك هتعرفي ترجعيني….)
هزت راسها مجيبة بتملك…
(طبعًا لا….مين المجنونة دي اللي تفرط في
واحد زيك….مفيش بطلة تليق عليك غيري…)
ابتسم بسعادة لرؤية ومض الغيرة في عسليتاها
يبرق بجنون….فقال بعد فترة…
(بما اني انا البطل وانتي البطلة….روايتنا تتسمى
إيه من وجهة نظرك؟….)
(أحببت متوحشًا…..اي رأيك؟!…)قالتها بمزاح فأول
ما اتى في عقلها بعد رؤية البنية القوية التي يتمتع
بها بينما هي امامه كعصفورة صغيرة…..
ادارها إليه قائلا بنظرة متوعدة…
(لايق أوي….وهيليق أكتر على اللي هيحصل
فيكي دلوقتي….)
فلتت من بين يداه راكضه في ارجاء الغرفة…
(عاصم اعقل دا كان تعبير مجازي…لكن انت…انت
اطيب وأحن راجل على وجه الأرض…)
اقترب عاصم منها محاول الامساك
بها…
(ما كُنت متوحش من شوية….)
ركضت قبل ان ينال منها لكنها لم تنجح في الابتعاد
كثيرًا فقد كبل خصرها من الخلف رافعها عن الأرض
فضحكت وهي تناديه برجاء…
(عاصم بس بالله عليك….)
(مش ممكن ياست الحُسن…)وضعها على الفراش برفق وطل عليها بهيئته المهلكة لقلبها نظرت
لعيناه ثم لثغره…..
فداعب عاصم شعرها المندي وهو يقول
بأمر حاني….(اعتذري حالا….)
ضحكت وهي تراوغه بعسليتاها…
(آسفه يا…………. يا متوحش…)
نظر لشفتيها بجوع هامسًا
بتوعد….
(دا انتي مصممة تتعاقبي بقا……)
اكتفت بايماءة بسيطة وهي تبتسم بنعومة محيطه
عنقه بكلتا يداها فمالى عليها يتذوق الشهد من
ثغرها……
“القهوة يامعلم عاصم…..”
فاق عاصم من شروده على صوتها المتجهم فرفع عيناه ولم يستوعب بعد انها بالفعل أمامه !…
وضعت شهد كوب العصير الاخر بمكان السيدة التي
رحلت فقالت بابتسامة صفراء….
“امال فين الهانم….مش هتشرب العصير اللي طلبته
ليها بنفسك……”
زاد اتساع عيناه وهو يرمقها مليًا كانت ترتدي زي أبيض عليه اسم المطعم بالشعار الخاص به…
نهض من مكانه وكأنه أصاب بماس كهربائي فجأة
وعيناه تجري عليها رغم الشوق الغضب منها تضاعف
واجتاح اي مشاعر يكنها لها…..
“انتي بتعملي اي هنا…واي البس ده….”
ردت شهد بصوتٍ جامد….
“انا بشتغل هنا….انت بقا اي اللي جابك هنا..ومين
الست اللي كنت قاعد معاها دي….”
عبست ملامحه اكثر قائلا بتجهم….
“وانتي اي داخلك قعد مع اللي قعد معاه…..ردي
عليا بقالك قد إيه شغاله هنا….”
عقدت ساعديها امام صدرها بتمرد….
“وانت اي دخلك….أشتغلت فين ومن إمتى…
انا حرة….”
ازدادت عيناه قتامة مهيبة……
“واضح انك ناسية انك لسه على ذمتي…”
ازداد عنادها صخب….
“ولحد دلوقتي مستغربة ليه مبعتش ورقة الطلاق
زي ما قولت….”
“تعالي معايا مش هنتكلم هنا…..”فقد زمام الصبر فمسك ذراعها بقوة مقربها منه وهو يسير بها
لخارج هذا المكان….
“سبني ياعاصم واخدني على فين….”حاولت شهد سحب ذراعها من قبضته يده القوية….
اردف من بين أسنانه…. “على عربيتي نتكلم….”
نزعت ذراعها باعجوبة متوقفه مكانها….وهي تقول
بتردد تخفي شوقها إليه…..
“ممكن نتكلم فوق…..في المطبخ اللي فوق…لو في
حاجة مهمة عايز تقولها….”
عاد بخطواته اليها قائلا بنظرة ثاقبة
تجردها…
“انا مبقولش غير الحاجات المهمة ولا ناسية…”
رمشت باهدابها منتفضة داخلين بتأثر فهي تعلم
المغزى من حديثة…..
دخلت الى المطبخ في الأعلى المكان المخصص لها
والتي تعمل به بهدوء وباريحية أكثر….
دارت مقلتا عاصم في المكان بلمحة سريعة قبل ان
يعود لها قائلا بغضب مكتوم وهو ينظر الى زي
عمل الطهاه التي ترتديه….
“اي اللي خلاكي تشتغلي هنا….”
سحبت شهد مقعد وجلست بالقرب من النافذة
المطلة على البحر والمحاطه بزرع الأخضر مترعرع من النعناع والريحان والورد يستخدم في الطعام….
استنشقت الهواء الرطب وهي توليه ظهرها
قائلة بعد لحظات بغلاظة….
“في مشكلة في شغلي هنا….”
جاشت مراجله وهو يقترب منها خطوتين
بغضب
“اي اللي يخليكي تشتغلي أصلا…انتي محتاجة
معاكي مبلغ يفتحلك مطعم أحسن من ده…اي
اللي يخليكي تشتغلي عند الناس…”
عقدة ساعديها مستندة على الرخامة امامها ثم
قالت بهدوء وتريث وعيناها تبصر زرقة الماء
من بعيد….
“الناس دول صحابي..وانا كنت شغاله هنا في الاول
قبل ما أتعرف على النت واقرر افتح مطعم بأسمي
ثانيًا الفلوس اللي بتكلم عنها دي…انا مش عيزاها
ولا هقرب منها لانها مش من حقي…..”
جز على اسنانه مكور كف يده بجانبه كابح غضبه وهو يقول بهدوء يستحق عليه جائزة ذهبية
“لا من حقك طالما اتحطت في اسمك في البنك
تبقا من حقك….زيها زي الشقة اللي رافضه
تعيشي فيها… ”
مطت شفتيها وهي تلامس أوراق النعناع
باناملها….
“مهما اتكلمنا مستحيل نتفق في النقطة دي…”
عندما لم تجد منه ردًا استدارت اليه براسها
قائلة بغيرة….
“بس اللي مستغرباه انك متفاجئ بوجودي هنا..مع انك جاي وجيبها معاك مخصوص عشان عارف اني شغاله هنا…..”
انعقد حاجبا عاصم وهو يأسر عينيها
بغضبٍ….
“تقصدي إيه…مين دي اللي جايبها معايا…”
لوت فمها قائلة بتهكم…
“اللي كنت قاعد قصادها….بتتغدى معاها وبتحاول
تبان لذيذ اوي وياها….”
تبادلا النظرات في حرب شعواء خطرة حتى
وضع عاصم يده في جيبه قائلًا بنبرة مراوغة…
“لذيذ ؟!!….مش محتاج ابذل مجهود عشان
ابقى لذيذ زي ما بتقولي…”
أسبلت اهدابها ارضًا مرددة داخلها
بعذاب…(ماهو دا اللي هيجنني…)
سمعته يقول بصوتٍ جاف…..
“وعلى فكرة الست اللي كانت معايا بعيدًا انها اكبر
مني يجي بعشرة اتناشر سنة هي كمان متجوزه ومعاها اولاد في سنك تقريبًا….كانت عزماني على
الغدى في المطعم ده وبالمرة اديها طقم المجوهرات
اللي عملته ليها….متفكريش ان دا تبرير ليكي….”
خفق قلبها هاربة من النظرات بينما تابع عاصم
بنبرة كصقيع جمدت اطرافها…
” مش محتاج ابررلك حاجة بس عشان خيالك ميسرحش بعيد وتفكري اني بطاردك وجايبها عشان اغيظك مش عاصم الصاوي اللي يعمل الحركات دي…”
بهت وجهها وشعرت بدلو ماء يقع فوق رأسها
فجأة….
فقال عاصم بضيق…..
“وانا لو كنت أعرف من قبلها انك شغالة هنا..كنت
منعتك بالقوة….”
نهضت من مكانها تواجهه بضجر…..
“تمنعني ؟!!…وبقي حق بقا تمنعني عن شغلي….”
رد امامها بسطوة…… “بحق اني جوزك….”
قالت بتبرم…..
“بس احنا اتفقنا على الطلاق….”
“بس انا مش هطلقك….”قالها بتملك وعيناه تفترسها بنظرات…
تراجعت للخلف خطوة متفاجئة ورغم خفقات
قلبها العالية.. قالت بغضب….. “بتقول إيه ؟!!…”
تقدم خطوة ومالى عليها براسه قائلا بنظرة متشفية…
“اللي سمعتيه هتفضلي كده…لا طايلة سما ولا
أرض….”
رفعت حاجبها متعمقة بنظر اليه بحدة…وعندما
رأت الجدية والتشفي مرتسم على محياه قالت
بتحدي يبرق بعسليتاها….
“اه دا نظام عِند بقا…قرار تعجيزي مش أكتر….انا
ممكن اخلعك على فكرة…..ها اخلعك…والقانون
في صفي…..”
رد بنفس اسلوبها لكن بخشونة اخافتها…
“وانا ممكن اطلبك في بيت الطاعة وساعتها مش
هتشوفي الشارع من الشباك حتى اي رأيك…”
خفق قلبها بخوف فرفعت سبابتها امام
وجهه قائلة بكبرياء…..
“بلاش تتحداني ياعاصم مش شـهـد الدسوقي
اللي تتطلب في بيت الطاعة….”
انزل اصبعها من امام وجهه وانتفخت اوداجه
وهو يقول بصرير محتد….
“نزلي ايدك…. ولا عاصم الصاوي ينفع يتقاله اخلعك…”
تاففت وهي تقول بعنف….
“مانت مش عايز تطلق….شوية تقول هطلقك
وشوية تقول لا…اي بتلاعبني….”
قال عاصم باسلوب همجي متوعد..
“بمزاجي مش بمزاجك يامدام….طلاق مش مطلق..
وهتفضلي زي مانتي……ولو فكرتي تقربي من اي مكتب محماة هتلاقي نفسك في بيتي بأمر من
المحكمة سامعة…..”
عقدت ساعديها امام صدرها تخفي
انفعالها…
“بس انا بقا ما بيتلويش دراعي على فكرة انـ…”
قاطعها بامر صارم….
“شغلك تسبيه نهائي….عايزة تشتغلي افتحي
مشروع بالفلوس اللي معاكي وكوني حرة
نفسك…”
رفعت حاجبها متشدقة بغيظ…
“يسلام بسهولة دي…..ممكن افهم انت ليه مهتم
بشغلي هنا أو في اي مكان تاني….”
قال بعينين صقريتين حادتين….
“تقدري تقولي اني بحافظ على صورتي وصورة
عيلتي قدام الناس….مينفعش خالص مرات
عاصم الصاوي تكون شغالة عند حد….”
بهت وجهها لبرهة ثم قالت بعناد ترد له الصاع صاعين….
“قصدك اني هعرك بشغلي هنا… عمتًا انا مبقتش
من العيلة دي كل اللي بينا ورقة مسافة ما تنتهي
هتنتهي معاها كل حاجة….”
“وانا قولتلك اني مش هطلقك….هتفضلي كده لا طيلة سما ولا أرض….”قالها وهو يوليها ظهره عازم
على الخروج قبل ان يتهور ويفعل ما يندم عليه…
هتفت من بين اسنانها بتشنج….
“أناني….لو معلم بجد مش هتقبل وضع زي ده…”
توقف مكانه فور نطقها بما يهين رجولته فأبتسم
بقسوة كابح انفجاره عليها ودون الاستدارة
لها قال بسخرية مريرة….
“معلم ؟!!….معلم اي بقا بعد كل اللي عملتي
فيا…دا انتي اللي معلمة…..”
بلعت ريقها بصعوبة وكأنها تبتلع شفرات حادة مسننة
تكاد تشطر حلقها لنصفين…. راته يخرج امام عيناها الامعة بالدموع من المطبخ ومن المطعم بأكمله…
فانسابت دموعها تجري على وجنتيها ويدها على
صدرها موضع القلب الخافق والذي يتجرع الألم
كلما ازداد الهجر والجفاء بينهما….
……………………………………………………….
وضع الطبق على سطح الطاولة الانيقة أمامه مباشرة.. كان الطبق شكلًا ورائحة شهيًا يسيل
لعاب الجائع…معد بتقنيات عالية لا يقوم بها إلا
طاهٍ متمكن شغوف بما يعمل..
مد يداه ومسك الشوكة والسكين وبدا بالتقطيع والاكل بمنتهى التأني متعمق بمذاق النكهات..
حتى يقيم الطبق والطاهٍ الذي اعده….
الوصفة المعدة أمامه كانت من اساسيات المطبخ
الغربي… ولكن بها بعض المسات الجريئة قد وضع
الطاهٍ بعض الاضافات التي جعلت الوصفة في
القمة وقد اتحدت النكهات بتناغم يفوق الوصف..
وكأنه لا يطهو كطهاة انه يقرأ التعويذة على
الاطعمة لتكن مختلفة تحمل الإسم والمذاق..
انها مثل الشهد؟!….
شهد صافٍ دون شوائب حلو المذاق مقبول ولا
غنى عنه….فهو كالمعجزة سري في تكوينة
وتقبلة عند البشر !!….
ترك الرجل الشوكة والسكين بضيق ثم طرق
على الطاولة بملامح متجهمة وهو يقول…
“لو سمحت…..”
اقترب منه النادل بارتياب…قائلا
بتهذيب…
“أيوا يافندم…اقدر اساعدك إزاي…”
أشار الرجل على الطبق بملامح
محتدة…
“مين اللي عمل الاكل ده….”
قال النادل بارتياع….
“الشيف شـهـد….في مشكلة في الأكل….”
تافف الرجل وهو يقول بضيق بالغ…
“في مشكلة ومش هتتحل غير لما اشوف الشيف
دي…ممكن أشوفها….”
نظر النادل حوله وكأنه يطلب العون وهو
يقول باضطراب….
“أأ…مش عارف….بس ممكن لو الاكل معجبش
حضرتك نقدر نغيره بحاجة تانيه مع خصم ينال
رضا سيادتك…..”
كشر الرجل عن أنيابه مبدي استياءه من هذا
النادل حينها ظهر كسر صغير في سنة الناب
كان مميز وأكثر وسامة…..
“حد قالك اني عايز أغير الاكل انا عايز اشوف
الشيف اللي عملته…ممكن لو سمحت….”
تراجع النادل للخلف قائلا…
“حاضر….حاضر زي ما تحب…تحب انادي المدير….”
رفض الرجل وهو يقول بقنوط…
“مش مستاهلة الموضوع بسيط مقبلتي للشيف
هتحل كل حاجة…. ممكن….”
اوما النادل بسرعة مبتعدًا…
“اه طبعًا ممكن عن إذنك….”
دلف النادل الى المطبخ العلوي قائلا بصوتٍ
متردد…
“شيف شهد…. شيف شهد…”
قالت شهد وهي منهكة في العمل….
“ايوا يا اسلام….اديني بس خمس دقايق والطبق
التاني هيكون جاهز….”
قال النادل بزفرة قانطة….
“انا مش داخل استعجل حضرتك عشان كده…فيه
شكوى جت من حضرتك….”
رفعت شهد عيناها عليه بتساؤل….
“شكوى مني انا ؟!!…إزاي ومن مين….”
ابلغها بأسم الطبق ورقم الطاولة متابعًا…
“هو باين على الزبون انه ابن ناس ومحترم… بس
باين ان في ملاحظات عايز يبلغك بيها عن الاكل
ومصمم انه يقبلك…حتى رفض تدخل المدير
لما قولتله…..”
اتجهت شهد الى صنبور المياة وغسلت يدها
وهي تقول بأسلوب مرين…
“مفيش مشكلة يا اسلام تمام… هطلع معاك..ونادي
حد من المطبخ تحت يطلع يكمل مكاني…عشان
الزباين التانية متستناش أكتر من كده…”
اقتربت شهد من موقع الطاولة المنشودة فرأت بعينيها رجلا في بداية الثلاثينات من عمره..
كلاسيكي الهيئة وسيم الملامح طويل القامة
يرتدي حلة أنيقة فخمة….
اشارت للنادل ان يبتعد ويتركها تحل الأمر ففعل
مبتعد عنهما….عندما وصلت شهد الى الطاولة
اخرجت نحنحة أنثوية مستأذنه….
فرفع الرجل عيناه البنية عليها فقالت شهد
بابتسامة عملية….
“أهلا يافندم…. معاك الشيف شهد… في مشكلة
في الأكل….عندك اي ملاحظات؟!… ”
نهض الرجل من مكانه وهو يمد يده
لها بجدية….
“تشرفت بمعرفتك ياشيف؟…”
اكملت عنه وهي تضع يدها في يده مصافحة
إياه باسلوب عملي…. “شهد….الشيف شهد….”
ابتسم لها وهو يشير للمقعد المقابل
له….
“ممكن تقعدي عشان نتكلم…..”
نظرت له قليلا ثم للمقعد فلم تبدي اي اعتراض
وجلست مستندة بمرفقيها على سطح الطاولة
بانتظار وصبر…
جلس الرجل الوسيم أمامها ثم تنحنح بخشونة
معرف عن نفسه بهدوء….
“الحقيقة انا عندي ملاحظات بس الأول أحب أعرفك
بنفسي….طارق عياد من أحد اكبر المستثمرين في شركات ****….”
اومات شهد برأسها بتفهم فتلك الشركات تنتج
افخم وافضل المنتجات الغذائية والتي تتصدر
دول الغرب…..
“اه… أهلا تشرفنا يافندم….انا شهد عثمان الدسوقي
شغالة طباخة هنا….الطبق اللي حضرتك طلبته فيه مشكلة؟!…. ”
مالى طارق براسه مبتسمًا بدهشة وهو يتعمق بنظر
لعيناها العسلية هاتين العينين مستحيل ان يغفل
عنهما كانا مميزا ببريقهما الذهبي….
“ثواني ثواني….قولتي أسمك إيه….”
قالت بتوجس….. “شهد….”
“الثلاثي؟….”رفع طارق حاجبه وملامحها تؤكد انها هي فلم تتغير كثيرًا رغم سنوات العمر ملامحها
تدل عليها….
قطبة شهد جبينها…..
“شهد عثمان الدسوقي….. في مشكلة….”
سالها طارق بجدية محاول التأكد…
“اسم مدرستك الابتدائي كان إسمها…××××…”
اومات براسها مؤكدة… “اه بظبط……”
ابتسم بارتياح سائلا….
“كنتي ساكنه في منطقة ××× شارع رقم××..”
شق شفتيها بسمة متعجبة….
“ومزالت ساكنه فيه….هو احنا نعرف بعض…”
اشار طارق على نابه المنكسر قائلًا
بغرور….
“المفروض دي تفكرك بطارق عياد…ابن استاذ
التاريخ…. الاسكندر الأكبر…..”
اخذ منها الموقف دقيقتين تقريبًا لتستوعب ما
نطق به…..فضحكت بدهشة وهي تنظر اليه
بقوة فقد تغير جدًا عن السابق…..أصبح شاب
وسيم يافع الطول تتذكر انها كانت أطول منه
في مرحلة الابتدائي وكانت تعايرة بذلك
على الملا !!…..
قد كبر ابن أستاذ التاريخ الذي كان أقرب أصدقائها
وكان دومًا يدافع عنها في الصف..قد كبر صديق
الطفولة وأصبح من أكبر المستثمرون كما أخبرها
الان…..
وضعت يدها على فمها ضاحكة وهي
تقول باستياء…
“طارق عياد؟!!!….نفس الغرور…..”
مد يده مجددًا وصافحها بحرارة….
“الدنيا ضايقه اوي ياشهد…مين يصدق ان الصدفة
تخليني اقابل صاحبتي من ابتدائي…..وحشاني
اوي ياشهد…..”
قالت شهد وهي في غمرة الفرح من
رؤيته…
“وانت أكتر بجد مش مصدقه اني قابلتك ..دا
طلعت الدينا اوضة وصالة فعلا…..شكلك اتغير أوي…
لولا الإسم والناب المكسور مكنتش صدقت انك
انت ياسكندر…. ”
“انا بقا عرفتك من عنيكي شكلك متغيرش كتير…” ثم نظر للطعام أمامه والمكان من حوله متابع بمشاكسة…
“على فكرة مش مندهش خالص انك بقيتي شيف…انتي كنتي أحلى واحده تعمل ميكس سندوتشات في المدرسة….فاكرة…”
ادعت الحنق قائلة….
“ودي أيام تتنسي….كنت مخلص سندوتشاتي
دايما…”
ضحكا سويًا بسعادة وهم يستعيدا ذكريات
هربت مع العمر والأحبة….سالته شهد بنظرة
حنين….
“صحيح الاستاذ عياد عامل إيه ومامتك….”
لمعة عيناه بالحزن وهو يقول
بخفوت…
“تعيشي انتي….ربنا يرحمهم….”
بدى على ملامحها الحزن والتأثر بالخبر وهي
تخبره ايضًا بشجن…
“البقاء لله….العمر الطويل ليك….انا كمان مامتي
توفت…بس بابا عايش… بس زي ماهو متغيرش..”
قال طارق مندهشًا بشفقة عليهم…
“بجد…ولا حتى الزمن قدر يغيره من ناحيتكم…”
“مفيش حاجة تقدر تغير عثمان الدسوقي…المهم
انت اي أخبارك غير استثمارك في شركات ×××.
اتجوزت….”سالته بمناغشة وهي تشعر بالارتياح
في الحديث معه وكانهما لم يفترقا لسنواتٍ
عديدة…تعد عمرا بأكمله….
أردف بنظرة عابثة….. “لسه مستنيكي…..”
ابتسمت باستياء قائلة….
“ظريف يا اسكندر….عمتًا انا اتجوزت وعلى
وشك الطلاق….”
غمز لها قائلا بمراوغة….
“يعني العوض جاي في الوقت المناسب…عشان تعرفي بس…. ”
هزت شهد راسها مبتسمة ثم عادت اليه
بعيناها تسأله بفضول….
“يعني بجد انت متجوزتش لحد دلوقتي……”
ارتشف من كوب الماء بجواره وهو يخبرها
بهدوء….
“اتجوزت مرة وحصل إنفصال…كانت أمريكية مكملناش مع بعض سنة جواز وانفصلنا….”
انحنى حاجبيها بتعاطف…..”كنت بتحبها؟!!..”
ابتسم طارق بسخرية مريرة مجيبًا…
“بحبها بس….احنا فضلنا مع بعض خمس سنين…
ولما قررنا نتجوز مقدرناش نستحمل بعض سنة واحدة..”
زاد تعاطفها معه وهي تسأله…
“طب في أمل انكم ترجعوا؟!!….”
هز راسه بنفي قائلا ببرود…
“معتقدش عشان هي بقا عندها بوي
فريند دلوقتي….”
وكأنه صفعها بأدب فزمت شفتيها
باحتقار….
“واضح انك خدت صدمة عمرك فيها….”
اوما براسه مجيبًا بسعة وصبر….
“بس في مرحلة التعافي بقيت احسن…والأفضل
ان مفيش بينا أولاد فأصبح رجوع بلا عودة…”
قالت شهد بمزاح مغيرة الموضوع…
“من رأيي تدور على بنت مصرية وبلاش عقدة
الخواجة دي يأسكندر…..”
ابتسم طارق بمداعبة…
“ومالوا بدأت أفكر لما شوفتك….”
رفعت شهد عيناها للأعلى بقنوط ثم عادت
إليه قائلة بتهديد…
“تعرف لو حمزة سمع كلامك ده هيعمل فيك
إيه….”
قال طارق بتخوف وهو يشير على نابة
المنكسر….
“متفكرنيش دا ياما هراني….كل ما كنت أفكر اقرب بس منك….ولا ناسية دي…عملي عاهة مستديمة..”
قالت شهد ضاحكة….
“كان ممكن تعملها تجميل على فكرة…”
لم تزول ابتسامة طارق وهو يقول بصراحة…
“حبيت اسيبها عشان افتكرك انتي واخوكي الغتت..
قوليلي الكتكوته الصغيرة عاملة إيه…عروستي ام
عيون زرقة…..”
قالت شهد بمحبة….
“عروستك بقت محامية شاطرة وبقالها تلات
شهور متجوزة محامي معروف اسمه سليم
الجندي…..”
رفع حاجبه مندهشًا بسعادة….
“كيان اتجوزت انا فاكر ان اخر مرة شوفتها كانت
لسه في تانية ابتدائي…..”
قالت شهد بعد تنهيدة عميقة…
“ممم فاتت سنين كتير…عمر بحالة….كمان حمزة أتجوز…..وقريب اوي هيفتح مصنع خشاب
موبيليا…”
قال طارق باشتياق….
“حقيقي كان نفسي اقبلهم وقعد معاهم….بس
انتي عارفه أن انا مكنتش قريب من حد فيهم…
باستثناء حضرِتك….”
قالت شهد بالباقة….
“وحضرتي بيعزمك على الغدا بكرة اي رأيك…”
رفض طارق معتذرًا وهو يقول….
“ياريت ينفع ياشهد بس انا مسافر ….خلصت شغلي هنا واجازتي كمان وكلها أسبوع وهرجع تاني أمريكا اباشر الفرع التاني من هناك….”
قالت شهد بنظرة حزينة مودعة….
“بجد خسارة….يعني دي آخر مرة هشوفك فيها…”
قال طارق بمرح…..
“لا طبعا هنتواصل على التلفون وعلى النت…مش
هضيع الفرصة أكيد….”
اومات شهد برأسها موافقة فقال طارق وهو ينظر
للطبق الذي قضى على نصفة…
“وبعدين احنا الكلام خدنا ونسيت اديكي ملاحظات
على الأكل….”
نظرت شهد للطبق وضربت على جبينها
متذكرة….
“أيوا صح….قولي بقا إيه اللي مش عجبك في
الأكل….”
قال طارق باعجاب يمدح بها….
“الأكل هايل مفهوش غلطة….والاضافات اللي حطاها
رفعت الطبق لمستوى تاني….”
ابتسمت شهد برضا تام وهي تساله باستغراب…
“وطالما هو كده ليه خضيت الويتر وحسسته ان
في مشكلة….انت كنت عارف ان انا ؟!!…”
رمقته بشك…فهز طارق راسه قائلًا بصدق..
“لو كنت اعرف ان انتي مكنتش عملت البلبلة
دي كلها….انا كنت عايز العب باعصاب الشيف اللي
عمل الطبق ده…وفي نفس الوقت اقابله واعرض
عليه عرضي…..”
زالت ابتسامة شهد بتدريج متسائلة…
“عرض ؟!!..عرض اي بظبط مش فاهمة…..”
تريث طارق وهو يفتح مجال للحديث عن
الأمر…..
“بعد شهر من دلوقتي هتبدأ مسابقة عالمية اسمها
×××××دا تاني سيزون ليها….والسيزون الأول حقق
نجاح رهيب وأصبح ليه مشاهدين من حول العالم..”
اومات شهد براسها متذكرة هذا البرنامج
العالمي….
“عارفاها اتفرجت على حلقاتها على النت…بس
انت اي دخلك بالمسابقة دي؟!!.. ”
قال طارق بعملية وهو يشعل سجارةٍ….
“بزنس.. في بزنس بيني وبين مؤسسين المسابقة
وطلبوا مني بحكم شغلي معاهم..اني أختار شيف
مصري محترف….ينضم للمسابقة مع الشيفات
التانيه واللي هما مختلف الجنسيات…عشان تبدا
المسابقة بنفس قوة السيزون الأول…..”
ضاقت عيناها وهي تساله بشك…
“وانت بقا بتختار شيف مصري محترف
بطريقة عشوائية ؟!!..”
اوما براسه مبتسمًا…
“بظبط….طول عمرك نبيهة…”
احتدت عليه مستهجنة….
“دا إستهتار….مسابقة عالمية زي دي…وشيف هيمثل
بلدة تختاره بطريقة عشوائية….مش مصدقة…”
أوضح طارق لها وجهة نظرة بنبرة متزنة
تشع شكيمة….
“عمتًا الشيف ده هيتحط في اختبارات مكثفة
قبل ما يتحط إسمه وسط المتسابقين…ثانيا
ياصديقة الطفولة… لو الشيف محترف وعنده
شغف للحاجة اللي بيقدمها هيقدم الطبق على
أكمل وجه من غير غلطة حتى لو لزبون عادي
هياكل ويمشي..”
ثم مالى قليلا على سطح الطاولة متابع برجاحة
عقل….
“لكن انا مثلا لو عملت لجنة تحكيم أختار منها شيف
يسافر معايا للمسابقة….هتلاقي كذا شيف بيبدع عشان يثبت نفسه….لكن لو هو مبدع بالفطرة زي حضرِتك كده مش هيبذل مجهود عشان يثبت نفسه وبالتالي اختيار عشوائي أفضل من اني احطه تحت التلسكوب….”
هزت شهد كتفها مقتنعة بعض
الشيء….
“وجهة نظر تحترم….ربنا يوفقك وتلاقيه….”
قال طارق بسرعة…. “مانا لقيته خلاص….”
رفعت حاجبها بدهشة….. “مين؟!!..”
اشار عليها بعيناه قبل لسانه…. “انتي….”
هزت راسها بغباء….. “مين؟!!….”
زفر طارق بقلة صبر…. “انتي ياشهد في إيه….”
قالت بتجهم رافضة بشدة…..
“في ان العنوان غلط….مسابقة إيه اللي اشارك
فيها…..”
تعجب من رفضها القاطع….
“اي المشكلة يعني….انا شايفك بطلة السيزون التاني..”
ارجعت خصلة من شعرها خلف اذنها رافضة
بقنوط…..
“انا ؟!!….لا طبعًا مسابقة إيه اللي اتغرب وسافر
لها…واحط أمل على حاجة احتمال كبير افشل فيها
يعني مش معقول أكسب قصاد شيفات محترفة
بجنسيات وثقافات مختلفة انت بتهزر…”
قال طارق بثقة…
“اظن انك عندك خبرة مش بطالة الطبق اللي
عملتيه بيدل على كده….”
ففرت شفتيها ترمقه بملامح جافلة للحظات
ثم عقبت بذهول…..
“هتقيمني من مجرد وصفة ياطارق….وهتخليني
اقدم في مسابقة عالمية لمجرد وصفة دوقتها
وعجبتك…..أوعى تكون بتعمل معايا كده بحكم
الصحوبية والجيرة اللي كانوا بينا زمان…”
اوما طارق براسه مجيبًا بحزم….
“دا سبب رئيسي….بس دا ميمنعش انك بجد موهوبة
وانا لامس ده فيكي….وعندي ثقة كبيرة انك بطلت
السيزون ده….”
ازاداد رفضها اصرار….
“مظنش انا مش موافقة يأسكندر…”
انكمشت ملامح طارق عابسًا….
“بذمتك في حد يرفض فرصة زي دي…يعني معندكيش أحلام…هتفضلي طول عمرك شغالة
في المكان ده….”
ابتسمت بمرارة وهي تبتلع غصة تخنقها الان
عند ذكرى الاحلام ودمارها واحدة تلو الأخرى
امام عيناها…..
قالت جملة مختصرة للانتكاسات الكبرى
التي عاشتها في السابق…
“كان عندي أحلام بس ضاعت مني في الزحمة…وبطلت أدور عليها…”
لمس في صوتها صرخة وجع فقال
بتحفز…
“الحلم مش بيضيع ياشهد…دا بيفضل بيجري
في عروقنا زي المرض….وعلاجه انه يتحقق على
أرض الواقع….أكيد نفسك تحققي أحلامك….”
اومات براسها قائلة بصعوبة….
“أكيد… كان نفسي افتح مطعم في اسكندرية..
يبقا مطعم معروف في محافظتي….”
تشدق طارق متعجبًا من مدى بساطة هذا
الحلم….فهي تمتلك موهبة توصلها للقمة بلا
منازع !!….
“محافظتك؟!!…..شهد المسابقة اللي بترفضيها دي
لو كسبتيها هتوصلك للعالمية…..هتكوني من اشهر الشخصيات المؤثرة على السوشيال ميديا خصوصًا انك بنت مصرية عادية بتشارك وبتنجح في مسابقة مشهورة….هيبقا أسمك وصورتك على أكبر مجالات تخص انجزات المرأة… وهيكون أسمك من ضمن
أشهر الطهاة …”
ازداد حماسة وهو يضيف….
“دا غير انك هتاخدي مبلغ كبير من ورا الفوز يفتحلك
المطعم اللي نفسك فيه….دا غير بقا الدعاية الاعلانية
اللي هيجروا وراكي….والصحافة والشهرة…”
ضحكت شهد وهي توقفة بعدم
تصديق….
“حيلك حيلك اي دا كله…..”
أفصح طارق بجدية….
“مفكراني بقول اي كلام ارجعي للشيف اللي كسب
في السيزون الأول وهتلاقيه في خلال سنة بس
بقا حاجة تانية من ورا شهرته في المسابقة….”
اومات براسها قائلة بيأس…
“عارفاه…بس دا شيف ايطالي ومحترف….”
التوى فم طارق بسخرية معقبًا…
“شوفي مين فينا اللي عنده عقدة الخواجة…احنا
نقدر نعمل أحسن من الغرب بس شوية ثقة ومجهود….هنوصل… ”
اخفضت شهد راسها ارضًا وهي تقول بنبرة
تقطر خيبة أمل وفشل محتمل….
“انا حابه الحماس اللي انت بتكلم بيه…بس ليه متوقع اني هكسب ما ممكن أخسر وارجع يامولايا
كما خلقتني…وساعتها هتندم انك اختارتني امثل
بلدي في مسابقة كبيرة زي دي….”
قال طارق بنبرة جادة متحفزة….
“الحياة تحدي ياشهد…ومفيش حلم من غير
مجازفة….صدقيني مش هتحسي بطعم النجاح
غير لما تغامري بجد بكل قوتك….”
صمتا قليلا وهي تفكر في الحديث مليًا وعيناها
معلقة على البحر جوارها….وصورة واحدة تداعب مخيلتها تعجزها عن التفكير حتى في الامر…
فهي تعرف رايه جيدًا في عملها وان كانت تنوي
الانطلاق كالبرق في سعة السماء فهذا غير مقبول
بنسبة له….
حتى انه يرفض ان يحررها من تلك العلاقة بل
انها يربطها دون ان ترسى على البر معه…
عادت ترفض مجددًا بصلابة معتذرة…
“انا مقدرش اعمل كده للأسف مش هينفع أسافر
واسيب اخواتي وحياتي هنا….مش هينفع ياطارق
الأحسن تشوف حد أحسن مني….”
اخرج طارق تنهيدة عميقة وهو يقول بسعة
وصبر……
“عمتًا ياشهد احنا مش هنطول في أمريكا…شهر بالكتير والمسابقة تخلص قدامك أسبوع تقوليلي قرارك النهائي عشان نبدأ نمشي في إجراءات
السفر….واطمني مش هتبقي لوحدك في الغربة
انا هبقا معاكي خطوة بخطوة….فكري كويس
وقوليلي قرارك النهائي…. ”
اومات براسها بقسمات متصلبة بتشتت ثم عادت بعسليتاها لزُرقة الماء والنسيم العابر على وجهها البهي…
……………………………………………………..
دلف حمزة الى البيت ليلًا فوجد شهد تجلس على الاريكة تتفحص شاشة هاتفها باهتمام….
اقترب منها والقى سلسلة المفاتيح على سطح الطاولة أمامها فاصدرت رنة قوية جعلتها ترفع
عسليتاها اليه منتبهة الى وجوده…
“مساء الخير اتاخرت ليه كده….”
“كان عندي شغل في المصنع….” قالها حمزة بنبرة
مرهقة وهو يجلس بجوارها….
وضعت الهاتف في جيب منامتها وهي تساله
باهتمام…
“قريب الافتتاح ان شاء الله…. ولا لسه شوية…”
رد حمزة بهدوء وهو ينظر إليها…
“شوية لسه بنخلص شوية تصريحات…. انتي
اي أخبار شغلك في المطعم…. مرتاحة…”
اجابته بعسليتان متشربتان من
الحزن….
“اه جدًا مرتاحة…. واهوه بضيع وقت….”
سالها حمزة بتريث….
“عاصم كلمك….في جديد في موضوعكم؟!!….”
خفق قلبها بلوعة وهي تهرب من نظرات اخيها
مغيرة مجرى الحوار بذكاء…
“لا زي ما إحنا مفيش جديد…مسألتش عن قمر
يعني انتوا متخانقين ولا ايه ؟!…”
ارجع خصلاته الساقطة على جبينه للخلف
مجيبًا…. “يعني…..هي فين؟!…..”
قالت بهدوء…. “نايمة في اوضة كيان….”
“خليها نايمة…وخليني انا انام على رجلك زي
زمان…انا تعبان اوي وزهقان….. “سحب وسادة
صغيرة ووضعها على ساق اخته ثم توسدها
زافر بتعب…..
داعبت شهد شعره الناعم وهي تسأله
بقلق…
“مالك ياميزو….شكلك مش مبسوط….”
نظر حمزة للسقف قائلا بقنوط…
“مين فينا مبسوط ياشهد….الدنيا عمالة تاخدنا وتوديني….محدش مرتاح….”
اومات براسها باستياء وهي تقول
بعد فترة صمت….
“تعرف انا قبلت مين النهاردة….”
“مين أحكي…..”خلع ساعة يده ووضعها على
الطاولة منتظر…..
قالت شهد بوجه يشع بالحنين….
“طارق عياد فاكرة….الولد اللي كان معايا في فترة ابتدائي واختفى في اعدادي ولما سألت عنه
مامته قالت انه سافر عند عمامه….”
تذكره حمزة فورًا وهو يقول بغيرة….
“اه افتكرته….مكنتيش مصاحبه غيره اصلا في المدرسة….كان عيل رخم ولازق بغرة فيكي
يامه ضربته…. قبلتيه فين ده ؟!!…”
ضحكت شهد قائلة بترفع….
“صدفة عجيبة في المطعم….وعلى فكرة العيل
الرخم ده بقا مستثمر في شركات ××××….”
اندهش حمزة وهو يسالها بفضول….
“احلفي بقا راجل أعمال يعني….ربنا يوفقه…اتكلمتوا
في إيه بقا….وعرفك إزاي أصلا…. ”
“هحكيلك الموضوع بدأ لـ….”
توقفت عن الحديث عندما رأت باب الشقة يفتح بالمفتاح ويدلف والدها إليهما بعد فترة طويلة
من الغياب عنهم…
قد علم من حمزة عبر الهاتف بالمشكلة التي حدثت بينها وبين عاصم دون دخول بالتفاصيل أخبره انهما
على وشك الانفصال….
حينها لم يبدي اهتمام بالأمر أغلق الهاتف بعد
سلام مقتضب ولم يحضر الى هنا حتى من باب
الاطمئنان عليها فهو علم ايضًا انها تعرضت للأجهاض
وفقدت صغيرتها…..
كان قاسٍ عليها طيلة حياتها وحتى في أصعب أوقات ضعفها يكن كسياط يجلدها بلا رحمة…
اعتدل حمزة جالسًا وهو ينظر لوالده ببرود
قائلا بسخرية….
“نورت بيتك يا والدي….اي الغيبة الطويلة
دي….”
نظر عثمان لشهد موجه لها شحنة من الغضب
الأسود فاشاحت شهد بعيناها مضطربة شاعرة بالاختناق في وجوده….
رد عليه عثمان بنبرة ناقمة عليهم…
“هو فين بيتي ده مانتوا مستولين عليه…حتى
بعد ما كل واحد فيكم أتجوز… راجعين بالخيبة
تعيشوا في التكيه اللي مفتوحلكم ببلاش…”
تافف حمزة وهو ينظر اليه بحنق…
“بدأنا…هو انت ناوي تتخانق معانا ولا إيه…”
لم يرد عليه عثمان فقد علق عيناه على شهد
التي نهضت من مكانها مستأذنه.
“عن اذنكم انا هدخل أنام….”
اوقفها عثمان بنبرة مهيبة …
“على فين يابنت كريمة….مفيش نوم…لازم
نتكلم تعالي ورايا…..”
اتجه عثمان صوب غرفته وفتحها بالمفتاح ودلف إليها منتظر دخولها….ادارة راسها لحمزة تطلب
العون بخوف لتجد اخيها خلفها مباشرة داعم
لها وهو يمسك كتفها قائلا…
“تعالي نشوف عايز إيه…انا معاكي متخفيش…”
شعرت ببعض الارتياح وهي تومأ براسها بقلة
حيلة داخله الى الغرفة برفقة اخيها الذي
تبعها كظلها……
عندما وقفت امام أبيها وجوارها اخيها….قال
عثمان من خلف مكتبة القديم….
“أطلع برا ياحمزة وسبني اتكلم معاها لوحدنا…”
حك حمزة في ذقنة وهو يواجه عينا والده
بنظرة ثاقبة….
“مفيش اسرار بينا ياولدي قول اللي نفسك
في كله….انا عايز اسمع… ”
ضرب عثمان بقبضة يده سطح
المكتب….
“الموضوع ميخصكش….”
هتف حمزة بصوتٍ محتد…
“طالما يخص اختي ومن طرفك يبقا يخصني
اتكلم احنا سمعينك…..”
تافف عثمان وهو يحني راسه بضيق ثم ساد صمت قاتم بين ثلاثتهم في غرفة تحمل أبشع الذكريات..
قال عثمان بغيظٍ مشير على الباب بأمر…
“من امتى وانت بتسمع الكلمة…اقفل الباب كويس
مش عايز مراتك تسمعنا….”
جز حمزة على اسنانه وهو يتجه الى الباب مغلقة
جيدا…..ثم عاد ووقف جوار أخته التي كانت تقف
كتمثال من شمع عيناها معلقة على والدها تنتظر
إصدار الحكم الجديد عليها……
جلس عثمان خلف مكتبه ولم يسمح لهما بالجلوس
فقد استمتع برؤيتهما هكذا كالعبيد أمامه ينتظروا
تلبية اوامره !!…
نظر الى شهد بقوة قائلا بصوتٍ
أجوف….
“عاصم رمى عليكي اليمين ولا لسه….”
ازدردت شهد ريقها وهي تقول
بإيجاز…
“لسه مفيش طلاق حصل رسمي….”
قال عثمان برضا تام…
“كويس بكرة الصبح هنروح الشهر العقاري انا
وانتي عشان هتعملي للمحامي توكيل ويبدا يرفع القضية عليه… ”
جفلت ملامحها فجاة ونظرت الى اخيها بصدمة
فبادلها حمزة النظرة مشدوهًا مثلها بعدم فهم…
فعادت بعيناها الى والدها تسأله….
“محامي إيه… وقضية إيه مش فاهمة حاجة….”
قال عثمان بأمر خشن…..
“هنرفع قضية على عاصم انه ضربك وهانك
ورماكي في الشارع…”
توسعت عينا شهد وعادت خطوة للخلف بصدمة وكأنه صفعها على حين غرة….بينما احتدت نظرات حمزة بالعداء عليه وهو يسمع والده يتابع دون اكتراث لأحد….
“مش بس كده دا من كتر الضرب حصلك اجهاض وكان ناوي يقتلك….ومتقلقيش عندي كذا شاهد
يقدروا يأكدوا على كلامنا ويبصمة بالعشرة…ونقدر
كمان نجيب شهود من المستشفى اللي كنتي فيها
وتقرير ميخرش الماية عن حالتك الصحية أول ما دخلتي المستشفى…. ”
جزت شهد على اسنانها وهي تنظر اليه بعينين تشتعلان كالبراكين…..
“دانت مرتب لكل حاجة بقا…المطلوب بس مني
أعمل التوكيل للمحامي….”
أكد عثمان بصوت قاسٍ متجبر…..
“بظبط…..ولولا التوكيل انا كنت همشي في الاجراءات من غير ما ارجعلك….”
رفعت حاجبها ووأغر صدرها مشتعل بالغضب…
معقبة بضجر…..
“كمان؟!!….بس عاصم ممدش ايده عليا…ومش هو
اللي اجهاضني…الاجهاض حصل لوحده فجأة…..
كمان مش مستاهلة محاكم وشوشرة….عاصم قال
انه هيطلقني ويديني كل حقوقي وهنخرج
بالمعروف…ليه عايزني اقف قصاده في المحاكم ؟!….”
اظلمت عينا عثمان بقسوة وهو يقول بنبرة
سوداوية….
“حساب قديم وجه وقته….لازم افضحه هو وعيلته
وابهدلهم في المحاكم….ويوم ما افكر اتنازل عن القضية دي هيكون التعويض كبير….قد المهر اللي
دفعه مرتين تلاته….”
صرخت شهد بعنف….
“ومين قالك بقا اني هوافق على القرف ده…”
لمعة عينا عثمان بالوعيد وهو ينهض من خلف
مكتبه مقترب منها بشر…..
“احترمي نفسك ياقليلة الرباية….هتقفي قصادي
ولا إيه… ”
قبل ان تصل يداه اليها وقف حمزة امامه بالمرصاد
هاتفًا بغضب…..
“عندك ياولدي…..ايه ايدك سابقة لسانك علطول كده… ”
نظر له عثمان بغضب ولكمه في كتفه
قائلًا…
“اوسخ عيلين شوفتهم…..مفيش رباية…
خلفت كريمة هستنا إيه يعني….أبعد عن
وشي انت كمان….”
لم يتحرك حمزة من مكانه وقد هدر باستنكار…
“ابعد عن وشك عشان تمد ايدك عليها وتغصبها
تعمل حاجة هي مش عيزاها…..اي لازمة الأذى ما طالما داخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف….”
تحولت ملامح عثمان لملامح شيطانية
مرعبة وهو يصرخ بهما بأمر….
“محدش ليه دعوة انتوا تنفذوا وانتوا ساكتين…سامعين….”
هتفت شهد مستهجنة بغضب منه….
“لا مش سامعين انا مش هنفذ حاجة…انا هطلق منه من غير شوشرة….لا هأذيه ولا هأذي اهله…حرام عليك بقا…..سبني في حالي هو انت والدنيا عليا..”
هتف عثمان بصوتٍ بارد جمد اطرافها بمكانهما…..
“كلامي هيتسمع وهتنفذي ورجلك فوق رقبتك..
وشوفي مين هيقف قصادي….”
صرخ حمزة بصوتٍ جهوري….
“انا هقف قصادك ومش هتجبرها تعمل حاجة
غصب عنها…..”
ارتسمت طاقة سوداوية على محياه وهو
يقول بوعيد له….
“بلاش تتحداني ياحمزة…انا معايا ورقة توديك في ستين داهية….ودروك معايا جاي…..المحامي بيحضر
الورق عشان تاخد امضت قمر عليه…..ولا فاكر الفلوس والشقق اللي خدتها هتبقى لله وللوطن….”
جفل حمزة والتوى فك بألم….فتابع عثمان بنبرة
تبخ السموم….
“إياك تفكر تستكردني…..انا مفتحلك كويس أوي
وعارف انك بتلعب معايا لعبة وسخة هتخليك
تقضي عمرك كله في السجن….”
ألجمت شهد بينهم متسعة العينين للحظة ثم
سألت اخيها بوجه محتقن بالغضب والخوف
عليه….
“انت مضيت على اي ياحمزة….انطق….”
مسكت كتفه وادارته إليها فاسبل حمزة
جفنيه ممتنع عن الرد….
فابتسم عثمان بلؤم وهو يستغل النقطة
لصالح نفسه….
قائلا لها بتهديد صريح….
“أسمعي يابنت كريمة أخوكي سندك اللي بتتحامي فيه قصادي ده… ماضي على نفسه وصلة امانه
على بياض…..لو وصل للحكومة شوفي بقا هيتحكم
عليه بكام سنة سجن…فأعقلي كده واسمعي الكلام
عشان مخلكيش تتحسري عليه….”
انفجر حمزة بالغضب وهو يواجهه
بجسارة….
“انت بتضغط عليها ليه…اللي عندك اعمله…انا
مش خايف من السجن ولا من اي مصيبة
هترميني فيها…..لو كنت تقدر تحبسني كنت
عملت كده من زمان…..”
رفع عثمان اصبعه يحذره…… “أسمع يـ….”
اوقفه حمزة قائلا بشجاعة…..
“اسمع انت اي إتفاق بينا إنتهى…والورقة اللي معاك
دي تبلها وتشرب مايتها…واللي خدته منك ده حقي
وحق اخواتي البنات…لا نصبت عليك ولا سرقتك”
تبادل النظرات بتحدي وعداء وهي تقف بينهم
على بعد خطوتين تشم رائحة الحرب الشعواء
التي ستقام من خلف راسها……
فاشار عثمان باصبعه عليهم يأمرهما
بصرامة……
“اسمعوا انتوا الإتنين طالما قعديني في بيتي وشايلين أسمي تبقوا تنفذوا اللي اطلبه منكم…”
تضخم صدر حمزة وهو يسأله بغضب
أسود مقرب راسه منه….
“عبيد عندك احنا ولا إيه….”
“أقل من العبيد….”دفعه عثمان بقوة مؤكد
بنظرة شيطانية…..
تدخلت شهد بينهم وهي تبعد اخيها
عنه….
“حمزة كفاية…. كفاية عشان خاطري…”
تلك المرة وقفت أمام والدها وجعلت اخيها
خلفها وقالت بصوتٍ لا معالم به…..
“ممكن تديني مهلة أفكر…..شوية وقت وبعد
كده هعملك كل اللي انت عاوزه…”
ضاقت عينا عثمان بجفاء موزع النظرات
بينها وبين حمزة بشك….وعندما راى نظرتها
جادة خالية من التلاعب به….. أومأ براسه
قائلا بهدنة مؤقته….
“ماشي هصبر شوية بس مش كتير….عايزين
نخلص الموضوع دا بسرعة المحامي مستني…”
خرج عثمان من الغرفة ومن الشقة بأكملها بعد ان
القى عليهما نظرة جافة قاسية المعاني….
سالها حمزة بوجه مربد منفعل….
“انتي بتقولي إيه…موافقة تقفي قصاد الراجل
في المحاكم…..”
ابتعدت شهد عنه وهي تجر ساقيها جرًا الى
غرفتها قائلة بصعوبة….
“نتكلم بكرة ياحمزة….سبني لوحدي دلوقتي…”
لم يلحق بها حمزة ظل واقف في مكانه في منتصف
الغرفة يأخذ انفاسه بصعوبة والغضب متأجج
بصدره يفتك به المًا… وهو يلعن بمقت اليوم
الذي خرج به للحياة ليجد هذا الرجل والده…..
القت شهد نفسها على الفراش وهي تدفن
وجهها بالوسادة منتحبة بقوة دون ان ترفع
صوتها….
تشعر انها مقيدة بسلاسل حديدية مسننة عاجزة
عن الوقوف أمامه ومن تحتمي خلفه سيصاب
بالاذى من وراء راسها اليابس يجب ان تأخذ
قرارها سريعًا….
صعب ان تخبر عاصم بالأمر… ولن تلجأ إليه بعد
كل ما حدث بينهما خصوصًا انه اليوم أعرب عن نيته بعدم الانفصال عنها وليس حبًا بها بل يريد ان يذيقها
الذل والقهر…. معلقها في قشة واهيه مقدر
لها السقوط في اية لحظة !!….
وهذا ما تكرهه في الحياة ان تقف في المنتصف
مشوشة الرؤية لا تعرف باي درب ستسلك……
مسحت دموعها وهي تخرج الهاتف من جيب
منامتها ثم اجرت اتصال به بانامل مرتعشة
فهذا الحل الوحيد أمامها حتى تتحرر من
براثن والدها….ومخطط الانتقام الذي يرسمه
لها بتجبر لتسير عليه قسرًا….
وضعت الهاتف على اذنها وعندما اتاها صوته
قالت بصوتٍ مبحوح…
“طارق انا موافقة أنضم للمسابقة…موافقة
أسافر معاك…

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

خرجت من البناية لترى سيارته تصف جانبًا يفتح نافذتها وهو يطلع عليها أبتسمت له ابتسامة صباحية فاترة وداخلها مزالت تتجرع مرارة ليلة أمس…
لم تنم جيدًا بعد ان انهت المكالمة معه ظلت مستيقظة طوال اليل تفكر مليًا في قرارها المتسرع….
انها تشكك بالفوز بمسابقة عالمية كتلك التي
اقدمت عليها أمس بروح منهارة من ضغط الجميع
عليها….
لا تضع ذرة أمل داخلها للفوز فهي تعلم جيدًا قواعد
المسابقة الصعبة والوقت الذي يكون بمقياس المسطرة والطهاه الذين ينضموا إليها منافسون
بعضهم بضراوة الحروب…
جميعها اشياء توترها في الاقدام على تلك الخطوة
ومن المستحيل ان تواكب مهارة الطهاة الغرب بل وتسبق ايضًا بعدة خطوات للفوز ؟!!…
مزالت لا تعرف لماذا تفضل الهروب بدلا من
مواجهة والدها والتصدي إليه بامكانها ان
ترفض وتظل هنا..
لكن الحقيقة الملموسة داخلها انه تهرب من الجميع
وأولهم (عاصم)فالبعد عنه يحطم قلبها اشلاء والقرب
منه يطعن قلبها بالخناجر فلا تعرف كيف يشفى المرء ففي الحالتين هو مصاب بلعنة الوجع !!….
لذا قررت الهروب بجبن بان تسافر قليلا وتبتعد
عن موطن يجمع بينهما قسرًا….
ستسافر وتراهن على الفرس الخسران فلن يكون
أصعب من الخسائر السابقة !…
وضعت نفسها تلقائيًا على بطنها الخاوية….وفي
سهوة اللحظة تتذكر ان رحمها فرغ من طفلتها
وانها تسكن الجنة الان……
انسابت دموعها على وجنتيها فمسحتها سريعًا وهي
تكبح الألم بصعوبة……ساحبة نفسًا عميق الى رئتاها
ثم اقتربت من السيارة واستقلت بجواره قائلة
باعتذار…..
“معلش ياطارق اتأخرت عليك شوية….”
نظر لها طارق عن قرب ملامحها الشاحبة وعينيها
الحمراوان كالدماء والهلات واضحة أسفل عينيها
من كثرة الارق والحزن سالها باهتمام….
“في اي ياشهد مالك…من ساعة مكالمة امبارح
وانا متأكد ان في حاجة عندكم…حصل إيه….”
هربت من عيناه وهي تنظر للنافذة….
“مفيش حاجة عادي كنت عايز تقبلني الصبح
ليه؟…”
رد باهتمام واضح….
“مش حاجة مهمة كنت عايز اطمن بس عليكي..”
عادت اليه مجيبة بفتور….
“انا كويسة الحمدلله….افتكرتك غيرت رأيك
لما انا وافقت….”
“هو انتي دبستيني فعلًا….”قالها وهو ينظر
اليها بجدية…..
فرفعت حاجبها مندهشة فضحك طارق قائلا
بمزاح….
“متصدقيش اوي كده بهزر….انا مش شايف حد
ينفع يكسب السيزون ده غيرك..”
لوت شفتيها في ابتسامة باهته
المعاني.. “ربع ثقتك دي بجد….”
عقب طارق عابسًا….
“انا مش فاهم… انتي مستقليه بنفسك كدا ليه….”
اخرجت تنهيدة كئيبة وهي تقول بشؤم….
“مش حتة مستقلية….بس انا بطلت احلام وبطلت
حتى أفكر في الجاي…”
عقب طارق بنظرة ثاقبة…..
“دا واضح انك كنتي بتحبيه أوي….”
جفلت بتساؤل…. “هو مين ده؟!!….”
قال طارق دون مواربة…
“اللي خلى الحياة في عينك كده عشان مبقاش
فيها….”
تبسمت بحزن مشيحة بوجهها للناحية
الأخرى….
“طول عمرك لماح ياسكندر…..ممكن توصلني للشغل….”
قال بمرح يهون عليها….
“انا عايز افطر اي رأيك نفطر سوا….”
رفضت شهد بالباقة….
“لا انا فطرت معاهم فوق….وصلني انت بس على الشغل وانا هبقا اوصيهم هناك يعملولك أحلى فطار..”
ابتسم طارق بملاطفة…..
“زي ما تحبي ياصديقة الطفولة….”
انطلق بالسيارة بعدها بصمت وظلت هي عينيها على
الطريق الممتد أمامها واصابعها تلامس الانسيال
الذهبي بذهن شارد وقلب ملتاع..
(سيدة الحُسن والجمال…)بالخط الفارسي كتبت…
هديته الغالية على قلبها والتي لم تفرط بها مع الاغراض الأخرى الباهظة.. ظلت في معصمها
محتفظة بها منذ ان ارتدتها….
أنظر الى أين اخذتنا الدنيا يا(عاصم)لم اعد
سيدة الحُسن في عيناك ولم تعد أقرب
من روحي…..
ابتعدت عني بقسوة وأخذت اخر ذرة أمل داخلي
دمرتني أو أنا من جعلت دماري على يدك حق
مباح لك !!….
كان يجب ان أختار شيءٍ واحد حتى لا أتألم
بهذا الشكل….
فخلف الحب وجع ، وخلف الانتقام ثمن…وانا
أسدد الدين مرتين !….
أوغر صدره كبركان ثائر واظلمت عيناه الصقريتين
وهو يتبعها بسيارته الضخمة..يتبع تلك السيارة الرمادية التي صعدت جوار سائقها ثم انطلق بها
بعد ان تبادلا اطراف الحديث لبعض الوقت….
كان ينتظرها أسفل البنية اهدته ابتسامة صباحية
صعدت جواره ببساطة وكأنه شخص موثوق
به….تعرفه جيدًا…..
من يكون هذا….. من يكون ؟!!…
ظل يحوم هذا السؤال بعقله كمطرقة حادة تضرب
رأسه بقسوة غير مصدق ما يراه بعيناه…..
وهو الذي كان يحترق شوقًا اليها وفضل كالمراهق
الابله رؤيتها من بعيد والاطمئنان عليها….
ضرب عاصم على عجلة السيارة بغضب وهو يلعن نفسه ويلعن قلبه الذي مزال متعلق بها وكأنها اخر
نساء العالم !!….
أغمض عيناه لثواني ثم سمع صوت بوق عالٍ
ياتي بسرعة عالية عليه فتح عيناه بصدمة
وتفادى الحادث المريع باعجوبة وهو يسب
السائق ويلعن الجميع وأولهم هذا المجهول
الذي تستقل معه السيارة سيسفك دماؤه
صف طارق السيارة جانبًا ثم ترجل منها وتبعته شهد
التي توقفت بعد ان اغلقت الباب خلفها…اقترب منها
طارق باهتمام وقلق سائلا….
“واقفة كده ليه ياشهد..مش هتدخلي….”
دعكت مقدمة راسها باناملها وهي تقول
بتعب…
“ايوا هدخل….بس مش عارفه مالي دماغي
هتنفجر من كتر الصداع…..”
نظر لها مليًا معقبًا….
“شكلك مانمتيش كويس إمبارح….”
قالت بتلقائية….. “منمتش خالص….”
انعقد حاجباه وهو يقترح عليها….
“تحبي اجبلك حاجة للصداع…..او نروح نكشف
اي رأيك…..”
“مش مستهلة انا كويسة…..”قالتها وهي تبتعد عنه
خطوتين ولم تشعر بنفسها إلا وهي على وشك السقوط بعد ان التفت ساقيها حول بعضهما
فجأة…..
فمسكها طارق من ذراعها يدعمها قبل ان
تقع أرضًا قائلا…
“انتي مش كويسه خالص ياشهد…دا انتي كنتي هتقعي….”
كل هذا حدث امام عينا عاصم الذي يشاهد اقترابهما من خلال اطار السيارة السوداء الضخمة…فاندفع الغضب في اوردته كالحمم البركانية وهو يخرج
من السيارة فجأة صافق الباب خلفه بقوة….
صوت أغلق الباب القوي جعلا الإثنين ينظرا خلفهما
جافلين….
وعندما لمحت شهد وجوده واقترابه منها بملامح تنبّأ بالشر الوشيك خفق قلبها بخوف وضاعت اللهفة بين
طيات الهلع منه…تخافه بشدة !…
ومن لا يخاف رجلا كـعاصم بقوته الجسمانية وطولة
المهيب وملامح وجهه المخيفة المظلمة…من لا يخاف
نظرة عيناه الصقرية القاتلة……
اتسعت عينيها وهي تجد كل الغضب مصوب ناحية
طارق الذي لم يدرك بعد العاصفة الهوجاء القادمة
عليه……ابتلعت ريقها وهي تجده امامها وجهًا لوجه
وقبل ان تفتح فمها راته يلكم طارق فجأة هاتفًا بجملة دبت في اوصالها الرعب……
“مين اداك الحق تحط إيدك على مراتي…..”
ارتد طارق للخلف مصدوم وهو يتعرف الان
على هوية هذا المارد متجهم الملامح……
اقترب منه طارق بغضب شاعر بالاهانة….
فهتفت بتشنج….
“وانت بقا متعرفش تكلم بالسانك….مين قالك
اني لما سندتها قبل ما تقع كان في نيتي حاجة
تسيء ليها أو ليك….”
وقفت شهد بينهم متجمدة الاطراف تتابع
ما يحدث بعينين متسعتين مذهولتين..
قال عاصم بشراسة….
“وانت مين اصلا واي دخلك بيها….”
اغتاظ طارق منه فاراد ان يضربه بالكلمات….
“جارتي وبينا زمالة قديمة…عندك مشكلة…وبعدين مراتك ازاي بقا….هو مش المفروض انكم خلاص
هتطلقوا….”
جحظت عينا شهد بخوف وهي ترى طارق
يعبث في عداد عمرها هي !!…..
تطلع به عاصم بنظرة اجرامية وهو
يعقب ببرود…..
“زمالة قديمة…..عشان كده حكيالك ان احنا
خلاص هنطلق….”
نظر عاصم لها فجأة فتراجعت هي خطوتين للخلف فقال عاصم لها بغضب مكتوم…..
“ماتردي يامدام….ساكته ليه…”
استجمعت شجاعتها بأعجوبة وهي تقترب
من طارق قائلة بترجي….
“طارق لو سمحت…..امشي دلوقتي….”
لم يبدو على طارق الموافقة على طلبها فقد وجه
نظرات حانقة الى عاصم الذي يقف خلف شهد مباشرةٍ يرمقه بعدائية…ومن حولهم على بعد
خطوات أشخاص تتابع الموقف بفضول……
ربتت شهد على صدرها
بتوسل….
“عشان خاطري ياطارق…..”
جاشت مراجل عاصم بالغيرة والغضب فسحبها من ذراعها لتقع على صدره هادرًا في وجهها…
“عشان خاطرك ؟!!… انتي اتجننتي…..”
نظرت شهد لعيناه لبرهة ثم بيدها الرقيقة لمست صدره أعلى السترة وهي تقول بصوت خافت
عذب وبنبرة خاصة ترجت…..
“عاصم اهدى…..الناس بتبص علينا…..”
تبادلا النظرات بعتاب والناس من حولهما تطلع
عليهما بفضول…حتى قال طارق من خلفها
بحنق….
“عشان خاطرك انتي بس ياشهد…همشي…وهبقا
أكلمك تاني…..”
اعتصر عاصم لحم ذراعيها بيده
بغضب… “يكلمك؟!!….يعني اي يكلمك… ”
قالت بنفسٍ متهدج متألمة من هجومة الغير
ادمي عليها….
“عاصم…عاصم الناس بتبص علينا….خلينا نتكلم
جوا…. ”
بين حرب النظرات والغضب المتأجج داخل صدره
تركها بنفور وهو يشير بأمر على سيارته الضخمة…..
“لا جوا ولا برا….اركبي العربية…..يلاااا..”
اومات براسها مذعنة وصدرها يضيق مختنقة بتعب
وكأنها بدخل صندوق ضيق محكم الغلق…..
استقل السيارة في مقعد القيادة جوارها ثم أمرها
بجفاء قبل ان ينطلق بسرعة جنونية…..
“اربطي الحزام ياهانم…..”
جزت على اسنانها تبتلع غصة مريرة من هذا الأسلوب
الفظ الجاف كنظراته المتجهمة نحوها…انه يكرهها
يكرهها بشدة……
صف عاصم السيارة بمكان شبه صحراوي وقد اختاره
بعناية كي يفجر غضبه فوق رأسها….
صفق الباب خلفه بقوة بعد ان خرج….أمرها بالنزول
فترجلت شهد من السيارة تواجه العاصفة بجسارة فهي لم تنسى كل ماحدث بينهما منذ ان عرف بالحقيقة..
اهانات وتجريح…وتشكيك في اخلاقها…وصفعة مهينة… وصراخ لا ينتهي….يرفض ان يطلقها حتى تكن تحت رحمته للأبد…..ماذا يريد ان يفعل بها
أكثر من هذا…..
هجم عليها ممسك ذراعها بقوة…..
“باي حق تركبي مع راجل غريب عنك عربيته…انطقي
وبتقوليلو عشان خاطري!!…..وهو بيقولك هبقا أكلمك
وحكياله كمان اننا هنطلق…هو اي اللي بيحصل من
ورا ضهري بظبط…. انطقي…”
حاولت سحب ذراعها وهي تقول بحنق…
“مفيش حاجة بتحصل….بلاش تفكيرك المريض ده
دا كان جارنا زمان وكنا مع بعض في نفس المدرسة
ولسه شايفاه من امبارح بس…..”
رفع عاصم حاجبه متشدق بسخرية…
“إمبارح؟!!…وعشان كده ادتيلوا رقم تلفونك
وحكتيلو عن تفاصيل حياتنا…واستناكي الصبح
تحت بيتك وركبتي معاه كمان العربية….وكل ده ولسه عرفاه إمبارح بتضحكي على مين بظبط…..”
هزها بين يده بعنف صارخ في وجهها بوحشية
جعلتها تغمض عيناها بقوة وهي تقول من بين
اسنانها…..
“انا مش بضحك عليك دي الحقيقه….وبعدين انا أعرفه من زمان وهو عندي زي حمزة….شيل الأفكار
دي من دماغك….وسبني في حالي بقا….”
مسكها بكلتا يداه وقربها منه صارخ
بتملك….
“مفيش حاجة اسمها سبني في حالي…انا
حالك ودنيتك كلها……سامعه..”
اختلج قلبها بالخفقات وهي تفتح عسليتاها
المتشربة بالحزن وكسرة النفس اليه….ثم
عاتبت بتهكم….
“والكلام ده بقا من إمتى…..لما مديت إيدك عليا
ولا لما شككت في اخلاقي….ولا لما دفعت عن
طلقتك واختها قدامي وقولت قدام اخويا
ومراته انك ندمت انك اختارتني….”
هتف عاصم من بين اسنانه بضراوة…..
“انتي اللي بتعاتبي….مين فينا اللي المفروض
يعاتب التاني….مين…..”
هربت بعيناها منه مستحية….فتركها وعيناه
تقدحان شررًا….متابع باقتضاب….
“على الأقل انا لما عملت كده لاني موجوع منك..
رد فعل عن كل القلبان اللي عملتيه في حياتي..”
الجملة ضربتها في صميم قلبها فأشارت على
نفسها بصدمة موجعة….
“انا عملت في حياتك قلبان ؟!!….”
أكد عاصم بصوتٍ قاسٍ حاد…..
“واكتر بوظتي حياتي…دخلتي تخربيها اكتر
ماهي خربانه….”ضاقت عيناه وهو يسالها….
“وافقتي على جوازنا ليه مش عشان تبقى راسك
براسها في البيت وحملتي مني لنفس السبب.. ”
توسعت عينيها متصلبة الملامح فقد مات التعبير
وهي تطلع اليه مبهوتة…..
فصرخ عاصم بصوتٍ
جهوري….
“ردي انطقي ساكته ليه….”
قالت شهد ببرود كصقيع جمده مكانه لوهلة…..
“مش هبرر…مش هبرر ياعاصم….طالما انت شايف
كده يبقا خلاص انا عملت دا كله عشان اعمل
راسي براس مرات عمك…..”
نظرت حولها بضياع وهي تتمتم
بصدمة…..
“بجد انت سامع نفسك….سامع بتقول إيه….”
صاح مستهجنًا….
“سامع ومتأكد ان دي الحقيقة…..”
اقتربت منه ومسكت ياقة الحلة فجأة وسحبته لعندها بجنون صارخة بقوة كي يفهم….
“الحقيقة اني حبيتك…..حبيتك بجد… ”
نظر عن كثب لوجهها والحسن المشع منه ثم الى عسليتاها الصافية والتي رغم الفجوات الكبرى
بينهما مزال يخر امامها مفتون بسحرهما
ولمعتهما القوية……
حتى انفاسها الناعمة المنكهة بعطرها الانثوي
تداهم انفه متسللة خلسة اليه مسيطرة على
مشاعره وخفقات قلبه نحوها…..
بعد فترة صمت كان يحارب امامها مشاعره
نحوها مسيطر على مضخة قلبه القوية بقربها….
هتف عاصم بصوتٍ أجوف مهاجم….
“وانا كرهتك… مبقتش قادر ابص في وشك….”
قد تلقت طعنه أخرى في قلبها منه أشد قسوة
والمًا عن الباقية….تجمعة الدموع في عيناها
فابعدت يدها عنه بتدريج ثم اولته ظهرها
بسرعة….
ظن انه نال منها وشفى غليلة لكنه شعر بان الألم
يزداد اتساع داخل قلبه….
عادت اليه شهد بعد ان مسحت دموعها
بعصبية….
“وطالما انت كارهني اوي كده….جاي ورايا ليه …مالك ومال طارق أو غيره…..”
زمجر عاصم بغضب…..
“شكلك ناسيه انك لسه على ذمتي….”
هدرت بانفعالا….. “قولتلك طلقني وارحمني…..”
هتف بقسوة محتدة….
“ماهو عشان الطلاق رحمة ليكي….مش هخليكي تطوليه….”
نزلت دموعها امامه بعذاب….. “انا تعبت…..”
رد عاصم بجمود جاف….
“ودا اللي انا عايزة تعبك…..تعبك هيرضيني
وهيريحني…..”
هزت شهد راسها..محنية بكسرة
نفس…..
“تمام…..طالما مش عايز تطلق…يبقا انا هسبلك
الدنيا كلها وهمشي….”
قرع قلب عاصم كناقوس
خطر….
“تمشي تروحي فين ؟!….”
لوحت بيدها بتشنج….
“ما طرح ما أروح…..انت مالك….”
مسكها من يدها وقربها منه…..
“مفيش حاجة اسمها انت مالك…اعدلي لسانك
ياشهد….”
نظرت لوجهه باعياء شاعرة بان الارض تهتز أسفل قدميها..لذا طلبت منه بضعف….
“ممكن توصلني البيت انا تعبانة….عايزة أروح
أرتاح……”
نظر لها بقوة محاول التؤكد من هذا الطلب
المفاجئ والذي اتى بصوتٍ ضعيف مستسلم..
فعادت تترجاه بنظرة مجهدة….
“عشان خاطري دماغي هتنفجر من الصداع….”
“اركبي……”اشار على السيارة خلفهما فتقدمت
منها وهي ترفع كاحلها عن الأرض بصعوبة….
بعد فترة قصيرة توقف عاصم بسيارة امام المشفى…
فنظرت من نافذة السيارة بتساؤل….
“ليه واقفنا هنا….انا مش عايزة أدخل المستشفى..”
نزع حزام الامان عنه وهو يقول بأمر….
“مش هتروحي كده….ادخلي اكشفي عشان
أطمن….”
ترجل من السيارة امام عيناها فزمت شهد
فمها مستهزئه…..”وكأن يهمك أمري….”
بعد لحظات كان يستند بظهره على الحائط خلفه
وعيناه معلقة عليها وهي تجلس على المقعد معلقة
في وريد يدها إبرة (محلول.) وضعتها لها الطبيبة
بعد فحص مكثف…..
نتج عنه انه تهمل في طعامها وترهق نفسها فكريًا
وجسديًا حتى فقد جسدها بعض العناصر المهمة
التي سيعوضها الدواء عن طريق الوريد…..
تبادلا النظرات لفترة زمنية بعمق وعتاب حتى وجزة عسليتاها منسحبة وهي تطرق براسها ارضًا ومزال حديثة يخترق اذنيها كرشاش متطاير قاتل…..
أسبل عاصم عيناه متنهدًا بخشونة ناظرًا الى كف يده
حيث الانسيال الذهبي الذي نزعته لها الطبيبة حتى
تتمكن من وخز الإبرة في يدها….
ظل يطلع عليه بنظرة متجهمة متذكر اليوم الذي
اهداها به كم كان مدله بحبها وهو يطلبها للزواج
للمرة الثانية بعد ان قللة منه في المرة الاولى ورفضته !..
حتى أول هدية بينهما تشتبك بحدث يود ان
ينساه معها…..
أين كان عقله وهو يتعلق بها يومًا بعد يوم غارق
في عشقها كالمغيب عن الواقع..اين كان عقله !…
“ممكن تديني الانسيال…..”
اخترق صوتها الموسيقي المجهد ظلام أفكاره الموحشة نحوها…. فرفع عيناه المتجهمة عليها فبلعت شهد ريقها وهي تشير على حقيبتها…
“هات احطه في الشنطة….عشان منسهوش
معاك…..”
كان يود ان يجادلها يجرحها.. يؤلمها بقسوة لكن
قلبه لم يطاوع غضبه…فكان الإعياء والحزن
يطل من وجهها الشاحب….والأبرة في وريد
يدها توخز قلبه لرؤيتها بهذا الشكل….
اقترب منها واعطاها الانسيال الذهبي فاخذته
وخبأته في حقيبتها باهتمام مبالغ….
حينها خفق قلبه بلهفة اليها وهو يطلع عليها
سائلا برفق….”حاسه بتحسن….”
اومات براسها دون ان تتلاقى بعيناه وكأنها تعلن
عليه حرب البعد والعقاب أكثر من السابق !..
………………………………………………………….
خرج من الحمام وهو يجفف يداه بالمنشفة رافع
عيناه عليها حيث الفراش فوجدها جالسة عليه
ممدده الساقين تضع الحاسوب امامها وتتابع بعينين
مشدوهتان وفم فاغر بانبهار أحد الدراما الكورية…والتي تفضل مشاهدتها ليلا..
توقف قليلا يتأملها عن بعد خطوات بملامح عاشقة
منبسطة وعينين مبتسمتان بالحب….
مر أكثر من شهرين على زواجهما.. تغير في حياته
الكثير روتينة تبدل من شيءٍ ممل بلا قيمة…الى
حياة تزدهر يومًا بعد يوم معها….
اعطت للحياة معنى.. بتغريدة الوصال أصبح مدلة
بحبها….وبزقزقة الصباح المزعجة ادمن وجودها
شقاوتها رقتها….خصامها منه…. ورضاها عنه…
أصبحت تمثل له العالم بأكمله….
حتى البيت الذي عاش لسنوات دون امرأة بعد
وفاة والدته كان تحت رماد الماضي مدفون
أصبح اليوم منيرًا ومعطر بعطرها يدل عليها
وفي كل زاوية ذكرى تخصها…وكأنه هواها سرًا….
أقترب سليم منها ودثر نفسه جوارها جالسًا ينظر
الى ما تنظر إليه….. ليرى مشهد فراق حزين بين البطل والبطلة….نظر الى كيان ليراها تترقرق
الدموع بعيناها وهي تضع الفشار في فمها
وتمضغه ببطء متمتمه كالعادة تتحدث مع
الابطال عبر الشاشةوكأنهم يسمعونها
وسينفذوا نصائحها !!…
“حرام عليك ياكيم ليه تسيبها ليه ياخويا…طب
والله بتحبك…..ياختي اعترفي بقا بالحقيقة دمي
اتحرق عشانكوا….”
ادار سليم وجهه للناحية الاخرى يكبح ضحكته..
فسمعها تقول بقهر…
“سبتيه ياختي….يلا اهو هيروح للحربوئه اللي بتلف
عليه… وابكي انتي بقا على الاطلال….انا حطيتك
أصلا في البلاك لست بطلة تموت في ضيق التنفس…..”
عاد سليم ينظر اليها فراها تنظر للشاشة بتدقيق
وعضت على شفتيها قائلة باعجاب…
“اللي عملك الفرومة صنايعي….”
انتبه سليم لجملتها فنظر للشاسة ليرى البطل
قد نزع القميص عنه ووقف أسفل صنبور المياة….
والهانم تحدج به وكأنها لم تجد رجلا جذاب
بعضلات يومًا ؟!!….
نظر سليم لذراعيه العضلية القوية وصدره المشتد العريض ثم عاد إليها بنظرة مشتعلة بالوعيد أغلق
الحاسوب فجأة على أطراف اصابعها فصرخت متأملة..
“آه ايدي ياسليم…..في إيه… ”
قال سليم بخشونة….
“مفيش حاجة مش هنام ولا إيه….”
قالت بتبرم وهي تنوي فتح
الحاسوب مجددًا…
“انا عايزة أكمل الحلقة….”
نزع من يدها الحاسوب ثم وضعه بجواره ومعه
طبق الفشار ثم قال بتسلط وأمر….
“كمليها بعدين…..عندنا شغل الصبح بدري في المكتب… وبعدين الاب دا بتاع الشعل وعليه
حاجات مهمة….”
زمت كيان شفتيها بحنق مغتاظة….
“وانا مالي ومال الحاجات اللي عليه..وبعدين انا بقالي فترة بستعمله ليه جاي تعلق عليه دلوقتي…”
رمقها بنظرة قاتمة مؤنبة وهو
يقول….
“اهو كده…مش هنام بقا ولا إيه…..”
دققت به متعجبة من أمره الذي انقلب
فجأة….
“انت بتبصلي كدا لي ياسليم ؟!!..ومضايق
اوي كده ليه…”
رجعت كيان بظهرها للخلف قليلا متوجسة منه
لتراه امام عيناها الفيروزية المرتابة ينزع عنه
فانلة الحمالات الرمادية مستعرض نفسه قليلا
وهو يحرك ذراعيه وينفخ صدره العريض امامها….
“انت بتعمل إيه ياسليم؟!!….”
سالته وهي ترمش بعيناها بتأثر انثوي فهذا الوسيم بسمارة المهلك وجسده الفتي يقضي على حيائها في أقل من ثانية فتظل تحدق به بهيام…
“بفكر أروح الچيم….”مالى سليم عليها بنظرة
جذابة اخترقت قلبها كسهام الحب….
بلعت ريقها وهي تقول بارتباك….
“انت اوريدي بتروح الچيم….”
قال بوسامة تغرقها في الهوى…..
“بفكر ازود يومين كمان….اي رأيك…”
اشاحت بوجهها مجيبة…
“مش محتاج على فكرة….”
ضيق عيناه مستفسرًا….
“يعني الفورمة مظبوطه….”
عادت اليه مندهشة الملامح معقبة بعد
ان أوضح سبب حنقه منها….
“اه قول كده بقا…..بتغير يعني من كيم…”
اثارت حفيظته فقال سليم بغيرة محتدة…
“كيم مين اللي أغير منه….اسمعي انا بدات ازهق
من الكوري ده…غيري نشاطك واتفرجي على اسباني
او هندي….”
ابتسمت كيان وهي تستقبل غيرته المجنونة بترحاب…
” انا بدأت فعلًا اتفرج على أفلام أبيض واسود مع
عمو مصطفى….بجد في شوية قصص تاخد منهم موعظة.. والاسلوب في الكلام راقي حقيقي شابو
لعمو مصطفى اختياره للافلام فوق الوصف…”
اثلجت قلبه بردها ولا يعرف لماذا غضب وكيف
هدأ لكن ما يدركه انه عقب بوقاحة……
“دا بنسبة لعمو مصطفى…طب وابن عمو مصطفى..”
اقتربت منه بدلال واحاطت عنقه بكلتا يداها
قائلة بنعومة…
“مالو ابن عمو مصطفى….دا غيور اوي…بيغير من ناس متعرفش اني موجوده على الكوكب أصلا….”
لم يعقب سليم فكان يغرق في بحرها العميق
الأزرق وشفتيها الوردية التي تتحرك باغواء…
تاهت عيناه على تفاصيلها المليحة جسدها
الغض الأبيض..مكتنز المفاتن والملتف في منامة
حريرية وردية….وجهها البهي الناضر وشعرها
البندقي المنساب خلف ظهرها بنعومة…
ارتبكت كيان من تلك النظرات الشهوانية فقالت
وهي تنزع يداها…..
“ممكن تلبس هدومك عشان متبردش….”
منعها من الابتعاد مثبت يداها حول عنقه
وقال بعبث مرح….
“طب ما تدفيني انتي اهو ينوبك فيا ثواب…”
توهج وجهها وتدللت…. “سلييييم….”
دفن وجهه في جيدها طابع القبل الحارة
عليه….
“مُزتي…… ماتيجي نكمل الحلقة قبل ما ننام….”
ابتسمت بحب مغمضة عينيها بضعف تاركه نفسها
اليه يجذبها فوق السحب الناعمة عليها تترك العنان
لمشاعرها وجسدها يبوح له خلسة بمدى اشتياقه
لتلك اللحظات وبانه مولع بملذات هذا القرب !…
…………………………………………………………
في صباح اليوم الثاني تحسس بكف يده الفراغ
بجاوره ففتح عيناه بتكاسل وصوت المنبه كالناقوس
يخترق مسامعه في نغمة مزعجة عالية…..
اعتدل في نومته وهو يمسح على عيناه الناعسة ناظر للغرفة من حوله ليراها فارغة منها….لم يأخذ الأمر إلا ثوان وعلم اين تكون الآن….
تعد الفطور مع والده ككل يوم تكن في صحبة والده
في هذا الوقت تساعده في إعداد الفطور يتشاكسا
ويتحدثا في أمور عدة…..
تنهد سليم وهو ينهض عن الفراش مستعد لأخذ
حمام وارتداء ملابس العمل قبل الخروج اليهما…
في المطبخ كانت ترتدي طاقم كلاسيكي بني اللون
مطرز بشكلا أنيق محتشم على قدها بفخامة عريقة
وكانها ذاهبة لأستلام منصب كبير في الدولة وليس
في مكتب محماة بجوار زوجها….
يتشاركا المكتب معًا لا تتركه لحظة تعمل معه في نفس الغرفة…ورغم انه اعطاها مكتب خاص إلا
انها تفضل العمل معه طيلة ساعات اليوم….
ليس فقط تسلط منها في الحقيقة هي تستفاد
بتلك المشاركة تنمي نفسها عمليًا وتكتسب
خبرات قانونية أكتر…..
ان سليم الجندي كتلة من النشاط والذكاء في مجال القانون ورجلا مثله يجب ان يتم الأغتنام منه بقدر
كبير بمعرفته الواسعة….
وهي تفعل فهي ايضًا تحب مجالها وفكرة ان تتزوج
بسليم الجندي حظ سعيد لكنها بداخلها تتمنى ان تواكب نجاح زوجها وتثبت نفسها في مجالها أمامه وامام نفسها قبل اي شيء…..
كانت ترتدي مريول المطبخ فوق ملابسها وتفرغ
بعض المعلبات الى الاطباق بينما رائحة الفول
الشهي الذي يعده المستشار يفتح شهيتها أكثر
من المعتاد…..
“ياسيدي ياسيدي….أحسن واحد يعمل فول بالطماطم….”
قالتها كيان وهي تقترب منه واقفة امام الموقد
معه…هذا الرجل أصبح يمثل لها الكثير لديه من
الحنان والابوة ما يجعلها تتعلق به يومًا بعد
يوم وكأنه الأب الذي اهداه لها القدر بعد
حرمان وعناء سنوات……
قال المستشار بمناغشة….. “بكاشة من يومك..بقيت
حافظك خلاص…..”
قالت كيان بتلقائية وعفوية جميلة كأبنة
تدلل والدها……
“طب والله العظيم ولا اجدعها شيف ياعمو…انا مكنتش بحب اصلا الفول بس من ساعة ما كلته
من إيدك مبقتش تكمل وجبة الفطار غير بيه…
قولي بقا هتديني الوصفة امتى…”
قال المستشار وهو يقلب في الإناء….
“مش محتاج وصفة مانا عملته قدامك كذا مرة…”
علت ملامحها الاحباط وزمت شفتيها
مجيبة…..
“ايوا بس انا لما عملته مطلعش نفس الطعم…
واضح اني معنديش نفس في الأكل…انا مستاءه
يامستشار… ”
ضحك المستشار وهو يطيب خاطرها بالقول
الحسن…..
“بعد الشر عليكي من الاستياء ياحبيبة المستشار…
انتي نفسك في الأكل لا يعلى عليه كفاية طاجن اللحمة بالبسلة اللي عملتي إمبارح كان هايل..”
لمعة عيناها كالنجوم بتساؤل…
“بجد عجبك…. دا سليم قال انه ناقص ملح…
وناقص سوا…..”
انكمشت ملامح المستشار بعدم
رضا…..
“قوليلو أعمل زيه انت بس….وساعتها تعالى
أتكلم….”
ضحكت كيان واضعه يدها على فمها بدهشة….
فدخل سليم اليهما بعد ان سمع جزء من الحوار
فقال بعتاب لوالده….
“مش مصدق انك بتقوي قلبها عليا…كده ياسيادة
المستشار….دا انا ابنك حتى….”
قال والده وهو ينظر اليه
بمحبة…
“نقول صباح الخير الأول…..”
اقترب منهما سليم بزي الرسمي الانيق وقال وهو يوزع النظرات عليهما وخص كيان بنظرة مؤنبة وجدت صداها في صدرها فلا تعرف مما هو غاضب ؟!….
قال سليم بهدوء وهو يوزع عيناه على الاطباق
التي تم تحضيرها ككل صباح….
“صباح الخير عليكم….اي الفطار الملوكي ده…”
رد المستشار بفخر وهو يشير الى كيان….
“اي رأيك عمايل مراتك….ست بيت شاطرة
خلصت في اقل من ربع ساعة الفطار….”
ابتسمت كيان بحرج قائلة برقة…
“انت كمان ساعدتني ياعمو….دا كفاية طبق
الفول اللي بتحضره….هروح أحضر السفرة…..”
ابتعدت كيان عنهما مغادرة المطبخ….
فقال سليم بعتاب طفيف…
“ينفع الكلام اللي قولته دا يادرش…..”
حمحم والده بخشونة متحدثًا بجدية….
“ينفع ونص حاول تكون ذوق مع مراتك…وحتى لو الاكل في عيب صغير… أحاول أعرفها بطريقة شيك
متجرحش بالعكس تدي حافز ان المرة الجاية هتاخد
بالها وتعمل الحاجة أحسن من كده….”
برر سليم بدفاع…. “طب مانا عملت كده…..”
ابتسم والده غير مصدق..
“مش باين يامتر أكيد قولتها خبط لزق انت ابني
وانا عارفك…”
ابتسم سليم وهو يميل للناحية الأخرى
متعجبًا…..
“انا مش فاهم انت ضدي لي يابابا…بذات في
اي حاجة تخص كيان….”
لكزه والده قائلا بعينين تفيضان بالحنان…
“بطل غيرة….البنت تستحق اكتر من كده….وبعدين
انا بقوم بدوري كأب ليها…وانت قوم بدورك كزوج..”
انعقد حاجباه معقبًا….
“دا اللي انا بعمله والله…هي كيان اشتكت مني….”
“محصلش يامتر دي مجرد نصيحة…..”اولاه والده
ظهره وهو يغلق الموقد….ثم اضاف والده بتذكر..
“على فكرة انا مش هبقا موجود معاكم على
الغدا النهاردة….”
ساله سليم باستغراب… “لي كده هتروح فين…..”
استدار اليه والده قائلا بهدوء وهو ينزع
المريول عنه…..
“هروح ازور أمك وبعدها هروح لأسماعيل صاحبي
عازمني على الغدا…هتغدى معاه وهكمل السهرة
عنده…”
صمت سليم قليلا ينظر الى والده قبل ان يقول
بهدوء مستفسر بتريث…..
“زي ما تحب يابابا…بس انت بقيت بتتحجج كتير
بالخروج….لو مش حاسس انك مرتاح انا ممكن
اخد شقة برا…..انت عارف اني بعت الشقة بتاعتي
وفلوسها موجوده في البنك ممكن اشتري شقة
قريبة منك….”
رفض والده قائلا بنبرة جادة حانية….
“مجاش اوان الكلام ده ياسليم….انا لو مش مرتاح
هقولك هتكسف يعني….الفكرة اني بقيت بزهق
من قعدت البيت فبحب أغير جوا في شارعنا
القديم مع معرفي وصحابي….”
دخلت كيان اليهم في تلك اللحظة قائلة وهي
تبدأ في حمل الاطباق الى السفرة….
“واقفين كدا ليه…مش ناوين تفطروا…..”
ثم قالت لزوجها الذي يوليها
ظهره….
“يلا ياسليم هنتأخر على الشغل….”
التف ثلاثتهما حول مائدة الإفطار بدا يأكلا
بصمت وكيان تأكل بشهية مفتوحة من طبق
الفول بالطماطم…..
قال سليم بملاطفة…..
“على مهلك محدش بيجري وراكي ياعصفورة..”
قالت كيان بعفوية محببة….
“الفول طعمة خطير….انا مش عارفه انت ازاي
مش بتاكله !…”
رد سليم بهدوء…..
“مليش تقل عليها بيتعب معدتي…كلي انتي
بالف هنا… ”
اومات كيان براسها بتفهم وهي تقول
لوالده…..
“تسلم ايدك ياعمو بجد….طعمه يجنن….”
“بالف هنا ياحبيبتي..”ابتسم المستشار لها
بحنان ثم عاد الى ابنه بالحديث سائلا
باهتمام…
“واي اخبار الشغل في المكتب الجديد
ياسليم….”
رد سليم بهدوء….
“الحمدلله يابابا كله تمام….رجعنا الموكلين تاني
ومكان المكتب الجديد عنوانه أتعرف….”
ابتسم والده مستحسنًا….
“كويس ربنا يوفقكم ياولاد….”
“الحمدلله…سفرة دايمه…. ”
قالها سليم وهو يمسح فمه بالمناديل ونهض
عن المقعد مهندم الحلة الرسمية الانيقة وباليد الأخرى يمسك حقيبته السوداء…..
نهضت كيان خلفه قائلة وهي تنظر الى الاطباق
على السفرة…..
“انا كمان شبعت….هلم الدنيا دي وهاجي وراك
على ما تطلع العربية من الجراچ….”
بدأت تلملم الاطباق مبتعدة الى المطبخ تبعها بعيناه
قليلا ثم عاد ينظر الى والده قائلا وهو يميل عليه مقبل يده قبل المغادرة…..
“عايز حاجة يابابا مني….”
ربت والده على كتفه قائلا برفق….
“لا ياحبيبي عايز سلمتك….خد بالك من نفسك
ومن مراتك بلاش تتكا عليها في الشغل….انت
شايف المسئوليات اللي عليها هنا….”
اوما سليم براسه مقبل قمة راس والده….انه
مثال لرجل القانون العادل في مهنته وحياته
مثال لرجلا يتمنى ان يكون عليه يومًا !…
بعد فترة قصيرة استقلت كيان السيارة بجواره
وبين يداها كوب حراري اعطته له قائلة بحنو….
“القهوة بتاعتك….قولت طالما مستعجل
اعملهالك تشربها في السكة….”
“تسلم إيدك جت في وقتها….”اخذ الكوب منها وارتشف القليل ثم أدار محرك السيارة وانطلق بعدها…
وعم بينهما صمتٍ غريب…مما جعل كيان
تنظر اليه سائلة بغرابة…
“ساكت ليه ياسليم في حاجة مضايقاك…”
رد بايجاز حانق….. “انتي….”
توسعت عيناها جافلة…وسالته ببراءة….
“اخص عليك انا عملت إيه….”
زم فمه متذمر كالاطفال…..
“ابدا…..كل يوم تهربي مني الصبح اصحى القيكي مش جمبي….”
قالت بوجنتين متوردتان فاهمة مقصدة….
“طب اعمل اي ياحبيبي مش بحضر الفطار مع باباك…..”
حانت منه نظرة اليها شغوفة بها ثم عاد للطريق
معاتبًا….
“مينفعش تأجلي الفطار ده شوية….على ما اخد الاصطباحة بتاعتي…..”
تملكت خفقات قلبها العالية وهي تقول
بتبرم…..
“اي المصطلح ده انت عايش في غرزة…”
قالها بجدية…… “متغيريش الموضوع…”
رمقته ببراءة كالحمل الوديع…”عايز إيه ياسولي….”
وامام براءة عيناها انهزم الغضب من جديد فقال بحرارة….”عايز اخطفك من تاني ونبعد….”
ضحكت برقة قائلة بعدم تصديق….
“اللي يسمعك يقول ان احنا مش بنقعد مع بعض
دا احنا في البيت والشغل سوا….”
رد بايجاز خشن…..”مش كفاية ياعصفورة….”
قالت كيان بتوله حار……
“الرومانسية دي خطر على قلب عصفورتك…
وبعدين معاك…..”
مسك يدها ورفعها الى فمه مقبلها وهو يقول
بنبرة ثائرة بالمشاعر…..
“بحبك ياكيان… بموت فيكي…عايزك تكوني أول
حاجة أفتح عيني عليها وآخر حاجة اشوفها
قبل ما أنام….”
احنت وجهها بخجلا وقالت بنبرة خاضعة
للهوى…..
“اومرك يامتر….بعد كده مش هتحرك من جمبك
غير لما أقولك…كده راضي معاليك…”
“أوي…”قالها وهو يومأ براسه وبنظرة من عيناه
أرسل لها رجفة قوية في سائر جسدها…
رجفة تؤكد كم هي عاشقة لهذا الرجل بكل
جوارحها….
……………………………………………………………
دلفت الى المطبخ فوجدته يقف عند الموقد يقلب
في ركوة القهوة…..
زمت شفتيها بحنق وهي تتجه الى المبرد لتخرج
منه الطعام التي ستبدأ بطهية….
مرا أكثر من أسبوعين وهما لا يتحدثا مع بعضهما
مايثير غيظها انه هو من يمتنع عن الحديث معها
مخاصمًا…وكأنها هي من اخطأت بحقه وليس هو
من خانها مع أخرى بالتحدث عن العودة والزواج
مرة أخرى….
لمدة اسبوعين كاملين تحترق على صفيح ساخن من شدة الغيرة…تتمنى ان يكون صادق في حديثه فهي
لن تتحمل طعنة أخرى منه….
التفتت إليه لتجده يسكب في الفنجان القهوة
الذي اعدها لكنه في لحظة تأوه بصوتٍ مكتوم
وهو يترك الركوة بعد الانتهاء….
“اتلسعت؟!….”
سالته وهي تقترب منه بتلقائية واهتمام…أشاح
بعسليتاه عنها رافض النظر اليها وهو يقول
باقتضاب…
“محصلش حاجة….”
قالت قمر بنظرة مترددة…..
“تحب أعملك فنجان قهوة تاني…القهوة اللي انت
عاملها من غير وش….”
رد حمزة بملامح واجمة….
“مش عايز حاجة منك…انا بشربها من غير وش..”
أوغر صدرها بالغيظ فقالت
“مش عايز حاجة مني!!..وانت كمان اللي زعلان؟!.”
تافف حمزة بحنق وهو يستدير لها….
“قمر….اصطبحي وقولي ياصبح.. ”
مسكت ذراعه وهي تصيح بتشنج….
“لا مش هقول ياصبح….اي الجبروت اللي انت
فيه ده…دا بدل ما تحاول تبرأ نفسك قدامي زي
ما قولت….فين المكالمة اللي قولت هتسمعهالي
كاملة….ولا كان كلام وانت فعلا عايز ترجعلها
وتجوزها….”
رمقها حمزة بعينين محتقنتان بالغضب…فقالت
هي بصدر مشتعل…..
“أكيد عايز ترجعلها مانتوا كده متحبوش غير اللي بيكرفكم واللي يبيع ويشتري فيكم…. تموته
فيه…..”
جز حمزة على اسنانه محاول تحمل انفعالها عليه
فهي تطاول بالسان وباليد وفي كل مرة يكبح
غضبه باعجوبة عنها….
تحدث بهدوء يحسد عليه….
“انتي عايزة تتعاركي يعني ولا إيه….مش قولت سبني في حالي ياحمزة ومتقربش مني..اديني
عملت كده عايزة إيه تاني….”
امتقع وجهها غضبًا فصرخت بصوتٍ
عالٍ..
“عايزة أطلق…..ممكن تطلقني….”
في لحظة كان يلتصق بها حاجز خصرها بيد
والاخرى تكمكم فمها مهسهسًا بصوتٍ مهيب….
“وطي صوت أمك ده….مش عايز حد يسمع بينا..”
جحظت عيناها بغضب وهي تحاول التملص منه
بعنفوان….وعندما راها هكذا سحبها بالاجبار
الى الغرفة….
أغلق الباب عليهما ثم حررها فلكمته قمر في كتفه
بغضب هائل صائحة….
“متجبش سيرة امي على لسانك واحترم نفسك….”
القاها حمزة على الفراش بقتامة…
“مش لما تحترمي نفسك انتي الأول وتستعملي
لسانك وايدك صح….بدل مانتي طايحه بيهم عليا..”
ادارت وجهها اليها فصنع شعرها الغجري فوضى
جميلة حول وجهها المحتقن لو لم يكنا على خلاف لقال قصائد في هذا الجمال المتمرد……قالت قمر
بكراهية….
“ياسلام وعايزني اسكت لما اسمع خيانتك بوداني
ولما سألتك اكدت ما نكرتش…انا بجد عايزة أطلق
مبقتش قادرة استحمل… ”
اخرج نفسًا متململا وهو يقول بجمود….
“معلش اتكي على نفسك واستحملي شوية كمان…”
اطبقت على اسنانها بقهر…..
“انت بنادم مستفز…..وجودك بقا بيعصبني…”
اردف بوجوم وعيناه تغرق بها دون
عودة…..
“وانا متجنب سيادتك الفترة دي كلها عشان
معصبش جنابك…..”
نهضت من مكانها بتشنج…. “انت بتهزر؟!!…”
لوح بيده بملامح متجهمة جافية….
“انتي خليتي فيها هزار…مد ايدك ولسانك الطويل
معدش ينفع يترد عليهم بهزار….”
ابتلعت ريقها واخفت توترها وهي تتخصر
قائلة بتمرد……
“مضايق أوي من رد فعلي..بس مضايقكش اللي عرفته عنك واللي وصلني….”
رد باستهجان…. “اللي وصلك ده نص الحقيقة….”
رمقته شزرا معقبة بقرف…..
“ونص الحقيقة هو انك عرضت عليها تبقوا
مع بعد من غير جواز ؟!!….”
مسح حمزة على وجهه محاول السيطرة على
رابطة الجأش….متحدثًا بصدق….
“نص الحقيقة اني كلمتها فعلا…بس مكنتش أعرف انه رقمها….ولما بدأت ترخص نفسها قدامي هزقتها
وقفلت معاها….”
سالته قمر بتشكيك…. “والكلام اللي قولتله ليها….”
قال حمزة بوجوم مستهتر….
“كلام في الهوا….كنت قاصد اوجعها و أزلها شوية..”
قالت بكبرياء متقرح من كثرة استهتاره
بها…. “وكرامتي ومشاعري ؟!!….”
نظر حمزة لبنيتاها ليجدهما تلمعا بدموع على
وشك الإفصاح عنها الآن…..فاقترب حمزة منها
ووضع يداه على كتفها قائلا بنبرة هادئة لكنها
قوية المعاني حارة العواطف….
“مفيش حد مسهم…انتي الوحيدة اللي في قلبي..
وانتي متاكدة انا بحبك قد إيه ومش عايز غيرك..”
انسابت دموعها وهي تبادله النظرة بعدم
تصديق….فاضاف حمزة ما بخاطره….
“المكالمة كانت تصفية حسابات قديمة مش أكتر…عشان أقفل الباب في وشها نهائي وتعرف
اني لا عايزها لا في حلال ولا في حرام…..”
مد يده ومسح دموعها باصابعه هامسًا بصوتٍ
أجش..
“حتى لو مش واثقة فيا اوي كده… المفروض
تكوني واثقة من نفسك …”
اخيرًا تحدثت بضياع مؤلم….
“انت اللي هزيت ثقتي في نفسي…مبقتش فهماك
ولا فاهمة انا عايزة إيه…..”
احاط خصرها بيده مقربها منه ثم مالى على اذنها
هامسًا بصوت حار يذيب الجليد عن قلوبهما….
“بس انا بقا عارف انا عايز إيه…انتي بس اللي
مش مديني فرصة ياقمراية….”
كان يود تقبيل وجنتها لكنها امتنعت بكبرياء
محتقن بالألم…فزفر حمزة باحباط وهو يحررها
من بين يداه واجمًا بالقول…..
“خليكي براحتك ياقمر…بس انا مش مسامح في
اللي بتعمليه فيا…”
خطى خطوتين نحو الباب وقبل ان يغادر من
الغرفة قال بخشونة….
“انا رايح المصنع…وعلى فكرة انا بعتلك المكالمة كاملة على الوتساب….ابقي اسمعيها كويس لو
مش مصدقاني….”
غادر وتركها تقف في منتصف الغرفة الفارغة
من حولها مجمدة الاطراف تمتلئ حدقتاها
بدموع الحسرة بينما قلبها يختلج بالخفقات
منادي الحبيب بلوعة ان يتريث ويشفق عليه…
كلما حاولت الفرار من تلك العلاقة تجد نفسها مقيدة
في اللا نهاية معه.. وكلما اوهمت نفسها بانها في يدها النجاة منه ، تستهوى العذاب في احضانه !!…
اضناني العشق يامعذبي…وفي القاع انا أسقط…..
…………………………………………………………
تافف بحنق وهو ينزل على إدراج السلم بعد ان
علم بان المصعد في الصيانة اليوم….
أجرى اتصال بصديقة وهو يهبط على الدرج برشاقة
مرتدي طاقم شبابي أنيق مصفف شعره الأسود للخلف..ويضع عطره المفضل….فواح الرائحة..
قد وصل رذاذ العطر الى انفها بعد ان فتحت
باب الشقة تسترق النظر على السلالم بانتظار
نزوله فهذا معاده منذ أكثر من اسبوعين وهي
تراقبة على هذا النحو من بعيد تسرق النظرات
إليه من خلال شرفة الشقة…
واليوم المصعد في الصيانة كما علمت من حارس
العقار صباحًا…..وهذا انسب وقت لرؤيته ومواجهة
مشاعره نحوها….
فهو مزال يحبها…تعلم انه مستحيل ان ينساها بتلك
السرعة انه ارتبط بأخرى حتى ينساها وأكيد فشل
في هذا…..وإلا كان اخذ موقف ضدها بعد المكالمة الصوتية التي ارسلتها لزوجته….
لماذا لم تتركه وتطلب الطلاق مزالت معه…عديمة
الكرامة….تاخذ ما ليس من حقها….هو من حقها
هي حبيبها وخطيبها وقريبًا سيكون زوجها
ويتجدد الوصال بينهما رغم انف الجميع…
فتحت باب الشقة واغلقته خلفها ثم وقفت عند
الباب في كامل اناقتها وجمالها تنتظره وعطره
الفواح يسبق حضوره امام عينيها….
عندما طل امام عيناها بطلة فروسية خلابة…تراه
في عيناها المتلهفة اليه..الفارس الشجاع الذي سيأخذها على ظهر جواده ويرحل بها عن هنا
ينسيها الماضي الاليم وما تعرضا له معًا…
“حمزة…”همست باسمه بنبرة متعذبة مستنجدة
به….
رفع عيناه منتبه لوجودها أمامه مما جعل وجهه
يحمر غضبًا وعيناه تبرق بقساوة نحوها فانهى
المكالمة مع صديقة قائلا…
“خلاص ياسلطان…لما أروح هشوف الدنيا وابلغك
بالجديد….تمام سلام ياصاحبي…..”
وضع الهاتف في جيب بنطالة ثم تابع طريقة
للنزول على الدرج متجاهل وجودها لعلها تجد
ذرة كرامة لديها تمنعها من اعتراض طريقة
مجددًا….
“حمزة….استنى انا بكلمك….”
توقف في مكانه والغضب يجري في عروقه كالحمم
البركانية….يود الانفجار في وجهها فهو تحمل منها
الكثير قد افسادت في السابق حياته وفضلت عليه
رجلا آخر وهي ترتدي خاتم الخطبة…
وقد تدمر حينها لفترة ليست بقصيرة وعندما بدأ يتعافى مع المرأة الوحيدة التي مالى قلبه لها بكل جوارحه بدأت مخطط جديد بافساد حياته مجددًا بعد ان وجدت اختيارها السابق دون مستوى
توقعاتها واحلامها….
المرة الأولى سمح لها بدمارة لكن الثانية لن يسمح
بهذا فـقمر تعني له الكثير وضياعها منه تلك المرة
سيكون بضياع روحه وهو يريد الحياة واقتناص
السعادة منها….فهو تعب بشدة ويريد ان يرتاح
بين احضان القمر في ليالٍ تضوي بوجودها
معه تاركه العنان لمشاعرها كي تعبر عن مدى
عشقها له..
التفت حمزة لها ناظرًا لها بعينين تبرقان بالتقزز..
ازدردت نجلاء ريقها وهي تحفز نفسها انه لن
يقاوم كثيرًا سحرها كما كان في السابق…
“ينفع نتكلم سوا….في مكان قريب من هنا…”
قال حمزة بتهكم…
“ونتكلم مع بعض بمناسبة إيه….”
قالت نجلاء بوهن…..
“بمناسبة رجوعنا ليه بتكابر ياحمزة….انا عارفة
إنك لسه بتحبني….”
التوى فمه بسخرية سوداء….
“وإيه اللي مخليكي متاكدة اوي كده…عندك اثبات
اني لسه كدة….”
نزلت دموعها محاولة التأثير عليه….
“مش معقول تكون نستني….انت قولت انك
مستحيل تنساني…”
زفر حمزة مغتاظ من تلك المخلوقة اللزجة…
“قولت….زمان قولت كده…دا قبل ما تشوهي صورتك
في عنيا واكتشف اني كنت مخدوع فيكي…”
نزلت دموعها وهي تقول بصوتٍ متهدج…
“انا اللي اتخدعت ياحمزة انت ليه مش قادر تقدر
اني كنت مضغوطة من الكل….انا مغلطش….”
نظر حمزة حوله متافف شاعرًا بسوء بالوقوف
معها هكذا…..فقال بصرامة…
“وانا مش واقف معاكي عشان أعاتبك…فات وقت
العتاب يابنت الناس…فات وقت كل حاجة صدقيني
انا مبقتش زي الاول….”
سالته بضعف ازاء نظرات عيناه….”يعني ايه….”
هتف بنظرة محتدة وبملامح جافية….
“يعني ابعدي عني…وشوفي حال سبيلك…انا لولا
انك واحدة ست انا كان هيبقا ليا تصرف تاني
معاكي….
انتي عمالة تحومي حوليا وتخربي حياتي
وانا ساكت وصابر عليكي وبقول دلوقتي تعقل
وتخلي عندها كرامة وتبعد عني وعن مراتي..”
جفلت نجلاء من طوفان الغضب الذي
عصف فجاة من حولهما…وقد شل لسانها
بمكانه وتعالت خفقات قلبها بوجع….
فتابع حمزة بنبرة نارية حازمة….
“بس توصل بيكي انك توقعي بينا وتبعتي
مكالمة كفيلة بانها تخرب حياتي وبعدها تقابليني
على السلم عادي وكأن مفيش حاجة حصلت لا وعايزه تتكلمي في رجوعنا تاني…دا اي البجاحة
دي انتي مفكرة عشان سكتلك ابقى عويل ومش عارف اوقفك عند حدك…..”
رفع اصبع التحذير مهدد بصوت عنيف…
“انتي عارفة كويس اني لو حطيتك في دماغي
همشيكي من اسكندرية كلها مش من العمارة
بس فاتقي شري…وتلاشيني وكأني ما دخلتش
حياتك أصلا….. ولا انتي شايفه إيه….”
مسحت نجلاء دموعها وهي تهتف
بضغينة…
“معنى كلامك انك بتحبها….”
اشاح حمزة وجهه بعيدًا عنها مغمغمًا بكلمات
نابية….ثم عاد اليها يقول بنفاذ صبر….
“بموت فيها يانجلاء بعشقها…ومش هسمحلك
تفرقي بينا….خلي عندك شوية من الأحمر بقا
وابعدي عني..انتي زنانه ليه هو الحب بالعافية..”
توسعت عينيها بحرقة قائلة بغل….
“دلوقتي بقيت زنانه…دا انت كنت بتتمنى تـ….”
قاطعها قائلا بملل قبل ان يغادر….
“كُنت…والله كُنت دلوقتي مبقتيش تستعنيني..ولا
تفرقي معايا….صباحك زي وشك سلام….”
شعرت نجلاء بمرارة الهزيمة وهي تراه يبتعد عنها
ببساطه متسرب من بين قبضة يدها مما جعلها
تهدر بتهور….
“وربنا ما هسيبك ليها….هشوهلك وش
أمها عشان متعرفش تبص في وشها تانـ…”
توقف حمزة مكانه على الدرج شاعر بطعنة
غدر تخترق ظهره فور نطقها بما أمَرَّ من
الموت عنده…
عاد اليها في لمح البصر قبض على عنقها دافع
ظهرها الى باب شقتها المغلق….وبعسليتان مشتعلتان
بالخطر هسهس امام وجهها المرتعب….
“ورحمة امي كلمة كمان وهبلعك لسانك….انتي هبلة
يابت اقسم بالله لو فكرتي تلمسي شعره واحده منها
لتكون نهايتك على ايدي…..”
رغم الخوف قالت بتملك…
“اللي يرشني بالماية ارش بالدم…انت بتاعي انا
ملكي حبيب انا…..”
ترك عنقها بتقزز مبتعد خطوتين وهو يقول
باشمئزاز مستفزها…
“يابت انتي مفيش عند امك ذرة كرامة دم حتى
ما قولتلك فضناها مبقتيش تلزميني…هي اللي في قلبي…وهي اللي شايلة أسمي…فكك مننا بقا
وارجعي لعقلك أو ارجعي لجوزك وخلصينا منك….”
قبل ان يغادر حذرها للمرة الأخيرة من التلاعب
معه…
“دي آخر مرة هتكلم بيها بالساني….المرة الجاية
مش هعمل حساب للجيرة…وانك واحدة ست…”
غادر حمزة امام عينيها الغاضبة وصدرها الممتلئ
بالضغائن نحو تلك الـ….
رفعت عيناها للاعلى بكراهية حيثُ الطابق العلوي…
…………………………………………………………..
بعد عدت أيام دلف حمزة الى الشقة بعد ان اتاه
اتصال من والده يطلب منه الحضور الان فورًا
كان يبدو من صوته انه في ذروة غضبه…منفعلا
ويهدر عبر الهاتف بجنون… مما جعل حمزة ياتي
على وجه السرعة منفذ أمره خوفًا على شقيقته
وزوجته من بطشه….
وقف حمزة أمامه ملقي سلسلة المفاتيح جانبًا وهو
ينظر الى قمر التي تقف خلف والده تفرك في يداها
بتوتر ومن ملامحها المرتابة علم ان الأمر ليس بهين
فسال والده بجفاء….
“في اي اللي حصل….جيبني من برا على ملى
وشي كدا ليه……”
انقض عليه والده يمسكه من ياقة قميصة
سائلا بصوتٍ غاضب….
“وديت أختك فين….. خفتها عني فين….”
انعقد حاجبا حمزة بعدم فهم…..
“انت بتقول إيه…ما كيان في بيت جوزها
هخبيها عنك ليه…..”
ازدادت ملامح عثمان شراسة وهو يهزه من ياقة
قميصة بعنف هادرًا بنفاذ صبر….
“ايوا أستهبل يابن كريمة استهبل…انتوا كنتوا بتشتغلوني بقا….قعدت تقولي هنفذلك اللي انت
عايزة بس اديني وقت وبعدها القيها فص ملح
وداب…لمت هدومها وطفشت…ودتها فين انطق..”
اتسعت عينا حمزة بصدمة وقرع قلبه بقلق
كجرس إنذار وهو ينزع يد والده عنه بقوة…..
“شهد مشيت….مشيت راحت فين؟!!…”
هاجت مراجل عثمان بعنف….
“انت جاي تسألني انا….ما تسأل نفسك
خفتها عني فين… ”
“معرفش انا معرفش حاجة….”صاح امام وجهه أبيه بعد ان احترقت اعصابه خوفًا على أخته…فنظر
الى قمر بتساؤل….
“شهد فين ياقمر….. انطقي…”
قالت قمر بسرعة متوترة….
“والله ما أعرف…انا صحيت ملقتهاش في اوضتها
قولت أكيد راحت المطعم…..بعد كده وانا بنضف
الاوض دخلت اوضتها ولقيت دولابها فاضي ومعظم
حاجتها مش موجوده….وقتها جه خالي وسأل
عليها فقولتلو انها مش موجوده لا هي ولا هدومها…
هو دا كل اللي حصل….”
ظل حمزة مكانه يفكر للحظات بصدرٍ مشتعل
واعصاب مشدودة…..
“ممكن تكون راحت لعاصم ؟!!!…بس إزاي من غير
ما تقولي….هتصل بيها… ”
اخرج هاتفه واجرى اتصال بها…فقالت قمر
باحباط…..
“احنا اتصلنا لقينا تلفونها مقفول…..”
ظهر بصيص الأمل في عيناه وهو
يقول… “لا مفتوح بيرن أهوه….”
تنفست قمر بارتياح قليلا وهي تدعو….
“طب كويس يبقا أكيد شبكة…ان شاءالله
تكون بخير وطمنا عليها….”
ابتعد عثمان خطوتين للخلف وبملامح قاسية
كالصخر تمتم بوعيد خطر……
“لما أشوفها والله لاكسر رجليها اللي خطت بيها
برا البيت….لما أشوفها بنت كريمة….بتشتغلني انا
بتسجدني بالكلام لحد ما ترستق امورها وتهرب…”
صاح حمزة بنفور وهو يعاود الإتصال
بها…
“اسكت بقا….كل اللي بيحصلنا ده بسببك انت…”
هتف عثمان ببغض…..
“بسببي انا ياشويه اغبية…مش عارفين مصلحتكم
فين….”
لوى حمزة فمه ساخرًا بقتامة….
“مصلحتنا احنا ولا مصلحتك انت….”
“انت بترد عليا يابن**……”اقترب عثمان منه بغضب
ينوي بطشه لكن قمر وقفت بينهم حائل وهي تقول
بمهاودة لينة…
“الله يخليك ياخالي أهدى كده واصبر أما
نشوف شهد راحت فين ربنا يطمنا عليها..”
هتف عثمان بصوتٍ قاسٍ مسنن…..
“ربنا ياخدها ويريحني منها كانت خلفة شؤم
عليا…حتى يوم ما حبيت استفيد من وراها
بوظت كل حاجة بغبائها خلفه *…..”
إدارة قمر وجهها الحانق الى حمزة الذي كان يقف على بعد خطوتين منها…
هذا الرجل لا يطاق….
قسوته تبث في نفسها رجفة مشمئزة محتقرة لكونه
من سلالة البشر….فماذا عن اب يعامل ابنائه بمنتهى الكراهية والمقت…..
تعمقت بنظر الى حمزة الذي يقف منتصب الجسد
لكنها تشعر بذبذات انفعالة وعجزة عن الوصول الى أخته في تلك اللحظة…..
لا تعرف جيدًا مالشيء الذي دفع شهد للهروب من البيت لكنها متأكدة انها وضعت في أمر يصعب
تحمله فهي عاشت تلك التجربة أكثر من مرة
وتعلم صعوبة ان يلجأ المرء للهروب بدلا من المواجهة والتصدي….
أما انها اضعف من ان تخوض الحرب…او ان عدوها
في الحرب حبيب له ركن في قلبها لم يمحى آثره بعد ؟!!..
الهروب ليس حلا لكنه الحل المؤقت لخمود
الحروب !!….
كانت تقف في المطار عند ساقيها تقف حقيبة
السفر الكبيرة تتابع من بعيد طارق وهو ينهي
بعض الإجراءات المتعلقة بهما…
الطائرة على وشك الاقلاع بعد دقائق تقريبًا…نظرت
من حولها بشرود قد اتت الى هنا سابقًا متجهة الى
أحد المدن السياحية الخلابة…اتت معه وكانت لأول مرة تصعد على متن طائرة…كانت لأول مرة تسافر وبرفقة من…زوجها من تسرب اليها خلسة وسلب
منها قلبها ثم أدار وجهه مبتعد عنها….
أخبرها انه يكرهها…مزالت تتأرجح بين تلك الحقيقة
المُرة هل أراد ان يتسبب في ايلامها بهذا القول انتقام على ما فعلته..ام انه الاعتراف الأمثل بعد
ما تعرض له من خداع على يدها….
معترفة انها اذنبت في حقه وانتقامها دفعها لفعل
ما يهين كرامته كرجلا يمتلك الهيبة والسلطة بين
الناس….رجلا اعطاها اكثر مما تمنت فخذلته على
حين غرة….
لو يعلم انها ضعفت امام رغبتها في الانتقام وسارت
على درب الشيطان دون بصيرة…لو فقط يعذرها ويصدق انها تراجعت امام حبه لها وامام حملها
منه تراجعت وأخذت عهد على نفسها انها ستكون
له ولأبنتها وتنسى قواتم الماضى لأجله هو…
لو صدق دوافعها ما كان استنثناها من حياته بهذا الشكل المهين…
انسابت دمعة حارة من عيناها فمسحتها سريعًا ويدها
تمسد على بطنها الخاوية مجددًا…ناسية انها فقدت
كل شيءٍ في طرفة عين….
اقترب منها طارق وهو يدفع عربة الحقائب قائلا
بهدوء…
“يلا ياشهد كله تمام….نقدر نسافر دلوقتي….”
اومات براسها وهي تسير جواره الى ساحة الاقلاع
لكنها توقفت فجأة ونظرت إليه وكأنها تراجعت في اللحظة الاخيرة شاعرة بندم بأنها ستسافر دون ان تخبر أحد…ماذا سيكون رد فعل شقيقيها ان علما
فيما بعد….
فهي حتمًا ستفتح هاتفها الان فور صعودها الطائرة
ستخبرهما قبل ان تحلق في السماء….
توقف طارق ايضًا ينظر اليها بغرابة سائلا
بريبة…..
“في حاجة ياشهد…وقفتي ليه؟!..”
بملامح باهته وعسليتان فاقدتان بريقهما
قالت بتراجع مترددة….
“انا خايفة….حاسة ان اللي بعمله دا غلط….”
قطب طارق جبينة متحدثًا بتحفيز….
“اي الغلط في انك تسافري عشان تحققي نفسك
في مكان تاني….طالما حاولتي هنا وفشلتي ليه
متجربيش فرصتك في مكان تاني….مش يمكن
تنجحي….”
زفرة نفسًا مختنق من صدر ثقل من كثرة
الهموم والأحزان….قالت بعد فترة بقنوط….
“ويمكن أخسر انا مبقتش قادرة اضمن حياتي
حتى عشان اضمن نجاحي…..انا خايفة أخواتي
يزعلوا مني وياخده على خاطرهم اني سافرت
بشكل ده…خايفة اخسرهم…زي ما خسرت كل
حاجة….”
فهم طارق هذا الاضطراب التي تحياه الان
لذا قال بصوتٍ حاني مشفق…
“كان ممكن تقوللهم…وتخلي حمزة يسافر معاكي
كمان….بس انتي قولتي اني في مشاكل بينك وبين
والدك اضطرتك تسافري من غير ما تقولي لحد..مش
كده….”
اومات شهد براسها وهي ترجع خصلة من شعرها للخلف…. مبتلعة غصة مريرة في حلقها الجاف….
أردف طارق بهدوء حاني…..
“مش عارف اقولك إيه…بس أكيد زعلهم منك مش هيطول مصيرهم يصفوا….لما يعرفوا انك كنتي مضطرة….اهم حاجة تطمنيهم عليكي…..أكيد
قلقانين دلوقتي…”
اومات براسها بملامح شاحبة وعادت عيناها تطلع
على باب الخروج خلفها بضياع….
فنظر طارق الى باب الخروج مثلها لثوان
معدودة ثم عاد اليها قائلا بترفق جاد…
“لو مش عايزة تسافري…تقدري ترجعي…أكيد
مش همنعك ولا انا خطفك…دا بزنس وعرض
عرضته عليكي…..وليكي حرية الاختيار في
الرفض أو القبول..”
التزمت شهد الصمت لثوان أخرى امام عيناه المنتظرة قرارها الأخير…..
ثم سحبت أكبر قدر من هواء الوطن الرطب
باشتياق وهي تعود اليه بنظرة حاسمة لأمرها
قابضة على ذراع الحقيبة بيدها بقوة وهي
تقول بحزم…
“لو مش موافقة مكنتش جيت لحد هنا…انا
بس اتوترت شوية أصلي أول مرة أسافر
بطريقة دي…..”
عادت وسارت بجواره بهدوء فقال طارق
بنظرة معتذرة….
“انا بعتذرلك على اللي حصل مني الأسبوع اللي
فات صدقيني هو اللي استفزني….وظن فيا
السوء…انا كنت بحاول اساعدك مش اكتر…”
غامت عينيها بالحزن وهي توما براسها دون
النظر اليه قائلة…..
“عارفة….متشغلش بالك اللي حصل حصل…انا اللي بعتذرلك عن اللي حصلك…..هو احيانا لما بيفقد اعصابة مش بيشوف قدامه…..”
“واضح… واضح ماهي لسه سايبه آثر…..”أشار طارق على فكه متذمر الملامح…….
فابتسمت شهد بين طيات الالم تبسمت عنوة
عنها….فقال طارق بمناغشة يريد ان يقشع
عنها الحزن والهم قليلا……
“قوليلي لحد امتى هفضل اضرب عشان خاطرك..
زمان كان اخوكي مستلمني مسافة بس ما أرفع
عيني عليكي والنهاردة جوزك عشان بس سندتك
قبل ما تقعي…..الدور الجاي على مين؟!!…”
ازدادت ابتسامتها جمالًا….فصدق من سماها
سيدة الحُسن فحتى قواتم الحزن تنهزم أمام
وهج حُسنها الساطع…
قالت شهد بمناكفة….
“انت وحظك بقا…..المهم تخليك بعيد….”
قال طارق بهيام زائف…. “ياريت أقدر….”
احنت شهد راسها مستاءة منه
معقبة….
“كلامك ده اللي مضيعك والله…شكلي هقرأ
عليك الفاتحة قريب…. ”
بعد لحظات قد صعدا على متن الطائرة وجلسا
جوار بعضهما اخرجت شهد الهاتف من حقيبتها
ثم إنارة الشاشة وهي تنظر الى طارق الذي
قال بهدوء وهو يشير بعيناه على هاتفها…
“اتصلي بيهم وطمنيهم عليكي..قبل مالطيارة
تطلع الجو…….”
أضاء الهاتف فجاة بين يداها باتصال من اخيها فهوى
قلبها ارضًا وانتفض جسدها برهبة…عجزت عن الرد
قد اصيب لسانها بالشلل فجاة وطارت المقدمات المرتبة من ذهنها والتي كانت تحضر لها منذ
يومين ، ماذا ستقول إذا ؟!!…
وهي تهرب لبلد أخرى بعيدة….دون ان تخبره أو تشاركه خطوة مهمة كتلك….فهذا حلمها الذي حلم
به معها وتمنى ان يراها تحققه على أرض الواقع
لم يقف حمزة يومًا امام رغباتها..سواء الدراسة او العمل كان يدعمها في كل خطوة تخطوها ويسعد لنجاحها لكن اليوم ستأخذ أول خطوة جادة نحو
الحلم دون ان يشاركها في الأمر كما اعتادا…..
تدخل طارق برفق يحثها على الرد….
“شهد ردي على التلفون دي خامس مرة يرن
عليكي….لازم يطمن….كده هيفكر ان جرالك
حاجة لا قدر الله….ردي عليه وطمنيه….”
اومات براسها بملامح مضطربة وهي ترفع الهاتف
على اذنها حاسمة الأمر وهي تنطق بصعوبة…
“الو….”
(انتي فين ياشهد…)
نطق بها حمزة باعصاب تحترق على الجمار في وقفة
متأهبة…..
قالت وهي تنظر من نافذة الطائرة الثابته مكانها
كثبات صوتها رغم انتفاضة قلبها…
“انا في الطيارة…”
(طيارة؟!!…طيارة إيه مش فاهم….)
قالها حمزة عبر الهاتف وهو ينظر الى والده
وزوجته……
فاجابت شهد بعد لحظة صمت حارقة
لروحها…..
“انا مسافرة أمريكا ياحمزة…هشارك في مسابقة
معروفة ليها علاقة بمجال الطبخ….واضاف اسمي
من ضمن المشتركين….”
توسعت عيناه وانتفض جسده بغضب محتد
عليها….
(وازاي متعرفنيش حاجة زي دي…وازاي تسافري اصلا لوحدك…مش المفروض اكون عارف..هقف
قصاد نجاحك يعني….كنت هبقا معاكي خطوة
بخطوة….زي ما تعودنا…وزي ما وعدتك زمان..)
لسعة الدموع عينيها فقاومت باعجوبة وهي
تقول بتبرير….
“متصعبش الموضوع عليا ياحمزة…انا مش مسامحة
نفسي لحد دلوقتي اني بعرفك بالطريقة دي…بس انت عارف ان مكنش قدامي حل تاني….”
علت ملامحه علامات الاستفهام…. معقبًا
بتساؤل….
(انا مش فاهم حاجة…انتي مسافرة عشان المسابقة
ولا عشان المشكلة اللي حصلت مع ابوكي….)
قالت بغصة مختنقة… “الإتنين…..الاتنين ياحمزة….”
قال حمزة بمهاودة بعد فترة صمت…
(ممكن ترجعي….عشان نتكلم….ارجعي وانا
مش زعلان منك بس ارجعي….)
تماسكت بعناد….
“مش هينفع الطيارة هتطلع خلاص….”
انفعل حمزة فجاة وهو يضرب الحائط
بقبضة يده….
(شااااااهد….اللي بتعمليه دا غلط مفيش واحده
محترمة تسافر ومن ورا أهلها ولوحدها كمان…
وكمان جوزك لو عرف هيكون اي رد فعلة..)
انفعلت هي ايضًا بتعنت…
“مبقاش جوزي احنا خلاص هنطلق….”
هتف حمزة من بين اسنانه بضيق….
(محصلش طلاق لحد دلوقتي…أكيد دا لفت نظرك
انكم مصيركم ترجعوا لبعض…)
هتفت شهد بكبرياء…..
“مش هرجعلو ياحمزة…موضعنا انتهت خلاص…”
تعالت انفاسهما معًا في حرب شعواء حتى
قال حمزة بصبر….
(تمام…ارجعي عشاني انا اعملي خاطر ليا يابنت
امي وابويا وانزلي من الطيارة…)
رفضت شهد وهي تمسح عبارتها الهاربة من
مقلتاها…
“مش هينفع….انا خلاص مسفرة انا بس حبيت اطمنك عليا…لما أوصل هبقا اكلمك على النت..”
تشنج حمزة حتى انتفخت اوداجه بشدة
وهو يهدر بصوتٍ جهوري….
(نت إيه وزفت إيه…. مش هتسافري ياشهد انزلي
بس من الطيارة وخلينا نتفاهم… انا دقايق وهكون
عندك….)
ترجته شهد بوهن….
“بلاش تعمل كده ياحمزة عشان خاطري..الله
يخليك….”
اغمضت عينيها بخوف وهي تسمع صراخه
عبر الهاتف منفعلا بشدة….
(الله ياخدني ويريحني…. لو كنت غالي عندك مش هتعملي فيا كده…تسافري إزاي لوحدك فهميني
ارجعي واسمعي الكلام ونبقا نسافر سوا بعد ما اخلص اوراق سفري….)
رفضت وهي تقول بشجن….
“مش هينفع المسابقة هتبدأ كمان يومين…ولازم
أعمل اختبارات قبلها… عشان اتقبل بشكل
رسمي….”
سالها حمزة بصوتٍ صارم….
(إسمها اي المسابقة وهتبقا فين بظبط….)
“الصوت بيروح وبيجي…. ألو… انا مش
سمعاك… ألو……”اغلقت الهاتف بسرعة
وهي تمسح وجنتيها تأخذ انفاسها
بصعوبة….
تشعر بان معدتها انتفخت من كثرة الاضطراب
والتشنجات والضغط الذي تحياه منذ أشهر…
بعد فترة من اقلاع الطائرة وبعد ان هدأت قليلا
سالها طارق بهدوء…..
“ليه مقولتيش لاخوكي انك مسافرة معايا… عشان
يطمن اكتر…..”
التوى ثغرها في ابتسامة ساخرة….
“كان هيقلق اكتر…. دا حمزة…. ولا انت عشتك
في امريكا نستك مين هو الراجل الشرقي…..”
احتج طارق مدافع عن نفسه…..
“انا كمان راجل شرقي بس مش محبكها زيهم..عمتا
كده أحسن ضمنت صف سناني….”
اشار على صف أسنانه الناصعة والناب المكسور
الذي يميزه بوسامة من نوع آخر….
قالت شهد دون ذرة
مرح….
“ضمان مؤقت ياسكندر….”
ابتسم لها وهو ينظر للمقاعد الممتلئة بالركاب
فحثه فضولة على سؤال جديد….
“أول مرة تركبي طيارة؟!….”
التوى ثغرها في ابتسامة صغيرة مجيبة…
“لا ركبتها قبل كده مع عاصم…كنا رايحين نقضي
شهر عسل….”
رفع حاجبه مندهشًا….
“بجد… وروحت فين بقا….”
اجابت بهدوء….. “سويسرا تحديدًا في (…)…”
علت السخرية ملامح طارق…..
“بجد ؟!… مش باين عليه انه رومانسي يعني….”
اشارت على نفسها بظفر مغوي….
“هو رومانسي معايا انا بس….”
ابتسم طارق معقبًا بمراوغة….
“عنده حق بصراحة….”
اشاحت شهد بوجهها للنافذة بصمت دون تبسم
او رد…..فقد شردت بعيدًا عنه في الخطوة
التي اخذتها دون الرجوع لأحد….
إذا كان هذا رد فعل حمزة… ماذا ان علم عاصم بالامر ؟!..
على الناحية الأخرى…
صاح عثمان بصدمة يسأله…
“يعني اي سافرت لوحدها… مسابقة إيه دي انطق…”
ارجع حمزة شعره للخلف منفعلًا….
“قولتلك معرفش دا اللي سمعته منها… ولما حاولت
أعرف اسم المسابقة والمكان اللي هتروح فيه… مقالتش حاجة…. كل اللي عرفته ان المسابقة
في امريكا فين في امريكا معرفش….”
جلس عثمان على المقعد بملامح قاسية محتدة
فصاح حمزة ببغض…..
“كل اللي حصل دا بسببك انت… لو مكنتش اتكلمت
وقعدت تهددنا مكانتش هتسافر كده.. ولو كانت ناويه على السفر كانت هتقولي من قبلها….”
“قـمـر…”نادها حمزة فقرع قلبها بجنون وهي تنظر
اليه فأمرها بنظرة ثاقبة….
“روحي حضري نفسك عشان هنروح على شقتنا…اللي كنا قاعدين عشانها مشيت خلاص….”
عندما ابتعدت قمر من امامهم قال عثمان
باقتضاب…..
“يعني هتسكت… هتسيب اختك كده…”
نظر حمزة للسقف وهو يزفر بتعب ثم عاد اليه
قائلا بقنوط محتد….
“هحاول اوصلها…أكيد انت مش خايف عليها…كل اللي يهمك امضتها على توكيل للمحامي عشان تبدا
ترفع القضايا وتفضحنا وتفضح جوزها وعيلته اهي
سبتلك البلد كلها افضح اللي يعجبك….بس وهي
برا الصورة…..كده أحسن حتى لو سافرها مش
جايا على هوايا….”
لفهما الصمت القاتم وكلا منهم ينظر للاخر
بعداوة……
بعد فترة ليست بقصيرة خرجت قمر من الغرفة
مرتدية ثوب خروج أنيق وحقيبة ملابسهما بين
يدها قالت بهدوء…..
“انا جهزت ياحمزة….”
“اسبقيني على برا….”أشار لها على الباب بأمر
غليظ…..
ثم عاد بعسليتاه القاتمة بلمعة اجرامية
الى والده….قائلا ببغضًا وحنق…..
“امتى بقا تفوق…وتعرف ان احنا خلاص مبقناش صغيرين…..مبقاش بيجي على هوانا تحكماتك واومرك وظلمك لغيرك…..احنا كلنا ضيعنا من
بعض بسببك وبسبب انانيتك وكرهك لينا….”
خرج حمزة امام ابصاره مغلق باب الشقة بقوة
خلفه تارك عثمان ينظر للفراغ بقتامة وغضب
شيطاني…..
……………………………………………………………..
كانت تطهو امام أعين الحكام وصفة بمعايير معينة
يتمكن الحكام من خلالها بتقيم مهارتها في الطهي كي تقدم في المسابقة بشكلا رسمي ويضاف إسمها
بين أكبر المحترفين في مجال الطهي لتخوض امامهم حرب من نوع آخر اسلحتها بالنيران والسكاكين والنكهات جنود المعركة وعلى القائد
ان يحرك جنوده نحو العدو بذكاء ومهارة….ويضع
خطة محكمة قبل ان يجازف بهم !!…
كانت تتمتع بشغف عالي في الطهي….هادئة ورزينة
وكل خطوة بحساب مسبق….
اعطوها مدة معينة لاعداد الطبق للشخص العادي
تكن المدة أقل من الممكن انجازه بها.. لكن لطاهية
مثلها تعرف كيف تستغل كل دقيقة بذكاء وفروهة
كما اعتادت في الدراسة والعمل….
علت وجوه الحكام علامات الرضا وانبهارا بكونها
المرأة العربية الوحيدة التي تشارك لأول مرة في مسابقة كتلك وفي الموسم الثاني…..
ويبدو من عملها انها لديه خبرة واسعة في هذا المجال مما جعلهم يوافقوا على انضمامها قبل
حتى ان يتذوقا الطبق….
كان طارق يقف في أحد الزوايا يتابع عمل شهد من بعيد ويتابع آراء الحكام الواضح على وجوههم القبول بها في المسابقة….
فتنهد بارتياح فأول خطوة تخطت إياها بامتياز…
وقبل ان ينتهي الوقت بدقائق…..بدأت شهد تزين طبقها بطريقة عصرية كفنان يرسم لوحة وقد ابدعت
في هذا ايضًا فتلك الفنون أخذت بها دروس حتى تكتمل مهارتها كطاهية لديها حس فني راقي مذاقًا
وشكلًا…..
بدا الحكام بتناول الطعام وهي وقفت جوار طارق
تنتظر إعلان النتيجة هل ستنضم ام سترحل من حيثُ اتت….
مالى طارق عليها قليلا هامسًا بكلمتين تختصر
ادائها الرائع….”كُنتي هايلة….”
ابتسمت له ولم تقدر على الرد….
فهي تقف الان متصلبة الجسد باعصاب مشدودة وقلب يقرع بجنون حتى مرت الدقائق عليها
وأعلن الحكام برضا تام عن الموافقة بانضمامها
للمسابقة العالمية….
الفرصة التي لا يحظى بها الجميع أتت…واخيرًا..
ابتسمت شهد بسعادة وهي تشكر الحكام
الأجانب على اعطائها فرصة كتلك واعدة اياهم
بانها ستبذل قصارى جهدها لتكن عند حسن
ظنهم بها…..
تنهدت شهد بارتياح وهي تبتسم لطارق الذي
قال بهدوء وهو يخرج بها من المقر….
“كده نقدر نقول انك بقيتي رسمي عضوة مهمة
في المسابقة….”
اومات شهد براسها بجذل….
“الحمدلله….. هنروح فين دلوقتي….”
وقفا امام سيارة فارهة سوداء يقف السائق امامها
بزي العمل الرسمي…..
وعندما راهم فتح الباب لشهد باحترام فاومات
له براسها مبتسمة وهي تستقل السيارة وكذلك
فعل السائق مع رب عمله…طارق عياد….
اجابها طارق بعد ان جلس بجوارها في المقعد
الخلفي….
“هنروح فندق قريب من هنا… الشركة حجزتلك سويت بأسمك عشان تقعدي فيه لحد المسابقة
ما تنتهي…. يعني شهر بكتير….ها نروح ولا
تحبي تاخدي جوله في المكان… ”
رفضت شهد وهي تقول بارهاق….
“لا مش هقدر النهاردة… انا تعبانه جدا وعايزة انام…ياريت توصلني على الفندق….”
أومأ طارق براسه بتفهم وهو يأمر السائق بلكنة الانجليزية بان يتحرك الى حيث الفندق…..
بعد فترة وبعد ان ودعت طارق بالاسفل دلفت الى
الغرفة الشاسعة… وجدتها تحوى على فراش
متوسط الحجم نظيف ومرتب…كحال الغرفة
من حولها….
وركن صغير كمطبخ يعد به المشروبات الساخنة
ومكرويف للتسخين…ملحق بالغرفة ايضًا
حجرة صغيرة لتبديل الملابس….وحمام
بمساحة وشكلا فخم…واخيرًا شرفة تطل
على حديقة الفندق….
القت شهد حقيبتها على الفراش ثم نزعت حذائها وهي تتأوه بتعب فلم تتمكن من اخذ قسط من الراحة حتى الآن… قد خرجت من المطار الى مقر المسابقة فورًا… ووقفت بعدها في المطبخ بمفردها تعد وصفة في غضون ساعة إلا ربع…..وصفة في
العادي تعد في حاولي ثلاث ساعات وليس أقل !!.
القت نفسها على الفراش بالعرض وهي تخرج زفرة
ثقيلة متعبة ثم اغمضت جفنيها بارق حقيقي
وبعد دقائق قليله راحت تغط في نوم عميق…..
……………………………………………………………..
دلف الى الشقة ليلا بعد ان انهى العمل في الورشة ككل يوم ، داهم عطرها الجوري أنفه قبل ان تصل إليه…
أبتسم بارهاق مضنٍ كالعادة المدللة مستيقظة حتى
الان وليس لانتظاره كي يسعد بهذا… بل لانها
لا تفضل النوم ليلا كباقي البشر !…
“مفاجأة…”
قالتها داليدا وهي تظهر من باطن الأرض كما ظن
تقف أمامه مباشرةٍ وفي يدها كعكة عيد ميلاد…
وزع سلطان النظرات بينها وبين الكعكة بنظرات
متسائلة…. فقالت داليدا بشقاوة…
“النهاردة عيد ميلادك ياسلطن…. إيه معقول
نسيت….”
ابتسم سلطان بسعادة متفاجئًا فقالت داليدا
وهي تشعل شمعة واحدة في قلب الكعكة…
“سنة حلو ياسلطان…. سنة حلوة ياحبيبي..
سنة حلوة سنة حلوة يابو مليكة….يالا حالا
بالا بالا حيوا ابو الفصاد هايكون عيد ميلاده
اليلة أجمل الاعياد فاليحيا ابو الفصاد… ”
اشارت له ان يطفي الشمع معها ففعلا سويًا..ثم
قطعت داليدا قطعة من الكعكة واطعمته ففعل
هو مثلها واطعمها قطعةٍ بيده ثم اخذها في
احضانه بعدها طابع قبل على وجنتها هامسًا
بحب….
“بحبك يادودا….ربنا يخليكي ليا….”
“لسه فاضل الهدية… “قالت داليدا وهي تفر من احضانه جري الى الغرفة….
قال سلطان من خلفها بمرح..
“كده كتير…انتي كده بطمعيني فيكي.. ”
اقتربت منه بابتسامة جميلة وبين يداها علبة
عطر فاخر….
“اطمع براحتك…. وبعدين مفيش حاجة تكتر عليك ياسلطن…اتفضل.. ”
اخذها منها سلطان ممتن فقالت هي بجذل….
“دا برفيوم بس ريحته تجنن وثابته لفترة طويلة
هيعجبك أوي….”
قال سلطان شاكرًا….
“تسلم إيدك يادودا….هبقا استعمله أكيد….”
قالت داليدا بتوهج…. “في خبر تاني بقا أحلى….”
انتظر سماعها بعينين مبتسمتين بالحب..فقالت
داليدا وهي تضع يدها على بطنها البارزة…
“انا وانا بجيب الهدية عديت على عيادة الدكتورة
عشان معاد الكشف وعملتلي سونار عشان تعرف نوع الجنين ونطمن…وطلعت بنوته…مليكة ان شاء الله احنا متفقين….”
تهللت ملامح سلطان بالفرح فسحبها الى احضانه
فالاميرة ستنجب مدللة صغيرة ستكون حبيبة
والدها من يحق لها الدلال بقدر ما تشاء فهي
ستكون النسخة المصغرة من أمها….حبيبته…..
“مبروك يام مليكة…..”
بارك لها وهي بين ذراعيه القويتين يشدد في احتضان جسدها النحيل الهش بينما هي تبادله
العناق بذراعين صغيرتين قائلة بذهول….
“مين يصدق ياسلطان اني خلاص هبقا أم….انت مصدق….”
هز راسه بنفي رافض ترك وطنه….
“انا لحد دلوقتي بحاول استوعب اننا متجوزين
لا وبموت فيكي كمان !….”
طبع قبلة طويلة على جيدها…فتملصت من بين
يداه قائلة بغرور…
“ومالك بتقولها من تحت سنانك كدا ليه..انت تطول
اصلا تجوز واحده في حلاوتي….وشقاوتي…”
رفعت انفها بإباء فضحك سلطان قائلا بمناغشة…
“اديني طولت واتجوزت البت المفعوصة… اللي كانت
بتقعد على حجري عشان أأكلها….”
غمزت له قائلة بجسارة….
“عشان تعرف بس…. انا ممكن اعمل إيه… اهي البت المفعوصة دي…. بقت حبيبتك ومراتك وام بنتك كمان.. فيه اعتراض…..”
جلس على المقعد وجذبها من يدها لتقع
على ساقه جالسة….. “ابقا غبي لو اعترضت….”
ابتسمت بتوله وهي ترتاح على
كتفه…
“بحبك ياسلطن… بحبك اوي اوي….”
داعب شعرها باصابعه وهو يبادلها الحب اضعاف
ثم صمتا قليلا يرتبا افكارهما حتى قالت داليدا
مندفعة بحماسية….
“اسمع ياسلطان احنا عايزين ننزل بكرة نشتري حاجات لمليكة…اي رأيك….”
قطب سلطان حاجباه مجيبًا…
“مش لسه بدري على المشاوير دي ياداليدا….”
زمت شفتيها بحزن….
“قول بقا انك مش فاضي تيجي معايا بكرة….”
اوما سلطان براسه معتذرًا…
“انا فعلا مش فاضي….عندي طلبية مستعجلة في منطقة (….)يعني احتمال إرجع على بليل متأخر..”
هزت راسها بحزن قائلة بنفسٍ سمحة….
“ياخسارة كان نفسي تكون معايا واحنا بنشتري..
الهدوم بتاعتها….خلاص مش مشكلة هشوف حد
يروح معايا…يا أميرة ياجنة بنتها…”
قرص سلطان وجنتها بملاطفة…
“خلاص خدي أميرة معاكي هي هتكون أحسن مني في الحاجات دي….انتي عارفه انه غصب عني دا
أكل عيشي…”
قالت داليدا بهدوء متفهمة….
“عارفة ولا يهمك…المهم تبدأ تجهز سرير لمليكة
من دلوقتي…..”
انعقد حاجباه بعدم فهم….
“سرير إيه ما احنا عندنا اوضة الأطفال….”
قالت داليدا بتململا…..
“سرير هزاز خشب ياسلطان…عشان احطها جمبي
في اوضتنا…..”
اوما براسه مبتسمًا واصابعه تشرد في خصلات
شعرها الناعم….
“حاضر هبقا أعملك أحسن حاجة انا عندي كام
مليكة…وكام دودا…..”
سالها وهو يطبع قبلة حارة على وجنتها…
“مفيش عشا ولا هتضحكي عليا بالتورته دي…”
قالت بفخر…..”انا عملالك مكرونة….”
“انا بقول ننام خفيف احسن….”قالها وهو يرفعها بين
ذراعيه متجه بها الى غرفة النوم…
…………………………………………………………
على رنين جرس الباب فكانت داليدا قد انتهت للتو
من ارتداء ملابسها وبدأت في لف الحجاب حول وجهها….اتجهت الى الباب صائحة….
“حاضر جايه يا أميرة….أصبري ”
فتحت داليدا الباب وهي تثبت الحجاب بدبوس لتجد أمامها (هدى..)ابنة عمتها وجيدة تقف أمامها
بعينين حمراون مضطربتان تتلفت حولها بقلق…..
رحبت بها داليدا وهي تتنحى جانبًا لها….
“ازيك ياهدى….تعالي ادخلي مالك واقفه كدا ليه…”
عندما دخلت هدى بخطوات مرتبكة مضطربت النظرات اغلقت داليدا خلفها الباب بهدوء…..
وسالتها بريبة….
“خير ياهدى في إيه…عمتي وجيدة كويسة؟…”
اومات هدى براسها وهي تعدل حجابها باصابع
مرتجفة…..
“كويسة…بس انا…انا اللي في مصيبة ومفيش حد غيرك هينجدني منها…
خفق قلب داليدا بخوف…. “خير كفى الله الشر…..”
وقعت هدى ارضًا فجأه على ركبتيها فاتسعت عينا داليدا بتخوف لتقول هدى بتوسل وهي تمسك
يدها…..
“انا واقعه في عرضك ياداليدا….الحقيني.. ”
ازدردت داليدا ريقها بعدم فهم….
“انا مش فاهمة حاجة ياهدى…..اي اللي حصل
بظبط….”
نزلت دموع هدى وافترشت الارض تندب حظها
العثر وهي تلفظ اسمه باختناق…..
“عادل….”
الخوف أصاب داليدا بسهم حاد وهي تتوقع
الاسواء..”ماله….عملك إيه ؟!….”
قالت بوهن….
“بيهددني بصور معاه…. صور ليا….”
ضربت داليدا على صدرها بفزع….
“ينهار أسود… انتي بعتيلوا صورك….بعتيلوا
صورك ياهبلة….”
قالت هدى بحماقة….
“انا عملت كده عشان يرضا يتقدملي….”
ازداد اتساع عينا داليدا وهي تجلس بجوارها
صارخة بغضب….
“انتي بتقولي إيه… انتي واعية للكلام اللي بتقولي
طب سيبي الكلام ده لعيلة صغيرة لا فهمه ولا
عارفة الدنيا ماشية ازاي حوليها..لكن انتي يطلع
منك الكلام ده….إيه مغفلة للدرجادي….”
نزلت دموع هدى بندم وقالت وهي تنهت
بعذاب…..
“مكنتش اعرف انه هيستغلني…اقسم بالله ما كُنت
أعرف…هو قالي انه كلم امه عني…ولم عرفت اني
أكبر منه بسبع سنين افتكرت ان شكلي كبير فـقالي
وقتها هاتي صورة ليكي…اوريهالها واقنعها بيكي.. ”
علت الصدمة وجه داليدا من هذا المحتال المقرف والتي بغباء كانت تكن له يومًا مشاعر خاصة !….
تابعت هدى بصوتٍ متهدج…
“بعت صورة بالحجاب….قعد يقولي الحجاب مكبر
شكلك أوي….ابعتي صوره بشعرك مفهاش حاجة انا هوريها لأمي وهمسحها علطول..بعتله….بعدها بدا يطلب صور تاني ليا وانا بهدوم البيت…لما رفضت
زعل مني وبطل يكلمني..ولم عاتبته بعد فترة قالي
انه زعلان اني مش واثقه فيه…ومش مدياه الأمان
وانه مش شايف حد غيري….واني خلاص بقيت مراته وحبيبته وقريب اوي هيجي يتقدملي….وان الحاجات
دي بتحصل عادي….”
ارتفع حاجب داليدا بدهشة مشمئزة من هذا
الشيطان…..فقالت هدى ببكاء….
“عملي غسيل مخ زي ما بيقولوا مشيت وراه
مغمضة….وبعت كام صورة زي ما طلب ومن
غبائي كنت مصدقة انه بيحبني وعمره ما هيأذيني…هي كانت صور عادية مش عريانة
بس مكنش ينفع تتبعتلوا….مكنش ينفع…”
غطت هدى وجهها بيداها بينما قالت داليدا
بعنفوان…..
“وطالما هي صور عادية…من غير الحجاب بس
خلاص خلي يبلها ويشرب مايتها…لو فكر يعمل بيها حاجة….هنقول ان تلفونك اتسرق والصور دي
كانت عليه….”
هزت هدى راسها بسخرية مريرة…
“كنت ناويه اعمل كده….بس هو طلع اذكى
من كده…”
سالتها داليدا….. “ازاي فهميني….”
قالت هدى بوجوم…..
“من فترة طلب رقم عمي اللي عايش في الصعيد
عشان يتقدملي رسمي منه…”
بللت شفتيها قائلة باختناق…..
“واديته الرقم ومكنتش أعرف انه في نيته يهددني بيه….انه هيفضحني عندهم وهيبعت الصور والمكالمات اللي بينا… وانتي عارفه اهل أبويا…دول
ممكن يقتلوني او يرموني لاي واحد من عندهم يطفحني الدم…”
ثم رفعت عيناها تستنجد بها قائلة…
“انا عارفة اني غلط ياداليدا واستاهل الدبح..بس
والله ضغط امي عليا وصلني للي انا فيه….”
نهضت داليدا وعقدت ساعديها امام صدرها
بجمود تخفي شفقتها عليها….
“المفروض اساعدك ازاي ياهُدى….”
نهضت هدى ووقفت أمامها تقول بتوسل….
“عادل اتفق معايا انه ممكن يمسح الصور ويمسح
رقم عمي من عنده ويقفل موضوعنا نهائي بشرط
انه يقبلك للمرة الأخيرة….قبل ما يسافر….”
اشارت داليدا على نفسها بصدمة….
“يقبلني انا……وانا دخلي إيه بالقصة دي..”
ظهرت الغيرة في عينا هدى وهي تقول بنزق…
“متلفيش ودوري عليا ياداليدا…عادل حكالي كل
حاجة تخصكم….بعد ما بدا يهددني… ”
لوحت داليدا بيدها بتهكم…
“موضوع قديم وانتهى….وانا دلوقتي ست
متجوزه وحامل كمان…..”
قالت هدى بمسكنة…..
“عارفه وانا قولتله كده…بس هو قالي انه ناوي يقابلك في مكان عام…..عايز يتكلم معاكي للمرة
الأخيرة بس انا معرفش عايز إيه….”
ثم مسكت هدى يدها برجاء….
“الله يخليكي ياداليدا قبليه….يمكن يمسح الصور
ويطلعني من دماغه….”
رفضت داليدا مشددة بالكلمات…
“مينفعش انتي عايزة تخربي بيتي ياهدى…دي غلطتك لوحدك اتحملي نتايجها بقا…انا نصحتك قبل كل ده وانتي مسمعتيش للنصيحة….يبقا خلاص….”
انحنت هدى تقبل يدها بمذلة….
“ابوس إيدك انا واقعه في عرضك ياداليدا ومفيش غيرك ها ينجدني…..”
رفضت داليدا شاعرة بانها تقف على حافة
الهاوية….
“مقدرش انا كده بخرب بيتي بأيدي…سلطان لو
عرف حاجة زي دي ممكن يقتلني….”
حاولت هدى اقنعها بـ….
“مش هيعرف احنا ممكن نروح دلوقتي..نقابله في أقرب كافيه..وانا هبقا معاكي مش هسيبك…”
رفضت داليدا بارتياع….
“لا ياهدى…. احنا نحكي لسلطان وهو يتصرف..”
هتفت هدى برهبة…..
“سلطان لا….انا كده هتفضح ابوس ايدك ياداليدا..
نص ساعة مش هنتأخر….”
صمتت داليدا تفكر باعصاب مشدودة وبعد فترة طويلة عويصة قالت بتردد….
“متأكده انه هيقابلني في مكان عام….”
لمع الأمل في عينا هدى وهي تكتفي بايماءة
مؤكدة…..
فقالت داليدا بقلق….
“خلاص اتصلي بيه…واعرفي هيقابلنا فين…”
“كتر خيرك ياداليدا…..انا مش عارفه اقولك إيه…”
قالتها هدى وهي ترفع الهاتف على اذنها بسرعة
تجري اتصال به…..
بينما وضعت داليدا يدها على صدرها داعية
بخوف…..
(ياترى اللي بعمله ده صح ولا غلط ؟!!….يا رب
استرها قلبي مقبوض…..)
…………………………………………………………….
جلست داليدا على المقعد تخفي توترها وهي ترتشف من كأس العصير ناظرة الى هدى التي لم تتوقف عن اجراء اتصال بـ عادل الذي لم يرد حتى الان من بعد الاتصال الأخير والذي اتفقا به على المقابلة في كافية(…) قريب من البحر…..
وقد اخبرته بان داليدا معها ووافقت على مقابلته للمرة الأخيرة قبل سفرة…..
“لسه برضو مش بيرد؟….”
سالتها دليدا بغيظ…..فاجابتها هدى بوجل….
“جرس ومفيش حد بيرد….انا مش عارفة في إيه…تفتكري جراله حاجة… ”
لوحت داليدا بيدها بوجه مكفهر….
“مافي داهية انتي خايفة عليه بعد كل القرف
اللي عمله…. ”
رفعت هدى الهاتف على اذنها مجددًا دون تعقيب وكما حدث منذ ان وصلا جرس دون رد……
فقالت داليدا بزفرة ارتياح…….
“انا بقول نقوم نمشي احسن والحمدلله انها جت على قد كده…انا أصلا قلبي مقبوض من ساعتها مش مرتاحه للي احنا بنعمله ده….يلا بينا ياهدى….وأكيد هيبقا ليها حل تاني….”
اجرت هدى اتصال جديد….
“هرن عليه اخر مرة….أصبري…..”
صمتت داليدا تراقبها بوجه عابس قلق….حتى وقع قلبها في قدميها عندما سمعت هدى تهتف فجاة…
“ايوا ياعادل انت فين……إيه…فين……”
مطت هدى شفتيها بعدم اقتناع…
“طب مانا قايلاك على العنوان بظبط….”
ثم نظرت الى داليدا قليلا وقالت…
“خلاص هطلع استناك برا…..على البحر…..”
اغلقت هدى الهاتف فسالتها داليدا
بشك…”في إيه اتكلمي…..”
ردت هدى بضجر وهي تنهض….
“بيقول اتلغبط في اسم الكافية هستنا على البحر الجنب التاني…..هو قريب من هنا….هجيبوا واجي… ”
نهضت داليدا معها بتردد….. “وهتسبيني هنا….”
قالت هدى بنبرة مطمئنة…..
“متخفيش هاجي علطول وهو معايا….دقايق وهتلاقيني قدامك…..”
خرجت هدى ودخلت بعدها مباشرة امرأة
منتقبة اقتربت من داليدا وقالت بصوتٍ
مرتعب… “انتي داليدا…..”
نهضت داليدا من مكانها تنظر اليها بفزع…..
“ايوا انا…. انتي مين…..”
قالت المرأه بسرعة….
“البنت اللي كانت قاعده معاكي وطلعت من شوية تقربلك..”
خفق قلب داليدا برعب…… “ايوا دي بنت عمتي….”
هزت المرأه راسها بحزن…..
“لا حول ولا قوة إلا بالله دا الناس ملمومه تحت حوليها… لسه عربية خبطاها دلوقتي وهي بتعدي السكه…..”
اتسعت عينا داليدا بصدمة وشلت اطرافها مكانها وهي تنظر الى المرأه المتشحة بالسواد وهي تبتعد عنها للحظات فقط حتى لملمت داليدا شتاتها ونهضت بصعوبة حاملة حقيبتها خارجة من باب الكافيه…..
وعندما خطت خارج حدود الكافية الى الشارع
وقعت ارضًا في بئر مظلم بعد ان شعرت بوخزة دبوس تخترق جلد رقبتها….
ومن بعدها الصمت والظلام….واللاشيء….

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

شعرت بتشنجات قوية تداهم امعائها فامتعض وجهها
المًا…ويدها تتحسس بطنها وهي تئن بوجع شاعره بثقل حاد في رأسها….
فتحت عينيها ترمش بجفنيها عدة مرات… حتى اتضحت الرؤية امام عينيها مستلقيه على فراش صغير في غرفة فارغة مظلمة يتسرب منها بصيص النور من خلال عقب الباب بالخارج….
حاولت داليدا التحرك لكنها وجدت نفسها مقيدة بالحبال يداها وساقيها مربوطين باحكام…
زمجرت بغضب متشنجة وهي تحاول حل العقدة
باسنانها…. لكنها فشلت…حاولت باستماته لكن في
كل مرة تفشل فشل ذريع…..
خارج جدار الغرفة المغلقة عليها كان يقف عادل يشعل سجارةٍ محشوة برائحة نفاذة كريهة….صاح بحقارة على المتصلة…
“لو نطقتي بكلمة ياهدى… هتروحي في ستين داهيه
وهتلاقي فضحتك بجلاجل في الصعيد كله…وشوفي
بقا عمامك ممكن يعملوا فيكي إيه…لما يعرفوا انك
ماشيه على حل شعرك مع اي واحد يقولك هتجوزك…”
انتحبت هدى باكية بحرقة وهي تتوسل
إليه بارتجاف….
(بالله عليك ياعادل قولي عملت فيها إيه… احنا
اتفقنا انك هتقابلها في الكافية تتكلم معاها للمرة
الأخيرة قبل ما تسافر… متفقناش على الخطف..
انت ضحكت عليا وعليها…. حرام عليك لو جرالها
حاجة هي ولا اللي في بطنها هيبقا ذنبها في
رقبتي….)
ضحك عادل ضحكة صغيرة محتقرة للحديث
ثم عقب بأسلوب بذيء…..
“اللي يسمعك كده ياهدى يقول انك بتخافي ربنا..”
صاحت هدى بغضب مرتعشة بخوف…
(ايوا بخاف….مش معنى اني غلط غلطة عمري واتساهلت مع واحد كلب زيك يبقا دا معناه اني اشترك في الجريمة دي…انا مكنتش أعرف ان
دي نيتك من ناحيتها….)
قالت بتهدج وهي تبكي بهسيترية…
(والله لو كنت أعرف مكنتش خطيت عتبة بيتها
حتى….. يارب أعمل اي بس يارب…)
اسكتها عادل بصرير غاضب بالوعيد…
“أسمعي ياقطة قبل ما أقفل معاكي واسيبك
تولولي…هقولك كلمتين هما الخلاصة لو سلطان
عرف اي حاجة من اللي بينا والله ما هرحمك وهفضحك في الحته كلها وعند اهل ابوكي
كمان… فأعقلي كده وحطي لسانك جوا بؤك..
ولا من شاف ولا من دري…..سلام ياهدهد.. ”
أغلق الإتصال والهاتف نهائيًا… ثم أطفأ السجارة
في المرمدة ونظر صوب باب الغرفة المغلق..فالتوى
ثغره في ابتسامة جانبية ماكرة وهو يتجه إليها بخطوات متلهفة لرؤيتها…. فاخيرًا أصبحت تحت
قبضة يده ولن يقدر اي مخلوق على إستردادها
منه….
دلف عادل الى الغرفة واشعل الأنوار رآها جالسة
على الفراش مقيدة بالحبال كما تركها مستيقظة
تنظر اليه بقرف يحوي الصدمة بعد ان تجرأ على خطفها وسجنها هنا معه…..
“أنا هنا ليه….انت عايز مني إيه بظبط….”
صرخت بها داليدا بصوتٍ جهوري مرتعب…
فاتبسم عادل بسعادة و عدم اتزان…وهو
يجيبها بمنتهى الهدوء….
“انتي هنا في مكانك….مكانك الحقيقي جمبي..
ولا نسيتي اتفقنا زمان..نهرب ونتجوز من ورا
أهلك..”
من بين اسنانها قالت بثبات…..
“دا كان زمان….بس انا دلوقتي ست متجوزه
وحامل وبحب جوزي…وانت بقيت بنسبالي
ولا حاجة….”
رمقته داليدا بازدراء…..نتج عنه صراخ قوي منه
امام وجهها الشاحب….
“ااااانا كــل حاااااجة……انا اللي حبيتك مش
هو….هو عملك إيه….. عملك غسيل مخ…..”
صرخت هي ايضًا في وجهه دون خوف
منفجرة بقوة….
“وانت مالك…سبني في حالي بقا…انا ما صدقت
حياتي بقت أحسن معاه….لي عايز تخرب عليا…”
“وبمنتهى الغباء دخلت هدى في اللعبة…لعبة على نقطة ضعفها ووعدتها بالجواز…خلتها تثق فيك وتمشي وراك مغمضة وفي الآخر بقيت تبتزها برقم عمها والصور اللي معاك أنت اي ياخي….اي القرف ده….إزاي كنت مغشوشة فيك زمان بالشكل ده….”
صاح عادل بحدة وضغينة…
“انا دخلت هدى بينا عشان ارعبك كل دقيقة
واعرفك اني هفضل موجود في حياتك وقدام عينك…أشوف غيرتك عليا…وندمك انك سبتيني..”
أعترف بالحقيقة فكانت هدى مجرد أداة للتسلية
ليرعب داليدا بفكرة وجوده الدائم من حولها…حتى يثير غضبها وغيرتها وعندما بدأت تفشل الخطة
ولم تهتم لأمره فكر باستخدام هدى كمصيدة
يصل بها الى داليدا…..والان هي بين قبضة يده
ولن يفلتها ابدًا !!….
ابتسمت داليدا بسخرية محتقرة اياه وهي
تعقب بتهكم…
“ندمي وغيرتي ؟!!…انت عايش في الوهم انا مش غيرانه عليك انا قرفانه منك….والندم اللي بتكلم
عنه دا لاني في يوم حبيت واحد زيك…مقرف
ومعندكش نخوة ولا دين…..”
“داااااليداااااا…..”صرخ عادل وهو يقبض على
فكها معتصرة بقوة المتها ورغم ذلك قالت أمام
عيناه بجسارة…..
“هتعمل إيه هتضربني هتقتلني…أعمل كده وخلصني….سلطان مش هيسيبك… والمرادي
مش هيرحمك….سامع مش هيرحمك….”
ابتسم عادل وهو يقول بمكر….
“مش هيلحق يادوللي…..انا وانتي هنسافر بكرة
هنسافر عن طريق البحر…..”
تجمدت اطرافها وتخدر فكها المًا بين قبضة
يده وهي تنظر اليه بغير استيعاب….
فاوما عادل براسه وهو يترك فكها ويربت على
خدها برفق….
“ايوا هنسافر…انا وانتي اي رأيك في المفاجاة
دي…انتي الوحيدة اللي اختارتها تسافر معايا
وتفضل جمبي العمر كله….”
انتابها حالة من اللا وعي لبرهة حتى قالت
بصوتٍ ميت….
“بس انا مش هسافر معاك….ومفيش حاجة في
الدنيا هتجبرني أسافر معاك…”
ازدادت ابتسامته بشاعة معلق وهو ينظر الى
بطنها البارزة قليلا… “فيه…. اللي في بطنك….”
وضعت يدها تلقائيًا بخوف على بطنها تحمي
طفلتها….فقال عادل بشرٍ أسود…..
“لو عايزة اللي في بطنك يعيش وحملك يكمل
يبقا هتنفذي كلامي…..”
صاحت بانفعال متشنجة…..
“انت عاااايز إيه مني بظبط…. انت مجنون…”
لمس وجنتها هامسًا بلوعة…
“مجنون بحبك يادوللي…… مجنون بيكي….”
ابعدت وجهها عنه والدموع تتجمع في مقلتيها
مرتعبة من القادم….
فأنتصب عادل في وقفته يضع يده في جيب
بنطالة وهو يقول بخبث….
“أسمعي لو هتنفذي كلامي بالحرف الواحد… أوعدك
اننا أول ما نوصل بلدنا الجديدة…. هكتب اللي في بطنك بأسمي…. شوفتي بقا انا بحبك قد إيه…”
رمقته بقرف وهي تقول بتمرد….
“اللي في بطني هيكتب باسم أبوه… وانا هخرج
من هنا….حد يلحقني ياعاااالم…حد يلحقني… ”
صرخت مستغيثة بصوتٍ عالٍ…فالتوى فم
عادل وهو يقول ببرود…..
“صوتي براحتك إحنا في حتة مقطوعه مفهاش صريخ ابن يومين….. تحبي أصرخ معاكي..”
نظرت له بملامح جافلة غاضبة ورائحته المقرفة باتت تقلب معدتها أكثر من اللازم فلم تتحمل دقيقة
أخرى انحنت على الجانب الاخر تتقيأ أرضًا….
زم عادل شفتيه بأشمئزاز وهو يلقي عليها نظرة أخيرة قبل ان يخرج من الغرفة مغلق الباب خلفه تاركها تعاني الويلات وحدها….
جلس عادل على الاريكة ثم أشعل سجارته وهو يرجع ظهره للخلف باسترخاء..فسمع صوت رنين
اتصال يصدر من حقيبة داليدا القابعة بجواره
مسكها وأخرج الهاتف منها فرأى أسم سلطان وصورته تنير الشاشة….
جاشت مراجله بالغضب والغيرة.. واشتعلت عيناه بالحقد… أغلق الإتصال وألقى الهاتف على الاريكة
بعصبية….
سبه عادل بكلمات نابية وهو ينفث من سجارته
ذات الرائحة النفاذة الكريهة….
ثم لمعة عيناه فجاة بخبثٍ وهو يقدم على خطوة شيطانية ربما ستكلفة الكثير فيما بعد !!…..
أرسل له رسالة على هاتف داليدا..محتواها
كالتالي….
(احنا مبقناش ننفع مع بعض ياسلطان…انا رجعت
لعادل….عادل الوحيد اللي حبيته ومكنتش مجبورة
أكمل معاه زيك….انا هسافر معاه…هسافر وهبعد
دا الأحسن لينا كلنا…..)
ضحك عادل بانتشاء ضحكة جهورية وهو يغلق هاتفها نهائيًا….
فارتجف جسد داليدا بالداخل بهلع مزدرية
فور سماعها صوت ضحكاته البشعة….فاغمضت عينيها بقوة وانسابت دموعها بحسرة وندم….
ليتها اخبرت سلطان منذ البداية ما كانت اعطت لهذا
الحقير فرصة للنيل منهما بهذا الشكل….
ماذا سيحدث في الصباح كيف ستسافر قسرًا؟!..
………………………………………………………
كان يقف بين العمال في قلب المصنع الذي سيتم افتتاحة قريبًا….
والعمال مستمرة من حوله على قدم وساق…الكل
يعمل بنشاط وهمة وهو يوزع المهام عليهم ويباشر الوضع مشرف عليهم…
تنحى جانبًا….زافرًا نفسًا خشن حاد وهو يرفع الهاتف من جديد على اذنه مجري اتصالا بأخته التي ردت على الفور…..
(ايوا ياسلطان ياحبيبي….عامل إيه…..)
رد سلطان بتافف قلق…
“الحمدلله يأميرة انتوا فين…برن على داليدا مش
بترد لسه مخلصتوش….”
اتى صوت اميرة متعجبًا….
(مخلصناش إيه…انا في البيت ياسلطان داليدا
مش معايا أصلا….)
انعقد حاجباه سائلا…..
“راحت تشتري الهدوم مع جنة يعني….”
قالت أميرة بتوضيح…..
(جنة بتذاكر في اوضتها…احنا مخرجناش النهاردة
داليدا اتصلت بينا واجلت المعاد….)
انقبض صدر سلطان بالقلق وهو يقول….
“اجلته إزاي انا لسه مكلم امك وقالت انها
خرجت هي وهدى….وانا افتكرت انك معاهم… ”
قالت أميرة بنبرة معاتبة….
(يمكن راحت هي وهدى…اخص عليها إزاي ما تاخدنيش معاها ومن امتى هي وهدى صحاب ؟!..)
تافف سلطان وهو يشعر بعدم الارتياح للأمر
برمته…..
“يعني هي مع هدى دلوقتي…طب هاتي رقم هدى
دول لحد دلوقتي مروحوش البيت والوقت اتأخر..”
قالت أميرة بتريث…..
(اطمن ياسلطان الغايب حجته معاه….خد الرقم
أهوه…..01….)
وقبل ان يجري اتصال برقم هدى…اتت رسالة من داليدا فتحها بلهفة وعيناه تجري على الكلمات
باهتمام وسرعة…..
سرعة كانت كالصاعقة ضربت سائر حواسه وشلت اطرافه فتجمد مكانه كتمثالا عملاق بلا روح خالٍ
من الحياة….
قد امتدت الأرض به ودارت من حوله بسرعة…
فجلس على أقرب مقعد يراه…
وأعاد القراءة بنظرة جامدة باهتة المعاني…..وصدرٍ يضيق.. يضيق به حتى الموت وكأن الهواء انسحب من بين رئتاه من شدة الغضب الذي افترس جسده
بخبثٍ كالمرض المميت….
ان وقوع الخبر عليه كمن تلقى مدفعية نارية
سقط على أثرها ميتٍ كانت دفعة مدمرة..
دفعه تشبه القصف الذي يداهم فجأة ديار
الأحرار قاتلًا مدمرًا أهلها دون وجهة حق…
ظلم وافترى…
كُتِبَ في رسالة انها مستنكرة حياتهما الزوجية
وانها أجبرت عليها منذ البداية والان تريد ان
تنهي الأمر على حين غرة…معترفة بوقاحة بانها عادت الى حبيبها السابق وستسافر معه….
ورغم الألم وهول الصدمة التي ضربته في
صميم القلب…..
بدأ يستعيد اتزانه والمتبقي من عقله وهو يشكك
في هوية المرسل…فداليدا مستحيل ان تفعل
هذا به من أرسلها له….لم يفهم مشاعرهما أو
حبهما أو الظروف التي مرا بها….ظروف وخلافات جعلتهما في نهاية المطاف يستدلا على درب الحب معًا !….
من أرسلها أراد ان يصيبه في مقتل بغباء منقطع
النظير…..
وهو لن يكون ضحية لتلك العبة الرخيصة…سيصل
الى صاحب الرسالة الحقيقي وسيمزقة اربًا لكن قبلها
يجب ان يعرف اين هي….
آخر شخصٍ كانت معه….آخر شخصٍ رأته قبل ان تختفي……
تمتم الإسم وعيناه تتحول لجمرتان من
اللهب المتقد…”هدى؟!….”
رفع الهاتف على اذنه مجري اتصالا برقم داليدا وكما
توقع أغلق الهاتف بعد إرسال الرسالة التي كانت
الهدف منها اقتلاع الروح عن الجسد…
بعد فترة كان يجلس في سيارته النصف نقل في
مقعد القيادة تحديدًا كان يدخن السجائر واحده
تلو الآخر يحرق صدره ويتلف اعصابه بها…
كان ينتظر نزول هدى من العقار….ينتظر على صفيح ساخن خبر يبرد نار قلبه عن حبيبته…زوجته التي اختفت فجأة تاركه له رسالة فارغة من سجيتها….
كتبها شخص أراد ايلامه بقدر عشقه لها….لماذا يثق
بها الى هذا الحد؟!….قد تخطى معها الكثير وعشقها حتى النخاع فلم يتوقع ان تكون الثقة بقدر العشق
الذي يكنه لها !!….
إرجع راسه للخلف مهمومًا ساند على ظهر المقعد وعقله يدور في دهاليز شديدة الضيق موحشة
بظلام الشياطين..
سمع هدى تستقل السيارة بجواره قائلة بصوتٍ
انتبه لرنة القلق به….
وكأنها تعرف لماذا هو هنا….وعلام سيسأل؟!…
“خير….ياابن خالي…”
اعتدل سلطان في جلسته ناظرًا اليها بتأهب
قبل ان يقول بتريث….
“خير…..انتي مكنتيش مع داليدا النهاردة
بتشتروا هدوم…”
ارتبكت هدى بشكلا ملحوظ جعل الشك يزداد
إتساع نحوها……
“داليدا….داليدا….لا أنا مشوفتهاش النهاردة….”
لفظت الكلمات بسرعة مخفضة جفنيها تخفي
الحقيقة المسطرة في عينيها المرتبكة….
هتف سلطان بصوتٍ حاد….
“ازاي مشوفتهاش….انتي خرجتي الصبح معاها
امي شافتكم من فوق السطوح….وانتوا
ماشيين سوا…. ”
توسعت عيناها قليلا وهي تجد انكارها اوقعها
في بركة من الوحل….فادعت التذكر قائلة…
“اه…..اه اصل احنا الصبح…..خرجنا قعدنا شوية
سوا وبعدين خدنا بعضنا وكل واحد راح في
حته….”
حافظ سلطان على رباطة الجأش متريثًا متحدثًا
بقدر الهدوء والصبر المتبقي لديه…..
“هدى…..في حاجة غلط….انتي مخبية عني إيه
داليدا لحد دلوقتي مروحتش البيت وتلفونها مقفول…وانتي آخر واحده كنتي معاها….أكيد
عارفه هي فين…..”
أسبلت هدى جفنيها قائلة بمناورة…
“معرفش هعرف منين يعني ياسلطان…انا زي
زيك…قابلتها شوية الصبح وبعدين خدت بعضي
ورجعت البيت وهي روحت….”
سالها سلطان ببعض الأمل…
“يعني ممكن تكون في البيت دلوقتي….”
“معرفش…..يمكن… “وخزها ضميرها بشدة وهي تعطي الأمل له باحتمال معدوم !…
اهتزّت جفونها بتخوف وهي تراه يرفع الهاتف على
اذنه بملامح صخرية جلية بالقساوة..لفظ بصوتٍ
هادئ….
“ايوا ياحاجة اي الأخبار….”
هوى قلب هدى ارضًا من شدة الذعر بعد ان رفع سلطان عيناه القوية عليها يداهم كذبها بشراسة ساخرًا منها ومن تمثيلها الرديء……
تابع سلطان بصوتٍ رخيم….
“داليدا…..لا انا وداليدا هنبات النهاردة عند عمي اه
عزمنا على العشا…هنقضي السهرة معاهم وهنرجع
الصبح….في رعاية الله….سلام….”
رفعت هدى حاجبها متعجبة….فقال سلطان لها
بهدوء ما قبل العاصفة…..
“تصوري مرجعتش البيت لحد دلوقتي…ومش عند
اهلها كمان…انا لسه مكلم أبوها وسألني عنها…تفتكري
راحت فين….”
اشاحت بوجهها للنافذة هاربة من هذا التحقيق
المكثف فهي لن تصمد كثيرًا ؟!!….
“معرفش انت ليه بتوجه ليا انا السؤال ده..انا معرفش هي راحت فين…..”
قال سلطان بشك….
“بس انا حاسس انك عارفه كل حاجة…وخايفة
تقولي….”
انفعلت هدى بتوتر ملحوظ وهي تقول…
“هخاف من إيه…..قولتلك اني قابلتها الصبح
وبعدين على الضهر كده كل واحد روح بيته….”
سالها بهدوء….
“وكنتوا فين بقا في الكام ساعة دول…”
بلعت ريقها قائلة بخفوت….
“رحنا كافية….قعدنا فيه شوية وبعدين…روحنا..”
لفهما صمتٍ مشحون بتوتر فلم يرد سلطان عليها اكتفى بنظر اليها بملامح واجمة جافية ونظرة
عيناه تجردها من كذبتها الواهيه…..
قالت هدى بعد فترة بمواربة…
“انا كان نفسي اساعدك بس انا بجد معرفش عنها
حاجة….يمكن ترجع الغايب حجته معاه…..انا هطلع بقا لحسان عمتك هتقلق كده…”
انهت هدى حديثها مستعدة للخروج من السيارة
وهي تتنفس الصعداء….لكنها وجدت الباب موصد عليهما…نظرت اليه برهبة…..
“اي ده أفتح الباب ياسلطان…في إيه….”
فقد سلطان ذرة الصبر المتبقية لديه زمجر
بهجوم وهو يمسك يدها بقوة…
“في اني لازم أعرف مراتي فين….ودتوها فين بظبط…”
حاولت هدى نزع يدها وهي تقول بضيق….
“انت بتجمعني بمين…قولتلك معرفش عنها
حاجة…سيب ايدي…”
اثارت حفيظته أكثر من اللازم فأحتد عليها
بصوتٍ جهوري….
“انتي عارفة كل حاجة ياهدى….عنيكي فضحاكي وكلامك في حاجة غلط شوية تقولي مشفتهاش
وشوية تقولي اه قبلتها وروحنا علطول…وشويه
تقولي قعدنا لحد الضهر…..اي الحكاية بظبط
فاهميني…وبلاش تلعبيني وتعالي معايا دغري
من غير لوع…..”
ارتجفت بهلع بين يده وبدأت تبكي ضائعة بين الحقيقة والكذب تتأرجح بينهما بعذاب…
حتى صرخ سلطان في وجهها وهو يسالها
للمرة الأخيرة…. “انطقي……داليدا فين…..”
سالت دموعها وهي تعترف برثاء..
“داليدا مع عادل هيسافروا بكرة الصبح…”
تركها سلطان فجأة وبدا يحدق بها بغباء وقد
توقف العالم من حوله لفترة زمنية عويصة بها
ظلت تتردد جملة هدى في اذانه كضربة صاعقة رعدية احرقته كليًا حتى بات رماد على أثرها……
سألها بعد لحظة صمت كانت الاشد والاصعب
عليه…..
“عادل ؟!…وانتي تعرفيه منين وازاي وصل لداليدا..”
انفجرت هدى في البكاء ولم ترد عليه فصرخ
سلطان بنفاذ صبر زجرها كالاسد الجريح….
“من غير عياط…..انطقي…….انطقي عشان
افهم…..”
ارتدت بظهرها للخلف بخوف ثم هزت راسها إليه
بضعف وبدأت بحرج تعترف بكل شيء دفعة
واحدة…
“حاضر…. حاضر… هحكيلك….هحكيلك كل حاجة
بس ورحمة بابا انا مكنتش أعرف انه هيعمل كده فيها…ولا فيا…انا أضحك عليا….واستغلني من
الأول عشان يكدها ويضايقها بوجوده….ولما
ملقاش منها رجا…قال يبتزني عشان يقدر
يضغط عليها عن طريقي وتوافق تقابله…”
نظر لها سلطان مبهوتًا صامتًا…فتابعت
هدى بنواح مرير…..
“قبلناه في مكان عام…..وانا كنت معاها زي ما
اتفقنا….و عمل فيلم خلاني أخرج من الكافيه
عشان يسحبها لبرا ويخدرها ويخطفها…عشان
يسافروا زي ما قالي النهاردة في التلفون…”
تحدث سلطان بنفاذ صبر وصدره يشتعل
كمرجل ناري حارق…..
“واحده واحده….انا عايز افهم من الاول…إزاي
قبلتي عادل واي هو اللي بيهددك بيه خلى داليدا
تقابله من غير ما ترجعلي ولا تعرفني باللي
بيحصل معاكم….”
قالت هدى وهي تحني راسها بخزي….
“هحكيلك…هحكيلك من الأول خالص…من
أول ما كلمته…وداليدا شافتنا في الجنينة..”
…………………………………………………………..
وكما تصنع القصائد شعراء مؤرخين على مر العصور تدرس كلماتهم وتحلل معانيها….تصنع المرأة كذلك الحب في قلب رجلا عاصٍ….يظل عقله الصلب
يدور في فلكها مستنكر الهوى وقلبه ولهان بها…
هيمان القلب عاشقًا لها….سلبته العصفورة على
حين غرة فاضحى ملكا لها وحدها…..
ثمة متعة في رؤيتك بجواري في كل مكان تقع
عيناي عليه…وكأنكِ تحلقي من حولي هنا وهناك
بخفة وجمالا تخطي بحذائك الأنيق أرض مكتبي
بينما أشعر انا انكِ تسيري على حافة قلبي فاخشى
عليكي فجأة من السقوط فاقترب وأعانق خصرك
من الخلف اقبلك ثم تتدللين مبتعدة عني متحججه بالعمل…
اليوم لم أقدر على الاقترب منكِ.. انتِ تشنِ الخصام بيننا وتبتعدي عني بعيناكِ الفيروزية مقتصرة الحديث بيننا باقتضاب وبوجهٍ عابس…..
نكتشف في البعد مقدار الحب…مقدار الهوس بمن
كان اختيارنا لباقية العمر….الخصام مرهق للقلوب
لكنه علاج مقوي للعلاقات او ربما العكس…
فـبه نكتشف هوايتنا وحقيقة المشاعر المتبادلة
بيننا….
كم خصام مر علينا وكنتِ متكبرة عنيدة أمامي تريدين ان تثبتِ لي انكِ الأقوى والاكثر تحملا
في البعد….الن تلين رأسك اليابس وتعترفي
انكِ لم ولن تقوي يومًا على الفراق…والعناد ماهو
إلا وسيلة تختبئ مشاعرك خلفها حتى لا تظهري
ضعفك أمامي…..
أريدك ضعيفة تعترفي انكِ تنتمي الي قولا
وفعلا..
أريدك ان تتخلصي من هواجسك.. من عقدة الدسوقي التي تسيطر عليكي تاركة آثر مشوهٍ
في روحك المسه بوضوح…..
تخنقك عقد الماضي أعلم حبيبتي…فهي تعذبني جراء التفكير بها….فكوني الأقوى معي وليس بدوني !..
ترك القلم من يده فجاة فاصدر رنة مزعجة جعلتها
ترفع عينيها عن الملفات اليه…
رأته يمسح على وجهه بضيق ويبدو عليه الحنق
والاستياء…..
خفق قلبها بلوعة اليه فهما متخاصمين لأيام ترفض
التحدث معه بعد آخر نقاش حاد حدث بينهما..كالعادة
اختلفا في وجهات النظر وعدم موافقته على رغبتها
جعلها تشن عليه الخصام رافعه الاسياج بينهما…
تنحنحة وهي جالسة مكانها على الاريكة الجلدية
على بعد مسافة منه تعمل عليها منذ ان تخصاما
بعد ان كانت في بعض الأحيان تعمل وهي جالسة
بجواره…. او على ساقه…..
تخضبة وجنتاها فجأة متوردة بينما هو رفع عيناه القاتمة الجذابة ككل شيء به ينظر إليها…فبلعت ريقها ازاء نظراته وقالت بثبات….
“تحب أعملك قهوة….”
رد سليم بجفاء وهو يشيح بوجهه عنها…
“شكرًا…لو عوزت هطلب من البوفية…مش
عايز أتعب سيادتك… ”
جزت على أسنانها بضيق وهي ترمقه بحنق عائدة
للأوراق بيدها بنظرة محتنقة…
وضع سليم يده على سطح الطاولة فلمس اصبعه
الغبار فتافف بضيق وهو يسحب منديلا ورقي ويمسح على سطح الطاولة مكانه سائلا اياها
بضجر…..
“مين اللي نضف المكتب ده الصبح…”
ردت كيان بايجاز…… “أنا…”
قال بوجه عابس مقتضب….
“أول وآخر مرة تعمليه….”
سالته بحاجب مرفوع…..”ليه بقا…..مالوا ؟!!..”
قال بتبرم يشع النظرات القانطة عليها…..
“كأنه متنضفش….مفيش ضمير عندك خالص في
اي حاجة تخصني…”
جفلت ملامحها من هذا الحديث وضاقت
عيناها بغيظٍ بالغ….
“والله…انت شايف كده…عمتا انا اي حاجة
بعملها بضمير سواء ليك أو لغيرك….”
زم سليم فمه قائلًا باستفزاز….
“لغيري ماشي….لكن بتيجي عندي انا وبيتعدم
من جواكي….”
نهضت كيان عن الاريكة معانقة الملفات بكلتا
يداها وهي تقول بانزعاج…
“انت بتحاول تستفزني…بقالك فترة بتعمل كده
…انا هروح على مكتبي أحسن…”
اولته ظهرها وسارت للأمام والدموع تترقرق
في عيناها….فقال سليم من خلفها بوجوم…
“مع سلامة…..كمان نص ساعة ابقي ابعتي
المذكرات اللي في إيدك عشان ابص عليها….”
دلفت الى مكتبها الخاص والتي لا تدخله إلا نادرًا
كان مكتب انيق فخم الطراز…اختارت كل قطعة به بتأني وبعناية فائقة بمساعدة متخصصين الديكور
كما فعلت في مكتب سليم…..
جلست خلف المكتب واضعه الملفات أمامها….
ثم مسحت دموعها وهي تسند وجهها على يداها شاردة الذهن في ماحدث بينهما منذ ايام….
انهت المكالمة مع اختها وخرجت من الشرفة
الى غرفة النوم تمسح دموعها بعد ان علمت
سبب هروب اختها من بلد لأخرى….
فالبداية كانت سعيدة من أجل المسابقة والنتائج التي وصلت إليها فقد حجزت مقعدها في النهائيات
على حد قولها…..لكن وحدتها وهروبها من البيت
دون ونيس في رحلتها قتل الفرحة داخلهن….
جلست كيان على الفراش تتنهد بتعب شاعرة بوخزة
مؤلمة في صدرها تحثها على السفر الى اختها والوقوف بجانبها في تلك المحنة…..
فحتى ان كانت الرحلة بحثٍ عن الحلم وتحقيق
الذات يبقى بين ثنايا القلب قروح ملتهبة بالوجع
..اختها هربت خوفًا على نفسها وزوجها من خطط والدهم…
هربت لأخر بلاد المسلمين كما يقال….وحدها…
ولج سليم لداخل الغرفة فوجدها على وضعها
شاردة بعينين تمتلئان بالدموع….
أقترب منها سليم من الحافة الأخرى وسحبها الى احضانه سائلا بقلق….
(مالك ياحبيبتي…بتعيطي ليه..اي اللي حصل…أختك
كويسة…..طمنيني ياكيان اي اللي حصل…)
قد علم سليم بالامر وسبب سفر شهد المفاجئ..فكان
جالسًا عندما حدثها حمزة في الهاتف وهي لم تقوي على إخفاء التفاصيل عنه….باتت تثرثر كثيرًا في الاونه الأخيرة ويعرف الكثير عن حياتها الماضية والحالية….
وكلما حاولت ان تخفي عنه شيءٍ يستدرجها بمكر
حتى تكن امامه ككتاب مفتوح….
أهو من يدفعها للتحدث بالحيل….ام هي التي تنتظر السؤال حتى تندفع كنافورة المياة دون توقف !..
ليست جيدة في المناورة واخفاء الحقائق مثل اخوانها….ورثا من والدهم الحذر مع الأقارب
قبل الاغراب….وورثت هي من امها الاندفاع
والضعف في الحب التي تخفيه بصعوبة عنه !…
قالت كيان ببكاء….
(شهد صوتها مش عاجبني…حاسه انها مضغوطة
بسبب المسابقة دي….)
ربت سليم على كتفها بحنو قائلا…..
(طبيعي ياحبيبتي المسابقات اللي من النوع ده…بتبقى صعبة مش سهله خالص…غير انها
بتبقى شوو عشان تبسط الناس اللي بتتفرج
وتحمسهم للحلقات الجاية….)
قالت كيان بوجوم….
(عارفه….بس انا صعبان عليا تبقا لوحدها كده من
غير ما نبقا معاها….)
ابعدها سليم عابس الوجه بتساؤل…
(وانتي هتعمللها اي يعني ياكيان…هتطبخي
مكانها؟!…)
هزت راسها وهي تمسح دموعها…
(لا مش كده…بس وجودي معاها هيكون حاجة معنوية ليها….)
ازداد العبوس وانعقد حاجباه معقبًا….
(كان الاوله ان اخوكي اللي يفكر في موضوع
السفر ده مش انتي….)
احتجت كيان مدافعه عن اخيها….
(مين قالك انه مش بيسعى ان يخلص أوراق
سفرة بس للأسف عنده مشاكل في الورق
مش هتخلص قبل تلات شهور….وشهد في
أقل من شهر هترجع….زي ما قالتلي…)
رد سليم بملامح رصينة….
(خلاص اصبري لحد ما ترجع….)
جحظت عيناها بدهشة محتدة بغضب…
(انت ليه اناني كده ياسليم… بقولك اختي بتمر
بمحنة وواضح من صوتها انها تعبانه…)
جاشت مراجله بالغيظ….
(والمفروض اني اعمل اي ياكيان…)
قالت كيان بأمر…..(نسافر طبعا…)
حل عقدة حاجباه وارتفعا للأعلى بغضب…ثم
زجرها بتهكم….
(نسافر؟!!… هو انا تحت أمرك… شايفاني عاطل يعني
معنديش مسئوليات هسيب شغلي وابويا ومصالح الناس اللي متعلقه في رقبتي انا وانتي ونجري نسافر…. عشان نبقا مع أختك…)
هتفت كيان بحدة…
(اختي في ظرف طارئ…. انت مش فاهم…)
قاطعها سليم وهو يقول بصلابة…
(لا انا فاهم أختك انسانه طموحة سفرت عشان
تغامر بحلمها….من حقها تبقا لوحدها… مش لازم
كلكم تكونوا فوق راسها يعني…)
إنسانة طموحة؟!!…وهل من يعمل في وطنه ليس
بطموح من وجهة نظره ؟!…
شعرت انه يقلل منها….معظم في أختها أمامها
دون ان يدرك انه لفظ بمخاوفها تلك الفترة…
لم تغار من شهد ولن يحدث هذا ابدًا….لكن
الكلمتين كانا بمثابة قذيفة انفجرت في
احشاؤها فجأة….
تغاضت كيان عن الأمر….متبرمة من اسلوبة الفظ
معها….
(أسلوبك مش حلو… انت ليه بتكلم كده فيها إيه
لو سفرنا وكنا معاها…. نطمن عليها…)
اصر سليم يقول بغلاظة….
(اطمني عليها في التلفون…. كلميها على النت..
بقا في كذا وسيلة تطمنك عليها….)
عقدة كيان ذراعيها امام صدرها بعناد…
(والله لو انت مش عايز تسافر عشان شغلك.. انا
بقا هسافر لاختي…..)
مالى عليها يسالها بنظرة خطرة…..
(يعني إيه… هتكسري كلامي؟!!..هتسافري من
ورايا…)
ارتدت للخلف بخوف منه قائلة
بتريث….
(فين من وراك ده… مانا بقولك اهوه انـ..)
قاطعها سليم بنبرة شديدة الخطورة….
(مفيش سفر ياكيان أسمعي الكلام… أختك مش صغيرة هي أكبر منك وادراى بمصلحتها عنك….)
احتدت امامه بعناد وتحدي….
(يعني إيه…هتمنعني عنها… انتي ليه اناني كده..
اي حاجة تخص اخواتي بترفضها….)
علت ملامحه الصدمة غير مصدق هذا الاتهام
الاهوج….
(اللي يسمعك يقول اني ربطك بسلاسل… انتي علطول معاهم…. امتى منعتك عنهم.. انتي اللي
مش واخده بالك انك بقيتي ست متجوزة
وعندك مسئوليات أهم….)
اندفع لسانها بالكلام كرصاص…
(مفيش حاجة أهم من اخواتي ياسليم….)
عضت على لسانها فجأة….فتبادل سليم النظرات
الحادة معها حتى قال بسخرية سوداء….
(معنى كلامك اني مش مهم عندك…اضفت
لحياتك بالغلط مش كده؟!….)
رمشت بعيناها وهي تقول بحرج….
(دا مش قصدي…. انت بتمعن الكلام كده إزاي..)
رفع سليم يده يمنعها عن إضافة حرف أخرى
وهو ينهي النقاش بحزم….
(الموضوع خلص ياكيان ومش هنتكلم فيه
تاني..مفيش سفر لا معايا ولا لوحدك…انتهينا…)
وقتها تشاركا الفراش البارد بمشاعر تحترق بالغضب
والغيظ وكلا منهم يولي ظهره للآخر تاركين مساحة
فارغة موحشة بالخصام…..
مسحت دموعها وهي تعود من تلك الذكرى على صوت باب المكتب رفعت عيناها لترى الساعي
يدلف إليها بتهذيب معه صنيه تحوي على كوب
به عصير من المانجو….
فلانت شفتيها الحزينة بابتسامة صغيرة خاطفة
فهي تعلم انه من أرسلها… لكنها ارادت ان تتأكد
من هذا الساعي العجوز الذي يعمل لديهم منذ
ان أفتتح سليم مكتبه الجديد… لأجل بدا صفحة
جديدة معها ومع الحياة…
وظف بعض من المحامين الجدد في مكتب مشترك
وأصبح لديه سكرتير في مكتبه المجاور.. ام هي
فأصبح لها مكتب خاص أنيق لكنها تعمل في مكتبه
دوما…. لا تعلم اهي مجرد إضافة لهذا الصرح المذهل
الذي يزهو يومًا بعد يوم ام انها عنصر مهم بينهما؟!..
عادت مجددًا الى الهلوسة وقلة الراحة… عقلها قارب
على الانفجار… انها تقحم نفسها في اشياء تافهة ومقارنات حساسه…..
“مين بعت العصير دا ياعم حميد…. انا مطلبتش
منك حاجة….”
سالته كيان برقة…فأجاب الرجل وهو يضع
الكوب جوارها….
“الأستاذ سليم طلبه مع قهوته…وقالي ادخله لحضرتك….”
ابتسمت بارتياح تشكره….
“شكرا ياعم حميد تعبتك معايا….”
“تعبك راحة ياست هانم…”خرج الساعٍ مغلق الباب خلفه تاركها وحدها وعلى شفتيها ابتسامة منتشية
كلما أخذ خطوة نحو رضاها تشعر بمنتهى السادية
براحة لأنها لم تتنازل عند الخصام ولن تفعل !!..
مسكت هاتفها وارسلت إليه رسالة شقية…
“شكرًا على عصير المانجا جه في وقته…
عفوت عنك…”
اتت رسالته بعد فترة قصيرة…..
(بس انا مطلبتش العفو ياسمو الملكة….العصير انتي
اللي طلبتيه قبل ما تخرجي من المكتب…)
كتبت بحاجب معقود….
“ازاي يعني انا مطلبتش عصير….”
اتت رسالة جادة….
(طلبتي وانتي معايا لما طلبت القهوة من حميد
في التلفون…)
شكت لوهلة في نفسها فبدات تفكر ثم كتبت
بحنق بعد ان فهمت لعبة التخفي الذي يمارسها
عليها….
(انت عايز تجنني…اذا كان انا من شوية كنت عايزة أعملك قهوة….إزاي بقا طلبت قدامي قهوة..لا وانا كمان طلبت عصير….انت بتألف عشان متعترفش
انك بعت العصير من نفسك…)
اتت رسالته بسخرية يشد لجامها بقوة….فهي كالفرسة الجامحة لا تتوقف عن استفزازه…..
(وانا قولتلك اللي حصل واضح ان الذاكرة بتاعتك
بعافية….ياسمو الملكة….كملي شغلك وابعتي المذكرات في أقرب وقت بلاش لكاعه…)
لاحت الصدمة على وجهها وهي ترسل
بدهشة….. “انا بتلكع !!!….”
لم يعرها اهتمام مما جعلها تضرب على المكتب
بغيظ مغمغمة بامتعاض….
“انا بتلكع ياسليم….بيكدب وبيألف عليا…متكبر يعترف انه مهتم وان هو اللي طلب العصير
بنفسه وبعته ليا…..”
بعد ساعتين تقريبًا…دلفت الى مكتبه من جديد
وبعد الاستئذان خطت على بساط مكتبه وبين
يداها الملفات عيناها ارضًا تعد الخطوات
تقريبًا !!…
من يراها يظن انها موظفة رزينة مهذبة في التعامل
مع مديرها…واجهة مخادعة لعصفورة شرسة وعنيدة… وصاحبة أكبر عقل صلب يود تكسيره….
أسبل سليم جفنيه عنها مركز مع الموكل الذي
يجلس امامه على الجانب الاخر من المكتب
يتحدث بجدية معه عن قضية جديد سيوكل لتوليها….
وقفت كيان امامه قائلة باحترام…
“الملفات اللي طلبتها يا أستاذ سليم….”
امرها سليم بمنتهى العملية وهو يشير
على الاريكة….
“استني هنا شوية ياستاذة كيان….”
اومات كيان براسها وهي تجز على اسنانها جالسة
بهدوء…بينما هو يبتلعها بنظراته القوية…
ابتسم الموكل الذي يراقب تعاملهما المتحفظ
السلس في العمل فقال باعجاب….
“حقيقي اللي يشوف حضرتكم ميصدقش خالص انكم متجوزين….ومن فترة قصيرة كمان.. ”
نظر الموكل لسليم وتابع بعفوي…
“عجبني أوي تعاملك في الشغل…وانك بتفصل
عن حياتك الشخصية فيه…”
ابتسمت كيان واطرقت براسها…متذكرة قبل ان
يشن الخصام بينهما كانت تجلس على ساقه
بين ذراعيه يقبلها تارة ويعبث بيده الوقحة تارة أخرى…وكان حينها يدرسا أحد القضايا الهامة !…
رأى سليم ابتسامتها الخفية وعلم الذكرى التي تحملها بين ثناياها فهو بات يحفظها أكثر من
نفسها….
عاد للرجل يتحدث بجدية وحزم وعيناه تذهب
اليها خلسة…..
“انا أهم حاجة عندي القوانين والانضباط…أكتر
حاجة ممكن تستفزني ان حد يمشي عكس
المألوف…..إلا اختراق القوانين… دا مبدأ… ”
رفعت كيان عيناها الفيروزية اليه مشدوهة…فالتقط
سليم عينيها بنظرة تزيد الشوق اليه أضعاف…وتزيد
ندم البعد اطنان…..
نهض الموكل من مكانه مغلق زر السترة
وهو يقول ببشاشة….
“دا مبدأ يحترم….تشرفت بمعرفتك ياستاذ سليم
وان شاء الله القضية بتاعتنا تخلص على خير…”
نهص سليم كذلك يصافحة بحرارة عملية….
“باذن الله أطمن….أول بأول هبلغك بالجديد عن طريق سكرتير المكتب….لحد ما نتقابل تاني
ان شاء الله….”
اوما الرجل براسه مبتسمًا له ثم الى كيان وخرج
من المكتب مغلق الباب خلفه…
نهضت كيان من مكانها….ففوجئت بسليم امامها مباشرة وجهًا لوجه… قريب جدًا منها انفاسه الرجولية الساخنة تتسلل الى رئتاها دون
مقدمات مسبقة….
جفلت ملامحها مبتلعة ريقها وهي تشير بارتباك
على الملفات التي وضعتها على الطاولة…
“دي المذكرات اللي طلبتـ…..”
التقط المتبقي من حديثها بفمه ساحب خصرها
اليه بقوة حتى وقعت على صدره العريض القوي
وفي احضانه….
قبلها بنهم قبلة طويلة عميقة جعلت جسدها ينصهر
بين ذراعيه واعصابها تنهار من جرأة يده عليها…
تركها بعد لحظات ليست هينة من شدة لذتها
وعمقها عليها….
نظر لعيناها وهو يلهث مرجع خصلاتها المشعثة
بفعل اصابعه للخلف وهو يقول من بين لهاثه…
“فين المذكرات القانونية اللي طلبتها منك….”
رمشت بعيناها عدة مرات بخجلا وهي تلهث بين ذراعيه فاغرة شفتيها بغباء لذيذ…وعدم اتزان
بعد…
شهية جدًا كفاكهة طازجة تنادي الجائع لم يقاوم
أكثر من ذلك.. فرقتها وجمالها البري يثيرا رغباته فمالى عليها يلتقط ثغرها الأحمر باسنانه كقطعة التفاح يقضمها….في قبلة أخرى عميقة ثائرة بالعواطف..
أجمل مافي القوانين أن تخترق…وأجمل مافي
الحب الجنون…..
أطلق سراح شفتيها وهو يلهث ساندًا على جبهتها
ويداه تحتوي خصرها بهيمنة….
كانت تنهار بين يداه كليًا…موضحة دون كلام انها مغرمة… مغرمة حد الجنون…..وتشتاق حد
الهوس…
تنهدت كيان بلوعة لتراه يعيد الكرة
هامسًا بسؤال…
“فين المذكرات اللي طلبتها ياكـيـان….”
هل لهذا السؤال مكانًا هنا…. كيف ونحن في أحضان
بعضنا تسالني عن المذكرات القانونية….وتنسى قانوني أنا !…
اشارت بيدها على الطاولة دون حديث فلم تقدر
على التكلم أضحت فريسة للخجل الان بعد
أفعاله العابثة….
أبتعد سليم للخلف خطوتين واضعًا يده في
جيبه وباعتداد بنفس قال….
“روحي على مكتبك دلوقتي…وخليني اراجع
عليهم للمرة الأخيرة….”
اومات براسها دون كلمة وسارت مبتعدة عنه بخطوات أشبه بالركض….
…………………………………………………………….
في ساحة المعركة مشتدة بالنيران وصوت السكاكين
لا يعلو على ايقاعه أحد….
الروائح تمتزج ببعضها سيمفونية من الاوتار المشتبكة ينساق خلفها الفن والابتكار وفكرة
طاهٍ..
فنون الطهي لا تعتمد على طاهٍ بارع فقط..فنون الطهي كالقتال اعتمادها الأساسي على قائد ذكي مسيطر يعرف كيف يحرك النكهات ويوحد الاصناف
على سفرة واحدة دون خلل….
على الطاهي ان يصنع اطباق عصرية واضع ثقافة
وطنه بها…يضع معها الهوية والحلم ويكشف عن
موهبته للحكام ويقنعهم بها عند كل مرحلة
يخطوها في المسابقة…..
طاهٍ يجتهد بجد شغوف بالعمل يبذل قصارى
جهده حتى يصل الى غاية النجاح…
انتهى الوقت المحدد والضيق بنسبة لطهاة…الجميع
انهى اطباقه ومنهما من لم يحالفه الوقت بتزين
الطبق كما يجب….
فتقديم الاطباق بشكلا متناسق مزين بعصرية
كالوحة الفنية تمامـا نقطة تحسب للطاهي المحترف وان إهمل بها يهبط مستواه وحتى ان كان المذاق جيد….فكما يقال العين تأكل قبل الفم….
اخرجت شهد انفاسها بصعوبة وهي تتجه للصنبور
غسلت يداها بعد ان أخذ المساعدين الاطباق الى الحكام…..
تشعر ان انفاسها كانت مكتومة لمدة ثلاث
ساعات كاملة…
ثلاث ساعات كاملة طُلب منها تحضير ثلاثة اطباق متناسقة طبق مقبلات طبق رئيسي وطبق حلوى بتقنيات معينة احترافية لا يقوم بها اي شيف
عادي فقط من عشق فنون الطهي وتعمق
بجذورها لسنوات عديدة…
سحبت منديلا ورقي وبدأت تجفف يداها ومن
بعيد رأت الحكام يتناولا الطعام ويبدو على وجوههم علامات الرضا التام لكن هناك بعد الملاحظات البسيطة…
الملاحظات ؟!!…
انها في الأسبوع الثاني قد فازت الأسبوع الأول باعجوبة فقد بدأت الملاحظات الدقيقة على أقل نقاط في اطباقها مرددين النصيحة بان تتوخى الحذر فهي ممتازة في برز النكهات ورفع مستوى مذاق الاطباق لكنها أحيانًا تخطأ في نقطة او إثنين
حينها تكن النصيحة واجب نحوها….
تتمنى ان تفوز اليوم دون اي ملاحظات انها تعبت
كثيرًا واعطت كل جهدها في الثلاث اطباق حتى يخرجوا بمستوى عالٍ يليق بها…وباسم بلدها أمام الحكام الأجانب…..
انه النصف النهائي من المسابقة ان حجزت مقعد
بين الخمس مشتركين الباقيين سيبقى لها جولة
واحده فقط… ستكون الاصعب أكيد لكن من بعدها سيعلن اسم الفائز في الموسم الثاني…..
كل ما تبقى لها هنا أقل من عشرة أيام وتعود
للوطن اما بالفوز او بخيبة الأمل كما تتوقع…
أصبحت شهرتها على مواقع التواصل الإجتماعي
أسرع من النار في الهشيم…كل من يهتم بفنون
الطهي يتحدث عنها…الكثير يدعمها فخورين
بانها وصلت الى تلك المسابقة وفازت في الجولة
الأولى بامتياز رغم الملاحظات البسيطة بها…
البعض يتحدث عن الاطباق التي اعدتها في الجولة الأولى…وطريقتها الرائعة في تزين الاطباق….وعن جمالها وحسنها الراقي أمام عدسات التصوير ملفته
الانتباه لها دون مجهود يُذكر….
هناك أحد من معجبيها الجدد…رسام موهوب أرسل لها لوحة فنية هدية بصورةٍ لها بزي الطهي الأبيض..
لم ينسى حينها تفاصيل وجهها الإبي وابتسامتها وعيناها حتى انهُ لم ينسى (الانسيال) الذهبي
المكتوب عليه بالخط الفارسي
(سيدة الحسن والجمال..)
معظم المنشورات التي تقابلها عبر مواقع الانترنت تعلق على هذه الجملة…وعلى لون عينيها الامع الشبيه بحجر الكهرمان…. على حسنها الاخذ ورقتها الملكية….وهمتها وشغفها في الطهي…..
لم تشتهر اطباقها فقط جمالها لفت الأنظار وهذه
نقطة تحسب لها أمام عدسات التصوير التي ترصد
كل خطوة تقام في المسابقة عن القائمين عليها…
بعد فترة ليست بقصير أعلن فوزها منضمة الى
الفائزون…. مؤهلة معهم الى الجولة النهائية
الأسبوع المقبل….
وسيعلن حينها اسم الفائز بالموسم الثاني…..مزال
في المشوار باقية…..
ولكل مجتهد نصيب…..
………………………………………………………….
أوقف يزن سيارته بقلب مجمع سكني فخم أسفل بناية شاهقة ضخمة تعيش بها والدته مع اختها…..
ترجل من سيارته مغلق الباب من خلفه نزع النظارة
الشمسية عن عيناه وهو يدلف الى العقار…..
فتح باب الشقة بالمفتاح ونادى عليها وهو يتقدم
من غرفتها… “ماما….. ماما….. رافي……”
دلف الى غرفة والدته بعد الاستئذان فوجدها جالسة
في الشرفة تنفث في أحد السجائر الرفيعة التي
أصبحت لا تتركها من يدها في الاونه الأخيرة…
من يوم ان تم الطلاق بينها وبين والده وهي لم
تعد كما هي… دائما عصبية شاردة… احيانًا تنهار
وتبكي وهي تردد باستمرار….
(إزاي يطلقني…. إزاي أهون عليه… بعد كل اللي
عملته أخرج كده من غير ولا حاجة….)
هو مدرك تمامًا خسارة (إلهام) الأمر متعلق بالمال
والثروة الهائلة ليس إلا… وهذا احيانا يثير اشمئزازه
منها ففي فترة سابقة كان هذا كل ما يشغل تفكيره
مثلها لكن الآن الوضع اختلف…
ان منظورة للحياة تغير مائة وثمانون درجة
فالعيش في شارع الصاوي بدل حالة…أصبح
مدرك تمامًا للقيمة الحقيقة التي بين يداه….
بعد أن عمل مع شباب من عمره وسمع منهم
قصصٍ وأسباب دفعت بهما الى الكفاح والشقاء
في وقتٍ مبكر….
وقتٍ كان يلهو هو به هنا وهناك متمتع باموال
والده الطائلة واسم العائلة العريق……
شبابٍ كالورد انعم الله عليهم بصحة والرضا…
أبطالا بنسبة له فمنهم من يعيل أسرته ويعمل
ليلا ونهارًا لتوفير احتياجاتهم…ومن يعيل
والدته المريضة بعد ان تخلى عنه والده
منذ ولادته….
وهناك من يحلم ويسعى لتوفير تكاليف الزواج
كي يصل الى من تمناها قلبه بالحلال… داعي الله
في كل صلاة ان تكون من نصيبة بعد سنوات من الإنتظار المضنٍ والشقاء المستمر…
راى هذا بعيناه وسمع باذانه….فقد شارك معهم
بالكثير….بعد ان أمر عاصم بحزم ان ينضم اليهم
يأكل ويشرب معهم…وعند فروض الصلاة يصلوا جماعة…في الجامع القريب منهم….
أصبح واحدًا منهم…قد تناسى الشباب
انه صاحب مكان كـعاصم….تعاملا معه
باريحيه وفي حدود الإحترام….
لم يعرف يومًا إلا أصدقاء مرفهين مدللين أصعب شيءٍ بنسبة لهما حيرة كل عام في أيهما أفضل لقضاء أجازة الصيف خارج البلاد ام داخلها ؟!..
تغيير سيارات كل عام….والتفاخر بالعائلة
والممتلكات…
عاش طوال حياته مع أصدقاء من ورق اذا تعرض
أحد لاية انتكاسة كبرى مفاجئة يدير الجميع وجوههم تاركين السفن تحترق بمن عليها…
طالما الباقية بأمان !!…..
“يزن…..انت هنا من امتى ؟!….”
فاق من شروده على صوت أمه التي اطفات سجارتها ترمقه وهي جالسة على المقعد بشرفة الواقف على بابها…فتقدم منها يزن مقبل رأسها بحنو وهو يسالها…
“من شوية عاملة إيه النهاردة….”
زمت الهام شفتيها متعجبة من أسلوب ابنها المتغير
أصبح أكثر هدوء واتزان…..قليلا ما يبتسم او يمزح
كسابق….
تبدل حالة أصبح تعيسًا….مهموم….لم يكن يزن
مسعد الصاوي الذي تعرفه….
“انا تمام…..بس انت بقا مش عجبني…لسه
برضو مسبتش شغلك مع عاصم….”
جلس في المقعد المقابل لها قائلا
باستغراب….
“واسيبه ليه انا مرتاح في المكان…والناس
هناك كويسة جدًا….”
أحمر وجه الهام بغضب وهي تهتف
بغرور يشوبة الغل…..
“مرتاح إيه…انت مش صايغ…انت دكتور….انت
نسيت ولا إيه…وبعدين ناس مين دول اللي تنزل لمستواهم انت مقامك أعلى من كده… انت يزن
مسعد الصاوي…المفروض متكونش دي شغلتك
ولا تشتغل مع ناس زي دول….دا هما اللي المفروض
يشتغلوا عندك ويسعوا لرضاك… ”
برمت شفتيها وهي تخرج سجارةٍ من العلبة
وتشعلها بعصبية…مسترسلة بضيق….
“مش عارفه بجد اي اللي حصلك مانت كنت
أحسن من كده….”
رفع يزن حاجبه وهو ينظر اليها بحنق….ثم
عقب بصبرٍ…..
“وانا كده مالي يعني ياماما…مانا في أحسن حال أهوه…وبعدين ان لسه طالب في كلية طب….لسه مبقتش دكتور رسمي….ثانيا يالومي….الناس دول
مش عبيد دول بنادمين زينا….الناس اللي في شارع الصاوي دول عندي أحسن مليون مرة من اي واحد عرفته… ”
قالت الهام بتبرم….
“اللي عرفتهم ولاد عائلات ولاد ناس….”
هتف يزن دون تردد…..
“اللي عرفتهم بتوع مصالح…ومنظرة كدابة…”
نفثت الهام دخان سجارتها بغيظٍ…..
“منظرة كدابة !!…شوفت قعدتك في شارع
الصاوي وصلتك لفين….انت مش يزن ابني اللي أعرفه…انت ليه مش بتسمع كلامي انت حتى
رافض تيجي تعيش معايا…”
قال يزن بصبرٍ هادئ…..
“ما قولتلك ياماما اني مأجر شقة في شارع الصاوي….وقريبة كمان من الجامعة… ”
برمت إلهام شفتيها بتقزز…..
“شقة في شارع الصاوي….انا متخيلة شكلها
من غير ما توصفه….”
نداها بقلة صبر….. “ياماما….”
اندفع غضبها فجاة صائحة بتشنج…..
“بلا ماما بلا زفت….انت مش واخد بالك ان عاصم
ده بيستغلك مخليك تشتغل زيك زي أقل عامل عنده
مع انك ليك في المكان ده زيه تمام….ازاي سايبه يستغلك ويهينك….”
جز يزن على أسنانه وهو يقول بنبرة رغم
حدتها هادئه….
“مفيش اهانه ولا حاجة…عاصم عايز يعلمني ويشربني الصانعة….عشان بعد كده أقدر ادير
محل من محلات الصاغة بنفسي….”
سالته باقتضاب…. “هو قالك كده ؟!…”
اوما يزن براسه مؤكدًا….فالتوى فم الهام
متشدقة بضغينة…..
“بيضحك عليك….عاصم ده مش سهل دا تعلب
مكار…..أوعى تامنلوا يايزن دا عايز يلهف حقك
ويطلعك من المولد بلا حمص….”
أطفأت الهام سجارتها واشعلت واحدة أخرى بيد
ترتجف من شدة الانفعال والحقد….واسترسلت
امام عينا ابنها……
“وبعدين انت مكنش هدفك خالص تشتغل في الصاغة انت حابب الطب ودخلت القسم اللي
انت عايزة….إيه هضيع تعبك عشان الصاغة
والشغل في شارع الصاوي….”
أشاح يزن عيناه عنها وهو يقول بملامح
واجمة…
“مفيش مشكلة لو اشتغلت الإتنين الموضوع مش صعب هو مالي برضو وكار ابويا واجدادي…وبعدين
اطمني عاصم مش هياكل حقي…كان عمل كده بعد
اللي عرفه…بس هو اداني فرصة…ويمكن يسامحني مع الوقت….”
هتفت الهام بصفاقة والغل يشع من عيناها
الزرقاء……
“انت مغلطش يايزن…هي اللي تستحق الحرق…انا
مش عارفه هو ليه مطلقهاش لحد دلوقتي….تفتكر
عايز يرجع لها ؟!…”
وخزة ضميره عند ذكرها فقال لأمه
بحرج…
“معرفش حاجة عنها ومش مهتم….صفحتها
اتقفلت بنسبالي…كفاية اني كنت سبب
المشكلة اللي بينهم…وخسارتها للي في بطنها….”
قالت الهام بفحيح كالافاعي…..
“مش انت السبب طبعا هي اللي جابتوا لنفسها..
ماهي كانت داخله على طمع…عايزه تكون معاه
ومعاك…..حاجة مقرفة بجد….”
تافف يزن منها فهي تثير اعصابة و تذكره باشياء
يود لو ينساها ويمضي في حياته….
“انتي ليه بتفتحي بالقديم…مانتي عارفه
كويس ان الموضوع كان من ناحيتي انا…وهي مكنتش تعرف اي حاجة….”
ابتسمت الهام بسخرية…..
“انت بتصدق دا فيلم كانت عملاه عليكم انتوا الاتنين…لو كان كده مكنش عاصم فكر يطلقها…..”
قال بغلاظة….. “بس هو لسه مطلقهاش….”
قالت الهام ببرود….
“مصيره يطلقها…مش هيستمروا مع بعض
انا متأكدة….”
تنهد يزن بنفاذ صبر منهي النقاش…
“يستمروا أو لا….برضو الموضوع اتقفل بنسبالي..”
ابتسمت الهام برضا تام قائلة….
“ودا أحسن حاجة ياحبيبي…انه اتقفل بنسبالك…
عشان انا عيزاك في موضوع مهم….”
رفض يزن بشدة قبل ان تفتح الموضوع
مجددًا….
“متحوليش….انا مش بفكر في الجواز دلوقتي
غير لما أخلص درستي….”
قالت الهام بتملق ناعم….
“واي المشكلة لو قبلت البنت وعملنا فترة خطوبة
لحد ما تخلص درستك وتجوزها….دي بنت هايله
وباباها ليه منصب كبير في الدولة…ومامتها دكتورة جامعية….يعني عيلة مفيهاش غلطة… ”
رفض يزن بعناد ممتعض الوجه….
“فيها اني مبحبهاش…دمها تقيل…وتافهه…وللأسف
أهلها ناس مش مريحة….مش بحبهم….”
رفعت الهام حاجبها منزعجة….
“ولو محبتش دول هتحب مين…اوعى تكون بتفكر تجوز بنت أقل من مستواك…من شارع الصاوي ده
أنسى….”
قال يزن ببرود مستفز….
“انا لسه مقبلتش حد…بس اوعدك لو قابلت البنت اللي تخطفني من أول نظرة….هاخدك علطول عشان نخطبها من اهلها….”
هتفت إلهام بتسلط….
“ولد الموضوع ده مفهوش هزار….هتجوز اللي اخترهالك انا…”
هز يزن راسه مجيبًا….
“لا هتجوز اللي يخترها قلبي…دا لو فكر يختار…”
ابتسم بسخرية مريرة مشيحة وجهه الى المباني
الشاهقة والهواء المنعش من حولهما….
وقبل ان تفتح الهام فمها مجددًا دخلت اليها
رفيدة تقول بلهفة…..
“إلهام الحقيني….”
دخلت رفيدة الشرفة والهاتف في يدها وعندما
رأت يزن بصحبة أختها إبتسمت بمحبة الخالة قائلة….
“اي ده يزن عندنا….عامل ايه ياحبيبي…”
مالت عليه تعانقه فبادلها العناق قائلا
بتخمين….
“الحمدلله يا رافي…انتي لسه جايه من
برا ولا إيه….”
اومات براسها وهي تقول بجذل….
“اه كنت في النادي….كان عندي اسكواش…بقالك فترة مش بتيجي النادي… المدرب سالني عنك..
مختفي فين كده…”
هرش يزن في ذقنه قائلا…..
“مشاغل بقا يارافي….بس قريب أكيد هرجع
تاني…”
اومات له رفيدة بمحبة…وعادت بعيناها الى
أختها قائلة…..
“مش هتصدقي يالهام شوفت إيه النهارده….”
سالتها الهام بعدم ارتياح….
“خبر حلو ولا وحش…”
قالت رفيدة بحنق….
“خبر زي الزفت عن اللي اسمها شهد دي…”
سالتها الهام على مضض….
“ممم.. وفي جديد عنها بقا…عرفتي إيه….”
“شوفي ده…..”اعطاتها رفيدة هاتفها لترى
الهام صورة شهد على أحد المواقع الأمريكية
المعروفة…
اتسعت عينا إلهام…فنهض يزن بفضولا ووقف
خلف امه ليرى صورة شهد أمامه فبدأ بقراءة
الخبر بعينين مندهشتان….
تابعت رفيدة بحقد وهي تقول بصفاقة…
“شوفت الخبر بصدفة…معقولة واحده جربوعة
زي دي تتقبل في مسابقة عالمية…لا وكمان توصل للنهائيات شوفي كاتبين الخبر على موقع المسابقة..
والحلقة اللي اتصورت نزلت من شوية…”
كانا الأم وابنها في حالة ذهول وهم ينظروا
للصورة بينما اضافت رفيدة بنفسٍ حاقدة
“لو تشوفي الدجة اللي على السوشيال ميديا دي بقت تريند لمجرد انها مصرية قدرت تحجز كرسي
في النهائيات…وسط خمس متسابقين محترفين.. ”
سالها يزن فجأة….
“هي المسابقة دي فين يارفيدة….”
اجابته رفيدة بهدوء….
“في امريكا يايزن….بس مش محددين
موقعها بظبط….”
ارتفع حاجبه بصدمة…”يعني شهد سفرت؟!….”
اومات رفيدة برأسها….
“ايوا سفرت من ورا عاصم…..هما لسه مطلقوش
مش كده….”
اجابها بايجاز….. “لا لسه….”
ابتسمت رفيدة قائلة بلؤم….
“يبقا لازم يعجل بطلاق لما يعرف انها سفرت من وراه لا وكمان مستمرة في المسابقة من غير ما
تبلغه… بذمتك مش خبر زي ده يستحق انه
يطلقها….”
ضاق صدره بغيظٍ منهن فكانه يحيا في مؤمراة
ليس لها نهاية…وكلها لأجل الثروة واسم العائلة
اجابها بقنوط…..
“معرفش إحنا ملناش دعوة بيهم….”
تدخلت الهام بشراسة….
“انت ملكش دعوة….لكن رفيدة ليها كل الحق
ترجع حقها من تاني….”
نظرت الى اختها وقالت بأمر….
“الخبر ده لازم يوصل لعاصم يا رافي لازم…يعرف
انها بعملتها دي صغرته اوي قصدنا وقصاد العيلة..”
اومات رفيدة براسها قائلة بابتسامة
متشفية….
“دا أكيد….انتي ناسيه هو طلقني ليه عشان بس عملت إعلان مدته دقايق في استوديو قريب من
هنا….ياترى بقا هيتصرف إزاي معاها بعد ما سفرت
اخر الدنيا تشارك في مسابقة عالمية متشافه
للعالم كله….واسمها وصورها حاليا بقوا على
الميديا زي الرز…. دا غير البرنامج اللي بيتذاع
على المواقع أول بأول…..”
قالت الهام بعدم إهتمام….
“كل ده لصالحنا….يعني حتى لو كسبت المسابقة….مش هتيجي قد ثروة عيلة الصاوي…
مكسبها مش هيبقا زي عاصم الصاوي…”
زفر يزن بعصبية وهو يقول…..”انا ماشي….”
استدار يزن مبتعد عنهن وعن المؤامرات الحمقاء التي تثير اعصابة…..
هتفت الهام من خلف ظهره…
“ماشي رايح فين…. مش هتتغدى معانا….”
“شبعت…”قالها دون النظر اليها ثم صفق باب
الشقة خلفه…..
سالتها رفيدة بحيرة….
“هو ماله يزن يالهام…متغير اوي بقاله فترة….”
زمت الهام شفتيها بقنوط….
“مش عارفه يارفيدة…بس لو يزن فضل على الحال ده…هخسره زي ما خسرت مسعد…..”
رفعت عيناها للأمام قائلة بسوداوية…
“بنت عثمان وكريمة هي اللي دمرتني…وضيعت كل حاجة من ايدي…حتى ابني مسلمش من ايديها..”
…………………………………………………………..
ترجلت رفيدة من سيارتها الفخمة في قلب شارع الصاوي مباشرة أمام محل الصاغة الكبير….
بهيئة مبالغة دلفت الى الداخل تقرع الأرض بحذائها
العالٍ بخيلاء تسير وكأنها وطأة بقدماها مكانها….
عند دخولها رأت يزن يقف مع أحد الزبائن ويعرض
عليها مجموعة من المصوغات كي تختار منها…
كان جاد وراقي في التعامل وكأنه ينوم الزبونة
مغناطيسيّن مقنعها بالبضائع….التي نالت إعجاب
رفيدة فور رؤيتها رغم انها ليست مولعة بالذهب
بل ان الالماس غايتها دومًا……
شم يزن عطر انثوي جديد دخيلا في المكان فرفع
عيناه ليرى خالته أمامه تفف بكامل اناقتها وبعناية
فائقة الجمال ترتدي طاقم كلاسيكي بتنورة قصيرة
تكشف عن نصف ساقيها…..تاركه شعرها الكستاني حرًا على ظهرها…وكالعاده تضع افخم منتجات تجميلية باهظة لزينة وجهها…..
ابتسمت له رفيدة ملوحة بيدها برقة كي يفوق
من صدمة وجودها هنا…وفي الصباح الباكر ايضًا
فهو لم يراها منذ ان التقى بها آخر مرة في شقة والدته….
وبعد الحوار الذي دار عن مؤامرة جديدة لافساد
علاقة عاصم بزوجته والتي بالكاد أصبحت اضعف
من خصلة شعرٍ لبترها نهائيًا ؟!!…
سحب نفسًا خشنًا كاظم غيظة وهو يشير لأحد العمال ان يتولى مهمة البيع للسيدة…
أقترب من رفيدة سائلا بمرح طفيف…
“اي المفاجاة الحلوة دي يارافي….جايه تشتري
حاجة من هنا ولا إيه….”
قالت رفيدة بعجرفة….
“مكنتش مصدقة الهام لما قالتلي انك سبت الطب
وبقيت بتشتغل صايغ في شارع الصاوي…”
رد يزن بصبر وهدوء….
“مين قالك اني سبت الطب…انا لسه بدرس وبحضر الحمدلله محاضراتي أحسن من الأول كمان…وانا هنا
شغال في مالي….في كار ابويا وجدي….”
هزت راسها بعدم اهتمام سائلة وهي تلتفت
حولها…. “مفهوم مفهوم…. هو عاصم هنا….”
اشار بعيناه للطابق العلوي حيثُ المكتب… “فوق….”
“طب انا هطلع له….”قالتها رفيدة تنوي صعود
السلم المزخرف الفخم….لكن منعها يزن قائلا
بحزم…..
“مش لما ابلغه الأول انك هنا….”
اغتاظت رفيدة منه فقالت من بين أسنانها…
“بلاش تتعب نفسك….انا مكلماه في التلفون من
قبلها وعارف اني جايه….”
تسأل يزن باستنكار….
“بس انا بقا معرفش انتي جايه هنا ليه….”
قالت ببرود….”شغل….هكون جايه لي يعني…”
التوى ثغره متبرمًا….
“افتكرتك جايه تبلغيه بالمسابقة وسفر شهد
من وراه…”
لوت رفيدة فمها ببسمة صفراء وهي تنهي
النقاش معه بجفاء….
“انا من رأيي تروح تكمل شغلك يايزن….وتسبني
مني لعاصم….ولا هو عينك محامي وانا معرفش..”
خطت بحذائها العالٍ درج السلم تاركه رنة مستفزة
من خلفها تحكي عن سواد نفسها وعنجهيةٍ فارغة لأمراة تافهة تريد ان تبني حياتها على خراب
غيرها….
الم يكن يفكر مثلها قبل أشهر ؟!!…
والآن ماذا يعض على اصابع الندم….فقد أفسد
علاقة زوجية رائعة وفرق الأحبة وخسر أخًا لن تعوضه السنوات ابدًا….أخًا بات ينظر الى وجهه مضطر وعلى مضض يتحدث إليه !!..
زفر يزن بوجوم وهو يعود ادراجه الى الزبائن
والعمل لعل العمل في هذا المكان يريح نفسه
كما يرتاح عندما يصلي الى الله ويبكي مستغفرًا….
“هاي ياعاصم….اي الأخبار…”
رفع عاصم عيناه عن الملفات بعد ان علم بهوية الصوت….
راى رفيدة أمامه…كما هي دومًا أمرأه كاملة الانوثة
جميلة مستفزة بجرأة عينيها وملابسها العصرية العارية…
أشار لها عاصم بالجلوس مقتضبًا…مقابلها بسلام
بارد كنظرة عيناه القاتمة لها….
“أهلا يارفيدة……نورتي الصاغة…”
جلست رفيدة على المقعد وهي تقول
بتملق….
“الصاغة منورة بيك…مع انها مش مقامك
خالص ياعاصم….”
سالها عاصم بملامح جافية….
“خير يارفيدة…قولتي انك عايزة تكلميني
في الشغل…..”
زمت رفيدة شفتيها وهي تقول على مضض….
“بصراحة انا عندي إعلان هيتصور قريب ومحتاجاك
تعملي طقم الماظ بموصفات معينة…..”
فتح عاصم الدرج واخرج ألبوم صور….قائلا
باقتضاب….
“دي عينة من الاطقم اللي عملتها قبل كده…شوفي
اللي انتي عيزاه ولو في حاجة عجباكي وعايزة
تعدلي فيها تمام….”
مسكت الالبوم وبدأت تشاهد أطقم المجوهرات
المختلفة الاشكال والالوان….قائلة باعجاب
وتودد….
“التصاميم تجنن…. فنان من يومك….”
رفع عاصم سماعة الهاتف يأمر العامل في
الأسفل….
“ابعت يابني فنجان القهوة بتاعي…وواحد
عصير برتقان فرش….”أغلق الهاتف ونظر الى
رفيدة….
التي استقبلت نظراته بظفر مغوي قائلة….
“لسه فاكر العصير اللي بحب اشربه…واضح انك
منستش اي حاجة تخصني….”
رمقها عاصم بعينا صقرية مهيبة قاطع
احلامها….
“ركزي كويس في التصاميم يارفيدة…واختاري
اللي يليق عليكي…”
قالت بلهفة وتملق….
“انا مفيش حاجة تليق عليا غيرك ياعاصم…”
تافف عاصم قائلا بنبرة خطرة مهيبة…..
“رفيدة…دا مكان اكل عيش….وملوش لازمه خالص الكلام ده….عشان دا لا هيقدم ولا هيأخر حاجة بينا…. حكايتنا انتهت بقالها أكتر من سنتين وانا
راجل متجوز حاليًا..”
أوغر صدرها بالضغينة….
“بس انا بقا سمعت انك هطلق….”
أجابها بنبرة هادئة….بحروف مشتدة….
“اللي بلغك غلطان…. انا مقدرش افرط في
شهد مهما حصل….”
لمعة عينا رفيدة بالكراهية….
“بس هي فرطت فيك لما قبلت تسافر من وراك
وتشارك في مسابقة زي دي….”
انعقد حاجبا عاصم بعدم
فهم….
“سفر اي ومسابقة إيه ؟!!…”
سال الرضا بين عروقها كماء أثلج صدرها وهي ترى
دهشته التي من خلفها عاصفة خطرة تنتظر فقط
نسمة هواء حتى تثور وتأخذ الأخضر واليابس
معها….
“اي ده انت متعرفش….انا مكنتش اقصد اوقع بينكم….انا كنت فكراك عارف… وان ده سبب
الخلاف اللي هطلقها عشانه… ”
طحن عاصم على ضروسه يزأر عليها بنفاذ
صبر…..
“رفيدة ادخلي في الموضوع اللي جيتي عشانه
وبلاش لف ودوران انتي عرفاني….”
ازدردت رفيدة ريقها وهي تراه تحول فجاة من
عاصم الصاوي الهادئ الرزين الى رجلا وحشي
مجرم ينتظر الفرصة المناسبة لكسر عنقها….
تماسكت بقدر المستطاع وهي تقول بجسارة
متشفية به…..
“والله الاجابات كلها على موقع(×××)هتلاقي اسم
مراتك وصورتها وسط مشتركين اجانب بيشاركوا
في مسابقة عالمية إسمها (××××)مراتك انضمت
للمسابقة من شهر فات ومش بس كده دي كسبت
جولتين في المسابقة وفاضل لها جولة أخيرة
ويعلنوا اسم الفائز…..”
بدت عينا عاصم تتسعان مشتعلتان كجذوتان
من لهب وهو مزال يستوعب كل حرف تنطق به…
وقد تشنجت ملامحه واربد غضبًا أسود
وهو يسمعها تتابع بلؤم داسه السم
بالعسل….
“ممكن تكسب وممكن لا….بس حتى لو خسرت
هي كدا كده كسبت شهرة واسم بعد الشهر اللي قضته في المسابقة….أفتح صفحات (×××××)
أخبار المشاهير وتريندات هتلاقي اسمها وصورتها
من ضمنهم..اللي بيتغزل في جمالها واللي معجب بمثابرتها ونجاحها في المسابقة قصاد أشهر الطباخين…..”
تطاير الشر من وجهه وعيناه….وصدره يضيق
من شدة الغضب والغيرة….فقالت رفيدة
بمراوغة الثعالب….
“انا مستغربة إزاي ولمدة شهر كامل متعرفش
حاجة عنها….ولا هي كمان بلغتك دا واضح
انها مشكلة كبيرة أوي….”
بملامح صخرية القى عاصم نظرة تشع قتامه
مخيفه عليها مما جعل رفيدة تتراجع ناهضة من مكانها فقد انهت المهمة التي اتت من أجلها…
ستتركه الان ينفث عن غضبه على أحدهما…تاركه المعبد ينهار فوق الجميع طالما هي تقف عند خط
الامان….
“عمتًا انا همشي دلوقتي وأكيد هنتكلم تاني في الشغل اللي هيبقا بينا….باي ياعاصم….”
خطت مبتعدة عنه….بينما بدا يتفصح الهاتف عبر
المواقع التي ذكرتها…وقد تأكد بالفعل انها خارج
البلد منذ شهر تقريبًا مشاركة في مسابقة معروفة على حد قول المواقع انها عالمية وهذا الموسم
الثاني لها….
وهجت حدقتاه بنيران السعير…
قد تركت كل شيءٍ خلفها وذهبت الى حلمها اللعين….دون ان تخبره…مستهينة بوجوده في
حياتها متعمدة اهانة رجولته بالتجاهل…
وليست المرة الأول التي توصل له رسالة صريحة
انه لا يعنيها قط….بانه لاشيء بنسبة لها…
كيف سولت لها نفسها ان تاخذ تلك الخطوة دون علمه….. ومع من سافرت وحدها…. ومن شجعها
على تلك الخطوة الغبية…
ازداد الغضب داخله أضعاف…قد ظنت ان السكوت
ضعف مجبر هو عليه…لكن من الان وصاعدًا سيريها كيف يجبر الانسان على أمر لا يُطاق ؟!!…
……………………………………………………………
في المساء كان جالسًا في الشرفة يشاهد عبر هاتفه آخر حلقة تم عرضها عن تلك المسابقة التي أصبحت
حديث كل من يهتم بفنون الطهي..ومن يفتخر بنماذج
مصرية تشتهر خارج حدود الوطن….
انتفخت اوداجه بالغضب مربد الوجه وهو يقراء تعليقات الغزل الموجهة الى زوجته وصورها المنشورة في كل مكان هنا وهناك معروضة
للعلن…
هل هذا هو الحلم التي كانت تتمناه شهرة واسعة وصور متناثرة هنا وهناك….بعضها من نفوس مريضة…واخرى هائمة بجمالها الأخذ….
أعلم انك سيدة حسنًا وجمالًا لكنك ملكي انا
انا وحدي من يحق له رؤية حسنك والتغزل
به….كيف يناديكِ الجميع بهذا اللقب وينظروا
الى عيناكِ ويقولوا بها أشعار….وانتِ على دراية
كاملة بان لا شعرٍ يعلو فوق شعر عاشق متيمًا
بكِ….
تشقي قلبي بعشقك….تشقي كبريائي بسرعة
نسيانك لي !!….
أجرى اتصالا عبر الإنترنت بها…..فور ان رآها
متصلة منذ دقيقتين…..
ضاقت عيناه بقسوة وهو يراها تجيبه بصوتٍ
كسول متعب….
(ايوا ياحمزة…)
لوهلة قد تعجب من ردها السريع عليه لكنه الان
تأكد انها لم تلاحظ اسمه لذا ردت بسرعة
البرق ظنًا منها انه اخيها….
قال عاصم بصوتٍ خشن…..
“لا مش حمزة يامدام…فوقي من نومك اللي بيكلمك جوزك عاصم الصاوي…شكلك نسيتي انك متجوزة
أصلا…ماهو لو حطاها في اعتبارك…هتعملي معايا
كدا ليه ؟!!…..”
شحب وجه شهد وهي تبتلع ريقها ثم استوت في نومتها جالسة على الفراش تاخذ انفاسها مضطربة
ونبضها يلعو بوجع ايقاعه منقوش بأسم الحبيب
وبرغم نبرة صوته المتجهمة الغليظة ارتجف
قلبها شوقًا إليه….اشتاقت إليه وكل يوم يعذبها ضميرها لعدم معرفته بالخطة الحالية…
لكن هو من قصها من حياته وكانها لم تكن
لماذا يلومها ويصب جم غضبه عليها الان
فهو من أخبرها في آخر لقاء بينهما انه يكرهها…واستبد بكونها ستظل زوجته
شاءت هذا ام ابت لن يتغير الوضع…
انهُ ارهقها وفاض فؤادها بالوجع…جعلها كجثة
من بعده منفطرة القلب فاقدة مذاق الحياة انها
تبغض هذه الحالة….حالة ان يكون الحب أولًا
مضنية للروح والقلب وكأن المرء يموت وهو
حيًا ويحيا وهو ميتًا !!..
اهذا هو الحب…ان ندور جميعًا في حلقة
مغلقة قاتمة تقتل عزمنا وتزيد شقاء قلوبنا
عند الهجر…..
ولكل بداية جميلة مولعة بالحب نهاية تعيسة
مشتعلة بالعتاب….
(عاصم……)
هذا كل ما نطقت به وكأنها تشعل خاطرها باسمه لتجد كلماتٍ تدافع عن موقفها امام غضبه
الجارف…..
هدر عاصم بعينين مشتعلان كجذوتان
من لهب…
“عاصم؟!…لسه فاكرة عاصم.. فين عاصم من
حياتك يامدام…بعد ما سفرتي وشاركتي في المسابقة بتاعتك…فين عاصم اللي عرف بصدفة زي الغريب دا انتي حتى مفكرتيش تبلغيني بعد ما سفرتي…..”
لم يكن لسانها حليفها فظلت صامته خائفة
مترددة مجمدة الاطراف متخيلة براكين
الغضب التي ستندلع فور رجوعها للوطن
مجددًا…..
لم يُطق عاصم صبرًا فصاح بسؤال
جهوري…..
“انتي فين في بظبط…في اي حته….”
سالته بتردد…..(بتسأل ليه…)
أجاب بصوتٍ تردد صداه بهيمنة …
“بسيطة…عشان نرجع بلدنا…وابدا احسبك بقا
على القديم والجديد….”
قالت شهد بحنق….. (تقصد إيه بكلامك ده….)
شن عليها حرب ضارية بالقول الحاسم….
“اقصد انك هتطلعي من المطار على شقتنا…غصب
عن عينك وعين اللي يتشددلك….”
قالت بعنفوان رافعه وجهها الابي….
(بعينك….احنا هنطلق….انت مش قولت انك
بتكرهني تبقا تطلقني ونخلص….)
قال عاصم ببرود….
“ومين قالك ان انا بقا بتاع طلاق….”
قالت شهد باستنكار….
(انت بتضحك على مين…ما انت طلقت قبل كده
مش جديدة عليك…)
علا وجهه تعبير غريبًا وهو يقول…
“مش جديدة فعلا….. مانا ناوي ارجع لها برضو…..واخليكم انتوا الاتنين على ذمتي…..”
وكانه دب في قلبها نصلٍ حاد جعلها تنزف
بالوجع هاتفه بتمرد مستهجنة….
(انت بتحلم لو مفكر اني هوافق على القرف ده…)
أراد بسادية ايلامها فقال باستفزاز….
“القرف ده هيعجبك أوي….لما اتجوز التلاته
والرابعة…..الصبر جميل يامدام….”
هاجت منفعلة بغيرة….
(انت بتستفزني….انت متعرفش انا ليه
سفرت أصلا….)
التوى فمه بسخرية قاتمة….
“هيكون عشان إيه….فلوس وشهرة….مش دا
كان هدفك من زمان….من اول يوم شوفتك فيه…
وده اللي بترسمي عشان توصليله… ”
ترقرق الدموع في عيناها وهي تعترف بمرارة…
(كان….بس مبقاش هدفي…..انا سفرت عشان عثمان
الدسوقي ضغط عليا…ارفع عليك قضية واجرجرك في المحاكم….بتهمة انك ضربتني لحد ما حصلي اجهاض…..كان هيشتري ذمم الناس وشهادت
مضروبة ويقف قصادك في المحكمة….كانت بس واقفه على توكيل مني للمحامي عشان كده سفرت بعد ما جتلي فرصة السفر….انا مقدرتش اقف
قصاده…)
لم يتأثر بحديثها قط…يراها حجة واهيه فوالدها نفسه غير قادر على الوقوف أمامه وان فكر وسولت لهُ نفسه ستكون الهزيمة مُسطرة على جبينة…
قال عاصم باستهزاء مرير….
“كان ممكن تيجي وتحكيلي…ساعتها انا هتصرف
وهحميكي منه….بس انتي مش بتعرفي تعملي
حاجة غير انك تهربي وتكدبي….”
سالت دموعها على وجنتاها وهي تقول
باستسلام…
(احنا حياتنا بقت صعبة مع بعض….عشان
خاطري خلينا ننفصل وكفاية لحد كده….)
صاح عاصم بنبرة قاسية محتدة….
“لما اخد حقي منك….واطلع عليكي القديم
والجديد هبقا اطلقك…..انتي فين بظبط
ابعتيلي عنوانك…..”
رفضت شهد بعناد قائلة….
(لا مش هبعتلك حاجة…ومش هعرفك انا فين..
ومش هسافر ياعاصم غير لما أخلص المسابقة
ولما إرجع يحلها ربنا…)
عيل صبره منها فصاح بوحشية….
“كفاية لعب بقا… ولف ودوران وانطقي ياشـهـد….”
قالت شهد بصلابة مقررة….
(انا لا بلعب ولا بلف وبدور عليك…دي حياتي ومستقبلي وكفاية انك منعتني عنه زمان….ودلوقتي انا اللي بقولك هكمل….هكمل الطريق اللي قولت قبل كده عنه انه تافهه وملوش اي لازمة…..)
لفهما صمت مشتعلا بالغضب والانفاس العالية
بتحدي وعناد…..
قال عاصم بنبرة غريبة اربكتها بشدة….
“تمام كملي يعني هنهرب من بعض لحد امتى
يا أما هجيلك….ياما هتجيلي…..”
استسلام غريب اوقعها في ثقب أسود جعلها
تفكر مليًا فيما نطق به….فهو أكيد يدبر لأمر
ما…..
أغلق عاصم الهاتف في وجهها وهو يسب
ويلعن ضارب على سور الشرفة بقبضة يداه الفولاذية…
يشعر بالعجز بالغيرة وكبرياؤه يزأر في الزاوية
ببغض…..فلم يتبقى على الجولة النهائية إلا يومين فكيف سيوقف لمعان شهرتها كنجوم وهي تضوي كالبدر بين الجميع !!…
…………………………………………………………..
خرج حمزة من غرفة النوم وهو متأنق للذهاب للعمل
في المصنع ككل يوم يخرج صباحًا ويعود في المساء دون سلام أو حديث معها…..
حتى انه لا يأكل في البيت وكلما دعته للطعام يرفض
باقتضاب….مشيح بعسليتاه عنها… وكانه ينفر منها
“مش هتفطر….”
كالعادة دعته للطعام بعد ان اعدت فطور ملوكي
له…. فقال حمزة وهو يتجه الى باب الخروج
دون النظر اليها..
“مش هينفع….. متأخر…..”
قالت من خلفه بحنق بالغ….
“يعني ساعة الفطار متأخر وساعة الغدا مش
عايز…. وتقولي انا واكل قبل ما اجي…هو في
اي بظبط….”
توقف مكانه وهو يقول ببرود….
“والله السؤال ده تساليه لنفسك مش ليا….”
“استنى ياحمزة…”وقبل ان يتحرك وقفت
أمامه قائلة امام عيناه الشاخصة عليها..
“انا مش قادرة اعيش كده معاك….”
رد بنبرة صقيعية جمدتها….
“بكرة تتعودي زي مانا بدات اتعود على
العيشة دي….”
فغرت قمر شفتيها محتقنة الوجه….
“يعني انت عايزنا نفضل مع بعض كده…لا طيقين
بعض ولا قدرين نتكلم سوا….”
بملامح رصينة ونظرة باردة قال بفتور….
“انا لو عندي حاجة عايز اقولهالك…هقولها….وانتي
لو عندك حاجة انا مش ماسك لسانك اتكلمي….”
مدت يدها فجاة مداعبة زر قميصة وهي
تقول برقة….
“من بدري واقفه بحضر الفطار ده عشانك…
وفي الاخر تقولي مليش نفس…. ”
ثقلة انفاسه فجأة وهو ينظر الى شفتيها الوردية الهامسة باغواء ثم لبنيتاها المتسعتان بجمالًا
كحبتان من البُن المحمص الشهي….
بلع ريقه وهو يشيح عيناه عنها بصعوبة نازع
يدها عن موضع صدره……
“وانا قولتلك اني مش عايز أفطر…. كيان جايه
كمان شوية ابقوا افطروا سوا….انا متاخر.. ”
مسكت قمر ذراعه سائلة بتجهم…
“انت ملهوف كدا ليه على المصنع…. هو
المصنع ده في ستات…”
أجاب حمزة على مضض…
“في اتنين في الإدارة بتسألي ليه…”
وضعت يدها في خصرها محتدة بضجر…
“اه قولتلي… يبقا أكيد هتفطر مع واحده منهم….”
اجاب حمزة بنبرة خافته مقتضبة….
“هما بيعزموا فعلا من باب الذوق…بس انا
مبقاش ليا نفس للأكل ولا لأي حاجة تانيه… ”
رفعت حاجبها مبهوته….
“معناها كبير أوي الجملة دي؟!!…”
هز راسه بلا مبالاة….
“افهميها زي ما تحبي انا ماشي…”
ابتعد عنها فاتح الباب امام عيناها ليرى كيان تقترب
من باب الشقة وعندما راته تهلل وجهها بالفرح
لرؤيته…
“ميزو…. انت ماشي ولا إيه… مش هنفطر سوا..
دا انا جيبالك الفلافل سُخنة….”
قبلها حمزة وهو يعتذر برفق….
“لا انا متأخر افطري مع قمر… هي محضرة
السفرة من بدري…..”
نظر لقمر التي رمقته بغيظٍ وغيرة بينما قالت
كيان بحنو….
“طب حتى أصبر اعملك سندوتش سريع…”
“مش جعان ياكيمو…. يلا سلام….”ربت على
كتفها خارج من باب الشقة فقالت كيان
بلهفة تذكره…..
“حمزة متنساش تتفرج على المسابقة….”
ابتسم لها قبل ان يستقل المصعد….
“مش محتاج تفكريني….يلا ادخلي..”
اغلقت كيان الباب واقتربت من قمر قائلة
ببشاشة…..
“عاملة اي ياقمر….اي الأخبار…. مالك شكلك
مضايق… وحمزة كمان انتوا متخانقين ولا
إيه ؟!..”
نزلت دموع قمر وهي تجلس على أقرب
مقعد أمامها….فاقتربت منها كيان بقلق
تسألها….
“بتعيطي ليه دلوقتي احكيلي بس..واهدي
يمكن نلاقي حل…”
بعد فترة طويلة من الحديث مسحت قمر عينيها
من الدموع ثم القت المنديل امامها على الطاولة
وسط كومة بيضاء من المناديل المتناثرة….
وزعت كيان عيناها الفيروزية بين كومة
المناديل البيضاء المستهلكة وقمر الجالسة
جوارها بكآبة وحزن….
فضربت كف بالاخر وهي تعقب
بغرابة…..
“بذمتك دا كلام… بقا تساعدي الحرباية
دي تخرب عليكي….”
قالت قمر بصوتٍ خافت واهٍ……
“المكالمة اللي بعتتها فورت دمي…مبقتش عارفة
أعمل إيه ياكيان….”
هتفت كيان بنبرة مشتدة المعاني….
“متعمليش حاجة انا اللي هعمل…اللي إسمها
نجلاء دي مش هتتلم غير لما تلقيني فوق دماغها
زي زمان أصل انا وهي من زمان مكنش فيه بينا عمار… ويامه اتعركنا وفرجنا الناس علينا…سواء بسبب حمزة او غيرتها من شهد هي وامها الحيزبونه…”
منعتها قمر بتردد…..
“لا بلاش تدخلي في الحوار… الموضوع انتهى…”
قالت كيان بنظرة ونبرة صارمة….
“منتهاش دي هتفضل تحوم حولين اخويا لحد
ما توقعوا في شر أعماله… دي خبيثة وكل اللي
يهمها دلوقتي ترجعه ليها من تاني….”
لوت كيان فمها بتبرم مضيفة…
“أمال طبعا احلو في عنيها بقا… بعد الشقة والمصنع…. هتعوز ايه أكتر من كده….”
نظرت قمر امامها مفكرة بوجوم…فلكزتها كيان
فجأة تقول بنبرة حازمة…..
“وانتي ياهانم خفي شوية على الواد….انا مش مصدقة انه لحد دلوقتي ملمسش شعره منك..
إيه قعدين مع بعض زي الأخوات….مش فاضيين
من كتر المشاكل اللي بينكم….”
ارتبكت قمر قائلة بحنق…..
“اخرسي ياكيان وبلاش تكلمي في الحاجات
دي احترمي نفسك….”
لكزتها كيان مجددًا هادرة بنفاذ صبر…
“احترم نفسي ؟!!…ياشيخة اتنيلي احترام إيه
ونيلت إيه….اللي زيك كان زمان بطنها مترين
لقدام….ماهو لو كُنتي خدتي النصايح من داليدا
مكنش ده بقا حالك..”
لكزتها قمر تلك المرة محتدة….
“بقول اتلمي يا كيان…واقفلي على السيرة دي…”
قالت كيان بسخرية مغتاظة منها….
“هو دا اللي انتي فالحه فيه أقفلي السيرة دي..
بلا وكسة وخيبة…. الواد الستات بتحوم حوليه
برا…. وانتي جوا مصدره الوش الخشب….”
جزت قمر على اسنانها مزمجرة…
“هو اللي مصدر ياختي الوش الخشب مش انا..”
هتفت كيان بدفاع….
“ماهو لو لاقي دلع ياحبيبتي هيدلع….”
زمت قمر ثغرها بتهكم….
“انا بتكلم معاكي ليه اصلا…هدافعي عني
يعني..لازم تقفي في صف أخوكي…”
خففت كيان من حدتها قائلة….
“انا واقفه في صفكم انتوا الاتنين وبنصحك لمصلحتك….”
على صوت قمر بضيق…
“أيوا يعني عايزاني أعمل إيه….”
قالت كيان بصلابة….
“اللي كان المفروض يحصل بينكم من
أول يوم جواز….”
التوى ثغر قمر باستخفاف….
“وهو ده الحل للمشكلة يعني…”
زفرت كيان وهو تقول بصبرٍ….
“دي بداية الحلول انكم تقربوا وتصفوا من
ناحية بعض….اسمعي مني…وسيبك خالص
من اللي اسمها نجلاء دي…. انا اللي هبعدها
عنكم….خالص….”
……………………………………………………………..
وقفت امام المرآة تهندم الزي الأبيض المخصص للطهي…. اليوم الاخير في المسابقة للجولة النهائية
تنهدت وهي تخفي الهلات السوداء أسفل عيناها
بأحد الكريمات…. يومين كاملين تعيش الصراع
ليلًا ونهارًا بعد مكالمته الاخيرة لها وتهديده
الصريح…..
يشتعل صدرها بالغيرة كلما فكرة بانه على تواصل
مع تلك المرأة….تثور كالبركان عندما تعيد حديثه
عن رغبته في العودة اليها متزوجها هي وإثنين آخرين….
“ليه نفس يحب وياتجوز المعلم…”
قالتها بتبرم وهي تلعن قلبها المنفطر عليه وهو
الذي يفكر في اللهو مع ثلاثة نساء غيرها…..
بدات تمشط شعرها وعسليتاها غائمتان بالحزن والفقد..شهر كامل تعاني من الوحدة والارق من
كثرة المعافرة والتخطيط فكريًا وعمليًا للفوز…
حتى انها تعاني من العنصرية هنا…خصوصًا
المتسابقين معها نظراتهم وحديثهم يكشف
عن الكراهية والبغض لها…
فلم يروق لأحد شهرتها على الميديا ونجاحها جولتان كاملتان أمام أكثر الطهاة احتراف في فنون الطهي..
تنهدت باستياء فإن خسرت الجولة النهائية لن يكون
لفوزها السابق اي معنى..مجرد شهرة قصيرة الامد
طرق على الباب فسمحت للطارق بالدخول فقد
انتهت من ارتداء ملابسها وعلى وشك الخروج
الى مقر المسابقة….
دلف طارق اليها بحلة رسمية فخمة قائلا
بملامح بشوشة….
“صباح الخير ياصديقة الطفولة….”
استدارت اليه مبتسمة مجيبة…
“صباح النور ياطارق….بقالك يومين مختفي
كنت فين….”
اردف طارق وهو يجلس على حافة
الفراش…..
“كان عندي شغل واجتماعات مهمة….بس انا
معاكي النهاردة….جاهزة للجولة الأخيرة…”
زمت شفتيها بملامح محبطه….
“بصراحة لا….بس هحاول أكون جاهزة….
على قد ما اقدر….”
قطب طارق جبينة بتساؤل…
“مالك ياشهد…… شكلك مش عاجبني….”
قالت شهد بارتباك….
“متوترة شوية خايفة مكنش قدها….”
تحدث طارق بجدية وتحفز…..
“انتي قدها وقدود….الكل مبقاش ليه سيرة غير
شهد عثمان الدسوقي….البنت المصرية اللي
بتشارك في مسابقة طبخ عالمية…”
ابعدت وجهها عن مجال عيناه معترفة
بقنوط….
“الحقيقة ياطارق….انا بقيت مضغوطة اكتر من
الأول بسبب الشهرة دي….لدرجة انها عملت لي
مشاكل مع عاصم….”
رفع حاجبه مندهشًا ليقول بعد فترة بحنق….
“اه قولتيلي عاصم….طب واي المشكلة مانتوا كده كدا هتطلقوا ولا انتي غيرتي رأيك…”
ارتبكت وهي توليه ظهرها….
“أكيد مغيرتش رايي بس….بس انا….”
قال طارق بصعوبة وجفاء….
“بتحبيه….عينك بتلمع اوي مسافة ما تيجي
سيرته في اي حوار بينا….”
لم تقدر على اخفاء لوعة قلبها وهي
تؤكد….
“أكيد لسه بحبه يعني…دا كان أول حب
في حياتي….”
بنبرة غريبة قال طارق وهو ينظر الى
ظهرها…
“اديكي قولتي كان…انا من رأيي تركزي في حياتك
ومستقبلك الجاي… وتنهي اي علاقة ممكن ترجعك خطوة لورا…..دا رايي….”
احنت شهد راسها بهزيمةٌ مفكرة مليًا في
الأمر….
فقال طارق بنبرة واجمة….
“اللي بيحب بجد ياشهد لازم يحترم حلمك شغلك….كيانك….ويقبل بيكي كأنسانة مستقرة
حُرة….مش مجرد تحفة فنية في بيته….”
ادارة شهد وجهها اليه بعينين ذاهلتين…
“واضح انك عرفت تفاصيل عني انا مقولتهاش؟!!…”
رد طارق بهدوء متزن…
“مش محتاجة تقوليها انا مسافة ما شوفته وعرفت
هو بيشتغل إيه بظبط…فهمت دماغه كويس..”
رمقته شهد بجدية قائلة بدفاع….
“بس عاصم مش وحش ياطارق…الفكرة بس
ان كل واحد ليه تفكير مختلف عن التاني…هو
شايف كده بحكم المكان اللي اتربى وعاش فيه….وانت ياسكندر شايف كده بحكم
عشتك هنا….”
قال طارق بوجهٍ عابس……
“في النهاية مش هتقدري تغيريه…نصيحة مني
الطلاق هو الحل الأمثل ليكم….”
تبادلت معه النظرات مبهوتة الملامح…حتى قالت
شهد له دون تعبير….
“احنا لازم نتحرك دلوقتي….عشان نلحق المسابقة
ولا انت عايزني أخسر….”
نهض من مكانة قائلا بتودد….
“خسارة إيه…السيزون ده بتاعك….اتفضلي قدامي
السواق مستنينا تحت….”
………………………………………………………
بدت مرتبكة قليلا بين الجمع المتواجد في مقر
المسابقة من مصورين ترصد بالعدسات المكان
من حولها….الى طاولة الحكام الأجانب الذين
بانتظار نتيجة مبهرة أكثر منها مرضية !…
يريدون مشاهدة جولة نهائية أشبه بحرب شعواء
مشتعلة….النكهات تدافع كالجنود بجسارة في
حرب المعركة….
ومن ناحية اخرى يقف خمسة مشتركين يدرسوا
قواعد الجولة الأخيرة والاطباق التي يجب اعدادها بتقنيات محترفة وإنجازها في وقتٍ ضيق….دون تهاون او تخاذل…فالغلطة الصغيرة تعني نهاية جسيمة !….
سحبت نفسًا مضطرب وهي تحسم أمرها بان تعد
اطباق من التراث المصري مضيفة بها بعض اللمسات
التي تجعل مذاق الطعام أشهى من المعتاد….
وهذا سيكون تنفيذة سهلا فهي لديها خبرة
واسعة في هذا المجال..
وبما انها ابنة البحر وعاشقة للاجواء الساحلية
قررت ان تطهو شيءٍ قريبًا من قلبها….
حانت منها نظرة على طارق فابتسم لها مشجع وهو
يقف عند أحد الزواية يتابع العرض الجبار الذي سيبدأ بعد ثواني…..ثلاثة….اثنان….واحد….
تحولت ساحة الطهي الى ساحة معركة بمعنى
الكلمة…. الكل يعمل بلا توقف محاول إنجاز
الاطباق المطلوبة في الوقت المحدد….
كانت هناك كوارث في ساحة الطهي من ينسى
الإناء على النار فيحترق كليًا.. ومن يهدر الوقت
في إعداد وصفة إتمامها يحتاج أضعاف هذا الوقت
ومن يبالغ في اعداد الاطباق على أمل ان يصل
للقمة بها وهو للأسف ينزلق دون ان يدرك…
أحيانا رغم اكتساب الخبرات الواسعة..والمهارة
فيما اعتدنا صنعه…يقيدنا الوقت وتوترنا الصغوطات والتفكير في النهاية…فتكن الغلطة الصغيرة بمثابة
نقطة رجوع للبداية !!….
عكسها هي بدت تعمل بتركيز وهدوء….مثلجة صدرها
رغم الاضطراب المستتر…جعلت مساحتها باردة عكس ما يحدث خارج حدود دائرتها….
بذكاء جعلت الحرب ضد نفسها وليس مع أحد من المشتركين…فإن كان التحدي بين ذاتك فالفوز
مرهون بنتائجك انت وليست نتائج من حولك !!…
آخر دقائق وتنتهي المسابقة ويتم الإعلان عن
الفائز بعد تذوق الحكام واعطاء الآراء….
بدت تزين الاطباق بشكلا عصري ودقة فنان
وكأنها ترسم لوحة فنية ثم عند الانتهاء و قبل ثوان رفعت عسليتاها على المشتركين لترى البعض يعلو وجهه الاحباط والحزن والآخر يبتسم بسعادة منتصر…والبعض راضي عن ما قدم… وآخر
متردد في إرسال الاطباق للحكام…..
لكن فات وقت التردد قد اتت الاشخاص المخصصون
لأخذ الاطباق ووضعها عند طاولة الحكام للتذوق..
حينها زفرت شهد بتعب للمرة الأخيرة…فاما ان
تجد نتيجة تعبها أو اللاشيء كما اعتادت من الحياة…السعي دون مقابل ؟!…
مرت الدقائق بطيئة متعبة للاعصاب…على جميع
الطهاة وهي معهم….تقف تنتظر نهاية الحلم…
مر شريط حلمها امام عينيها كفيلم سينمائي متقطع
من بداية حبها للطهي وتغيير نمط بعض الاطباق
بإضافة لمستها…الى التعمق والعشق في هذا المجال
حتى أصبحت دراستها عنه…وعند التخرج أحبت
ان توسع مجالها عبر الانترنت بتوصيل الطلبات
وعندما وجدت استحسان وآراء جيدة من البعض بدأت تفكر في فتح مطعم باسمها….
وتتولى الأحداث بخسارة بعد خسارة وصدمة
خلف الاخرى….حتى بتر الحلم بيدها محاولة
نسيان ما كانت تود الوصول إليه…
لكن الحياة أرادت ان تعطيها فرصة أخيرة فاستغلتها
كطفلة تائها وجدت عائلتها في الزحام…فتشبثت بهما
باكية تريد العودة للبيت….. تريد الأمن….
ياتي الحلم ليحيا بنا ومعنا مثابر الى النهاية…ثم
ينتهي الحلم الجميل بعد ان نرتدي ثوب النجاح
مبتسمين ملوحين له بالوداع….
نُطق إسمها فجأة فرن في أذان الجميع قبلها
فمنهم من اتسعت عيناه بصدمة مستنكرًا
فوزها… ومنهم من صرخ بغضب فاغر الفم
جافل الملامح….
ام هي فنظرت حولها بغير استيعاب مبهوته…فالمكان تحول فجأة الى ساحة احتفال….والحكام اقتربوا منها يهنئوها بالمصافحة وكلمات مباركة لطيفة….
اقترب منها طارق كذلك قائلًا بملامح
منبسطة سعيد لأجلها…
“مبروك ياشهد…تستحقيها وبجدارة…”
سالته في غمرة الحيرة…..
“انا كسبت بجد…..بجد كسبتهم؟!!…”
ضحك وهو يوما براسه مشاكسًا…
“بطلي عقدة الخواجة دي بقا…مستقيلة
بنفسك ولا إيه…..”
لسعة الدموع حدقتاها
معقبة….
“لا….بس مش مصدقة…”
قال طارق بجذل فخور بها…..
“لازم تصدقي….انتي نجمة السيزون التاني لمسابقة
(××××) لازم تصدقي وتفرحي….حققتي خطوة مهمة
في حياتك…وفي حلمك… ”
ضحكت شهد ولمعة عينيها بالدموع وبوجه مشرق بالسعادة بدأت تطلع على الجميع محاولة تصديق
انها بالفعل فعلتها وفازت….ربحت المسابقة…
مما جعل (الحمدلله)أول كلمة تنطق بلسانها
بعد ان إدراك العقل فرحة النجاح…..
على الناحية الأخرى صاحت كيان وهي جالسة
جوار قمر وهما يشاهدا البرنامج على الهاتف
عبر الموقع الذي يذيعه الآن مباشرة…..
“شهد كسبت ياقمر….كسبت….”
تهللت اسارير قمر وهي تقول بفرحة…
“كانت فظيعة وسطهم…هادية كده وراسية….
وعارفه هي بتعمل إيه بظبط….”
اومات كيان براسها فخورة باختها الكبرى وما
حققته من إنجاز في حلمها….
على جانب الاخر كان يجلس حمزة خلف مكتبه
البسيط في قلب المصنع يشاهد سعادة أخته
ودهشتها بعد إعلان النتيجة….زفر باشتياق
اليها هامسًا بحزن….
“اديكي حققتي الحلم ياشهد…بس وانتي
بعيد عننا…”
في مكان آخر كان يمسك عثمان الهاتف
بملامح متصلبة متجهمة وهو يرى ابنته
تلمع كنجمة ساطعة بين الجميع….الكل
يتهاتف للتصوير معها والمباركة لها…
فخورين بكونها أمرأه عربية اجتازت تجربة فريدة
من نوعها أمام جمع كبير من الطهاة مختلف الجنسيات الغربية….
رن في اذانه حوار كالناقوس جمع بينهما يومًا
كان حينها يقلل من شأنها ومن طموحها في هذا
المجال الذي كان يرى حدوده تنتهي في مطبخ
زوجها ليس إلا ! ….
قال بصوتٍ جهوري قاسٍ….
(وانتي فاكرة انك هتعرفي تحققي حاجة بنفسك واحده زيك آخرها تتجوز وتربي عيالها..والطبيخ
اللي فكراه هيوصلك للعالمية نهايته معاكي في مطبخ بيتك….كفاية عبط……وهبل…. انتي
مش هتعرفي تحققي حاجة بنفسك فوقي….)
هدم ذاتها وقتها فقالت بصوتٍ يتجرع مرارة
الحزن….
(لي مصمم تكسرني..ليه بتقلل من اي حاجة بحبها….المفروض انك أبويا…. المفروض
انك تدعمني تقف جمبي…. وتصدق حلمي…)
هدر وقتها بجمود ينهي النقاش اللعين…
(حلمك اهبل وتافه……. والشهادة والخبرة اللي بتكلميني عنها متوصلكيش لحاجة…. اخرتك
في مطبخ بيتك..)
أغلق عثمان الهاتف بعنف…وقد وعى على نفسه
قبل ان يقع في كبوة الندم !!…
……………….
بين الصحافة وعدسات التصوير كانت واقفة
يجاورها طارق بالوقوف معها يدعمها ويترجم
لها بعض الكلمات التي تتعثر بها من شدة
توترها بها…
كان قلبها يقرع بجنون وارتباك وهي تجيب على
هذا السؤال….وتتصور مع هذه….تحكي عن آخر
دقائق في المسابقه لحظة إعلان اسمها كفائزة
للموسم الثاني….تجربتها في المسابقة باكملها
هل اضافت لها شيءٍ….
تجاوب على الأسئلة بهدوء وبإبتسامة
رقيقة…. برعم الرقة الملكية يشع منها
ساحرة الجميع بحضورها…..
رفعت عيناها بلا أهداف مسبقة للأمام بين الاشخاص
المحاطه بها لتتسع عينيها فور رؤيته على بعد خطوات يقف بهيئة شامخة مهيبة أنيق يلمع من
شدة العناية بنفسه كما اعتادت ان تراه……
كان يشاهد ما يحدث بملامح جافية وعينين عاصفتين بهما ترى نهايتك الحتمية……وباي
حكاية مرعبة اوقعت نفسها ؟!!…
تشنج فكها وتعالت نبضاتها للسماء وهي تنظر الى طارق فبادلها الاخر النظرة بعدم فهم…حتى انتبه
الى خوفها والى ما تنظر….فرفع طارق حاجبيه جافلا للحظات حتى وجد عاصم يرسل له نظرة تكاد ان
تفتك به اربا….
بلع طارق ريقه بوجل متجاهلا عن عمد هذا المخلوق الغير ادمي في التعامل وحث شهد كذلك على تجاهل وجوده…..
لكنها لم تفعل فما داخلها ليس فقط خوف من ردة
فعله القادمة…هناك شوق أشعل قلبها بعد رؤيته
شيءٍ يناديه ان يقترب منها يشاركها فرحة
النجاح….
اشتاقت اليه بشدة….اشتاقت الى نفسها معه…
اشتاقت ان يضمها الى صدره بان يقبلها بحرارة
مناديها بسيدة الحُسن…..اشتاقت للحب معه
بعد قطيعة أشهر عنه…..
رأته يقترب منها بهالة الوسامة والشكيمة المشعة
منه وعيناه التي تحاصرها بهيمنة تكتسح فؤادها
بنظرة واحدة……
اختلج قلبها بين ضلوعها وانتفضت انتفاضة خفية
بعد ان وقف جوارها ورفع يده على حين غرة نحوها…
اغمضت جفنيها فجاة بقوة حابسة الانفاس
لبرهة بصدمة فهي تتوقع من تلك النظرات
النارية المتوعدة ردة فعلا غير آدميه منه..
اشتدت اعصابها أكثر عندما شعرت بكفه يحيط
عنقها من الخلف مقربها منه طابع شفتيه فوق
جبينها بقبلة دمغها بمشاعر عديدة عنيفة وهو
يقول لها بهمسًا شرس
“مبروك يامدام……”
فتحت عينيها اليه ليرى شمسان متوهجتان بجمالا
لحظة الغروب متشربتان بالخوف وهي ترمقه
بوجهٍ شاحب…
فسحبها عاصم من خصرها فجأة كالخطاف بذراع
واحده وامام عدسات التصوير التي ترصد المشهد ضمها الى صدره ومالى بالقرب من اذنها هامسًا
بتوعد عنيف…..
“اعرفي ان كل اللي عملتيه فيا كوم…وسفرك من ورايا ومع راجل غريب كوم تاني خالص…..”
ازدردت شهد ريقها بتخوف وهي تلفظ انفاسها بصعوبة على صدره….
بينما انسحب طارق من امامهما بضيق بعد ان رأى هذا العناق المتبادل… وتشبث شهد الملحوظ بزوجها
وكأنه الجزء المفقود في فرحة النجاح !!….

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

حاولت ان تتمايل في نومتها لكنها شعرت بتصلب
ظهرها وتشنج الفقرات به بعد نومها مقيدة بالحبال على هذا الفراش الصغير…مقيدة بشكلا مهين مذل
من قِبل رجلا يدعي الحب مفتخر بكونه حقير
أناني معها…
نزلت دموعها بتعب وهي تنام على جانبها وجسدها
بأكمله ينتفض بالوجع والخوف….
متعبة جائعة تريد الاستحمام تريد قضاء حاجتها
من الأمس وهي على هذا الحل….
مسحت دموعها وهي تدعي الله ان ياتي سلطان في الوقت المناسب ويخلصها من هذا المجنون….
فتح الباب فجأة بشكلا افزعها فجعلها تنتفض وهي ترفع عيناها عليه….
رأته يقترب منها بسرعة كمن يجري خوفًا من
شيءٍ قادم عليه….
“يلا ياداليدا…..لازم نمشي….هنسافر دلوقتي…”
بدا يحل المثاق من حول معصمها ثم ساقيها فنزلت
دموع داليدا وهي تتأوه بوجع ملامسة الخطوط
الحمراء اثار ربط الحبال….
سحبها من ذراعها بقوة حتى تنهض معه….فبدات تتملص من بين يداه صارخة برفض….
“مش همشي معاك في حته أبعد عني….سفر مش هسافر انت مجنون….”
سحبها خارج الغرفة أجباري….وهو يصيح
بغضب…..”انا بحبك…..بحبك افهمي….”
قالت داليدا وهي تبكي بوجع متألمة من سائر جسدها….
“انت مش بتحب حد غير نفسك…لو كنت بتحبني بجد كنت سبتني في حالي….”
هتف عادل كالمختال….
“هنسافر ياداليدا…واطمني انتي واللي في بطنك هتبقوا في امان معايا….”
كانت تسحب ذراعها بعنفوان منه وتثبث قدمها
بالأرض بقدر المستطاع وهي تقول بغضب….
“انا واللي في بطني هنبقا في أمان بعيد عنك…
انت بنادم مريض….مجنون…..سبني في حالي…انا عايزة أروح…عايز إرجع بيتي….”
سحبها عادل بعنف وهو يتجه بها صوب
باب الشقة….
“مش هيحصل احنا هنسافر….هنساااافر….”
انخرطت في بكاء مرير وهي تحاول
باستماته….
“انت مجنون…..سبني بقولك….سبني….”
هتف عادل بتحذير وهو يفتح باب الشقة….
“امشي معايا من سكات…دا لو عايزة تحفظي
على اللي في بطنك….”
توسعت عينا داليدا بعد ان رأته مشخصًا أمامها بجسده الضخم وعضلات وجهه المشدودة بتشنج ملحوظ…هتفت بشفاة مرتجفة بأسمه بوهن…
“سـلـطـان !!!…..”
ظنت انها تتوهم كالعادة فمنذ ليلة أمس تحلم بحضورة لهنا كالفارس المغولي ينقذها من براثن
هذا المختال…..
انتفض عادل بهلع وترك ذراعها بجبن حينها أدركت
انها الحقيقة….أجمل واصدق حقيقة عاشتها يومًا
هو سلطانها…..زوجها…..
لكمه متوقعه سددها سلطان الى عادل الذي ارتد للخلف جافلا للحظات….فاقترب سلطان منه ولكمه
مرة أخرى وركله عدة مرات فوقع الاخر ارضًا
متأوهٍ بوجع…..
أقترب سلطان من داليدا ومسك وجهها بلهفة وعيناه المشتعلة بالغضب تجوبان بتأني وعذاب على ملامحها الشاحبة المتعبة ثم الى عينيها الحمراوان كالدماء من كثرة البكاء…..حجابها الساقط قليلا عن
راسها كاشف جزاءا من شعرها….
مد يده ورفع الحجاب على رأسها مخفي خصلاتها
أسفله ثم مسح وجنتاها المبللة بالدموع برفق
وحنان ومالى على جبينها يقبلها هامسًا بقلق
وهو ينظر الى بطنها البارزة…
“انتي كويسة….لمسك….رفع ايده عليكي…”
هزت راسها بنفي وهي تبكي وتمسح دموعها بظهر
يدها عندها راى آثار الحبال الغليظة على بشرتها
ففهم انها كانت مقيدة منذ ليلة أمس حتى صباح
اليوم !……
جاشت مراجل صدره أكثر ناظرًا الى الطائح ارضًا الذي يمسح انفه من الدماء وهو يئن بوجع…..
أخرج سلطان لها مفاتيح السيارة اعطاها لها
قائلا بنبرة لا معالم بها…
“انزلي قعدي في العربية تحت واقفلي
على نفسك…. اوعي تخرجي….سامعه..”
رفضت وهي تنظر الى عادل ثم اليه
بخوف…..
“سلطان بلاش تعمله حاجة… مضيعش نفسك..
انا واللي في بطني محتاجينك معانا….”
دفعها نحو الباب برفق وعيناه شديدتا
القتامة…
“انزلي ياداليدا واسمعي الكلام….”
اعترضت داليدا بأنين متوسلة…. “سـلـطـان…”
صاح سلطان بعينان تنفثان
نارًا….
“دالـيـدا…. انزلي بقولك…..”
اومات براسها بخوف وهي تهبط على السلالم بخطوات متعثرة متعبة الى ان وصلت للشارع
حينها رفعت عيناها لترى سيارة سلطان
النصف نقل تصف جانبًا…اقتربت منها بسرعة و استقلت في المقعد المجاور للقيادة واغلقت الباب عليها وهي تبكي وابصارها معلقة على البناية المهجورة بملامح مرتعبة وقلب مذعور..
هجم عليه عادل وبدأ يسدد له الكمات فدافع
سلطان عن نفسه هو يرد له الكمات والركلات
بوحشية….وهو يصيح بعروق بارزة مشدودة….
“المرة اللي فاتت… سبتك بمزاجي حي… بس
المرادي هموتك…واخلص منك….”
قال عادل بشراسة…..
“انا اللي هموتك…. هموتك وهسافر واخدها
معايا….”
وقعا ارضًا وتشبثا في بعضهما بهجمية وغضب…..صاح سلطان بكلماتٍ نابية
والغيرة تنهش صدره…..
“تاخد مين يابن الـ******…… دي مراتي
مراتي يا*****….خروجك من هنا هيبقا
على نقالة…سامع مش هرحمك.. ”
ابتسم عادل بحقارة مستفزة بالكلمات….
“مراتك دي حبيبتي… زمان جيت خدتها من شقتي وبعدها اتجوزتها… والنهاردة جاي تاخدها بنفس الطريقة بس وهي مراتك لا وحامل كمان….هو
انت اي ياجدع زيرو رجولة…. ماسك في
واحده شـ……”
مسكه سلطان من ياقة قميصه وبدا يوجه اليه
الكمات العنيفة بعداء في انفه وأسفل فكه باتر
كلماتٍ لعينة كانت بمثابة قذائف نارية انفجرت
في صدره واحشاؤه….بصورة مفجعة مؤلمة….
صرخ عليه سلطان بعنف وهو كالوحش الثائر
يضرب دون توقف…..
“هقتلك….هقتلك يابن الكلب….انت صدقت الكدبة
يا***…صدقت الرسالة اللي بعتها….ولا شكلك
نسيت هدى…..والتمثلية الوسخة اللي دخلت بيها
عليها…عشان توصل لداليدا… ”
لكمه عادل بقوة وهو يمسح وجهه من الدماء
مجيبًا بوقاحة وخسة….
“حصل بس ده ملفتش نظرك لحاجة يارجولة…
ان بنات العيلة ملقوش حد يربيهم فمقضينها مع
اي حد وسلام….وان انا ضحكت على الاتنين مراتك
زمان هربت معايا من ورا أهلها….وبنت عمتك قدمت
تنازلات عشان اوافق اتجوزها…..”
توقف سلطان عن الضرب وهو ينظر اليه جافلا بملامح وحشية بينما جسده الضخم ينتفض
من شدة الانفعال وعيناه تنفثان نارا تكاد
تحرك هذا الخسيء….
تشفى عادل به وهو يرى نتائج كلماته المشينة
عليه….رجولته الآن تتلوى على الجمار….
تابع عادل بنبرة ساخرة قميئة…..
“حتى مراتك لو كنا سفرنا مكنتش هتاخد غلوة
في ايدي وهتنساك مسافة ما نوصل….بس انت
بقا بوظت كل حاجة…..”
تبادل سلطان معه النظرات بعدائية شديدة
الخطورة…فبلع عادل ريقه يخفي شعور
الخوف منه….
أبتعد سلطان عنه على نحوٍ مفاجئ منتصب
بجسده الضخم الفارع ليقف على بعد خطوات منه……قائلا بهدوء ما قبل العاصفة….
“دا عشان بناتنا بس ولاد حلال ربنا حافظ
عليهم….وبعتني ليك في كل مرة….”
وقف عادل هو ايضًا امامه ومسح وجهه من الدماء وقد ساد صمت مريب بينهما….صمت جعل عادل
قلق…..مستنكر حديثه البارد……
فقال سلطان بابتسامة باردة….
“بس متزعلش ملحوقة بعد ما تخلص عقوبتك
في السجن…هبقا ادورلك بنفسي على واحده
من نفس عينتك الوسخة…تكمل معاك الكام
سنة اللي فضلين من عمرك….”
رجع عادل خطوة للخلف مشدوهًا بسؤال
خرج بين طيات الغفلة….
“سجن ؟!!….سجن ايه وعقوبة إيه….”
اجابه سلطان بنبرة مسننة باترة…..
“مخدرات….انت مش هربان برضو عشان تهريبك
للمخدرات…..وناوي تسافر عن طريق البحر….انا
بقا بلغت الحكومة على مكانك مش بس كده
دا انا هروق عليك أكتر….الناس اللي انت كنت
شغال معاهم اتمسكوا…. وليا حد جدع كده في
السجن ربنا يفك ضقته كدب كدبة بيضه عليهم
وقالهم ان انت اللي بلغت عنهم….وكنت شغال
مرشد للحكومة…. ”
جحظة عينا عادل بهلع وانتفض جسده مرتد خطوة للخلف من مجرد تخيل المصير الأسود الذي ينتظره بحفاوة من نوع آخر !!….
ادعى سلطان الاسى وهو يقول….
“تخيل انت بقا معايا…حكم المحكمة هيبقا مؤبد
دي مش هنختلف فيها طبعا….وزنزنتك مع ناس
مستعدة تدفع عمرها كله بس عشان توصلك…
فانت تروح لهم برجليك…تخيل بقا استقبلهم
ليك هيبقا عامل إزاي…..”
على صوت تنفس عادل بخوف وتشنج
جسده بتوتر وهو يتجه بسرعة صوب باب
الخروج هاربًا…
فلحق به سلطان وعرقل سيره بساق واحده
فوقع عادل ارضًا…..فقال سلطان بملامح
جافية مستهجنة….
“رايح فين….مش كنت دكر من شوية وعمال تكلمني عن بطولاتك الوسخة مع بنات الناس…كمل لعب بقا
بالبيضة والحجر للآخر ووريني….هتضحك على
مين تاني….”
توسل عادل إليه بانفاس متهدجة
بالخوف…
“أبوس ايدك سبني لو الحكومة خدتني
مش هشوف نور الشمس تاني…..”
ابتسم سلطان بوحشية معقبًا….
“ودا المطلوب ياحيلتها…. ماهو لو الحكومة مخلصتش القديم والجديد عليك… هخلصه
انا بمعرفتي….”
سمعا فجاة بوق سيارة الشرطة تقترب من المكان…
في لحظة خاطفة تكاد لا تعد الثوان…اندفع عادل نحو المطبخ وسحب سكينة صغيرة هي اول شيء
وقع تحت يده….لحق به سلطان وهو يحاول تكبيلة
من الخلف…..لكن عادل كان الاسرع في طعن سلطان
بالسكين…..
احتقن وجه سلطان بالالم وهو يقع ارضًا متأوهٍ والدماء تسيل منه بغزارة….. بينما في اللحظة
التالية كان عادل يهرب بجبن خارج الشقة….
وقتها خرجت داليدا من السيارة تشاهد تقدم
سيارات الشرطة من المكان…فخفق قلبها بخوف
وهي تنظر الى البناية….
لتجد عادل يخرج منها بل ويركض نحوها ناظرًا
اليها بغضب مستهدف بكونها الوحيدة القادرة
على اخراجه من هنا….
تراجعت داليدا للخلف برهبة فلم يعطيها عادل
فرصة للهروب قد هجم عليها بكل وحشية بعد
ان رأى سيارات الشرطة تصف خلف بعضها
بالقرب منهما…
وضع السكين على عنقها وهمس بالقرب
من اذنها بتحذير…..
“اثبتي مكانك يادوللي…..اي حركه صغيرة منك….هتلاقي راسك مفصوله عن جسمك…”
تصلبت داليدا مكانها بذعر والدموع تسيل من عيناها بينما قلبها يرتجف بين ضلوعها….ويدها توضع على بطنها بتلقائية تحمي طفلها من القادم…..
خرج رجال الشرطة من السيارات بينما صاح
القائد بصوتٍ عال محذر….
“سيبها ياعادل وبلاش تعرض حياتك للخطر…
سلم نفسك…دا الاحسن ليك…سلم نفسك
وارمي السلاح من إيدك…”
قال عادل بنبرة غير متزنة….
“مش هسبها هنسافر انا وهي….ياما كده يا
هدبحها قدامكم….اختاروا بقا….”
نزلت دموع داليدا وهي تترجاه بشفاه مرتعشة
بوهن….
“سبني ياعادل…..بالله عليك كفاية كده…كفاااية
بقا…..دمرتنا بغبائك….انطق…انطق عملت اي
في سلطان ….عملت اي فيه… ”
هتف عادل بشرٍ…..
“حبيب قلبك مات….مات وشبع موت….”
خفق قلبها بقوة موجعة وهي تصرخ
بعدم تصديق…..
“لااااااا…..لااااااا…سلطان مامتش….كدااب.. ”
كبلها عادل بقوة محاول السيطرة على تشنجاتها
وتملصها منه….
“اثبتي لحسان تحصليه انتي واللي في بطنك…
انتي الأمل الوحيد ليا….انتي اللي هتقدري
تخرجيني من هنا….”
قالت بتهدج وهي تبكي بحرقة…
“على جثتي….لو خرجت معاك في حته….سامع
على جثتي….”
أرخى عادل ذراعه فجأة من حول خصرها ووقع
السكين من يده الأخرى..
فابتعدت داليدا عنه مستديرة تنظر إليه لترى الدماء تسيل من رأسه وقد طاح بعدها جسده ارضًا اسفل قدميها….
ابتسمت داليدا وهي ترى سلطان يقف امامها
يلقي الحجر من بين يده ارضًا باعياء وقميصه
مبلل بدماء الجرح… بعد ان تلقى طعنة غدر
من هذا الحقير…
اقتربت منه والقت نفسها بين ذراعيه وهي تبكي
منهارة على صدره….معتذرة بصوتٍ بين طياته
الندم….والألم……
ربت سلطان على ظهرها بوجه محتقن من شدة الألم….وعيناه المظلمة تتابع تحرك رجال الشرطة
وهم يقتربوا من عادل الذي اتضح انه مزال على
قيد الحياة ولم يمت بعد…..
لا بأس ان لم يمت بضربة الحجر…سيموت قريبًا
على أيادي أخرى تنتظر حضوره بضراوة….
………………………………………………………….
فتحت إلهام الباب لتتسع عينيها الزرقاء بتدريج
فور رؤيته يقف عند بابها….
تبادلا النظرات معًا بصمتٍ مشحون بالكثير من المشاعر المتأججة…وكأن السنوات عادت من جديد تطرق على بابها اتيه بالعمر الضائع والحب الأثيم الذي انتهى في زحمة الحياة وغمرة الرغبات….
في البداية باعت صديقتها وخانتها لأجل الحصول
عليه لها وحدها….ثم عند أول فرصة ذهبية اتتها
أدارت وجهها وتخلت عنه وعن ما بينهما…
لم تغيره السنوات كثيرًا حتى بعد ان خط الشيب
على ملامح وجهه وغزاه في لحيته الكثيفة
وشعره الناعم…..
مزال وسيم….وسامة خسة وقعت في سحرها
يومًا دون ان تحسب للعواقب…دون ان تعي انها
تحفر قبرها المستقبلي بيدها….قبرٍ ظل مفتوح
بصبرٍ حتى اتت ابنته ودفعتها به !!….
اشاحت إلهام بوجهها بضيق عند تلك النقطة…
وهي تتبرم قائلة ببرود….
“اي اللي جابك هنا ياعثمان……جايه ليه….”
اجابها عثمان باقتضاب…
“جاي لسبب مهم…ومش معقول هنتكلم
على الباب…..”
زفرت إلهام بتعجرف…..وهي تبتعد الى شرفة
الصالون تاركه إياه يقف عند الباب مكانه…
ابتسم عثمان بسخرية وهو يدلف الى الشقة
وكأنه مالك المكان….
دلفت الى الشرفة وجلست على المقعد واضعه ساق
على الأخرى بغرور منتظرة ان تعرف سبب مجيئه
لهنا…..
جلس عثمان في المقعد المقابل لها بهيمنة
وسادية قال بتشفي….
“مبروك….عرفت انك اطلقتي من مسعد…”
جزت إلهام على اسنانها بانزعاج…
“وانت بقا جاي تشمت مش كده…..”
التوى فم عثمان باستهانه….
“ماهو كله من قلة أصلك…..لو كنتي لينتي دماغك
زمان يالومي……كان زمانك كسبانه اكتر من اللي خدتي منه….”
هزت راسها بابتسامة هازئة معقبة بجذل….
“ومين قالك اني طالعه خسرانه…..انا طالعه
كسبانه أوي….غير الفلوس والمجوهرات…في
يزن ابني…الوريث الوحيد لمسعد الصاوي…دي لوحدها مكسب كبير….محدش خسر في الحكاية
دي غيرك انت ياعثمان….”
بهت وجه عثمان وضاقت عيناه فقالت الهام
بصفاقة وجه….
“شوف نفسك جوازه ورا التانيه…ولا قادر ترتاح
مع واحده غيري….لا عندك شغل ولا مستقبل
معتمد على المبلغ اللي بيجيلك من العمارتين والبنك….دا حتى ولادك كرهوك وكل واحد
شاف مصلحته….”
رمقها عثمان بنبرة عاصفة خطرة….فقالت
الهام بنبرة حاقدة حاسدة…..
“اللي بقت محامية ومتجوزه وشغالة في
مكتب جوزها….واللي فتح مصنع وعايش
حياته مع مراته….وشهد بنتك اللي قريب اوي
من كتر الشهرة والفلوس محدش هيعرف
يكلمها…”
مالت للإمام هامسة بشراسة وفحيح الافاعي….
“انت الوحيد اللي خسرت….ومقدرتش تحافظ
عليهم…”
اوغر صدره بالغيظ منفعلا….
“بسببك….بقيت لوحدي بسببك انتي….”
ضحكت الهام وهي تحرك كتفيها ببراءة….
“بسببي انا….طب وانا مالي….انا زمان سبتلك الجمل بما حمل…سبتلك الدنيا كلها وبعدت…سبتك لمراتك
وعيالك….”
شرد عثمان بعيناه معترف بنبرة قاسية
مظلمة…
“سبتيني بعد ما خليتيني احبك لدرجة خلتني
أكره عيالي….واكره مراتي…كرهت كريمة وقتلتها
باهمالي وقسوتي عليها… لحد ما خلص المرض
عليها…. ورحمها مني….”
زفر بتعب وهو يقول بخفوت قاسٍ….
“كنت بانتقم منهم كلهم…على حاجة ملهمش
ذنب فيها…. ذنب ان انا ابوهم….”
قالت الهام بحنق بالغ….
“برضو مليش ذنب….اللي عملته فيهم انا بريئه
منه….انا قفلت صفحتك من عمر بنتك من تمانية
وعشرين سنة….عارف حجم الرقم ده ولا لا…”
اخرجت إلهام علبة السجائر بعصبية ثم وضعت
واحده في فمها واشتعلتها ثم نفثت الدخان
بتهكم متابعة بنزق…..
“وياريتك استكفيت بده…تمر السنين وتجيب
بنتك وترميها في سكتي عشان تخرب عليا…
ونجحت فعلا فده….اديني اطلقت من مسعد
واتجوز عليا…… وابني الوحيد بقيت بشوفه خطف…وكأنه هو كمان كرهني زيهم ومبقاش
عايز يشوفني…..”
ارجعت شعرها الاشقر للخلف وقد عيل صبرها من تلك المقابلة المستنزفة لروحها وصبرها المتبقي
فقالت بحدة…..
“انت جاي ليه ياعثمان…..جاي عشان تقلب علينا
المواجع…..جاي ليه بظبط…..”
لم يرد عثمان فورًا قد أخذ وقتٍ طويلا في
التحديق بها والتفكير بالأمر حتى قال بنبرة
حاسمة….كسيفٍ باتر…..”تجوزيني يا الهام…..”
لم تندهش الهام بل ضحكت بسخرية مريرة وهي
تقول…..
“حتى الطلب ده بقا نكته بايخة….مبقاش ينفع… ”
سالها متعجبًا من ردة فعلها الباردة…
“وليه بقا مبقاش ينفع….عايزة كام عشان نتجوز
اكتبلك العمارتين بأسمك؟!….”
هبت واقفة من مكانها مشيرة بيدها على
باب الخروج بضجر…..
“أطلع برا ياعثمان…وكفاية لحد كدة…..”
سالها بنفاذ صبر وهو يقف امامها تفصل بينهما
طاولة صغيرة….. “يعني إيه كفاية؟!!..”
عقدت ساعديها امام صدرها مجيبة
بضغينة…..
“يعني انا لحد دلوقتي بدفع تمن غلطة زمان…
ومش مستعدة ادخل حرب تاني مع ولادك
التلاته….”
انعقد حاجبي عثمان بذهول…..
“انتي عايزة تفهميني انك خايفة منهم !!…”
اومات براسها دون تردد…..
“وليه لا….بنتك شهد لوحدها في ايديها
روحي…”
نعم بإمكان شهد ان تشكك العائلة بنسب يزن….حينها سيتم عمل تحليل بسيط للإثبات….وسيعلم الجميع وقتها أنهم عاشوا كذبة كبيرة عمرها أكثر من واحد وعشرون عام كانت من تأليفها…..ومسعد….مسعد سيقتلها ان علم ان الولد ليس من صلبه….وانه
عقيم وغير قادر على الانجاب…لا منها ولا
من اي امرأة أخرى !!…..
على وجه عثمان الشك وهو يسالها
بريبة….
“شـهـد ؟!!….تعرف إيه عنك شهد مخليكي