رواية الحب اولا الجزء الاول 1 بقلم دهب عطية

رواية الحب اولا الجزء الاول 1 بقلم دهب عطية


رواية الحب اولا الجزء الاول 1 هى رواية من تأليف المؤلفة المميزة دهب عطية رواية الحب اولا الجزء الاول 1 صدرت لاول مرة على فيسبوك الشهير رواية الحب اولا الجزء الاول 1 حققت نجاحا كبيرا في موقع فيسبوك وايضا زاد البحث عنها في محرك البحث جوجل لذلك سنعرض لكم رواية الحب اولا الجزء الاول 1

رواية الحب اولا بقلم دهب عطية

رواية الحب اولا الجزء الاول 1

في مدينة ساحلية ومنطقة قريبة من البحر تحمل رائحة البحر المالح ونسيمة العطر المنعش…..
وفي قلب منتجع راقي دلفت شابة جميلة من الباب الرئيسي بعد ان سمح لها عمال الأمن بدخول….
خطت خطواتها بثبات يلوح منه الأنوثة والرقة…
بثوبها الهفّاف والذي يتأرجح حول ساقاها بجمالاً
طويل ومحتشم كاخلاقها…..جميل ومرح كروحها
يحمل اللون الأزرق كالبحر رفيق عالمها وونيس
وحدتها دوماً…..

رمشت بعينيها وهي تنظر للشارع على الجهة اليمنى
فالتقطت عينيها العسلية الامعة اسم صاحب الفيلا…….
تبسمت شفتيها الوردية وهي تعكس الاتجاه يميناً
ثم خطت بحذاءها الأبيض بنفس الخطوات
الثابته كعسكري مكلف بمهمة جادة للغاية…….
عندما وصلت للفيلا وقفت امام بابها الحديدي
الكبير وحانت منها نظرة على الاكياس بين يداها والتي تحمل شعار (الشهد…) وأيضاً تفوح منها
رائحة طيبة لاشهى أنواع الطعام والتي تم
اعدادها في المنزل على يد طاهية مبدعة لديها تقنيات عالية في الطبخ وحس مذاقي رائع مما
جعلها تتميز عن غيرها وقد جعلت لاطباقها
روح وطعم مختلف يحبه كل من تذوقه…..
ارجعت خصلة من شعرها الأسود القصير خلف
اذانها ثم انتظرت بعد ان اطرقت على الباب
الحديدي لتجد بعد دقيقتين جهاز الإرسال
الصوتي المعلق على الحائط جوارها يبعث
صوت لامرأة جادة قالت بتساؤل….
“مين برا……..”
اقتربت من الجهاز واجابتها بهدوء……
“انا شهد يامدام نيفين الأوردر اللي حضرتك
طلبتيه جاهز معايا……..”
ردت المرأة بصوتٍ اهدى قليلاً……
“اوه شهد في معادك مظبوط…… على فكره
ال order المرة اللي فاتت كان هايل عجب كل صحباتي وادتهم رقمك كمان…….”
ابتسمت شهد وقالت بامتنان….
“شكراً يامدام….. يارب دايما اكون عند حسن ظنك…….”
ردت المرأة مختصرة…..
“أكيد ياشهد……. هبعتلك الشغالة تاخد منك
الحاجة والحساب معاها طبعاً …….”
ابتعدت شهد عن الجهاز باستحياء…… الوقوف خلف الأبواب الكبيرة والانتظار شيء غير مستحب داخلها لكن الكسب ولقمة العيش دافع قوي للقبول بأشياء
كثيرة كانت تراها في السابق مستحيلة………
الثواني كانت عشر دقائق كاملة ومع ذلك صبرها يفوق الحد فهي تعودت على استعلاء بعض البشر
من تلك الطبقة المخملية……..القليل فقط هو من
يكن رحيم بها وبامثالها……
اتى صبي المكوى ووقف جوارها وكان شاب في السابعة عشر يدعى (حمودة…)تعرفه جيداً فهي
تاتي لهنا كثيراً فلديها زبائن في هذا التجمع
الراقي…..
حك الصبي في شعره وهو يحمل الملابس على اليد الاخرى وقال عابثاً…….
“لسه مفتحتش……….”
“لسه مستنيه…….الأكل هيبرد……”قالتها بوجوم وهي ترفع الاكياس قليلاً…..
رفع الصبي حاجبٍ وقال بتهكم……
“خديلك نص ساعة….على ما حد يعبرنا……انا
مرة قعدت ساعة إلا ربع قدام الباب وبعد دا كله معجبهاش كوي الهدوم ورجعتني بيهم فقام
المعلم بتاعي خصملي اليوم كله…واتهمني اني
بتمرقع في السكه….. وان انا اللي كرمشت الهدوم……”
سحبت شهد نفساً طويلاً ثم طيبة خاطره
قائلة……
“معلش ياحمودة هنعمل اي اكل العيش بقا…….”
نظر الصبي للاكياس قائلاً بعيون تلمع
بالفضول..
“كلوا محصل بعضو ياشهد…. المهم انتي جيبالها
اي ريحة الأكل حلو اوي…….”
إبتسمت شهد وهي تسأله بإبتسامة جميلة…
“ليه جوعت……..”
ضحك الصبي وقال وهو يشعر
بالجوع…..
“بصراحة ريحة اكلك تجوع………”
فتح الباب بعد تلك الجملة وخرجت الخادمة معتذرة لشهد عن التأخير ثم أخذت منها أكياس الطعام واعطاتها المال مع اكرامية لا بأس بها…. ثم أخذت
الملابس المكويه أيضاً واعطت الصبي حسابة
واغلقت الباب……
“استنى رايح فين…….”
ألتفت الصبي لشهد فوجدها تقترب منه وتقطع المسافة البسيطه بينهما ثم اخرجت من
حقيبتها علبة صغير وقالت برفق وهي
تقدمها له..
“دي وجبه بسيطه كنت جيبهالك معايا وقولت
ادهالك بعد ما وصل الأوردر لمدام نيفين……
وكويس اني شوفتك……. “
ارتسمت الدهشة على وجه الصبي الذي أشار
على نفسه بعدم تصديق وكأنه حصل على
شيءٍ عظيم….. “ليا انا ياشهد…….”
“ايوا ليك هجيب لاعز منك يعني…….خد….”
وضعتها في يداه ثم قالت قبل ان تغادر بمرح طفيف…
“المرة الجاية عيزاك تقولي بصراحة الأكل عجبك
ولا لا………اوعى تجملني…….سلام.. “
لوحت له بيدها ثم ابتعدت بخطواتها المميزة…… فتأملها الصبي عند ابتعادها فكانت جميلة كنسمة معطرة…….. كوردة متفتحة….. كمياة صافية…….
بعد ان خرجت من المنتجع اخرجت المبلغ الذي اخدته من الخادمة وبدأت في العد سريعاً قبل
وضعه في الحقيبة….
وأثناء سيرها جوار المطاعم والمحلات الفاخرة سار
خلفها شخصاً عيناه كانت معلقة على الأموال بين يداها…. بينما هي تخطو غافلة عنه وعن مخططه السريع كان هو يتقدم ويقترب أكثر من الازم حتى حانت اللحظة الحاسمة والاسرع من رمشة الجفون
خطف المال من بين يداها في لحظة وركض اللص أمامها كالبرق…….
انصدمت شهد وتجمدت مكانها لثانية..لثانية فقط وعندما راته يركض وسيبتعد عن مرمى ابصارها ركضت خلفه بكل قوتها وهي تصيح باستغاثه
لمن حولها….
في اللحظة التالية وصل اللص لأخر الشارع ركضاً وهي خلفه وعندما اقتربت منه وجدته يستقل
دراجة بخارية خلف شخصاً صائحاً عليه بقوة……
“أطلع يالا…….”
سأله الثاني بغباء….. “عملت اي ياحباية……..”
صاح اللص بغضب…..
“اطلع ياحمار مش وقته……. بسرعة…….”
انطلق بالدراجة البخارية سريعاً امام عينيها المصعوقة بالصدمة….. فوقفت مكانها تأخذ
انفاسها الهادرة بصعوبة وهي تنحني على ركبتيها بتعب……وعنوة عنها لمعة عينيها بالدموع……
فكل تعبها طوال اليوم ذهبا هباءاً……..والاموال
التي اشترت بها الطعام صباحاً ذهبت معهم………
اغمضت عينيها بتعب وعجز……فنزلت دمعتين بانسياب حزين على وجنتيها… والحسرة مذاق
مُر في حلقها…….
…………………………………………………………….
وعلى الأرض تدور العجلات بسرعة بفعل قدميها الصغيرة البيضاء والتي تتكأ بهما على دواسات الدراجة الهوائيه بسرعة محاولة الوصول لمقر عملها القريب من البحر…..
طار شعرها البندقي المموج حول وجهها…. ارجعت الخصلات للخلف بحنق حتى ترى الطريق أمامها
تمتمت بغيظٍ…..
“مش لو كنت فردتك بالمكوى كان احسلي من منظر المتسولين ده….كله من سهر إمبارح…… اشربي بقا ياكيان…….اشربي…”
مطت شفتيها الحمراء المكتنزة ونظرة للدراجة الهوائيه أثناء قيادتها……
“سامحيني ياعزيزة ياختي انا عارفه اني بضغط عليكي الفترة دي………”
عندما رفعت عينيها الفيروزي انتبهت للسيارة
القادمة عليها فاتكأت على الفرامل سريعاً
وكذلك فعل سائق السيارة أمامها ولكن حصل
تصادم يكاد لا يذكر ولا يشكل خطراً…..ولكن كالعادة اندفعت بعصبية ونزلت من على الدراجة….. واتجهت الى السائق بكل اندفاع وعنف……
فخرج السائق بمنتهى الحنق كذلك وكان رجل في اوائل الأربعين من عمره ممتلاء الجسد اصلع
الراس ملامحه تنذر بالمقت من كل شيءٍ
حوله…….
جزت كيان على اسنانها وهي تلوح بيداها
صائحة بتشنج…..
“هو انت اعمى…… انت اعمى يعني أفهم بس….لا
شايفني ولا شايف عزيزة…….”
ارتفع حاجب الرجل بارتياع مردداً….
“عزيزة !!……”
قالت كيان بتهكم……
“العجلة اللي كنت هتهرسني انا وهي تحت عربيتك…..”
صاح السائق بتبجح……
“ماهو انتي اللي ماشيه مش مفتحه…. مفكره
نفسك ركبه مرسيدس…….”
ازدادت سرعة تنفسها بعد ان اهانها هي ودراجتها الغالية…… فقالت بغضب وهي تقرب راسها منه بتهديد…….
“دي عندي احسن من المرسيدس ياخفيف….. وبعدين إيه اللي مش مفتحه دي…. ها… عاميه انا… عاميه..”
صاح السائق بانزعاج……
“أيوا عاميه هتخوفوني بشويه دول ايوا عاميه…”
توسعت عينا كيان ورفعت كفها في وجهه
وسالته بعصبية…..
“والله طب دول كام……….. دول كام……”
ارتعد الرجل منها واردف بصدمة….
“انتي مجنونه ولا إيه……”
لوحت بكفها المفرود مجدداً بتصميم…..
“بقولك دول كام……”
بلع الرجل ريقه بخوف مجيباً…… “خمسه…..”
مسكته من ياقة قميصه وقالت بحنون….
“لا دول اتنين….. اتنين…. شوفت مين فينا اللي
اعمى شوفت……..”
صاح الرجل باستغاثة ممن حوله وهو يحاول
التحرر منها….
“الحقوني الحقوني ياناس ياهوووو…… ابعدوا المجنونه دي عني…….”
كانت كيان تحاول القفز عليه وضربه بجبهتها
وهو تقول بغضب…….
“مش بتعرفوا تسوقوا بتركبوا عربيات ليه….ليه… “
وجدت يد قوية كالفولاذ تسحبها من ذراعها
وتبعدها عن الرجل…….
“بتعلمي اي يا كيان…..انتي اجننتي…. “
توسعت عينيها ووقع قلبها في قدميها وقد
جف حلقها وهي تبرر المهزله الذي يراها الان
منها…….
“استاذ سليم….. ولا حاجة ياستاذ…. دا دا… دا
سوء تفاهم وتحل……”
صاح السائق بتألم وهو يمسك رأسه….
“متحلش يابيه…..”
خبطت كيان ساق السائق بتحذير فصحح
بخوف منها…..
“اتحل يابيه……..اتحل… ” ثم نظر السائق اليها واعتذر مضيفاً….
” انا غلطان حقك عليا ياست كيان انتي وعزيزة……”
“عزيزة !!…… عزيزة مين……”رددها سليم بصدمة وهو ينظر حوله باحث عن تلك العزيزة !!…..
وعندما لم يجد أحد نظر إليها بضيق
قائلاً….
“ممكن افهم اي اللي بيحصل…..”
قالت كيان سريعاً وهي تهرب من نظراته
القوية العميقة….
“ولا حاجة ياستاذ سوء تفاهم…. وتحل والله…
مش كده ياسطا…….”
أومأ السائق بغل مكبوت….
“آآه اتحل…… ينفع أمشي ياساتذة…….”
“طبعاً طبعاً……”قالتها كيان وهي تنظرت
الى سليم بوداعه……..
“بعد إذنك ياستاذ هوسع مكان ليه……”
ثم اتجهت سريعاً الى الدراجة وركنتها جانباً…ثم استقلّ السائق سيارته و انطلق بها سريعاً وهو
يدعي عليها بصوتٍ عالٍ…..فقالت كيان ببراءة
امام سليم الواقف مشدوهاً مما يحدث…..
“الله يسامحك ياسطا……..الله يهديك……مش
هقول اكتر من كده…. “
حانت منها نظرة على سليم وقالت
بمسكنة….
“شوفت ادي اخرة المعروف بيدعي عليا…..”
انعقد حاجبي سليم وهو ينظر لها بقوة وتبدالا النظرات لبرهة ثم قطع الصمت صوته القاتم
العميق كملامحه وهيئتها……
“ورايا على مكتب………”
قالت سريعاً دون تفكير…. “في ديلك ياستاذ…….”
اتسعت عينا سليم….. فسعلت بقوة وهي
تقول بتصحيح…
“ورا حضرتك اتفضل……”
سحب سليم نفساً طويلاً وهو يلقي عليها نظرة استياء وغضب……
عندما اختفى بداخل العمارة التي حصل الشجار بالقرب منها لسوء حظها كالعادة……اتجهت بدراجتها
لعند بواب العمارة واخرجت ورقة نقدية وقدمتها
له وهي تقول بتملق…….
“عم عوض ياعسل…….خد بالك من عزيزة……لحد
اخر النهار…….”
قال الرجل وهو ينهض عن مقعده….
“في عنيا ياستاذة كيان….. بس قوليلي ياستاذة كلمتي الأستاذ سليم عن القضية بتاعت أخويا قدري….”
انعقد حاجبيها بعدم تذكر…..وسالته
بتشتت….
“قضية !!….قضية اي فكرني القضايا كتير……”
لاح الاستياء في صوت عوض…..
“ايوه ياست كيان دا انا مكلمك من أسبوع على قضية النفقه اللي مرات اخويا رفعاها عليه…..”
ارجعت رأسها للخلف بتذكر ثم قالت بجدية…
“آآه…… افتكرت….. طب بص بقا انا من رأيي الشخصي كمحاميه لسه تحت التدريب يعني….
قول لاخوك يتقي الله في مراته وعياله ويديها حقها……وعاشرهن بالمعروف ياعم عوض…. “
زفر الرجل قائلاً بعجز….
“ياستاذه كيان أخويا محلتوش حاجة والله….”
اخبرته كيان بهدوء……
“يبقا يحاول يصلح اللي بينهم عشان خاطر عياله… ولو انت أخوه بجد بلاش تشجعه على خراب بيته
حاول تصلح بينهم… صدقني مفيش حاجة في دنيا ملهاش حل……..”
هز عوض رأسه باستحسان……
“هحاول ياستاذه كيان…….ربنا يقدم اللي فيه
الخير…..”
“ماشي ياعم عوض……..صباحك عسل ياراجل ياطيب….. “رفعت يدها بتحية عسكرية ورحلت
واستقلت المصعد للدرو الثالث حيثُ مكتب
المحامي المعروف (سليم الجندي…)
ارجعت شعرها المموج للخلف بحنق ثم سحبت نفساً
عميقاً امام باب مكتبه ومن ثم اطرقت على الباب
وبيدها وهي حاملة صنية القهوة ككل صباح منذ
ان توظفت لهنا منذ ستة أشهر كسكرتيرة خاصة به وأيضاً محامية حديثة التخرج تكتسب خبرة منه
قبل ان تمسك قضايا بمفردها……
خطوة وأخرى وثانية والصنية ترتجف بين يداها لمجرد دخولها مكتبه…. له تأثير قوي عليها… لم
تهاب أحداً يوماً في حياتها…لكنها تهاب أستاذها
الوسيم………هذا الجذاب بطوله الفارع وجسده
القوي الرياضي……شعره الحالك الناعم بشرته
البرونزيه ملامحه الرجولية المبهمة الجذابة…….
عميقة عيناه قاتمة لكن ساحرة ككل شيءٍ به…
خلف المكتب كان يجلس سليم يلاحقها بعيناه
القوية وهو يراها تخطو خطواتها بتردد وخوف
ورجفة يداها تصل للصنية الممسكه بها…..
تاملها لبرهة بصمت مبهم…..شابة جميلة مجتهدة
منذ ان عملت هنا وهي تتقدم في العمل وتستوعب سريعاً المهام المكلفة بها….سهلت عليه الكثير
حتى بات يعتمد عليها في معظم عمله…….
حتى رؤيتها في الصباح وكل يوم أمر اعتاد عليه…
فإن كانت ذكيه وطموحة هي أيضاً جميلة على نحو خاص…….بيضاء البشرة متوردة الوجنتين الممتلئتين
قليلاً والمستفزتين جداً…….عينيها من اللون
الفيروزي ، مُضيئة بشكلاً مبهر….ملامحها انثوية صغيرة…… جسدها متناسق بمنحنيات ممتلاءه قليلاً عن المعتاد….
ترتدي دوماً بشكلاً مرتب ورائع تهتم بمظهرها
شكلها إنتقاء ملابسها…..شابة جميلة في كل
شيء مبهرة……عاد لسانها الطويل وجنانها
الفطري….. عنفوانها الجامح……تلك القصيرة
الصغيرة صاحبة العيون المضيئة والوجنتين المتوردتين الممتلئتين تحمل طاقة رهيبة في
افساد جمالها ورقتها الظاهريه……..
تحدث سليم أخيراً معقباً على اهتزاز الصنية
بين يداها……
“اللي يشوفك وانتي ماسكه الصنية كده…..
مايصدقش إنك كنتي قلبه على عبدو موته
في الشارع…….”
وضعت الصنية جواره وانتصبت في وقفتها
قائلة بمسكنة…….
“على فكرة انت ظلمني ياستاذ……الراجل كان
هيفرمني انا والعجله تحت عربيته……..”
رد بفظاظة وهو يمسك فنجان القهوة
ويرتشف منه بتلذذ……..
“اهو هنكون خلصنا منك انتي والعجله اللي
قرفانه بيها………”
رفعت حاجبيها بانفعال وصدمة……
“الله……طب وعزيزة مالها……هو اللي غلطان……
مش عارف يسوق….. “
وضع الفنجان جانباً وهتف مستاءاً….
“انتي هتجننيني ياكيان……”
قالت كيان سريعاً…… “سلمتك ياستاذ…….”
رفع عيناه القوية عليها وانحنى في جلسته
ساند ذراعيه على سطح المكتب ثم سالها
بجدية…..
“هسألك سؤال وتجوبيني عليه بصراحة…هو
المرتب اللي انا بدهولك مش بيكفيكي……”
اندهشت فسالته….
“ليه بتقول كده ياستاذ…….”
لم يحيد عيناه عنها بل رد بوجوم…..
“بقولك كده عشان شايفك راحه جايه بالعجلة بتاعتك….مش معاكي تمن الموصلات يعني
عرفيني…ازودك ورايح دماغي….. “
رفعت كيان راسها بكبرياء قائلة…..
“فشر……معايا الخير كله….بس برضو مستغناش
عن عزيزة أبداً……..”
“كده كتير عليا……”هز راسه بضيق وهو يشعر انه يهدر الوقت معها هباءاً……عاد لعينيها الفيروزي
البراقة….تلك العيون التي يعجز امامهم بشكلاً
مؤقت فقط لانهم يلمعان دوماً بشكلاً غريب
ككشافات السيارة !!……..تنحنح بخشونة
سائلاً………
“خلينا في المهم….. انتي جايه متأخر ليه…..”
فوجئت بالسؤال فتوسعت عينيها وتلعثمت
قائلة……
“أصل… أصل…. أصل ياستاذ…. راحت عليا نومه..”
“والسبب….”هزه بسيطه من راسه ونظرة من
عيناه جعلتها ترتبك اكثر من الازم
لذا توقف عقلها فجأه بعجز ماذا تقول له كُنت
اشاهد مسلسل كوري وانهيت الحلقات الأخيرة
فجراً !!…..
قطع سليم الصمت قائلاً بخشونة….
“مستني ردك……..الاجابة صعبه لدرجادي…ولا لسه مألفتيش كدبة…….”
هزت كتفيها وقالت بشجاعة……
“وهكدب ليه بس……مفيش أسباب…نمت بدري صحيت متأخر…….نصيب….”
ضرب على سطح المكتب فجأه قائلاً
بصرامة….
“الكلام دا مش عندي ياكيان….اول وآخر مرة سامعه……..”
هزت راسها بالموافقة دون تعقيب……
ثم أشار لها بيده قائلاً بأمر…..
“هاتيلي ملفات القضايا اللي هنشتغل عليها النهاردة……..”
اومات بانصياع…… “تمام……..”
اوقفها سريعاً قائلاً بتذكر…….
“استني…..أيتن شويه وجايه……أول ما تيجي دخليها……..سامعه…….”
“حاضر……..”استدارت وهي تتمتم بشفتي
ملتويه بقرف….
“عنينا للاستاذ وخطيبته……..”
……………………………………………………………
كانت تحني راسها على الملفات جوارها تدرس عدة
قضايا بهم كما أمرها استاذها……كي يختبر روح المحامية داخلها ويعرف رأيها فيهما والحل لكلا
منهم………
سمعت صوت خطوات تقترب منها لحذاء انثوي بكعب عالٍ يقرع الأرض بصلف وخلاء…….
وصلت رائحة عطرها القوية لعندها فشعرت بالاختناق وهي ترفع رماديتاها إليها…
فوجدت ( ايتن الشهاوي..)خطيبة استاذها
المحامي (سليم الجندي….)
كانت أمرأه يافعة الطول والجمال كعارضات الأزياء
تماما شعرها أسود قصير جداً يشبه قصة شعر الرجال …..
كانت ترتدي بنطال أسود ضيق جداً يبرز ساقاها النحيفة وعليه كنزة بيضاء يليها سترة سوداء….
كانت تضع زينة منمقة وأيضاً اقراط رائعة في اذانها وهذا القرط الامع الذي تثقبه في جانب انفها……
جديد هذا عليها…… ماذا يجب ان تعقب عند
رؤية هذا…..
“روش أوي ده…….”
انتبهت ايتن لما قالته فوقفت مكانها مبتسمة
بزهو قبل ان تسألها بصلف……
“مرسي ياكيان………. قوليلي سليم جوا…….”
نهضت كيان واشارة على باب المكتب المغلق
قائلة بتهذيب……..
“آآه ومستني حضرتك…….. اتفضلي ادخلي…..”
اطرقت بكعبها العالٍ للدخل كنغمة تشع تعالي
وغرور….. اغلقت الباب خلفها واتجهت اليه
فكان يجلس خلف مكتبه منهمك بين ملفات
القضايا المتراكمة لكن حينما اشتم رائحة
عطرها رفع عيناه القوية عليها…..
فابتسمت ايتن بدلال وهي تلف حول المكتب
بتملك حتى تصل إليه……
“هاي ياحبيبي وحشتني……..” جلست على ساقيه
بتغنج وتعلقت بعنقه طابعه قبلة سطحية
على شفتيه الغليظة…
“وحشتني اوي….. إزاي متجيش البارتي بتاع
كاندي صاحبتي…….كلهم سألوا عليك…. “
عانق خصرها المنحوت بكفيه قائلاً بملل….
“انتي عارفه ان الامه بتخنقني….وبذات صحابك حوارتهم كلها تافهة……”
اندهشت ايتن معقبة……
“اخص عليك ياسليم………احنا تافهين…….”
اجاب بهدوء…. “انا قولت صحابك يايتن….”
هزت رأسها وهي تلامس ياقة قميصة
بتافف…..
“وانا وهما إيه…..وبعدين انت اللي قافل اوي على نفسك ياسولي……حبيبي المفروض تفك كده
وتعشلك يومين……..ولا إيه……”
رفع حاجبٍ ونظر لعيناها الحانقة
بسخط….
“اليومين اللي اعشهم اني كل شويه اتنطت بين حفلة للتانيه……ومن بلد لا بلد……واصرف من فلوس بابي وركب عربية واخدها هدية من مامي…..”
قالت بزهو وهي تنظر إليه بتعجب…..
“وفيها إيه هو انت اقل من اللي بيعملوا كده
دا انت ابن المستشار مصطفى الجندي……….”
نظر لعينيها بقوة قائلاً دون مواربة……
“انتي عارفه انا بحب إيه يا ايتن ومع ذلك بتقوحي معايا……بقلنا سنتين مع بعض ولي بنعيدوا بنزيده…
ولحد دلوقتي مردتيش عليا في موضوع جوزنا
اللي كل شويه بتأجليه…”
“وبعدين معاك ياسليم….”نهضت مبتعده عنه
بانزعاج…..لم يتحرك من مكانه بل قال برجاء
مجدداً من خلف ظهرها……..
“حددي معاد يا أيتن…..مش كفاية سنتين خطوبة…”
استدارت اليه قائلة بعناد…….
“لا مش كفاية….لسه شوية احنا محتاجين ناخد على بعض اكتر نفهم بعض نتقق…….”
انعقد حاجباه مردداً باستنكار…..
“وكل ده معملنهوش يا ايتن…..بتكلمي كاننا اغراب
عن بعض……”
انحنى كتفيها قليلاً كعلامة عن التردد والخوف
من تلك الخطوة التي ستاخذ منحنى آخر
بينهما….
“احيانا بحس بده….احنا مختلفين عن بعض جداً
ياسليم…..”
نهض سليم من مكانها واقترب منها محيط خصرها
بيداه مقربها منه وهو يقول بصوتٍ أجش حنون….
“ودا ممكن يأثر على اللي بينا….خصوصاً اني بحبك
وانتي كمان بتحبيني واي حاجة تانيه نقدر نحلها……”
مدت ايتن يدها ولامست وجنته ولحيته
بحب قائلة بدلال……
“أجل الموضوع ده شوي ياسليم لو سمحت….
متبوظش الوقت اللي هنقضيه سوا……..”
اخرج نفساً متأثر بقربها فلامس شعرها
القصير الناعم……
“هاجله النهاردة…. بس أكيد هنتكلم تاني…..”
ابتسمت بسعادة قائلة بعيون ماكرة…..
“أوكي…. بقولك اي مش واخد بالك من حاجة
جديدة في وشي……..”
صب تركيزة على وجهها اكثر وعندما لمح شيءٍ
يلمع في جانب انفها……سألها وهو يلامسه
بفضول…..
“اي اللي في مناخيرك ده……”
ضحكت وهي تبعد أصابعه قائلة بابتهاج…..
” دا Piercing عملته امبارح قبل ما روح البارتي …. اي رأيك……. “
“مش حلو يا ايتن….. مش حلو خالص……” قالها
وهو يبتعد عنها جالساً خلف مكتبه……..
لاحت الصدمة على وجهها …
“اخص عليك ياسليم……. دا كل صحابي اتجننه
عليه دا حتى شادي ناوي يعمله…….”
لوى سليم شفتيه ممتعضاً معقباً…..
“مبروك عقبال مايخرم ودانه……والحلق هيكون
هدية مني ليه…… “
تاففت بحنق وقد لمعة عينيها بالاعجاب نحو
ابن خالتها وصديق الطفولة…….
“أوف ياسليم عليك….انت مبتحبش شادي لي بس…….دا حتى جنتل مان و لذيذ ودمه خفيف…. “
سخر سليم بخشونة…..
“وانا تقيل وبلدي مش كده…..”
هزت راسها بنفي……
“أكيد مقصدش كده……..”
عندما لم تجد رداً منه….اقتربت منه مجدداً
وجلست على ساقه واحاطت عنقه بيداها
ثم مالت عليه تداعب انفه بانفها قائلة
بصوتٍ ناعم يفوح منه اغراء العالم…..
” سليم ياحبيبي أرجوك متبوظش الساعة اللي هقعدها معاك في الجدال والخناق…بليز خلينا
رايقين شويه……. بليز ياسليم…….”
أومأ براسه بملامح جامدة وهو ينظر لشفتيها لبرهة قبل ان يميل عليها ويلتهم اياها بجوع………..
……………………………………………………………..
ارجعت ظهرها للخلف وهي تزفر بتعب…..
انتهت ساعات العمل أخيراً وعليها الذهاب لكن يجب انتظار استاذها بالأول….. فعليها الخروج بعده كما يجب……..
بالفعل بعد لحظات فتح سليم باب مكتبه وبكامل اناقته بالحلة السوداء الانيقة….. أغلق زر السترة بيد
والاخرى يحمل بها حقيبته السوداء….رفع عيناه
القوية عليها…..فنهضت كيان باحترام وهي
تبتسم بالباقة……….
تلك الإبتسامة منها تشع دفء يتخلل داخله دون استئذان……….نفض الأفكار وهو ينظر لرماديتها
البراقة……..
“خلصتي شغلك ياكيان…….”
قالت كيان بحماسية……
“ايوا ياستاذ خلصته……..تحب تبص عليه…..”
أردف سليم بخشونة محذراً…….
“خليها بكرة الصبح…..عايز اجي القيكي على مكتبك
مش بتتعركي في الشارع……..”
اغتصبت الإبتسامة وهي تقول بمرح
زائف….
“قلبك أبيض ياستاذ….غلطه ومش هتكرر……”
“اتمنى………سلام…….”أنصرف سليم سريعاً من
امامها لوت كيان شفتيها قائلة بنزق…..
” مكنش تاخير نص ساعة ده اللي هتقعد تعيد
وتزيد فيه…….. “
لملمت اشياؤها وخرجت من المكتب مغلقة الباب خلفها وعندما وصلت للأسفل اخذت دراجتها
الهوائيه من جوار البواب واستقلت بها وقادتها
امام عيناه التي تراقبها من خلف أطار السيارة الامامي………
………………………………………………………….
وصلت بالدراجة لحي سكني شبه شعبي ولكن أرقى
واهدى من الأحياء الشعبية المعروفة…. فكان الحى
عبارة عن مباني ممتدة انيقة تقبع جوار بعضها بشكلاً
منمق………. هناك محلات وحركة حيه في المكان واناس كذلك لكن أهدى والوضع يكاد يكون مقبول
لا تنفر منه عكس الأحياء الشعبية الأخرى……..
تركت دراجتها بالاسفل عند بواب العمارة واتجهت
الى المصعد فاوقفها البواب قائلاً بتردد….
“مينفعش تركبي الاسانسير ياست كيان……”
توقفت كيان متسائلة……
“لي بقا ياعم همام هو لسه بايظ ؟!……”
اجابها البواب مختصراً الوضع……..
“لا اتصلح لكن انتوا مدفعتوش تمن الصيانه زي ماعملوا سكان العمارة وابوكي عثمان بيه قال مش هيدفع ومش عايز اسانسيرات…….. ومتاخذنيش ياست كيان قوانين العمارة بتمشي على الكل….”
زفرة كيان باسى ثم نظرة للسلم الممتد أمامها…الشقة
في الدور السابع…..هل ستصعد كل هذا…….تمتمت
بصوتٍ حانق كاره…….
“لي بس كده حرام عليك…….”
لم يسمعها البواب جيداً لذا سألها….
“بتقولي حاجة ياست كيان…..”
نظرة كيان إليه لبرهة ثم هزت راسها بنفي قبل ان تبتعد متجهة الى السلم بضيق كي تبدأ رحلت الصعود للدور السابع……….
“مستغناش ياعم همام عن إذنك……..”
عند الوصول للشقة أخيراً بعد رحلة طويلة شاقة توازن تعب اليوم في مكتب المحماة……. اطرقت
على الباب وهي تقول بصوتٍ متعب……
“افتحي ياشهد…. افتحي روحي بتطلع…..”
فتحت شهد الباب بعيون حمراء ووجه شاحب قليلاً…… ونظرة لاختها بقلق… وبحنان الام الفطري
التي اكتسبت إياه مع مرور السنوات في رعايتهما
اقتربت منها بقلق…..
“مالك ياحبيبتي انتي تعبانه…….”
دخلت كيان وجلست على أقرب مقعد وهي تأخذ
انفاسها…….
“نَفسي اتقطع من طلوع السلم…….هو هنا….” سالتها
كيان بتوجس………
هزت شهد راسه دون تعقيب…….فسالت كيان مجدداً…
“طب وحمزة……..”
اتجهت شهد للمطبخ قائلة……
“زمانه جاي من الشغل……..نص ساعة وهيكون هنا
وهنتغدى كلنا……”
لحقت بها كيان وهي تقول بحنق….
“سيبك من الغدى دلوقتي انتي عرفتي ان البواب منعنا نستعمل الاسانسير زي بقيت سكان العمارة… “
قلبت شهد الحساء وهي تقول بهدوء…..
“البواب مالوا ياكيان…..صحاب العمارة شارطين بده…….”
قالت كيان بانفعال….
“واحنا بقا ملناش شقة في العمارة دي……”
غطت شهد الإناء ونظرة لاختها قائلة ببال
طويل….
“اديكي قولتي شقه….نص العمارة ليها ملاك والنص التاني بتاعهم……..وبعدين دي تاني مرة الاسانسير يعطل وابوكي ميرضاش يدفع للصيانة…. “
لوت كيان شفتيها بمقت…….
“اللي يشوف حالنا ده ميصدقش ان ابوكي صاحب أملاك…….عمارتين على البحر بصف محلات كبير….
لا وسايب كل واحد فينا يتكفل بنفسه من اكل لشرب للبس لمعيشة…… انا مش عارفه طالما رامي طوبتنا اوي كده جبنا الدنيا ليه…… “
قالت شهد بصوتٍ هادئ يخفي الكثير من
الوجع….
“نصيبنا نيجي الدنيا ونبقى…… ولاد عثمان الدسوقي…”ثم نظرة لاختها وقالت بحسرة……
“تعرفي انا كنت ناويه إدفع صيانة الاسانسير لهمام
وانا رجعه… بس للأسف فلوس الاوردر اتسرقت مني
مسافة ما طلعت من الكمبوند……..”
جحظت عينا كيان معقبة بصدمة….
“أحيه……بجد اتسرقت…….مين اللي سرقها… “
اخذت شهد نفساً مرتجف…. وقالت بعجز……
“واحد معرفوش…..قصير كده ورفيع واسمر….خطف مني الفلوس وجري من قدامي ركب مكنه ورا واحد وهرب ملحقتش امسكه……….”
“والله انتي خايبه……..”
نظرة شهد لاختها الصغرى بعجز……
“خايبه في اي بس ياكيان بقولك خطف
الفلوس مني في غمضة عين وجري……..”
اخبرتها كيان بجدية…….
“مانا عارفه انه خطفها….حد قالك انه هيستأذن…
الخيبة انك تعدي مبلغ زي ده في الشارع…يابنتي
الناس جعانه وبتاكل في بعضها…..اسأليني انا….
انا الست شهور اللي اشتغلتهم في مكتب سليم الجندي شوفت صورة تانيه للناس….الناس
التعبانه بجد ياشهد….”
اسبلت شهد جفنيها وهي تصبر نفسها قائلة…..
“اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته….يمكن
زعلت شويه على الفلوس بس حمدت ربنا اني
كويسه وان طمع في الفلوس مش فيه…….”
“عشان حمار في حد ياخد الفلوس ويسيب
الشهد…….”تعلقت كيان في عنق اختها من
الخلف بمشاكسة…….
“بس يبكاشة انتي……تعالي في حضني….. “قالتها وهي تديرها اليها ثم عانقتها ومسدت
على شعرها وهي تسالها بحنان……
“شكلك مضايقه…. مالك في حاجه حصلت ضايقتك النهاردة……..”
زمت كيان شفتيها في احضان اختها
عابسة….
“ولا حاجة…… تعب كل يوم…….كالعادة الرجل الغامض بسلامته تعبني بطلباته…. قهوة ياكيان
ملف القضية الفلانيه ياكيان…… هنطلع على
المحكمة ياكيان….. صوري الورق دا وهاتيه ياكيان…. كيان…….. كيان….. لحد ما دماغي ورمت……”
ضربتها شهد على رأسها……
“ماهو الشغل كده ياهبلة أمال عايزة تقعدي متعمليش حاجة……..”
رفعت كيان رأسها وابتعدت عن أحضان اختها
قائلة بصوتٍ حالم………
“وفيها اي لما قعد ومعملش حاجة طب دانا إمبارح اتفرجت على حتة مسلسل كوري البطل كان صاحب شركة كل اللي بيعمله طول المسلسل يزعق للرايح والجاي… ويوم ما ربنا يهديه ويفتح ملف ونقول هيشتغل أهوه أخيراً…….. تدخل البطلة ويتلهي فيها………”
ضحكت شهد بدهشة قائلة….. “والله انتي هبلة المسلسلات الكوري لحست مخك…….”
لمعة عينا كيان بتمني…..
“نفسي اتجوز واحد كوري واستقر هناك…..”
قالت شهد بتأثر……. “وتسبيني انا وميزو……..”
صاحت كيان بتملك…..
“امال اسيب قرة عيني……. انتي عبيطه…..”
ضربتها شهد على ذراعها قائلة بتوبيخ…..
“آه يام لسان طويل ادخلي غيري هدومك على ماخوكي يجي خلينا نتغدى…….”
ضحكت كيان وهي تتجه لغرفتها ولكنها وقفت
عند الباب وهي تحك في شعرها سائلة….
“تفتكري ياشهد ابوكي هيجي على الغدى…….”
قالت شهد وهي تجلس على المقعد….
“تقريباً هيبات عندها النهاردة………”
زفرة كيان بارتياح…..
“أحسن وجوده في البيت بيتعب اعصابي……”
صاحت شهد بتحذير….. “كيااااااان……”
رفعت كيان حاجب متمرد وعلقت
هازئة…
“آه ياشهد كمية التسامح والسلام اللي جواكي مخليني احقد عليكي…. معقول بتدفعي عنه بعد
كل اللي عمله فينا…….”
هربت شهد من عينا اختها مبرره الوضع……
“انا مش بدافع بس الاحترام واجب….. ومهما كان
لازم نحط في الاعتبار ان ده أبونا……..”
“آآه زي ماهو حط في الاعتبار كده ان احنا ولاده…”
تمردها كان ظاهري جداً مع كل كلمة تنطق بها وللأسف كانت على حق لذا صمتت شهد دون
تعقيب فقالت كيان بقسوة بعد ان ساد الصمت بينهن……..
“سكتي ليه…. انتي بدفعي عن شخص رصيده
خلص جوانا من زمان………”
أغلقت الباب خلفها……. فنزلت دموع شهد بتعب من
حرب الكره والعتاب المقام بهذا البيت والتي بطلها
واحد فقط (أبيها….)…….تشعر أحياناً بالعجز اليأس…..
العجز من تغيير الواقع……اليأس في إدخال
الأوان الحياة والبهجة الى قلوب أصابتها
شيخوخة الصبى !……..
………………………………………………………………
صناعة الاشياء بيدك شيءٍ حِرفي يحمل حس فنان
مبدع…. يلامس بأصابعه الذهب فيشكلها قطع من الحلي باشكال واحجام مختلفة ورغم عمقها واختلافها عن المتداول مميزة……والأحجار الكريمة الباهظة بالوانها البراقة واشكالها المختلفة تضاف بدقة لكل تصميم يرسمه على الورق………..
يشعر ببعض الراحة وهو يقوم بهذا العمل في
ورشته الصغيرة والتي تجاور بيت العائلة
الكبير…..
التجارة في الحلي والمجوهرات مهنة العائلة الاساسيه والتي اوصلتهما لهذا المستوى فمن
يوم ان وعى على الدنيا وهو جده الصائغ
(صابر الصاوي) وابيه وعمه أدار الأملاك من
بعده لكن لم يكن أحد منهم يهوى صناعة الحلي والمجوهرات كأبيهم….. ربما اجبروا على إدارة محلات الذهب فقط لأنها ذهب وليست رمال
ليديروا وجههم عنها !…..
ام هو فأحب تلك الحِرفة وتعلمها من جدة قبل وفاته
وطور من نفسه فأصبح يجيد ويبتكر أكثر من جده.. حتى أصبح له زبائن من أعلى الطبقات التي يتعاملوا
معها منذ زمن تطلب أعماله بالاسم…….
مسح الخاتم بالمنديل الورقي ونظر له بدقة عالية يشعر انه ينقصه شيء لكن توقف عقله فجأه
وعجز عن فهم الناقص فيه……
حانت منه نظرة على ساعة معصمه فوجدها تشير لرابعة عصراً ربما عليه الذهاب لشارع ( الصاوي)
ليبدأ التجول بين المحلات التي يملكاها والآخرى
المستأجرة منهم……..فمشاكل شارع الصاوي لا تنتهي
خصوصاً ان صف المحلات من الجانبين اغلبه ملكاً للعائلة إلا عدد قليل فقط ملك لاناس آخرين تم
بيعه من قِبَلهم………..
وقف امام المرآة الكبيرة الموضوعه بالورشة ناظراً
إليها وهو يهندم سترة الحلة السوداء……متأملاً
نفسه لبرهة……
كان رجل وسيم للغاية في اواخر الثلاثينات من
عمرة قد بدات تظهر بعض الشعيرات الفضيه
في شعره الحالك…….
كان طوله يتجاوز الستة أقدام رشيق الجسد وله
بنية رياضية قوية تكشف عن رجولة طاغية…..
شعر أسود حالك مصففاً للخلف… برونزي اللون
بالحية حالكة كثيفة جذابة اما ملامحه فكانت
حادة مبهمة وعيناه السوداء قاتمة تحكي الكثير
عن مايجول بخاطره…..ويتعب ذهنه…….
طرق الباب عليه ودخل بعدها شابٍ وسيم في
عمر التاسعة عشر………لا يتشبها قط بل كان
غربي الملامح رغم انه شرقي ابٍ عن جد…..
لكنه شبيه أمه فعيناه زرقاء وشعره اشقر مراوغ عابث خفيف الظل……..ابن عمه الصغير والوحيد
(يزن الصاوي…..)
هذا الذي تربى امام عيناه وكبر لحظة باللحظة
بين يداه……….
شاكسه يزن قائلاً…..
“اي ياكينج رايح فين معاد غدى ده……..أوعى تقول انك مش هتتغدى إلهام هانم مستنياك…..”
أطبق على شفتيه في خطٍ مستقيم… وأحس بحلقه يلتوي وشعور هائل بالاختناق يتلبسه…….
اقترب منه يزن متسائلاً….
“ساكت ليه………هتتغدى ولا……”
نظر له بطرف عيناه سائلاً…
“ولو متغدتش يعني…….”
رد يزن بفرحة عارمة وعينان متسعتان……
“هاكل منابك معروفة……..”
رد عليه ضاحكاً وهو يهز رأسه……
“مخلص على أكل البيت كله ومش مكفيك……ارحمنا….. “
اجابه يزن بتبرير جاد…..
“أعمل إيه بس بجوع بسرعة…وبعدين المجهود اللي بعمله في الچيم بيجوع……دا غير الدراسة…..”
ارتفع حاجب الآخر مستنكراً وأضاف…
“الدراسة !!……ماشاء الله وياترى فاكر انت خدت
إيه في المحضرة إمبارح………”
ظل يزن يتفحص الأشياء من حوله وهو
يجيب….
“إمبارح…….لا دا بعيد أوي……..لو كنت سألتني
بعد المحضرة علطول كنت قولتلك……”
“يزن……..”
ابتسم يزن ولم يعقب بل قال بجوع….
“خلينا في المهم…..الغدى برد وامي مذنباني عشان خاطر سيتك……..”
سأله الآخر باهتمام…..
“وعمي والحاجة نصرة فين……..”
رد يزن بشفتي مقلوبة…….
“مستيينك برضو على السفرة………ابسط ياعم الكل بيعملك ألف حساب إلا انا لو بت برا البيت عادي ولا هيسالو……..”
“بس انا بسأل……..”قالها وهو ينظر اليه بمشاكسة
فرد يزن مؤكداً بمحبة……..
“أصلا مفيش حد مصبرني على العيشة معاهم
غيرك انت….. ونصرة قلبي……..”
راتفع حاجبا الآخر وادعى الاندهاش معقباً
بسخرية……
“نصرة قلبك !!…..وانا أقول اتركنت على الرف
ليه اتاريك هاري الحاجه اشعارات فارغة….”
قال يزن بانف مرفوع كأثبات ملكية…….
“وهي جدتك لوحدك يعني…ماهي جدتي انا كمان…….”
أشار له الآخر بكفه بان يخرج قبله حتى
يغلق باب الورشة…….
“اومرك ياستاذ يزن….. قدامي بقا خلينا ناكل
لقمة ونروح نشوف مصالحنا….”
“نازل شارع الصاوي النهاردة…….إمبارح مرحتش يعني طول النهار شغال في الورشة…. خلصت
الخاتم اللي قولتلي عليه ولا لسه…….. “ساله يزن وهم يسيروا معاً في الحديقة الداخلية للبيت
يقطعا المسافة البسيطه بين المنزل وغرفة الورشة……..
“يعني شبه خلصته……..”
انعقد حاجبي يزن متسائلاًً…..
“ليه هو نقصه حاجة ولا إيه…..”
رد عليه وهو يرفع عيناه للأمام بحيرة…..
“تقريباً……. بس لسه مش عارف……أول مرة
احتار كده….. “
سأله يزن ببراءة الأطفال….
“انت اتحسدت ولا إيه……”
أجاب الآخر وهو يضيق عيناه بشك…
“آآه شكلها عين زرقه ومدوره يلا… زي بعضو هعديها……”
جفلت ملامح يزن فرد سريعاً……
“اخص عليك ياكينج…… انا بقر…… بس عمري
ما حسد…..”
رد عليه الآخر بابتسامة مناكفة….
“تصدق ظلمتك………”
عندما دخلا غرفة الطعام صاحت الجدة بتافف
والتي كانت تجلس على مقعد متحرك… ترتدي
عباءه بيضاء ووشاح يماثلها لوناً……أصبحت
الملابس البيضاء من أكثر الاشياء التي تتجه
إليها منذ ان حجة بيت الله مع زوجها الذي
مات في طريق العودة في احضانها……ومن
أحد اسباب تدهور صحتها وجلوسها على مقعد
متحرك فراق رفيق دربها………
“اهلاً بيزن بيه…….. وعاصم اللي مجوعنا….لسه بدريه المفروض اسمه غدى بس معاكم هيبقا عشا… “
نظرة إلهام لابنها يزن والذي يشبهها شكلاً سواء بالعيون الزرقاء او الشعر الاشقر كانت جميلة على نحو خاص مزالت صغيرة في منتصف الاربعين من عمرها تكبر عاصم بسبع سنوات فقط بينما يكبرها زوجها بعشر سنوات……حولت نظراتها الى عاصم
الذي انشغل في همس ابنها…….
لكز يزن كتف ابن عمه عاصم وغمز له قائلاً بمراوغة…..
“بص بقا وتعلم مني أصول التثبيت…..للستات
من فوق الستين وانت نازل….. “
أقترب يزن من الجدة مهللاً باعجاب مسرحي
أسعد قلبها فهذا الصبي بهجة البيت
وسعادتهُ……..
“اقسم بالله يانصرة قلبي الغدى معاكي ميتشبع
منه قوليلي ليه……..قولي ليه…. “
ضحكت الجدة سائلة…… “ليه يابكاش……..”
“حلو ومسمسم زيك كده……”رد يزن وهو يقبل
يدها ثم رفع رأسه و تامل وجهها المجعد
منذهلاً…..
“بسم الله ماشاء الله عيني عليكي برده……..اي الحلاوة دي…انتي حطه كريم تفتيح ولا إيه
وشك منور يانصرة…..الله أكبر….. “
ضربته نصرة على كفه بتوبيخ……
“انا مبحطش حاجة على وشي و انت عارف….”
رد يزن باعجاب وهو يشفط الهواء بفمه كعلامة
على الاندهش الاكبر……
“عارف…. عشان كده بكبر…. الله اكبر تاني اي ده…
لا إله إلا الله……الله اكبر……”
ضحك عاصم…..وكذلك إلهام والدته……
فرمقت نصرة الصبي بارتياع….
“في اي ياواد خضتني…….”
قال يزن ملوحاً بتملق…..
“انتي خسيتي يانصرة قلبي…..خسيتي وبقيتي
غزال……طب والله بطل……..”
ارتفع حاجب عاصم بصدمة مردداً.. “بطل !!……”
قالت إلهام بضحكة رقيعه…..
“متعلقش ياعاصم مانت عارف ألفاظه…….”
أبعد عيناه عنها ممتنع عن الرد………وركز على رد
الجدة نصرة والتي اتى بابتسامة مرضية وقالت
بسعادة طفلة……..
“انا برضو حسيت النهاردة اني محلوه……”
أكد يزن بهز من رأسه…..
“جداً……عيني عليكي باردة يانصرة قلبي
النهاردة غير اي يوم….”
اشارت له الجدة بيدها ان ينحني ففعل
فقالت لها بهمساً…..
“تعرف انا ليه بحبك ياواد يايزن…..”
رد يزن بمحبة…… “ليه ياقلب يزن……..”
قالت نصرة بعيون تشع حنان وحنين لأيام دُفنت مع أصحابها ولم يبقى إلا ذكرى تحيا عليها حتى يحين إلقاء……..
“بتفكرني بجدك صابر…. كان عسل زيك كده وبيحب
يفرحني حتى لو بالكدب………”
انصدم يزن فرفع راسه مستقيمٍ في
وقفته…..
“اخص عليكي يعني كل ده كان كدب…”
قالت نظرة بمحبة عمياء…..
“انت بكاش………بس عمرك ماكنت كداب….. “
ابتسم يزن بزهو ورفع ابهامه مؤكداً….
“الله ينصرك على مين يعديكي هو دا التطبيل المظبوط………”
في تلك اللحظة دخل من باب غرفة الطعام…
رجل في منتصف الخمسين من عمره فارع الطول نحيف الجسد….وسيم الملامح خصوصاً بشعيرات الشيب التي غطت شعره ولحيته الكثيفه
انهُ(مسعد الصاوي)والد يزن وعم عاصم
نظر مسعد لابن أخيه معقباً دون رضا…..
“اي ياعاصم أخيراً طلعت من سجنك يومين بحالهم في الورشة………انت غاوي وجع قلب مالبضاعة اللي بنطلبها بنجبها وبنعرضها في المحلات وبتبقا كويسه وتريندات كمان وماشيه في سوق ……..اي لزمتها انك تعمل الحاجات دي بأيدك…. “
رد عاصم موضحاً وهو يتخذ مقعده جوار مقعد
جدته…….
“انت عارف اني بعمل بالطلب…….والخاتم اللي كنت سهران عليه كان برضو طلب زبونه مهمة عندي…”
جلس مسعد على رأس الطاولة وجواره أمه
وعاصم وعلى الناحية الأخرى زوجته إلهام
وابنهما يزن الذي انشغل في طعام
ياكل بنهم……
رد مسعد متعجباً من الأمر…..
“مش عارف أقولك إيه بس انت اللي فتحت على نفسك فتوحه………”
تدخلت نصرة بعدم رضا معقبة…….
“اي هي الفتوحه اللي فتحها يامسعد….دي حرفة أبوك اللي وصلتنا للي احنا فيه دلوقتي…….ولا خلاص من ساعة ما فتحت معرض العربيات انشغلت
بيه ورميت عليه الشغل كله ونسيت اصلنا…….دا شارع الصاوي يشهد بأسم وتاريخ أبوك واجداده
في تجارة الدهب……”
برئ مسعد نفسه موضحاً……..
“انا مقولتش حاجة يامي…….وبعدين المعرض مالوا بس….مانا نص وقتي بقسمه بين المعرض وشارع الصاوي…….وبباشر الشغل مع عاصم أول بأول
دا مالنا برضو……..”
قالت نصرة باقتضاب….
“لو بتخاف على مالك فعلاً كنت رعيته مش تدخل في تجارة تانيه وتسيب تجارتنا الاصليه……….”
تافف مسعد قائلاً باستهجان واضح……
“انتي عارفه ان مليش في تجارة الدهب…….مش لوني يام مسعد……..”
هزت نصرة راسها بوجوم قائلة…..
“لكان لونك ولا لون اخوك الله يرحمه……الوحيد
اللي طالع لابوك وصاين اسمه وتجارته هو
عاصم……. وبكرة يبقا يزن…. “
اعترض يزن وهو يبتلع الطعام بصعوبة….
“لا ياتيته انتي فاهمه غلط ان في كلية طب…
يعني هتخرج دكتور مش صايغ…….”
اقترحت الجدة متبسمة…….
“ومالوا الصبح تبقا في المستشفى وبليل مع عاصم في محلات الصاوي……”
زم يزن شفتيه…… “وليه الفرهدة دي بس…..”
سالته الجدة بشك… “بتقول اي يايزن……”
ابتسم يزن بتصنع وهتف بنفاق……..
“بقول الجاي احلى يانصرة قلبي…..انا معاكي في
اي حاجة….. “
أسبلت نصرة جفنيها وقلبت في الطعام امامها شاردة
ثم رفعت عينيها على الثلاث مقاعد الشاغرة والتي ظلت مكانها رغم هجر احبابها…….فعقبت شاردة
بشجن دفين…….
“بعد موت عبد الرحمن ومراته…….محدش هون عليا فرقهم غيرك انت ياعاصم….. واختك عُلا…. وبعد ما عُلا ربنا كرمها وجالها ابن الحلال اتجوزته وسفرت حسيت بفراغ وتعبت اوي بس اللي صبرني فرحتها وحبها لجوزها…….يمكن أكبر درس اتعلمته في
حياتي وفهمته مع الوقت…….ان الحياة بتمشي
رغم اللي ماتوا ولي بعدوا بتمشي……مش بتقف
غير جوانا احنا بس……..ربنا يرحمهم…. وحشوني اوي……….”
رد عاصم بنظرات حزينة متأثرة……
“ربنا يرحمهم…. ويباركلنا فيكي ياحاجه…….”
قالت نصرة بعطف وهي توزع نظراتها الحانية
عليهم بتساوي……….
“وفيك ياحبيبي…… وفيكم كلكم……كلوا ياولاد
بالف هنا…….”
تدخلت إلهام في الحديث قائلة…..
“ربنا يباركلنا فيكي ياماما…….دانتي باركة البيت دا حتى رُفيدة بتحبك جداً…..دي لسه قافله معايا
حالاً و بتسلم عليكم كلكم…….”
انهت الحديث بنظرة على عاصم الذي كان يأكل بصمت دون تعقيب……….ولكنه يفهم هذا التلميح
جيداً…….
نظرة نصرة لالهام وقالت بتأثر وهي تنظر الى
عاصم بحزن……..
“سلميلي عليها يالهام…..ربنا يوفقها في حياتها….”
شعرت إلهام بالغيظ واحمر وجهها بحرج فلم تكن تنتظر هذا الرد من الجدة وكأن الباب أغلق بالفعل
ولم يكن موارب كما تظن هي واختها
رُفيدة……….
“بصراحة انا عزمتها على الغدى عندنا بكرة….دا
بعد اذنك طبعاً……..”
جز عاصم على أسنانه وشعر بانفاسه تثقل فجأه….
قالت نصرة بتفهم وحنو…….
“ومالوا يابنتي تنور………دي مهما كان أختك….وحقها تيجي وتشوفك في اي وقت……….”
“الحمدلله……”نهض عاصم واغلق أزرار سترته
وقد انتبه له الجميع خصوصاً إلهام التي تقرأ
كل ردود أفعاله الواضحة على وجهه…..
قالت نصرة بحاجب معقود…..
“قعد ياعاصم كمل اكلك يابني……..”
قال عاصم بهدوء وهو يبعد المقعد من
خلفه…..
“شبعت ياحاجه الحمدلله….يدوب الحق شغلي….”
لم تضغط عليه في الالحاح بل قالت
بصوتٍ فاتر……..
“وانت فطريقك لشارع الصاوي عدي على بازار
حكيم وهتلي منه الفازة اللي وصيته يعملهالي
من شهر فات………”
ابتسم عاصم قليلاً مع تذكر حبها للتحف
الأنتيكات الفرعونية واهتمامها بهما بمبالغة
وكانهم أولادها الصغار……..
“حاضر هعدي عليه………سلام عليكم……”
عندما غادر أمام عينيها رددت بصوتٍ خافض
يشع حبٍ وامتنان لوجوده معها…….
“طريق السلامه ياحبيبي…..طريقة السلامه
يابن الغالي………..”
فتحت إلهام هاتفها وارسلت رسالة في الخفاء محتواها كالاتي…….
(مش قولتلك لسه بيحبك وقريب أوي…..هيردك لعصمته……..وبكرة تقولي إلهام اختي قالت…..)
………………………………………………………………
هواء منعش مالح للبحر القريب من هنا…..و شمس تبدأ بالغروب بين السُحب………العصرية في شارع الصاوي نهاراً أهدى وأفضل من الصباح لذا يفضل الخروج عصراً للتجول بين محلات الصاوي ملك العائلة وبين محلات الصاغه التي يديرها
بنفسه……..
ضجيج هنا و زحام بسيط هناك……
محلات شاغرة واخرى تعج بزبائن………..هناك من يسير يحمل
هموم العالم على عاتقه وآخر يسير غير مبالي
بالحياة ومصائبها……فالديه ما يكفيه ليحيا
مرتاح البال…………
صف سيارته جانباً وترجل منها بالحلة السوداء والنظارة المماثلة على عيناه……..لديه طلة تخطف الانفاس وتجذب الأنظار طوله الفارع ووسامته الطاغية شعره شديد السواد واللحية المماثلة
والملائمة لملامحه الرجولية الوسيمة….
كل مابي عاصم الصاوي يحكي عنه……والكل هنا يهابه ليس خوفاً بل احتراماً لرجل أثبت للجميع
انهُ يستحق مكانة جدة يستحق ان يدير أعمال
العائلة……… يستحق ان يكون من آل الصاوي
أكبر تجار الذهب على مدار سنوات طويلة…..
دلف الى بازار حكيم قبل ان يصل لمحل الصاغة….
عندما رآه حكيم والذي كان يسحب من مبسم الارجيلة خلف مكتبة الصغير…..وكان رجل
بشوش وسيم في منتصف الأربعين من عمرة……..هلل حكيم بمزاح عندما رآه……..
“خطوة عزيزة يابن الغالي……زارنا النبي……”
“عليه أفضل الصلاة والسلام……عامل اي ياحكيم…”
قالها عاصم وهو يستريح على أحد المقاعد بالقرب منه…..
رد حكيم وهو يسحب من مبسم الارجيله بمزاج
رائق….
“الحمدلله بخير…..انت اي أخبارك…بقالك يومين
مش ظاهر يعني غطست فين…….”
رد عاصم….. “هكون فين….. في الورشة…….”
سأله حكيم بهدوء…..
“بتعمل شغل جديد…..مد له خرطوم الارجيله
“تاخد.. “اخدها عاصم منه وسحب منها القليل
ثم اعطاها له…..مجيباً…..
“آآه حاجة كده………المهم الحاجه نصرة بعتاني
اخد الفازة اللي قالتلك عليها…….”
مد حكيم يده واخذ فازة مغطاه بالورق….
واخبره وهو يفتح جزء منها ليراها معه….
“آآه عندي اهيه……حاجة كده إيه اورجينال
خالص…..اي رأيك… “
نظر عاصم اليه بالامبالاة……
“انت عارف اني مليش في التحف والكلام ده…”
عقب حكيم بسخط…..
“خايب……..إزاي تكون فنان ومعندكش حس فني
ناحية الانتيكات دا فن يابنادم……”
رد عاصم ساخراً….. “سبنالك الفن يافنان………”
فابتسم حكيم وهو يلامس الفازة بيده
باعجاب……
“لا بكلمك بجد تعرف حبي للحاجات دي اكتر
من حبي لمرتاتي التلاته………”
ارتفع حاجب عاصم مشدوهاً….
“التلاته !!….. هما بقوا تلاته ياحكيم…….”
رد الأخر بفخر عجيب…..
“وقريب هتجوز الرابعه………احنا بنمشي
حسب الشرع ولا إيه…..”
“ولا إيه……نهارك زي الفل…..انا هروح أشوف المحلات وراجع الدفاتر المتكومه عليا….”
قالها عاصم وهو ينوي المغادرة….لكن حكيم
اوقفه قائلاً…
“دفاتر إيه قعد بس…….جيبلك عروسة…..”
لمعة عينا عاصم بتسلية
فسأله….
“عروسة !!……مين دي ……”
رد الاخر مبتهجاً….. “صاحبة المدام…….”
ازدادت التسلية في نبرة صوت عاصم
فسأله بمكر…..
“انهي مدام فيهم……..ماهما تلاته……”
كبر حكيم وهو يرفع اصابعه الخمسة في عينا
عاصم…….
“الله أكبر انت هتنق عليا ولا إيه…..صاحبة المدام التالته بس إيه فرسة….لولا انها صاحبة المدام انا كنت خلصت فيها بس انت عارفني محبش الخيانه
ولا الخاينين……..”
ضحك عاصم وهو يهز رأسه هازئاً….
“لا إله إلا الله…..تصدق عيني دمعت من التقوى….”
شاركه حكيم الضحك مضيف بمزاح…..
“أمال ياجدع………..المهم قولت إيه……”
سحب منه عاصم مبسم الارجيله قائلاً وهو
ينفث دخانها في الهواء……. “تصدق بالله…….”
رد حكيم بفضول…… “لا إله إلا الله…..”
أردف عاصم واجماً…….
“انا بعد الطلاق نفسي اتسدت….وحاسس اني عايز اكمل اللي باقي من عمري في هدوء…وسلام….
بعيد عن نكد الستات وزنهم …….”
اخذ منه حكيم الارجيله قائلاً بحسرة……
“والله عندك حق انا برضو نفسي اعيش في هدوء وسلام بس هنعمل إيه الواحد بيكمل نص دينه…”
سأله عاصم بمزاح…..
“تكمل نص دينك بتلاته ياحكيم…….”
رد حكيم نادماً…… “مانا قولت اكمله كله………”
تحشرجت الضحكة في حلق عاصم فخرجت
بسعال فقال وهو ينهض….
“يخربيت فقرك………..انا ماشي……”غادر عاصم
بعد ان ألقى التحية فقال حكيم بود…….
“ابقا عدي ياعصوم………”سحب حكيم
من الارجيله مضيفاً بشرود…..
“جدع الواد عاصم ده بس فقري…….ملوش حظ
في النسوان………. ”
…………………………………………………………….
يتخطى بالحذاء الأسود سلالم المبنى حتى وصل
للدور السادس فأخذ نفساً طويلاً وهو يرجع خصلات
شعره التي سقطت على جبهته من شدة نعومة شعره الأسود الغزير…….رفع عسليتاه الداكنه ذات لامعة الإجرامية بريق يجذب يقتل ويسرق القلوب…
كان مصوبها على باب الشقة في دور السادس…
تلك الشقة بها امراءه سارقة محتالة أخذت شيءٍ
صعب الإسترداد…….
بعد لحظة من تأمل الباب المغلق يأس من خروجها فتابع صعود السلالم للدور الأخير الذي يحمل لافته
(عثمان الدسوقي…)والده……
تخط ثلاث درجات بالعدد ووجد من تبسبس له
من الخلف بتردد……
ابتسم بمكر ودون النظر تابع في تخطي الدرج الرابعة…..ذادت الإلحاحية وكانها تنادي على قط
عنيد غبي لا يفهم…….
زفر مستاءاً من جبنها فالتفت إليها بحاجب
مرفوع قائلاً…….
“مش عيب نبسبس للاسد………”تقدم منها بذهو
وبوسامة تخطف قلبها متابع……
“راحت الهيبه….”
وقف امامها وكانت تقف امام فتحت باب شقتها بكامل اناقتها المعتادة ترتدي ثوب أسود طويل
مطبع عليه في كل جزء ثمرتان من الكرز……كانت
قصيرة بقوام غض ممتلاء قليلاً ملامحها أنثوية
رقيقه شعرها أسود ناعم به خصلات مصبوغة
باللون الاشقر………
“جرالك اي ياحمزة….. بقالي ساعة بنادي عليك…”
اتى صوتها الحانق بتلك الجملة فرد حمزة
بتعجب…….
“بتنادي ولا بتبسبسي…. هو احنا بنسرق يانوجه
دا انتي خطيبتي يابت……..”
حانت منها نظرة خلفها في قلب الردهة ثم عادت
إليه قائلة بارتياع…….
“أعمل اي بس امي جوا….. ولو شافتني وقفه معاك هتسمعني كلام ملوش لازمه فقولت ابسبسلك عشان متسمعناش……..”
عند سيرة امها زفر وسأل بفظاظة….
“طب وعايزه إيه…….”
انعقد حاجباها بدهشة……
“اي الرد الرخم دا ياميزو…. وانا اللي افتكرت إني واحشاك زي مانت وحشني…….”
أجاب حمزة بصدق…….
“انتي وحشاني علطول يانجلاء…. بس سيرة أمك دي بتقفلني من اليوم كله…. انا بقالي سنتين مستحمل
كلامها واسلوبها……”
القت الوم قائلة…..
“لو كنت كلمت أبوك عن الشقه……..”
قاطعها حمزة بزفرة استياء والعجز يلوح
بعيناه……
“مش راضي يانوجه…. قالي طالما خطبة من ورايا وعملت اللي في دماغك اتجدعن كده وجبلك شقه
برا……..”
تحركت حدقتاها بذهول وهي تتمتم باسى على حالهما معاً……….
“لا حول ولا قوة إلا بالله…. ابوك ده هيشلني… يعني
يبقا صاحب عمارتين في انضف حته على البحر
الدور فيهم يجي أربع شقق مستخسر يديك
منهم شقة……. شقة واحده نتجوز فيها……..”
أردف حمزة بصوتٍ كئيب…
“هو انا اللي هقولك…..مانتي عارفه اللي
فيها…….”
طبطبت نجلاء بيدها على صدرها قائلة
برجاء…….
“طب ونبي…. ونبي حاول معاه تاني عشان خاطري ياحمزة……انا مش عارفه أقول لامي إيه…وبصراحه
بقا امي عندها حق انا مش أقل من اي واحده في عيلتنا اتجوزت في شقه ملك……..”
أومأ برأسه بحنق…….
“سبيها على الله يانجلاء…..هتفرج… “ثم نظر
لها بخبث قائلاً…. “بس اي الحلويات دي…”
ضحكت بدلال وهي تمسك حافة الباب المفتوح جوارها……. “انت اللي عنيك حلوة والله…….”
“بجد…….” مالى عليها وهو يضحك فوضعت
يدها على صدره وابعدته قليلاً قائلة بدلال…..
“بس بقا…….”
مالى مجدداً طامع في الأكثر…
“مفيش حاجة علينا يانوجتي……”
تلاشت الضحكة ودفعت إياه بقوة في
صدره مجدداً قائلة بحزم…
“ولا لينا………. قولتلك امي جوا…….”
لوى شفتيه باستياءاً…….
“على أساس ان لو امك مش جوا يعني هطول
حاجة منك……. بقالي سنتين خاطبك بمسك
إيدك بالصدفة…..”
قالت نجلاء ببساطه…..
“كفاية عليك…. عايز إيه اكتر من كده……”
مسك يدها وقبلها قائلاً بمداعبة صريحة….
“حاجات كتير ياجميل……بس انت حن ياجن…..”
سحبت يدها تخفي توهج وجنتيها وخفقات
قلبها العالي……
“حسى اني مخطوبة لحشاش…..غير أسلوبك
خليك رومانسي……”
سالها ببراءة…… “اقول اي يعني……”
قالت بدلال….. “قول اي حاجة حلوة ……..”
“بحبك……في احلى من كده……”قرب راسه منها
فابتعدت نجلاء عنه ضاحكة بخجل………..فنظر له حمزة يتأمل جمال ضحكتها على وجهها المليح وصوتها الحامل بين الانوثة والرقة…
“بموت في ضحكتك……..”
احنت رأسها بخجل وهي تقول بصوتٍ حلو
كحلاوة ضحكتها………
“وانا والله…..بحب اشوفك وانت بتضحك ووانت بتهزر……….بحب انكشك…… انت عارف انا
بحبك قد إيه ياميزو……….”
“عارف يانوجتي…… بس الرومانسيه الكتير
دي خطر علينا…..”قالها وعيناه تتوهج بجنون
مع كل حركة وضحكة وهمسة تصدر منها…..
فقالت نجلاء مبتسمة….
“خلاص نبقا نكمل كلمنا بليل في التلفون……..”
اوما براسه وهو يقترب منها بلؤم…..
“موافق بعد الساعة اتناشر ……بس اي
ده……..اي اللي على كِتفك ده….”
مالت تنظر على كتفها لتجده يطبع قبلة على
خدها الناعم اعطته صفعة خفيفة من هول
الصدمة…….فزمجر حمزة وهو يتحسس
وجنته…….
“يخربيتك امال لو كانت جت في الهدف كنتي عملتي إيه……..”
رفعت يدها بشراسة… “كنت سودت عيشتك و…”
“هشش ولا كلمة انا سيبك على راحتك
بس بعد الجواز في حاجات كتير هتتغير وأولها………”مالى عليها هامساً بعدت
كلمات وقحة……..فاصدرت نجلاء شاهقة عالية
على اثارها آتى صوت امها بتساؤل من داخل الغرفة……
“في اي يانجلاء……بتشهقي كد ليه يابت…..”
عقب حمزة مشاكساً…..
“لو جدعه قوليلها…..بتشهقي على إيه…….”
نظرة نجلاء لحمزة ثم للداخل…….ولحقت
نفسها سريعاً صائحة…….
“بشهق على الملوخية يامه……الملوخية……”
غمز لها حمزة بمراوغة وهو يمسك يدها البيضاء
يتفحصها بمكر ثم قبل اصابعها واحداً تلو
الآخر……
“سيدي على الملوخية….. وجمال الملوخية…….”
سحبت يدها وهي تبعده عنها قائلة
بحنق….
“أبعد عني ياحمزة……هتفضحني….وامي
هتشوفك…. “
تحدث بتبجح قائلاً……
“ماتشوفني……انا قاري فاتحه وملبس دبل….”
عقدت ذراعيها امام صدرها…..
“وده بقا يديك الحق تقف معايا على باب الشقه…”
وضع يده في جيبه متحدياً إياها بقوة….
“دا يديني الحق…..اتغدى معاكم النهاردة……من الملوخية اللي شهقتي عليها……هو انتي فعلاً
هتعملي ملوخية…….”رفع حاجبه بخبث..
فردت نجلاء بشفتي مقلوبه……
“مضطره أعملها عشان متشكش فيا…….اطلعلك طبق….”
اخرج يده من جيب البنطال وقال بمراوغة…
“مبحبهاش………المهم انا طالع لحسان الشهقة
الجايه هتبقا مفقوصه أوي……وهتعرف ان
انا اللي على الباب….. “
قالت نجلاء متخصرة…..
“ودا مناك انها تشوفنا وتسمعني كلمتين
ملهمش لازمه….”
“عيب عليكي ….انا كده برضو…..”القى عليها
نظرة عتاب لئيمه فقالت سريعاً……
“مش كده…… بس لو شافتنا هتعمل إيه…….”
رفع كتفيه متحججاً….. “معرفكيش……”
“شوفت…….”ضحك الاثنين سوياً بصوتٍ عالٍ فاتسعت أعينهما مع صوت الضحكات فوضع
كلا منهما يده على فمه والضحكة مستمرة
تشاركها أعينهما بلمعة حلوة كحلاوة حبهما…..
……………………………………………………………
فتح باب الشقة بالمفتاح فوجد أخته الصغرى( كيان) تحمل طبق الحساء بحرص وتسير بخطوات بطيئة
وعينيها مصوبها عليها حتى لا يقع على يداها….
وقد قالت فجأه بفزع……
“سخنه.. سخنه…..سخنه…سخنه…….حمزة هتقع
من ايدي……. هتقع من ايدي….. “
أغلق حمزة الباب سريعاً واتجه اليها وحمل عنها الطبق قائلاً باستهانه……
“هتفتحي بيت إزاي وانتي مش عارفه تشيلي
طبق شوربة !!………”
امتصت كيان ابهامها واستدارت عائده
للمطبخ…….
“سخنة أوي……..اوووف….انا هروح اجيب طبق المحشي من جوا بقولك حطها على السفرة وغير هوا……انا هموت من الجوع وشهد مذنباني عشان خاطرك……..”
سألها حمزة بنبرة مغبرة….”أبوكي هياكل معانا…..”
“أبوك مش هنا عشان يأكل معانا…..عند مراته التانيه
مُهجة……”هزت كتفيها بميوعة ولؤم ثم دلفت للمطبخ سريعاً………
عندما دخلت كيان للمطبخ اخبرت شهد التي
تضع الطعام في الاطباق……
“اخوكي جه……..”
قالت شهد وهي تغلق الحلة بالغطاء……
“سامعه صوته………يلا خدي طبق المحشي ده
على ماجيب اللحمة……..”
“متنسيش اللمون……”قالتها كيان وهي تخرج من المطبخ………
وضعت كيان الطبق وهي تصيح مهلله…..
“يلا ياميزو…..الأكل ياميزو….جُعنا ياميزو…….”
خرج حمزة من الغرفة بملابسه السابقة…..فعقدت شهد حاجباها بتساؤل……
“ليه مغيرتش هتخرج تاني……..”
رد وهو يسحب مقعداً ويجلس ورائحة الأكل
الشهي فتحت نفسه على الطعام….
“آآه مشوار كده…….”
بدات كيان بالاكل وهي تسأله……
“اوعى يكون عواء………..مشويرك كلها بقت عواء وبقيت بتدخل في خناقات وحوارات ملكش فيها..”
لم ينظر لها حمزة بل اكل بنهم وهو يرد
ببرود….
“الحورات دي مش جديده عليكي….ولا انتي عشان بقيتي محاميه……بقيت خايفة على شكلك قدام الناس…….”
تدخلت شهد بصوتٍ حاني……
“هي خايفه عليك ياحمزة….وانت كبرت على الكلام ده…..وفعلاً ملوش لازمه الحوارات دي كلها….”
رد حمزة بصوتٍ محتد قليلاً…..
“على أساس اني بختار الحوارات دي ماهي اللي بتجيلي لحد عندي……”
اعترضت كيان بدفاع…….
“المكروباص اللي شغال عليه والموقف اللي بتقف فيه مش توبك يابن الدسوقي…….”
رد حمزة مزمجراً ممتنع عن النظر لعينيها…..
“معلش مكناش فالحين في التعليم زيك….فالشارع
اختارنا واحنا رضينا بيه…….”
نظر لها تلك المرة بغضب…..
“اتحذفت بالاستيكه……عمايل ابوكي فيا…….”
قالت شهد بصعوبة وهي تشعر بالاختناق
لمجرد انها ستدافع عن أبيها !!…….
“أبوك محرمكش من التعليم ولا هو اللي طلعك
من المدرسة……..”
نظر لها حمزة واردف بنبرة تقطر مراراً……
“صح….بس حرمني من اني انام في فرشتي زي بقيت الخلق…..كنت ببات في الشارع اكتر ما ببات في سريري……..سبونا نبلع اللقمه الله يرضا
عليكم……”
حاولت كيان تخفيف الجو المشحون بسببها
فقالت بمرح طفيف….
“خلاص متزقش…….كلمتين بنفضفض بيهم مع بعض……….المهم قبلت نوجة على السلم….”
رد بغلاظة……. “وانتي مالك……”
سالته بسماجة…..
“عادي يعني عايزه اعرف قولتلها إيه…….”
كرر حمزة الرد بقلة تهذيب….
“وانتي مالك برضو……. ومال اللي جابك…….”
ارتفع حاجب شهد بصدمة…… “حمزة……”
مطت كيان شفتيها بقرف قائلة….
“قليل الذوق…..انا هركز في المحشي احسن…..”
“حشي وانتي ساكته…….”ثم التفت لشهد قائلاً
بمناغشة…….
“خليني انا مع الرايق الهادي ده……مالك لونك مخطوف ليه حد زعلك……اوعى يكون كيمو…”
صاحت كيان بغيظٍ وهي تضرب قدمه بقوة من
أسفل الطاولة…….. “اسمي كيان………. كياااان……”
ضحكت شهد ثم قالت برحاء….
“متقفلهاش بقا ياحمزة…….وسبها تاكل…….”
“بجد مالك…….”سالها مجدداً…
“باختصار شديد اتسرقت……..”قالتها كيان وهي تمضغ الطعام…….
فلاح الاستياء على وجه شهد ونظرة لها
بعتاب…
“مين سرقك……..وسرق إيه بظبط…….”
ردت شهد وهي تقلب في طعامها وقد فقدة الشهية
على سيرة السرقة…….
“فلوس أوردر كنت عملاها….وصلته ناحية (***)..
ووانا بعد الفلوس لقيت واحد نتشهم مني وطلع يجري جريت وراه لقيت ركب مكنه ورا صاحبه
وكل اللي عرفته ان اسمه حبايه…… ودا الاسم
اللي نداه بيه صاحبه لما ركب وراه…….”
ارتفع حاجب حمزة مذهولاً……
“حبايه !!…..شكله إيه….قصير كده واسمراني…
ورفيع…….”
اومات شهد مشدوهة…..
“أيوا تقريباً…….انت تعرفوا……..”
جز حمزة على أسنانه قائلاً…..
“دا من الساحة……..أبن ال………لما أشوفه بس….”
قالت كيان بسخرية….
“على ما تشوفه يكون صرفهم…….”
رد حمزة وهو يرتشف من كوب الماء جواره…..
“ما اللي زي دول ملهمش مكان ولا أهل….. مش
هعتر فيه غير في الساحة……. “
قالت شهد باستهانه وهي تفتح مجال اخر
للحديث……
“بلاش تتعب نفسك وتدخل في مشاكل ملهاش
لازمة ربنا يعوض عليا…….خليني اكلمك في المهم….انت عارف اني خريجة سياحة وفنادق…..
و بقالي خمس سنين بشتغل في مطاعم الفنادق وغيرها……دا غير شغلي في البيت جمعت مبلغ كويس وناويه اقرب من حلمي واخد خطوة
واحده لقدام….هو اني أأجار مطعم باسمي……….”
ضيق حمزة عيناه العسلية وهو ينظر لها
بشك……
“هو انا ليه حاسس ان المقدمه الطويلة دي وراها مصيبه…. انتي مش بتيجي تستشيري حد في
حاجة غير لما تكون في حاجه معصلجه معاكي
…. ادخلي في المفيد….. لقيتي المطعم ولا عايزني اكلم سمسار والأهم معاكي فلوس فعلاً ولا هتغرقينا… انا ممكن اساعدك بالفلوس اللي شايلها للجواز…. ولم تفرج نبقا نقسط…….”
هزت شهد رأسها وهي تخبره باختصار
شديد….
“لا محتاجه سمسار ولا محتاجه فلوس مستوره الحمدلله…بصراحه العقبة بس اللي قدامي ان
المطعم اللي عيزاها… في شارع الصاوي………”
رد حمزة بحيرة وهو يفكر معها بصوتٍ
عالٍ….
“مطعم مين ده……..مفيش في شارع الصاوي مطاعم اغلبه بتوع الصاغه منهم محلين صاغه تبع عيلة الصاوي واحد في اول الشارع وتاني في اخره…..
وبازار حكيم…. وقهوة مينا النصراني……..ومكتبة أحلام…….. وكام سوبر ماركة……على كام محل هدوم…..فين المطاعم……”
ردت شهد بلهفة وعيون تلمع……
“مطعم الجمال……..كان فتحه جمب مكتبة أحلام
المطعم ده اتوضب وفتحه من أربع شهور فاتوا ولما ملقاش زباين وخسر….. فسخ عقد الإيجار مع عاصم الصاوي…….وساب المطعم……..والمطعم دلوقتي مقفول ومعروض للإيجار…. “
سالها حمزة بغيرة……
“وانتي عرفتي الكلام دا منين….بتنزلي شارع الصاوي ولا إيه………”
هزت شهد رأسها مجيبة….
“لا خلود قالتلي……جوزها حكالها مانت عرفوا بشير………”
اوما حمزة بتذكر….
“عرفوا………هما ناوين يشتغلوا معاكي……”
اردفت شهد….
“ان شاء الله…..بس مقولتش اي رأيك……”
قلب حمزة في الحساء أمامه قائلاً
“مكنتش اعرف ان حلمك تفتحي مطعم في
شارع الصاوي……..”
حولت كيان بصرها لاختها تتابع ردها….فقالت شهد
طامحة………
“انت عارف ان حلمي اكبر من كده…وانا قولتلك انها أول خطوة……….بس محتاجه اعرف رأيك بما انك رجلك في المكان اكتر مني…….اي رأيك…..”
رد حمزة وهو يقلب الامر برمته في
راسه…..
“هو حلو وشارع الصاوي معروف والمكان كويس ومش شعبي خالص…..الرِجل فيه حلوة في الراحه
والجايه…….المكان ليه زباين ومن كل الطبقات والكل يعرفوا…….والاحسن من ده كله ان المطعم مش هيكلفك غير العده بتاعتك……والايجار مقدور عليه…..مكان تاني ممكن يحتاج توضيب…
والجمال زي مابتقولي وضب وظبط فيه
على حسه……. بس…….”
انكمشت ملامح شهد باستياء…. “بس إيه………”
رد حمزة ببساطه…
“نص شارع الصاوي بمحلاته ملك لعيلة الصاوي…..وعاصم الصاوي مبيأجرش لحريم….”
تدخلت كيان في الحديث بتعنت….
“لي بقا مانت لسه قايل المطعم جمب مكتبة احلام…….هي أحلام دي راجل…….”
زم حمزة شفتيه مجيباً ببساطه…..
“أحلام دي ورثه المكتبة اباً عن جد….يعني ملكها…
افهم ياكيمو…….عاصم مبيحبش يسلم املاكه لحريم عشان لو حصلت مشكله كده ولا كده هو اللي هيدبس عشان المكان بأسمه……..”
قالت شهد بتعجب….
“واي بس المشاكل اللي هتحصل ياحمزة….انا راحه اشتغل ولا راحه احارب…….”
قال حمزة بتشأم……
“شارع الصاوي مشاكلة كتير……..ومظنش ان
مطعمك هياكل هناك………….. “
دافعت عنها كيان بمحبة…
“ليه شاكك في شطارة اختك…….عيب عليك دا
انت بتاكل من تحت ايديها كل يوم……..وتشهد بحلاوة اكلها….. وطعمته….. “
أومأ حمزة براسه موافقاً…..
“أكل اختك لا يُعلى عليه….بس احتمال كبير يفشل مشروعها زي الجمال……”
لوحت كيان بيدها بتعنت……
“جمال مين ياعم صلي على النبي….أختك بعون آلله
هتخلي الجمال بذات نفسه يشتري من مطعمها…”
حاولت شهد معه برجاء……
“حمزة الله يرضا عليك بلاش تعقدني….واقف معايا
وساعدني أكتب عقد إيجار لمدة سنة مع اللي اسمه عاصم ده…….”
هز حمزة راسه مصمماً…
“مستحيل قولتلك مش بيأجر لحريم…….”
تدخلت كيان مقترحه….
“خلاص أجر انت المطعم بأسمك…..وهي
تشتغل فيه…”
هتفت شهد سريعاً باستحسان للفكرة…
“حلوة اوي الفكرة دي…. وانا معنديش مشكلة
يبقا العقد باسمك……..”
انعقد حاجبي حمزة مفكراً…….
“يسلام ولما يعرف اننا اشتغلناه…….هيكون شكلي إيه قدامه…….”
حاولت شهد الالحاح باستعطاف….
“مين بس اللي هيقوله….لما يسألك قوله بتشتغل معايا……وانت اكيد هتيجي وتروح عليا مش
هتسبني كده لحد ماخد على المكان والناس اللي فيه…..”
زفر حمزة مصمماً برفض….
“الحوار مش هيمشي كده ياشهد……”
تدخلت كيان بعناد…….
“امال هيمشي ازاي ياحمزة…على فكرة بقا انت اللي مش عايز تساعدها تاخد أول خطوة وتقرب من حلمها…”
أشار حمزة على نفسه ذاهلاً……
“انا……من امتى وانا بقف قصاد حلم حد فيكم او حتى شغله…….” نظر حمزة لاخته بعطف أخوي وشعور العجز يخنق حلقه….
” انتي عارفه ياشهد لو ايدي طايلة كنت اشتريتلك أحسن مطعم فيكي ياسكندرية وعلى البحر كمان…..”
ابتسمت شهد وربطت على كتف اخيها دون
تعليق…..فقالت كيان بغيرة…….
“يسلام……. وانا بقا كنت هتديني…….”
“اديكي في سنانك…….”ضحك حمزة لاغاظتها
فوجد ملامح كيان انكمشت فمد يده وقرص
وجنتها بمحبة قائلاً……
“اللي تطلبيه لو نجمة من السما هجبهالك….انا
عندي كام كيان………”
لمعة عينا كيان بتمني…….
“تعرف انا نفسي افتح مكتب محاماه واشتغل
بأسمي زي سليم الجندي اللي شغاله عنده ده…….”
شاركها حمزة احلامه قائلاً……
“وانا كنت هفتح مشروع واشتغل حُر نفسي واشتري شقه….شقه إيه بيت كبير بجنينه حلوة كده ونعيش فيها كلنا واتجوز نجلاء…….ونرتاح بقا…… “
قالت شهد بسخرية….
“محتاجين مصباح علاء الدين……..”
لوت كيان شفتيها قائلة بواقعية….
“او ان ابوكي يحن علينا ويفك الكيس شويه….
ويحاول يدينا اي حاجة من ورث ماما……”
أردف حمزة هازئاً بمرارة……
“ورث امك والعمارتين اللي يملكهم وحاجات كتير اوي عايزين نعرف مصيرهم إيه واحنا محتاجين
ليهم بالشكل ده……….”
“لو يموت هنرتاح………..”قالتها كيان بقسوة
وهي تنهض عن مقعدها……
فنظر حمزة الى أخته وهي كذلك فأخبرها بإبتسامة
ساخرة مُرة كمرارة الكلمة التي القتها اختهما
الصغرى قبل ان تبتعد………
“وصلنا لليوم اللي بقا في حد فينا بيتمنى موته….
وحد تاني تعب من وجوده……وحد تاني…..”
اكملت شهد عنه بصوت مرير……
“حد تاني انكسر على ايده….فاختار السكوت…..”
مسك يدها شاعراً بالوجع والشفقة نحوها منذ
هذا الحادث المشئوم……
“محدش يقدر يكسرك ……احنا جمبك……”
كانت تود البكاء لكنها قاومت تلك الرغبة
بابتسامة هادئة…….
“وده اللي مطمني…..أنسى……المهم هتتفق مع
عاصم الصاوي وتمضي عقد الإيجار بأسمك…….”
لم يجد إلا الموافقة وتلبية طلبها فالأول
مرة منذ سنوات تطلب منه شيءٍ مهماً
وبهذ الالحاح الشديد……
“ان شآء آلله اشوفه الأول عايز يأجرة ولا لا…..وبعدين الباقي هيجي واحده واحده…. “
نهضت شهد عن المقعد تشكره بامتنان
وسعادة…
“ربنا يخليك ليا ياحمزة…….فرحة قلبي انت
احسن اخ في الدنيا……….”
نهض حمزة كذلك واخذها في احضانه
قائلاً بحنو….
“وانتي احن اخت في الدنيا كلها…….”
خرجت كيان من الحمام فوجدتهما يتعانقا
فقالت بنباهة…..
“اي ده شكلكم اتفقتوا………”
اومات شهد بإبتسامة واسعة…فركضت كيان
اليهما قائلة بابتهاج…….
“مبرووك ياشوشو…….خدوني في حضنكم انا كمان…..”انضمت اليهم وتعانقا ثلاثتهما معاً…
كانا الأختين كلاً منهم ترتاح على كتف حمزة بينما
يربت هو على كتفهن بحنان اخوي………
لم تكن يوماً الحياة عادلة مع واحداً منهم فكل شخصاً اذاق الصعب والصبر في كأس واحد
وكلاً منهم حكمت الحياة عليه بسير في طريق
يختلف عن الآخر ورغم ذلك كان ترابطهما وحبهما
والمساندة والاخوة فوق كل شيءٍ…….واهم من
اي شيء……..فأصبح( الحب أولاً ) رغم الصعوبات وعواقب الطريق………….
…………………………………………………………….
بعد ساعة كان يرتشف حمزة من كوب الشاي وهو يشاهد أخبار أليوم عبر التلفاز تشاركه الجلسة
شقيقتيه…..وكانت شهد منشغلة في تفحص احد مجلات الطهي الغربي وكيان تعبث في هاتفها
بملل……..
طرق غليظ على باب الشقة جعل شهد تنتفض برهبه خلقت داخلها كفطرة لا تزول إلا بالموت !!……..
فنظرت كيان لاخيها قائلة بدهشة…..
“أبوك ده……”
” أكيد هقوم افتحله………”قالها حمزة بجفاء
وهو ينهض عن الاريكة متجه الى الباب…….
فالقت شهد بالمجلة على الطاولة وعلقت عينيها العسلية على باب الغرفة التي خرج منها حمزة ولم تلبث الثواني إلا وسمعت صوت ابيها الجهوري يسب في حمزة بالعن الكلمات ويهين شرف امهما التي من المفترض انها زوجته………
قفز الفتيات متجاهان الى اخيهما بسرعة…..فوجدا ابيهما ( عثمان الدسوقي) يمسك في ياقة قميص
حمزة ويحاول خنقه وهو يلصقه في الحائط بمنتهى الغل والقسوة….. عثمان الذي تخطى الشيب شعره فأصبح في منتصف الخمسون من عمرهُ ، ومعها
كثرة اخطاؤه وافعاله المخزيه عند اولاده الثلاته……فأصبح لا يعني لهما الى عزرائيل الدنيا يزهق آلروح ويعذبها دون ان تفارق الجسد……
هذا الرجل الذي ازدادت غلطاته وقساوته وجمود قلبه عليهما فأصبحت (كيان) تتمنى موته و (حمزة..)
يمقت عليه و(شهد..)رهبتها منه تزهق روحها بالبطيء !!……..
تدخلا الفتيات سريعاً يحاولا فض الاشتباك بينهم.. فصرخ عثمان بكرهاً وهو يمسك ياقة قميص حمزة بعنف يدفعه ظهره في الحائط خلفه بقوة……
“انا يالا تفضحني وتشتكيني لسامي السماك……”
تحدث حمزة وهو يحاول الافلات من بين يداه
القوية……
“انا مفضحكتش انا قولتله يكلمك…… يكلمك
تديني شقه اتجوز فيها من اي عمارة من العمارتين اللي عندك او تساعدني بمبلغ صغير ولما ربنا يفرجها عليا هرجعهولك………”
هتف عثمان بصوتٍ بشع……
“منين ياصايع…. من المكروباص الخربان اللي
شغال عليه ولا من قعدتك مع الصيع في
الساحة…….”أضاف وهو يدفعه في الحائط
بقوة…..هاتفاً بمنتهى البرود…..
“وبعدين انا حُر ياخي في فلوسي وعماراتي….
اديك منهم ليه……. ما تصرف….. تتجوز ولا
ان شا الله ما عنك ما تجنزت انا مالي……..”
فارت دماء حمزة فصاح هائجاً….
“خلاص اديني ورث امي اللي لهفته منا…….”
وقع قلب الفتيات وهم ينظران للبعضهن برهبة
من القادم….فضحك عثمان ساخراً وهو يدفع
ابنه للحائط من جديد محدثة بتوعد……..
“هاهااو…… هي أمك كمان ليها ورث عندي…. أسمع يالا عايز تقعد في البيت ده تقعد بادبك غير كده قسماً بالله أسود عيشتك وبلغ عنك الحكومه وقول عنك إرهابي وساعتها مش هتشوف النور تاني….
ولا حد هيعرفلك طريق….. “
صاح حمزة بغضب وبرقة عيناه بالدموع دون ان تسقط من حدقتيه………..
“انت اي ياخي شيطان هو انا مش ابنك… احنا مش ولادك………ارحمنا ودينا حقنا……. ولا ناوي تكتب العمارتين لمراتك التانيه……..”
تحدث عثمان بتشفي وهو ينظر له ثم
للفتيات بنفس القسوة والجحود……
“لو حكمت هعملها عشان اقهركم انتوا التلاته ولا اخلي واحد فيكم يتهنى بفلوسي ياولاد حليمة….”
صاح حمزة مزمجراً بكره…..
“وطالما انت كارهنا اوي كده…. جبتنا للدنيا ليه…..
ها ليه… “
اخبره عثمان باشمئزاز…….
“غلطة أمك ياخويا….. كانت طمعانه فيا زيكم كده بظبط فقالت تربطني بالعيال……..عرفت جيت الدنيا
إزاي ياصايع……..”
“انا عايز حقي…. عايز حقي….دا ميرضيش ربنا….”
اندفع الغضب داخل حمزة مرة واحده فدفع والده قوة بعيداً عنه……حينها اتسعت عينا عثمان وهو يتقدم منه بملامح تنذر بالخطر….
“انت بتزقني يابن ال****…….”
اشتبكا الإثنين في بعضهم بقوة كالاعداء فتدخلت الفتيات بالدموع والصراخ…….
فصرخ عثمان وهو يحاول اخراجه من الشقة….
“اطلع برا بيتي…..مش هتقعد فيه تاني….ارجع للشارع اللي جاي منه……أطلع برا يابن ال****…”
سالت الدماء من انف حمزة من شدة الصراخ والضغط النفسي…….مسكت شهد ذراع أبيها
وهي تبكي تترجاه بقوة ان يتركه….
“بالله عليك سيبوا…. هيبات فين دلوقتي…..
سيبوا بالله عليك…….”
برق لها عثمان بعيناه بشر وتوعد تلك النظرة التي تحفظها جيداً وتذكرها باسواء يوم عاشته…..وتليها
ايام اسواء منها……..
“سيبي دراعي………”دفع يدها بقوة وصفعها
على وجنتها بقوة….. فشهقت كيان وتسمر حمزة مكانة بعد سماع الصفعة التي تلقتها شهد دون
ذنباً….
تراجعت شهد خطوتين للخلف وأول شيءٍ بدات تلمسه للتأكد من وجوده كانت السماعة الطبية في أذنها اليمنى تثبتها بعد ان تحركت قليلاً………ثم تحسست وجنتها المتوهجة آثار الصفعة القوية
التي تركت علامات لاصابعه الأربعة الغليظة………
نزلت دموعها وفي اللحظة التالية ربط عقلها
بين الصفعة الحالية وصوت صفعات وصرخات
تحفظها اكثر من إسمها حادث مشئوم جعلها
تفقد أذنها اليمنى…….وتفقد معهُ روحها
النابضة………..وتفقد كل ما ينتمي للحياة
بداخلها……..
مسح حمزة أنفه بظهر يده وهتف بانكسار
لأجلهن من بين انفاسه اللهثة بغضب…….
“انا همشي…..بس ملكش دعوة بيهم…..همشي……”
لم يكتفي عثمان بهذا الرد بل فتح الباب ودفعه للخارج واغلق الباب في وجهه بمنتهى القسوة
استدار الى الفتيات كجبل شامخ قوي
صلب بالقسوة والجمود……..وصرخ فيهن
بغضب………
“كل واحده تغور على اوضتها……..مش عايز
اشوف وش حد فيكم……. “
انكست كيان راسها وهي تبكي ودخلت غرفتها
سريعاً مغلقة الباب عليها بقوة….. وكذلك تحركت شهد نحو غرفتها لكن بخطوات بطيئة ميته
فاوقفها صوت عثمان الذي أخبرها بمنتهى
السادية والتشفي……
“بلاش تقفي قدامي تاني…..حافظي على نفسك لحسان المرة الجايه تخسري ودنك التانيه……
ساعتها هتعنسي بحق وحقيقي…….. ومش
هتلاقي حد يبصلك……. “
اغمضت عينيها بقوة وقد انتفض جسدها من
مكانه حينما سمعت باب الشقة يغلق مجدداً
وأخيراً رحل عزرائيل حياتها……رحل مؤقتاً !!….

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

في الساحة…. هذا المكان الذي كان يلجأ إليه كثيراً
او دائماً كلما طرد من البيت في فترة المراهقة…
واليوم عاد يلجأ إليه وهو في عمر الثلاثون !!…
غريبة الحياة معه كالعواصف الهائجة… تقذفه يميناً ويسار وهو معها تارك نفسه لها كفيلة بنجاةُ
او هلاكة…..من يعرف؟!…..
نظر للساحة من حولة فكان شارع كبير ممتد قديم الطراز والبيوت به صامدة شامخة تشهد على قرون
عجاف مرت عليها وعلى أصحابها……شارع يحمل رائحة البحر المالح الممزوج برائحة الرصيف الذي
يسير عليه الآن……..يحمل رائحة البن المحمص
موسيقى قديمة لصوت مغني شاجن……شاجن
كقلبه……..واحساسه يحمل العزلة….كالذي يحياها
الآن وهو يسير في حي يُدعى الساحة……..
أثناء سيره في المكان المظلم والبارد في هذا الوقت من الليل سمع صوت يعرفه جيداً……
فتقدم من مكان الضجيج في أحد ازقة الشارع
الكبير………
فوجد ثلاث رجال يجلسا أمام باب منزل صغير…
راقب ما يحدث……..
كان يوجد امام الثلاثة كروت كوتشينه ومبلغ من الأموال…… أوراق بمائة………. وضع احد الثلاث
الكارت الأخير صائحاً بمكر…….
“كده الواد يقُش………والفلوس دي حلالي…..”
مط صاحب الأموال فمه وتحدث بحنق….
“اصبر ياعمنا……. افهم الواد ده جه منين…. انت بتغش……..”
تحدث الثالث متضامن مع الأول…..
“بيغش إيه ماهو بيلعب زيه زيك ولا عشان كسبك هتقعد تعيط وتولول زي النسوان…….”
تحدث الأول بلؤم….. “شكله رجع في كلامه……….”
رد عليه الآخر كالبغبغان متضامناً معه…….
“حتى لو رجع في كلامه دا حقك ياصاحبي…. هو
شُغل عيال بقا ولا إيه……. إحنا بنلعب على فلوس
من زمان وهو أول واحد عارف بده……”
نظر الأول للخاسر بينهم وقال بلؤم واضح
وفرحة الفوز تسيطر عليه…..
“يمكن زعلان عشان المبلغ اللي خسروا اكبر من الأول…. متعوضه ياحبايه مع بعضينا ياصاحبي…
يمكن المرة الجايه تقش انت بالواد…….”
ثم رفع الأول يداه نحو الأموال ولكن قبل ان
يلمسهم وجد يد رابعة غريبة تخترق المكان
وتلم اوراق النقود بل وتبدأ بعد المبلغ
بمنتهى التبجح !……
رفع ثلاثتهم اعينهم على حمزة الذي انعقد
حاجبيه وسال (حباية..)عابساً…..
“الفلوس اللي سرقتها كانوا كام يالا……”
رد حبايه وهو ينهض من مكانه مندهشاً….
“الف جني …….هو فيه إيه………انت مالك ومال الفلوس دي…….”
رفع حمزة عيناه ذات بريق الاجرام المشع
منها ورد بجمود………
“تخصني…. ونقصين مية جني……..جبت بيها
إيه…..”
رد المدعو حباية بصعوبة…… “حشيش……..”
ارتفع حاجب حمزة وتحدث باستهجان…..
“حبيبي !…… جايب بشقى واحده ست حشيش…..
انت مِلت امك إيه…. بتسرق عشان تصرف على
كيفك……. والباقي تطيره في القمار……..”
تحدث حباية هاكماً…..
“وانت مالك هي كانت من بقية عيلتك……”
وقف الاول امام حمزة بتهور قائلاً
بغضب…..
“بقولكم إيه…. الحوار ده ميكلش معايا… الفلوس
دي بتاعتي وتخصني…….”
ابعد حمزة يده الشاب قائلاً…
“بتاعتك إزاي يا رياسه……هو اي كلام وسلام….”
زمجر الشاب قائلاً…..
“لا مش اي كلام انا كسبتهم منه……”
عقب حمزة ساخراً…..
“يعني كسبتهم مع طارق علام…. الفلوس دي مسروقة ياخفيف وهترجع لصحابها……”
“ياعم انا صاحبها هات الفلوس وتكل على الله
بقا….”دفعه الشاب بقوة فوقع حمزة أرضاً………
جز حمزة على أسنانه وهو ينهض من مكانه
وتأتأ بشفتيه باسى وهو ينفض ملابسه من
الغبار قائلاً بمنتهى الهدوء المريب…….
“كده………. كده كرمشت القميص كده…….”
اقترب حمزة منه وهو يهندم ملابسه قائلاً
بنزق…..
“لسه هغسل بقا وكوي….والله عيب…..عيب
علينا وآلله…”
وقبل ان يدرك الشاب من اين تاتي اللكمة كان قد سدد له حمزة اربعة لكمات في وجهه ثم بطنه
واسفل الحزام فوقع أرضاً متألماً…….هجم
رفيقة الآخر على حمزة ولكمة أسفل فمه
مرتين فنزف الدماء سريعاً ثم بدأ يدافع حمزة
عن نفسه وسدد له عدد من الكمات وركلات
لا بأس بها……حتى ركض الاثنين امامه
كالفئران بجبن……
مسح حمزة فمه وهو ينظر للمدعو حباية بشرٍ
خطير….فبلع حباية ريقه بخوف قائلاً…..
“أقسم بالله ماعرف ان اللي سرقتها تخصك لا من بعيد ولا من قريب….لو عايز الفلوس هي بقت في جيبك خلاص واذا كان على المية جنية……خد حتة
الحشيشه اللي معايا…ولا أقولك استنى اطلع بكره
انط على اي سبوبه وجبلك فلوسك…..”
علق حمزة بقرف….
“سبوبه اللي هي سرقة تاني…….”أومأ له بتأكيد
فزفر حمزة باستياء قائلاً بسخط…..
“لا حلال عليك الحشيش والمية مسامح فيه بس اقسم بالله لو اتكررت النمرة دي معايا او مع اي
حد تبعي هتزعل……..وهتزعل بالجامد كمان.. “
تسمر حباية قليلاً وبدأ يحك في شعره المجعد
سائلا بغباء…….
“طب مانا اعرف الناس اللي تبعك إزاي لمؤخذه… انا بسرق بالبركة…….. على الله يعني……..”
جز حمزة على أسنانه منزعجاً وهو يقول
بحدة…
“الله يحرقك ياخي……غور من وشي…….ناقص
تقولي بصلي الفجر ودعي ان ربنا يسترها معايا
وطلع اسرق في الخلق………غور يالا متفورش
دمي…. “
غادر حباية سريعاً من أمامه…….فراقبه حمزة
وهو يبتعد شاعراً بصدره يضيق وروحه تنفر من حاله…..فمن هو ليعطي عظة لهذا او غيرة……..
لم يكن يوماً قديس في قلب الساحة أو خارجها…..
فلماذا الآن يفرد جناح الملاك بتلك الطريقة
فجأه وجد من يضع يده على كتفه استدار سريعاً
اليه وعلى وشك الهجوم……فصاح صديقة يرفع يداه…..
“سلطان…..اوعى تتهور……..”
ضحك حمزة سريعاً وربت على كتف صديق….
فقال سلطان ساخراً……
“اي الرعب ده ولا كانك عليك طار……”
اخبره حمزة بمزاح……
“لسه ضارب عيال هايفه……افتكرتك حد منهم….”
أشار سلطان على حجمه الضخم وطولة
الفارع……..
“هايفه وبالحجم ده……..دا انت اعمى بقا……”
سحبه سلطان خارجين من الزقاق الى الشارع الرئيسي…..
“تعالى معايا نقعد على القهوة شوية….شكلك
متعارك مع أبوك……..”
رد حمزة ساخراً….. “هتعارك مع مين غيروا………”
“لسه قلبه محنش……..”ساله صديقة وهم يجلسا
امام ورشة خشب……….
“هو اللي زي ده عنده قلب……..”قالها حمزة وهو ينظر أمامه بفرغ كئيب……..ربت سلطان على
ركبته قائلاً برفق……..
“روق بس بكرة تروق وتحلى……ماقولتلك تعالى أشتغل معايا… ما ورشة الخشب اهيه موجودة
….وانت صنايعي شاطر ياحمزة وايدك تتلف بالحرير…والله انت مستهون بالصنعة اللي في إيدك دي تكسبك دهب…. اديك شايف الحمدلله من وراها ربنا فتح عليا…..ولو حطيت إيدك في ايدي مين عالم……. يمكن الورشة تبقا مصنع……..اي رأيك……”
التوى شفتي حمزة بنزق….
“حلتي اي عشان ادهولك ياسلطان…..”
رد سلطان بتصميم…….
“صنعتك…..صنعتك ياجدع انا مش عايز
غيرها…… فكر بس….. “
هز حمزة راسه رافضاً…..
“لا مش عايز خليني زي مانا……”
تعجب سلطان من رده….. فعلق….
“من موقف لموقف ياحمزة ومن عركه للتانية……. جرالك إيه يابن النآس………”
“معرفش ومش عايز أعرف…..وقفل بقا على السيرة دي انا مش ناقص…..المهم اي اخبار الجواز……”
غمز له حمزة حتى يغير مجرى الحديث…. فرد سلطان بنبرة فاترة……
“الجواز…..كويس الحمدلله…..انت عارف… انها
بنت عمي ونصيبي……..”
استغرب حمزة هذا الوضع الجديد فعلق……
“الغريبة انها عمرها ماكانت في بالك….دا انت كنت بتقول عليها عيله….لما كان بيجلها اي عريس….”
وكانه يزيد الهم على قلبه وهو يبرر وضعهما
الحالي………
“مالفرق اللي مابينا أكتر من عشر سنين….داليدا عندها يدوب عشرين سنة وصاحبك عدى التلاتين…. فكانت بنسبالي صغيرة…….” تمتم داخله بحسرة…..
“صغيرة !!…….”
انعقد حاجبي حمزة سائلاً……
“شكلك مخبي عني حاجة مالك ياسلطان…..”
هز سلطان راسه مبتسماً….
“ولا حاجة ياصاحبي….خلينا نشرب كوبية الشاي…
وطلع رايح في مكانك…….”
“لا انا هنام في الورشة…….”نظر حمزة للورشة التي تقبع خلفهم ….سأله سلطان بغرابة…….
“لي كده ياجدع ماوضتك موجودة فوق السطح…..”
“قولتلك هنام هنا……….”رفض بحرج حتى لا يمر على شقة صديقة فالبيت الذي اتخذ منه غرفة
يلجأ اليها عندما يطرده والده…..كانت اساساً
بيت عائلة صديقة ……..ولم يكن لائقاً
الصعود الآن……..
“دماغك نشفة وهتتعبني…..على العموم هعدي عليك من النجمة….هصلي الفجر وانزل افتح الورشة…..”
قالها وهو ينهض عن مقعده………ثم أضاف…
“آآه هنزلك صنية العشا…….”
امتنع حمزة سريعاً…..
“لا مش عايز…..مليش نفس……..”
“متبقاش غشيم انت في بيت أخوك….”لكزه
سلطان بعتاب ثم اضاف قبل ان يرحل……..
“نورت الساحة من تاني يانمس……”
………………………………………………………………
بعد مدة دخل سلطان شقته الجديد والتي اتخذها في بيت العائلة الكبير منذ شهر تقريباً وهو يعيش
بها مع زوجته……….(داليدا…..)
عندما إطمئن على حمزة واغلق الورشة عليه صعد
لهنا لياخذ قسط من الراحة…..فمنذ الثامنة صباحاً
وهو في الأسفل بداخل الورشة يعمل ويصنع
اثاثات منزليه بالخشب…….
سحب نفساً عميقاً وهو يدخل الشقة ويغلق الباب
خلفه…….أول شيءٍ علق في أنفه عطر الجوري
الناعم التي تستعمل دوماً سواء عطراً خاص بها
او غسول استحمام……….
سمع صوت خرير الماء ياتي من الحمام المغلق…
فخمن انها تأخذ حماماً دافئاً….فدخل غرفة النوم
واشعل الضوء ومزال عطرها في كل مكان يطارده
من يوم يومها وهي تخطف الأنظار من حولها تثير
اهتمام الجميع…..حتى الآن يشعر انه ضيف في بيتٍ
يحمل رائحتها وروحها الحلوة !! ………
التقطت عيناه القاتمة ملابسها على الفرش المرتب
فعقد حاجباه عابساً….أخبرها مرراً وتكرراً….ان ارتداء
الملابس يكن في الحمام لا في غرفة النوم !!….
ارجع شعره للخلف بيده الحرة وباليد الأخرى عثعث في الملابس فكانت عبارة عن قطعتين داخليتين
من اللون الأصفر !!……ومنامة قطنية رقيقة للنوم……
ما علق معه أكثر الطاقم الداخلي الصغير شديد الانوثة والاغراء فظل ينظر إليه قليلاً……وفي لحظة ترك الملابس من يده وهو يبتلع ريقه بصعوبة شاعراً بمزيج ساخن يصب في عروقة فجأة…….
ماذا به ؟!…..منذ متى وتلك الصغيرة تحرك مشاعره
لم يكن في الحسبان يوماً التقرب منها باي شكلاً
كان……..لكن بسبب فعلتها المشينة رضخ
لحسبات العقل وتزوج منها حتى يلم ماتبقى
من شرف العائلة والتي كانت تسعى بسذاجة
لوضع رؤوس الجميع بالوحل بعد فعلتها الفاضحة………
أغمض عينيه بغضب كلما تذكر ما رآه…..ففي
خلال أسبوعين كان متزوج بها…وان كان سأله أحد قبل الاسبوعين هل مر على عقلك طيفها في صورة زوجة….سيسخر منه ويضحك موضح له انها بمثابة أخت صغرى له……اخت صغرى فقط ؟!…..
“سلطان !! …..”
صوتها الرقيق العذب انساب من خلف ظهره وكانت ملابسها مبعثره على الفراش بشكلاً مريب وقد راتها
جيداً لذا بلعت ريقها بحرج وهي تساله بغباء…
“انت جيت…….”
بصوت خالي من اي مرح أجاب….
“انتي شايفه إيه………”
استدار لها ناظراً اليها بقوة فوجدها كما توقع تلف جسدها بمنشفة تبرز نصف ساقاها البيضاء ومن الأعلى كتفها وجزء من ظهرها…….كانت داليدا صغيرة جميلة امام بنيته القوية وجسده
الضخم عصفورة صغيرة…….
فكانت نحيفة لكن تشع انوثه……هادئة شكلاً لكن
بنظرة تخطف القلوب وتثير الاهتمام من حولها…..ملامحها تشع انوثة ولطافة الأطفال
لكنها انثى خبيثة عنيدة لأبعد حد……….شعرها
كثيف بني فاتح ناعم كالشلال لكن ماكر يغري للاقتراب منه وان فعلت ستغرق دون رجعه
مع صاحبته ؟!….
كل ما بها له مظهر خارجي رائع جذاب لكن عند الاقتراب يكن الضرر بالغ وغالباً يترك أثر على
المتضرر منه………وهو لن يفعل……..
سحب ملابسها سريعاً من على الفراش وكورها
بيده والقاها في وجهها فجأه قائلاً بحنق….
“مية مرة قولتلك تلبسي هدومك في الحمام
انتي مش عيشه لوحدك…….”
مسكت الملابس وكبحت صرخة تمرد وهي تقول بصعوبة……
“آسفه مكنتش أعرف انك جاي دلوقتي… افتكرتك هتقعد مع صاحبك………”
قال سلطان بنظرة واجمة….
“روحي غيري يا داليدا…اي هتفضلي وقفه كده كتير….”
احمرت وجنتيها بقوة غيظٍ وخجلاً منه…فغادرت سريعاً للحمام لترتدي ملابسها………
اخرج زفرة حارة وهو يتخلص من التيشرت الذي يرتديه فأصبح عاري الصدر بالبنطال فقط جلس على الفراش وهو محتار من أمره منذ متى وهو يشعر معها بتلك المشاعر….. منذ ان تزوج منها و أغلق
الباب عليهما وبدأت تطارده أفكار غريبة عن من
كان يتمنى ان يسلمها لزوجها بنفسه !……..
شهر تغير الحال وانقلب كل شيءٍ راساً على عقب
فبات يراها بصورة أخرى… غير ابنة العم الصغيرة
الشقية التي اعتاد عليها على مدى سنوات
عمرها العشرون…….
“تحب احضر العشا…….”
ها هو صوتها حينما تتوتر او تشعر بالحرج ياتي مهزوز بشكلاً ملحوظ…… أبتسم داخله….يثير
خوفها هكذا… وتثير هي غضبه عندما يراها
بمنشفة الحمام ؟!……
شعرت داليدا بالحنق منه…الأمر أصبح مكشوف ويتعمده….لماذا يجلس أمامها بهذا الشكل…
ألا يرى ان الوضع غير لائق للجلوس بكل هذه الاريحية….لما تعتاد على الأمر وهو من اول يوم
لهم وهو عاري… عاري……لا يعرف من ملابس البيت
الا بنطال او شورت…..والحمدلله انهُ يعرفهم…
زفرة وهي تشعر بعدم الراحة لهذا الوضع…خصوصاً
انه لم يرد بل ظل صامتاً شارداً….فظنت انه لا يسمعها
فقررت بصوتٍ أعلى……
“سلطان احط العشا…….”
“لا……..”رد مختصر ازعجها…..فقالت بانفعال…
“وطالما انت مش ناوي تتعشى……مقولتش
ليه……..”
رد سلطان هازئاً…. “واي بقا عندك جديد غير المكرونه……”
انتفخت اوداجها مزمجرة….
“انت بتتريق انا……انا اشطر واحده في بيتنا
بتعمل مكرونه…….”
رد بملل….. “بس انا مبحبش المكرونه………”
قالت داليدا بنزق…….
“عشان كده معظم الوقت بتاكل عند مرات عمي تحت…….”
رد بطريقة مستفزة لأي زوجة……
“مفيش حد يقدر يستغنى عن اكل امه…حتى لو أتجوز………”
عقدت ذراعيها امام صدرها قائله
ببرود…
“تمام عندك حق…….يبقا اريح نفسي انا بقا
وبطل اطبخ خالص…..”
عاند معها قائلاً بخشونة…….
“لا هتطبخي بس حاجة غير المكرونه……..ساعتها
هاكل معاكي وهبطل اكل عند أمي…….”
“دا كرم كبير منك يابن عمي…….”عندما لم تجد منه رداً…تغيرت نبرة صوتها للوداعة وهي تقول…..
“ممكن اطلب منك طلب……”
اوما براسه بملل دون رد مريح……..فقالت
بتراقب……
“ممكن تبطل تقفل الباب عليا وانت خارج…..”
رد ببساطه…. “مضمنكيش……..”
مؤلم هذا الرد يشعرها وكأنها……اغمضت عينيها
بقوة فهي من اوصلت نفسها لهنا……وخذلت ثقة
الجميع………فتحت عينيها ونظرة اليه فقابلها
بعيناه القاتمة القاسية……فبلعت ريقها قائلة
بجدية أكبر……..
“انا بتكلم بجد….بلاش تقفل الباب بكره عليا…..”
“ليه بقا هتروحي فين…….”اقترب منها بهذا الشكل
الذي أشعل وجنتها واصاب خفقات قلبها بالخلل….
وقف امامها فبلعت ريقها وهي ترفع عينيها السوداء
الامعة على ملامحه الوسيمة وعيناه المشتعلة
بومض تحفظة كاسمها تماماً………
“كيان جايه تزرني بكره…ومش معقول هعرف افتحلها وانت قافل الباب عليا بالمفتاح…….”
صمت سلطان ولم يبدي ردت فعل فقالت داليدا باصرار…….
“ساكت ليا مش كفاية بقالي شهر مشفتش الشارع…..واهلك عايشين تحتنا ومش بنزلهم غير
كل جمعة معاك…….حتى صحابي هتمنعني اشوفهم ويشوفني…..”
لوى سلطان شفتيه وسألها بجمود….
“ويترى انا بعمل دا كله فيكي من فراغ…انتي ناسيه عملتك السوده….اللي خلتني انا وانتي هنا…..”
اتسعت عينيها وصاحت بكبرياء……
“بس انا مقولتلكش تجوزني……..انت اللي طلبتني
من أبويا…”
فجأه مسك فكها واتكأ عليه بين يده القوية
مجبرها على رفع عينيها إليه بينما يقرب
جسدها الغض منه اكثر حتى تاوهت بوجع وهي تسند كفها على صدره العاري محاولة الابتعاد عنه…..فهتف سلطان بقوة اخافتها……
“مش حبن فيكي لا…..دا عشان انا الوحيد اللي هقدر احكم عليكي وادبك بعد عملتك السودة…….ولا ناسيه انا جايبك منين لم هربتي…….”
بدأت تدفعه اكثر وهي تقول بتألم…..
“سلطان انت بتوجعني…….سبني… “
سحبها اكثر لعنده ويده تقبض وجنتيها من
الناحيتين بقوة…..فقال بمنتهى السادية…..
“خفي بجاحه اللي زيك المفروض تحط عينها في الأرض طول عمرها….مش تقف تبجح وتكلم وكان
ليها حق عندي………..وانا اللي جاي عليها….”
بدات تضربه في صدره بقبضتها
صارخة….
“سبني حرام عليك……سبني…. “
تركها سلطان وهو يقول بمنتهى التجبر…….وعيناه
تحيطها بنظرة مزرية……
“اسمعي انتي هنا مش حُره…..هنا مش هتمشي على كيفك زي ما كنتي بتعملي في بيتكم….هنا انتي في بيتي تمشي على كيفي انا وبشروطي انا……وان معجبكيش الكلام اشربي من البحر……..”
“بكرهك……..بكرهك……”انفجرت باكية كالاطفال
وهي تصيح بغضب………فرد هو بفم ملوي
بتعجب…..
“حوش انا اللي دايب في دباديبك……امشي يابت على اوضتك……..أمشي……..”
برطمت وهي تبتعد……
“كانت جوزاه سوده ومنيله……..”
هتف سلطان من خلفها…….
“على دماغك………كلمة كمان ياداليدا وهمسح
بيكي بلاط الشقة………”
وقفت امام باب غرفة الأطفال صائحة بتعنت….
“والله ما تقدر…….”أغلقت الباب سريعاً عندما
وجدته يقترب منها……..
زفر سلطان وهو يشعر بفوران داخله الأول غضب
والأخر احتياج……..والإثنين خلقوا داخله بسببها
هي…..هي فقط………
…………………………………………………………….
بداخل مكتب المحاماة الخاص به دلف من الباب صباحاً ككل يوماً بالحلة العملية والحقيبة الرسمية
بوسامته المعهودة وطلته المريبة !!….
رفع عيناه القوية عليها فوجدها تجلس خلف مكتبها الصغير شاردة حزينة ومع ذلك تحمل بين يداها
كوب من النسكافيه ترتشف منه بتمهل…..
ما جذب انتباهه هو لون الكوب وشكله المنفرد…
فكان الكوب من اللون الكناري عليه رسمة لعيون
فيروزية وفم كالمنقار أصفر…… تشبه الرسمة طائر
الكناري اللطيف والذي جسد خيالياً في أحد برامج الكرتون القديمة بـشخصية (تويتي….)
على حسب تذكره كان الطائر لطيف محبوب مظهره
الخارجي يشع براءة وظرافة….. لكن عندما يبدأ أحد بالاقتراب من قفصه محاول نزع السلام داخله…يظهر
الوجه العدائي له ويتحول مئة وثمانياً درجة….
من (تويتي اللطيف…..) الى (تويتي الشرس…)
وعجباً كيان تشبه الشخصية جداً !……
اهتزت شفتيه في شبه ابتسامة هادئة وهو يتامل صمتها الحزين وشرودها الغريب…..ومعه يتأمل ملابسها أليوم……..كانت ترتدي بنطال أسود
عليه سترة عمليه بيضاء….تكوي شعرها البندقي اليوم ليكن حريري ناعم وقد لمته للخلف في
ربطة عملية تليق بمكان العمل………
بشرتها البيضاء ناضره لم تضع عليها شيءٍ فقط اكتفت بالكحل لعيونها الفيروزية البراقة…. وملمع
شفاه لشفتيها الورديه الصغيرة……
انعقد حاجبي سليم اثناء مراقبته لها فقد بدأت
تخرج شهقة صغيرة خانقة من بين شفتيها…ثم سالت دمعتان ساخنتان على وجنتيها……تعبر عن حزن لا يراه إلا قلبها……..
عند تلك النقطه شعر انه غير مرتاح لرؤية دموعها…
عليه ان يعترف انه يكره دموع النساء ويضعف
امام انكسرهن ولو حتى على أتفه الأسباب…وهذا
بسبب فترة عاشها في مراهقته كانت بها الدموع
اكثر من الضحكات……لذلك الحزن يزعجه حتى
وإن كان في عيون الغير………
تنحنح حتى ينبهها بوجوده……فانتبهت له كيان سريعاً فمسحت دموعها سريعاً وهي تنهض قائلة
بارتباك…….
“استاذ سليم…..آسفه مخدتش بالي انك جيت…
دقايق والقهوة تكون على مكتبك……”
تحركت تدلف للمطبخ لتعد القهوة….ولكن عندما سارت بجواره اوقفها دون ان يلمسها……
“في حاجة مضيقاكي ياكيان…….لي الدموع دي….”
مسحت عيونها مجدداً تخفي آثار البكى….واجابت
“مفيش حاجة ياستاذ….عيني وجعاني شويه عشان كده بتدمع…….ثواني والقهوة تكون عندك… “
امتنع سليم وهو يتحرك للمكتب…..
“مش عايز قهوة حضري نفسك عشان نزلين المحكمة دلوقتي عندنا جلسة لقضية شكري السمنودي….هاتي ملفه وتعالي ورايا…….. “
اومات براسها وهي تجده يدلف لمكتبه مغلق الباب
خلفه………فزفرة بارتياح وهو تنهر نفسها بحنق….
اتجهت للمكتب وفتحت الدرج لاخرج الملف لتجد هاتفها يرن انتفخت اوداجها واحمر وجهها وهي تفتحها بمنتهى الغضب…..
“وأخيراً ست داليدا اتكرمت علينا وفتحت تلفونها……..”
سالتها داليدا عابسة…( في اي ياكيان مالك……)
قالت كيان بانفعال عبر الهاتف…..
“مالي إيه…. انا هموت من القلق طول الليل…وعماله أرن عليكي وتلفونك مقفول……”
اخبرتها داليدا بنبرة معتذرة……
(كان فاصل شحن والله……في حاجة مهمه……طمنيني…)
قالت كيان بقلق…..
“انتي اللي طمنيني حمزة عندكم…..”
وضعت داليدا يدها على صدرها تتنفس بارتياح
قبل ان تهتف بجزع…….
(ياشيخه وقعتي قلبي….أكيد عندنا…….معروفه حمزة
لما يحب يبعد او يحصله مشكله بينزل الساحة…..
هو هنا كان بايت في ورشة سلطان….وحالياً بيفطروا
تحت عند مرات عمي…..كله تمام متقلقيش….)
زفرة براحة وهي تقول لها…..
“الحمدلله ريحتي قلبي…….اصلي برن عليه مبيردش عليا……. حتى شهد قلقانه عليه…..هبقا اتصل بيها اطمنها……”
ردت الأخرى بفتور…..
(متكبريش الموضوع مش أول مرة يعني… المهم هتيجي امتى أنا مستنياكي…. والحمدلله سلطان
فك الحظر النهاردة ومقفلش عليا بالمفتاح… عشان
قولتله انك جايه…….)
“هشوف……”قالتها كيان وهي تنظر في الملف بين يداها…….
فصاحت داليدا بحزن دفين…….
“مفيش حاجة اسمها هتشوفي ياكيان تخلصي
شغل وتيجي…. الساحة مش بعيده يعني دا موصلة وهتكوني هنا……..انا هموت من الملل ياكيان…
انتي متعرفيش الشهر ده مر عليا إزاي وانا
معاه……انا ولا كاني في سجن….. وهو على بابه… “
المها قلبها لأجل صديقتها فقالت لها برفق……
“خلاص ياداليدا هجيلك….. بس أخلص شغل
مع ابو الهول ده الأول………..يلا باي…….”
اغلقت كيان الهاتف واتجهت الى المكتب تحمل
الملف بين يداها……..
وعندما دخلت المكتب وجدت سليم يولي ظهره لها
في مقعده الدوار ويتحدث عبر الهاتف الى حبيبته
(ايتن الشهاوي…..)بصوتٍ عذب حنون لامس قلبها لوهلة…….
“وانا كمان ياحبيبتي….هعدي عليكي أكيد…ونتغدى سوا كمان…………تمام ياروحي بااي…….”
عندما استدار بالمقعد وجد كيان تقف في منتصف
المكتب متسمرة أمامه…..يبدو انها سمعت جزء من المحادثه….لذا تنحنح سليم بخشونة امراً
بصلابة…..
“هاتي الملف اللي في ايدك وتعالي…….”
اومات براسها وهي تلوي شفتيها بعدم رضا…مقبول ان تكون رومانسي مع المرأه التي تحبها…..لكن غير
مقبول معاملة الناس وكانهم عبيد لديك…….
جلست كيان على المقعد اثناء تفحص سليم للملف…
وظلت تراقبه باهتمام فعندما يعمل يكن اكثر جاذبية
وابهاراً……
“اي اكتر قضية حسيتي انها سهله من ضمن القضايا اللي قولتلك تدرسيها كويس…….”
انتبهت كيان بسؤاله فقالت دون مقدمات……
“قضية الموظفه اللي قتلت مديرها الغتت حستها حنينه كده وفيها ثنة طبطبه على البشريه………”
رفع سليم راسه يتحداها بعيناه…..
“قصدك المديره…..اللي اتقتلت ست… مش راجل….”
توترت كيان فاضافت…..
“ااه المديره……..مخدتش بالي انها ست…… “
تحدث سليم بشك…….
“إزاي مخدتيش بالك في اعتراف الجانيه قالت انها كانت بتغير منها بسبب صباع روچ…..مع ان القضية ليها إبعاد أخرى……….لكن أكيد مفيش راجل بيحط روچ…. “
“لا الشهادة لله لا….بس لما بيتقفوشوا بيبقا
الروچ……فا…….”تنحنحت كيان عندما احتدت
نظرات سليم عليها بقوة اخرستها….. فقالت تلك المرة بجدية وحرج……
“بصراحة انا بجود من عندي…..انا مفتحتش الملف ده بذات إمبارح…..حصلت ظروف عندي منعتني
اسهر عليه……..”
“هي نفس الظروف اللي خلتك تعيطي…….”
نظرت اليه كيان بتعجب فأشاح سليم بوجهه
وهو ينهر نفسه لماذا يشعر برغبة فضولية
بمعرفة سبب بكاؤها……
نهض سليم من مكانه مغلق زر سترته قائلاً
بخشونة…….
“يلا بينا……..عشان نلحق الجلسة بدري…..”
……………………………………………………………..
عندما وصلا للمحكمة جلسا في غرفة الاستراحة
للمحامين……..وبدأ بمراجعة الملف……..وقد كلف
سليم كيان بمهمة تصوير الأوراق كالعادة !…..
فذهبت عند مكينة التصوير منتظره دورها
خلف شخصاً ما………قالت بهدوء…..
“قدامك كتير ياستاذ……..”
“مش كتير يانسه…….”التفت الشاب
لها وعندما ابصرها تهللت اساريره قائلاً
بدهشة…”اي ده موكا…..”
اتسعت إبتسامة كيان وسلمت عليه
بحرارة…
“نائل هاااي…….عامل إيه…..عاش من شافك…..”
تحدث نائل معاتباً…….
“وحشاني والله…اي يابنتي من ساعة التخرج وانتي لا حس ولا خبر……..دا حتى انتي مش في شات الشلة……..”
ارتفع حاجبها بغرابة قائلة…….
“هما عملوا شات…..الاندال…….محدش بعتلي يعني…….”
اخرج نائل هاتفه….. “ابعتلك حالاً هاتي رقمك……..”
“هات اسجله أنا…….”اخذت الهاتف وهي تساله بابتهاج…….
“واي الاخبار……بتدرب عند مين الفترة دي……”
قوس نائل فمه مجيب…. “عند الدكتور خليل……”
رفعت كيان شفتها العلية باستهجان
معلقة….
“ياساتر….ملقتش غيرو….دا كان مشربنا المُر
في شليمون…..الله يحرق ايامه…….”
هز نائل راسه بقلة حيلة….
“هعمل إيه بس ياموكا….اهو كله بيعدي……وانتي شغاله فين…….”
اجابت……. “عند سليم الجندي……”
أبتسم نائل مهللاً…….
“يابنت اللعيبه دا انتي عديتي…….سليم دا اشهر
من نار على العلم……حظك من السما……”
حركت كيان شفتيها يميناً ويساراً بحسرة
قائلة…….
“ولا من السما ولا نيلة….دا انا بقالي ست شهور شغاله مرمطون عنده اسكت يانائل دا انا اتبهدلت
بعد الجامعة اخر بهدلة………”
قال نائل بنبرة ساخرة…..
“واضح أنهم بيصعبوها علينا عشان لم نوصل ونبقا زيهم نصعبها على غيرنا……..”
طوحت كيان بيدها كلأرجوحة…..
“ولفي بينا يادنيا……..وزي ما بندعي عليهم
هيجي اللي يدعي علينا……”
ضحك نائل… “اقسم بالله وحشتني خفة دمك…….”
لمعة عينا كيان بومض الحنين لايام الجامعة
ولمت الاصدقاء فاقترحت……
“والله وانت والشلة كلها……ماتيجي في يوم
نظبط في الشات خروجة حلوة كده…….”
وافق نائل سريعاً….
“ياريت اهو نفصل فيه مرمطة الأسبوع……”
“واضح اني قطعت الجو الجميل بينكم…بس دا وقت
شغل وقضايا وناس اروحهم متعلقه في رقبتنا….مش وقت تعارف ومقابلات خالص……..ولا إيه…… “
كان صوته حانق خشن غير متفاهم بالمرة خصوصاً
عندما استدارت اليه كيان تنظر لعيناه موضحه
سريعاً بحرج…….
“ولا إيه……حضرتك فهمت غلط……دا نائل…….”
“بجد اهلاً يا نائل…….”سلم عليه ببرود فابتسم نائل
وهو يسلم عليه بحرارة….فترك سليم يده ونظر لها
سائلاً ببرود……”نائل مين بقا…….”
ردت كيان بتوجس منه……
“كان زميلي في الجامعه من دفعتي…بقالنا كتير مشفناش بعض….وشوفته هنا بصدفة…….”
سالها بنظرة مستهينة…. “كويس……..وبعدين…….”
سالت بحيرة…… “وبعدين اي حضرتك……”
حرك عيناه بملل قبل ان يعود إليها قائلاً
بنفاذ صبر……
“مش هتصوري الورق خلينا نشوف اشغلنا……..”
ارتبكت من هذا الهجوم فسالت زميلها سريعاً….
“آه خلصت يا نائل……..”
رد نائل سريعاً بعد ان لاحظ توتر الاجواء بينهما…. “ايوا ياموكا…..قصدي كيان…..خلصت ياكيان…..”
اخذ اوراقه سريعاً والقى التحية ورحل……
“عن اذنكم……..”
ارتفع حاجب سليم وسألها بملامح تنذر بالخطر….. “موكا…….. في المحكمة موكا !!…..”
ردت كيان بطيبة وعيناها معلقه على المكان
الذي خرج منه نائل…….
“غصب عنه لسانه واخد عليها…… طيب اوي
نائل ده أطيب خلق الله…….والله…… “
اوما سليم ببرود هازئاً….
“فعلاً من كتر طيبته جسمي قشعر…….”
اومات براسها بشرود….. “مش كده ونبي……”
اخرسها بصرامة امراً بغلاظة…..
“هشش……..صوري الورق وتعالي ورايا…….”
ابتعد في لمح البصر كما اتى…فتمتمت كيان
بتبرم…….
“هو اي اصل ده…… “
بعد الانتهاء من أعمال المحكمة خرجت كيان بصحبة
سليم للسيارة الخاصة به وفتحت الباب لتجلس بحواره……….ولكن صوت رجولي اوقفها قبل ان تبتعد……
استدارت تنظر الى نائل صديقها والذي اقترب منها
وفي يده كيس صغير يفوح منه رائحة للمعجنات الساخنة الشهية…….
“جبتلك حاجة بسيطه تاكليها…….انتي بقالك خمس ساعات بتلفي في المحكمة من هنا لهناك……”
اخذتها كيان منه وهو تبتلع ريقها فرائحة
فتحت شهيتها على التهام ما بها…….
“كتر خيرك تعرف اني مفطرتش أصلا…….”
اوما نائل وهو يخبرها بصوتٍ منخفض…..
“الله يكون في عونك…… عذرتك…. حقيقي طلع الدكتور خليل أرحم منه بكتير…….”
“عشان تعرف….. اني معايا النسخة الاصلية…”
ضحكت كيان وشاركها نائل الضحك…. فاطلق سليم بوق السيارة عالياً حتى تنتبه انه يقف بسيارة في نصف الشارع………
قبل ان تبتعد اخبرته… “هبقا اكلمك………..باي……”
لوحت بيدها وهي تستقل السيارة جوار مقعد
سليم فلوح لها نائل بمحبة ثم عاد للمحكمة…….
وضعت كيان كيس المعجنات على حجرها ثم رفعت عينيها على النافذة تراقب الطريق الراكض أمامها
بينما هو يراقبها بضيق هي والكيس الصغير على حجرها والذي علم بهوايته من الرائحة…..
لماذا يشعر بالحنق….من امراً كهذا….من المفترض ان يكون لها حبيب… صديق…..لماذا يشعر بالانزعاج عندما اقترب منها هذا الازج …..
هل نسى ان هذا الشعور من حق واحده فقط في حياته (ايتن..)حبيبته وزوجته المستقبلية….
ربما ما بدخله فسره انهُ تقليل منها وعدم إحترام
له……. فهذا وقت عمل ليس وقتٍ للحب والتعارف
وأكيد هذا ما يزعجه الآن…….
انتبهت كيان بانه غير مسار الطريق للمكتب….
فادارت راسها اليه تسأله باستغراب…….
“على فين ياستاذ…. دا مش طريق المكتب…….”
رد سليم دون النظر اليها……
“انا مش فاضي للمكتب النهاردة…. عندي معاد مهم…
هنكمل شغلنا بكره في المكتب اهم حاجة اننا خلصنا مشاوير المحكمة……..”
اومات كيان باستحسان…..
“تمام……..طب ممكن تنزلني على أول الشارع…. “
تابع سليم بمنتهى الهدوء قائلاً…..
“قوليلي عايزه تروحي فين وانا اوصلك……”
هزت كيان رأسها قائلة…..
“لا مشواري مش على سكتك….. انا راحة الساحة… اي موصلة من على السكه هدخلني جوا…..”
تساءل سليم……. “بيتكم في الساحة؟……..”
“لا دا بيت واحده صاحبتي راحه ازورها……” اشارت
له سريعاً قبل ان يبتعد اكثر عن المكان التي ستنزل
فيه…….
” ايوا هنا ياستاذ…….. شكراً…….. “
اوقف سليم السيارة ففتحت كيان الباب وهي
تشكره بلطف…… فقال سليم بفتور……
“خدي بالك من نفسك……”
ضيقت كيان عينيها في خطٍ مستقيم عابساً
وهي توليه ظهرها….. ولم تعقب وقد ادعت
الصم…… ثم اغلقت الباب بعد خروجها……..
فانطلق سليم بالسيارة سريعاً……
داعب الهواء البارد وجنتي كيان واطار خصلات شعرها البندقية… وخط من الصقيع قد تخلل اطرافها
فقربت السترة اكثر لاحضانها….. وهي تشير بيدها لأول سيارة أجرة ستنزل شارع الساحة…..
……………………………………………………………..
أوقف السيارة أمام مجمع سكني راقي…. يقطن في أحد العماير بداخل شقة فارهة اثاثاً وشكلاً تحمل
لافتة مجاروة للباب بأسم
(المستشار / مصطفى الجندي…)
دخل سليم بعد ان فتح الباب بالمفتاح فوجد المكان
هادئاً والانوار خافته باستثناء نور المطبخ الذي ينير
الردهة وأيضاً هناك وصوت قوي مفعم بالاحساس يذاع عبر الراديو لأحد حفلات الست ام كلثوم…….
اتجه سليم الى المطبخ ووجهه ينير بابتسامة صادقة حانيه لا تخرج إلا للمستشار فقط………
وجد والده يقف يعد الطعام وهو يرتدي مريول المطبخ ويدندن ببال رائق خلف الست….. ويده
تتحرك كالمايسترو يعزف لحن متناغم على الطعام………
يتذكر سليم جيداً ان أباه تعلم الطهي فقط بعد ان تزوج أمه…….. وتعلمه لأنه كان مغرم بها وهي مغرمه بالطهي فكان يشاركها معظم يومها والذي كان اكثره
في المطبخ هذا ؟!……
يحيي الأب الان ذكراها بعد وفاتها يدخل يطهو وهو يسمع الست كما كانت تفعل رفيقة عمره وحبيبته
(هالة)……..
“آآه ياريق……… اي الروقان دا كله…….”
قالها سليم بمناكفه……ودون ان بستدير له أبيه
قال مبتسماً……….”انت جيت يامتر…….”
رد سليم وهو يدلف للمطبخ…….
“من عشر دقايق…… من أول مابدات الست تقول…”
“واي رأيك…..” سأله والده وهو يفتح باب الفرن….فاجابه سليم……..
“مانت عارفني سميع قديم…..”
ضحك والده موضحاً……..
“مش قصدي على كده…اي رأيك في الروايح دي….”
انعقد حاجبي سليم يتبع حاسة
الشم قائلاً…….”بطاطس دي…….”
اوما والده وهو يخرج صنية البطاطس من الفرن
ثم يضعها على الطاولة المستديرة بقلب المطبخ الشاسع………
“صنية بطاطس بالفراخ….. ورز بشعرية انما
إيه…. رهيبه……..”
تحسس سليم بطنه المسطحه
معتذراً…..
“جوعتني………….والله بس للأسف…….”
رفع مصطفى حاجبه…..
“إيه………..للاسف دي واكل ولا ايه…….”
هز سليم راسه وهو يتخذ مقعداً امام الطاولة….
“لا بس عازم ايتن على الغدى برا…….”
اتجه والده للموقد ليرى الأرز……
“طب ماتتغدوا معايا هنا وكملوا سهرتكم برا…..”
التوت شفتيه قليلاً فيما يشبه ابتسامة
ساخرة……واجاب وهو ينظر لصنية البطاطس……
“مش هترضا…….اصل انت عارف انها هيلثي اوي…
وصنية البطاطس المفحفحه دي مش هتيجي معاها سكه……..”
رد مصطفى بنبرة مستهينة……
“قطعت برزقها……..بس خد في بالك…..الصنية
دي هترجع مش هتلاقيها……”
نظر له سليم بدهشة….. “هتاكلها كلها يادرش……”
تحدث مصطفى ببساطه وهو يطفئ الموقد….
“لا هبعت الباقي للبواب……حرام اركنها في التلاجة
وانا وانت مبنكلش حاجة بايته……”
نظر له سليم بطرف عيناه قائلا بمزاح…….
“انا فاهمك كويس ياسيادة المستشار…..انت
بتضغط عليا عشان……اشاركك الجريمة دي
وقعد اكل معاك……”
اوما مصطفى بجدية رغم ان عيناه
ابتسمت……وهو يقول……
“كويس انك فاهم يامتر….غير هدومك وتعالى اتغدى معايا الجريمة حلاوتها في لمتها……. وبعد ما تخلص
ابقى الحق الهيلثي مع خطبتك اهوه اعتبره عشا……….عشا خفيف……..”
بعد قليل على الطعام بدأ……ياكلوا بصمت وهدوء….
على الأنوار الخافته……فمزال المستشار ينزعج من الاضاءه العالية والضجيج……..والاشياء الغير منظمة……من يصدق ان هذه الشقة لم تدخلها
أمرأه منذ سبعة عشر عاماً كاملاً…….
سبعة عشر عاماً هذا الرجل عاش أب وام لابنه… كان ينظف يرتب يكوي ويطهو ويعمل…. مستقل بحياته
مستقل بابنه وحب زوجته وذكراها الخالدة في
قلبه وعقله……..
لم يتغير شيءٍ في الشقة بالعكس كل شيءٍ بمكانه
كما وضعته (هالة…)يرتب ويعيدهُ ينظف ويعيدهُ
محتفظ بكل اغراضها في غرفة مفتاحها معه هو وحده……..سريرها خزانة ملابسها صورها زينتها
لوحاتها الفنية….وادوات الرسم الخاص بها…كل
شيءٍ خاص بها وضعه في غرفة انيقة مرتبه لا يدخلها سواه……..ويرفض المبيات بها حتى لا
تفقد عبقها الياسميني الخاصه بحبيبته………
كيف أحب والده أمه بهذا الشكل ؟!…وكيف يحيا
على ذكراها حتى الآن ؟!…والده عملة نادرة وهو محظوظ أنه ابنه….
لكن حتى هو منكسر وحزين لفراق أمه الحبيبة
(هالة) كانت نسمة معطرة بالياسمين…..افتقدها
وهو صبي في عمر السابعة عشر….وعاشت قبلها ثلاث سنوات تصارع المرض…..لم يكن أحد
جوارها سواء زوجها مصطفى……..ورغم الدموع والألم كانت تبتسم…….كانت تصبر ابنها وزوجها
بانها عائده اليهم بالشفاء…….وانها ستنتصر في
تلك المحنة وهم جوارها……
لكن يشاء الله ان تموت بعد صراع دام لثلاث سنوات ورغم الدموع….كانت تبتسم لهم ببشاشة وطيبة وتبعث الطمأنينة في قلوبهم المرتعبه حتى صدقوا انها ستشفى وتعود للمنزل يوماً لكن الموت كان اسرع من صبرها وأمالها……..فرحلت للأبد……….
سأل مصطفى ابنه….. “اي اخبار شغلك…….”
رد سليم……”الحمدلله كله تمام…….”
ساله والده….. “كلمت ايتن في موضوع الجواز…….”
رد سليم قبل ان يضع المعلقة بفمه…..
“لسه هكلمها…….”
اخفى حزنه خلف نبرة هادئة وهو يسأله
بصعوبة ….
“وناوي تعيش معايا….ولا في شقه اللي اشترتها….”
اوما سليم بجدية…….
“أكيد هعيش معاك الشقه حاجة رمزية بس..مصيري احتاجها في يوم من الأيام…….”
ساله مصطفى بشك…. “ويترى خطبتك موافقة……”
رد سليم وهو يقطع قطعة من الدجاج بالسكينة والشوكة قبل ان ياكلها…….
“لسه مكلمتهاش……بس أكيد هتوافق…..هي عارفه اني مقدرش اسيبك لوحدك……”
تحدث مصطفى بصوتٍ حاني…..
“لو موفقتش بلاش تضغط عليها……لانها من حقها برضو تعيش في مكان لوحدها……ويبقا ليها خصوصيتها…….”
توقف سليم عن الطعام وارتشف القليل من كوب
الماء جواره ثم تركه وعقب متعجباً……
“خصوصيتها !!…….انت بتكلم يادرش وكاننا عايشين في اوضة وصالة….الشقة واسعه وكبيرة
وكل اوضة من دول مستقله بنفسها…..يعني مفيهاش
حاجة لو عشنا معاك هنا…….ولا انت اللي ممانع بقا…….ومش عايز حد يدخل البيت ده بعد ماما…..”
نظر له والده بجدية وبدا يتحدث بواقعية
أكثر……
“انا ممانع آآه…..لكن مراتك انت حاجة تانيه دي هتبقا بنتي معقول امنع بنتي تعيش في بيتها……..لكن انا بقولك كده عشان ميحصلش مشده بينكم….انا عارف ايتن كويس ياسليم…..واكيد انت كمان عارفها…..”
أومأ سليم برأسه بمنتهى الثقة قائلاً…..
“عارفها……..وعشان عارفها بقولك انها هتوافق……
لانها عارفه راحتي فين……..واللي بيحب حد
بيحب يريحه……….”
لم يعقب والده بل نهض عن مقعده داعياً
لهما……. “ربنا يصلح حالكم…….تشرب شاي…….”
نهض سليم خلفه وحمل الاطباق قائلاً
بهدوء…..”لا خليك انا هعمله……….”
…………………………………………………………….
عندما وصلت للساحة نزلت امام ورشة الخشب والذي فوقها مبنى قديم عبارة عن شقتين تسكن
داليدا في الدور الثاني اعلى شقة حماتها
وفوق شقتها السطح الفارغ تربي حماتها
الطيور وتراعاها………وقد قابلتها على السلم
(حنان) والدة سلطان وزوجة عم وحمات
داليدا حالياً…..
كانت أمرأه طيبة بشوشة الوجه تفوح منها
رائحة الريف الأصيل…….أمرأه من عصر
الطيبة والكرم………
“اهلاً ياكيان ياحبيبتي عامله إيه…….وحشاني والله……”عانقتها السيدة حنان بمحبة وقالت
بعتاب…….
“عاش من شافك…..عامله ايه… وشهد اختك
عامله ايه………”
ردت كيان بتحفظ……
“الحمدلله ياطنط……. بتسلم عليكي…..”
حدثتها السيدة وهم مزالوا يقفوا على السلم…
“والله العظيم خطرت على بالي من يومين….شهد
دي آية من الرقة والأدب والجمال…..بالك جالها
عرسان كتير اوي لما حضرت فرح سلطان
وداليدا….”
ردت كيان بحرج….
“آه شهد علطول بيجلها عرسان بس هي اللي
مش عايزه……..”
سالتها السيدة حنان بفضول…..
“ليه بس….هي عندها كام سنه….هي اكبر منك صح………”
ردت كيان بهدوء……
“بتلات سنين ياطنط….عندها سبعة وعشرين سنة…. بس مش باين عليها….. اللي يشوفها يقول ان انا
اللي اختها الكبيرة…… “
قالت حنان بتودد……
“انتي عشان مليانه حبتين لكن الشهادة لله انتوا الإتنين عرايس قمر تحلو من على حبل المشنقة ….
دا انا حتى جبتلك كذا عريس وانتي اللي رفضتي
ياكيان اقربه فريد ابن أختي………”
شعرت كيان بالحرج فاعتذرت بتحفظ…..
“معلش ياطنط….بس انا مش بفكر في الموضوع
ده دلوقتي لسه بدري…….”
قلبت السيدة شفتيها بعدم رضا…..
“لا بدري ولا حاجة بس نقول إيه الزمن أتغير…….والبت بقت زي الواد دلوقتي….”ثم
اضافت وهي تربت على كتفها بترحيب…….
” المهم متخدنيش في دوكه….انزلي اشربي معايا كوباية شاي…….ولا شاي إيه… تعالي أكلك فطير بلدي….. لسه عامله فوق السطح بس إيه بسمن
البلدي ولسه طازه……….. “
اعتذرت كيان…..
“ياريت والله بس انا هتغدى مع شهد عشان متزعلش…….”
انعقد حاجبي السيدة بعدم رضا……
“جرالك إيه ياكيان….معقول تنزلي الساحة وتدخلي بيت عمك عبد القادر ومتكليش فيه حاجة……دي ساعة غدى يابنتي……”
مجدداً زاد الاحراج
فاعتذرت…..
“معلش ياطنط مرة تانيه…….”
التمست السيدة لها العذر فقالت بمودة…..
“خلاص اطلعي لصاحبتك وانا هطلع حد من عيال بناتي بصنية الفطير……وفيها من خيرات ربنا اهو تأكلي انتي وداليدا وتفتحوا نفس بعض…………”
عندما ابتعدت حنان…..تابعت كيان صعودها لشقة
صديقتها داليدا…..داليدا التي نشئت بينهن صداقه
عمرها عام وآحد فقط…..وقد تعرفت عليها في
خطبة سلطان السابقة والتي انتهت بعد شهرين….
حينها تبدالا الفتيات الأرقام وتصدقا عبر (الفيسبوك..) واقتربا من بعضهن أكثر……فاصبحا
صديقتين مقربتين في فترة قصيرة…وبرغم ان
داليدا تصغرها بأربع سنوات إلا أنها كانت طائشه مجنون مثلها….تعشق التحدي والحياة بتفاصيلها
ولذلك كان التشابه في بعض طباعهن نقطة جيدة للوصول لصداقة حلوة تجمعهن………دامت لعام…………وربما تدوم للأبد…….
اطرقت كيان على شقة داليدا وسلطان….إثنين لم يكن بينهما اي تواصل عاطفي او حتى لمحة إعجاب
وللعجب جمعهما القدر في غمضة عين معاً
كزوجين……
الجميع في حالة ذهول من تلك الزيجة…ورغم انها
غيرهم ، تعرف اهدافها الاساسيه والسبب خلفها….
ألا انها في حالة ذهول أكثر منهم ؟!……
فتحت لها داليدا الباب تصيح بجنون وهي
ترتمي في احضانها……
“كيااااان….كيااان….وحشتيني اوي……”
بادلتها كيان العناق بقوة قائلة
بمحبة…..”وانتي اكتر ياكلبة……..”
“وحشتيني بجد….. اي الكيسة دي انتي جيبالي
اكل معاكي…….”سحبت داليدا الكيس واتجهت
به للداخل…….تاركه كيان واقفه على الباب…..
“شوف الندله…. اللي يشوفك يقول مابتكليش…يشيخه دا كفاية حماتك اللي
بتطبخ بسمنه البلدي…….”اغلقت كيان الباب
خلفها وهي تخلع حذائها وتضعه جانباً…
متفصحه الشقة العرسان بلمحة سريعة…فكانت حلوة مرتبة أنيقة…..كل ركن بها يعبر عن مدى روعة وذوق صاحبها……..حتى داليدا فرشت الشقة على ذوقها الخاص رغم ظروف الزيجة العجيبة…….
“انتي قابلتيها؟…..”سالتها وهي تخرج قطعة الدوناتس….وتلتهم منها……
” اللي جايبلك القرص ده بيفهم… طعمها حلو أوي…….”
قالت كيان وهي تشاركها الجالسه على
الاريكة….
“على فكرة دا دونتس…….ومش انا اللي جيباه.. “
قالت داليدا بعشوائية وهي تأكل…..
“مفرقتش كتير كلها قرص……بس مين اللي جيبها……. “
ردت كيان بالامبالاة…….
“واحد زميلي من أيام الجامعة قابلته في المحكمة… ولقيته اخر النهار جيبلي دول…….”
لكزتها داليدا بضحكة خبيثة وقد لطخت فمها بشوكلاته كالاطفال…… “شكله معجب…….”
ضحكت كيان على شكلها ومع ذلك اجابتها
بصلف….
“هو معجب من زمان وانا اللي عملا نفسي
مش واخده بالي…….”
سالتها بتعجب….. “ليه هو وحش…….”
ردت كيان بمصدقيه….
“بالعكس زي القمر والله وطيب جداً…. بس….. مش شددني كده…. مش عاجبني…….”
لوحت داليدا بيدها وهي تضحك
بسخط…..
“اتأمري اتأمري…. بكره تقعي مع واحد يصبحك
بعلقه ويمسيكي بعلقة……”
اتسعت عينا كيان بتساؤل….
” اي ده هو مد ايده عليكي تاني؟…….”
قالت الاخرى باستهانه وهي تأكل….
“لا…… بس عمال يسم بدني بالكلام…….”
ضربتها كيان على كتفها بعصبية….
“تستهلي ياحلوفه…..قولتلك بلاش تمشي ورا الزفت ده اهو غرقاك……….مفيش حد عاقل يعمل اللي انتي عملتيه…….تروحيله البيت برجلك……”
قالت داليدا بسذاجة….
“قال انه هيتجوزني رسمي ويحطهم كلهم قدام
الأمر الواقع……..”
صاحت الآخر ى بانفعال….
“دا مجنون وانتي اجن منه…….”
التمست داليدا له العذر قائلة…..
“عادل مغلطش يادليدا…….دا اتقدملي بدل المرة عشرة………”
زفرة كيان بنفاذ صبر قائلة……
“أيوا بس مش مناسب ليكي……..وانتي بنفسك قولتي انه بيشرب ومضيع فلوسه على كيفه…
ومبهدل امه واخواته وايده بتطول عليهم….
مخك فين وانتي راحه ترمي نفسك في
حضن واحد زيه…..”
عاندت داليدا مبرره الوضع…..
“قولتلك اننا كنا مستنين المأذون……”
تشنجت كيان وهي تقول بحرقة……
“والله ما كان هيحصل…..كويس ان سلطان
لحقك يومها وجابك من شعرك…تستاهلي العلقه
اللي خدتيها على إيده……..رغم ان دمي اتحرق
يومها لما شوفت وشك وجسمك….لكن والله تستاهلي الحمدلله
زفرة كيان بنفاذ صبر قائلة……
“أيوا بس مش مناسب ليكي……..وانتي بنفسك قولتي انه بيشرب ومضيع فلوسه على كيفه…
ومبهدل امه واخواته وايده بتطول عليهم….
مخك فين وانتي راحه ترمي نفسك في
حضن واحد زيه…..”
عاندت داليدا مبرره الوضع…..
“قولتلك اننا كنا مستنين المأذون……”
تشنجت كيان وهي تقول بحرقة……
“والله ما كان هيحصل…..كويس ان سلطان
لحقك يومها وجابك من شعرك…تستاهلي العلقه
اللي خدتيها على إيده……..رغم ان دمي اتحرق
يومها لما شوفت وشك وجسمك….لكن والله تستاهلي الحمدلله انه مموتكيش يومها…….”
لوت داليدا شفتيها وبتبرم قالت…..
“ياريته كان عمل كده وخلصني……لا عمل شهم اوي وبيلم عرضه…..وطلب ايدي من ابويا……وطبعاً ابويا وامي ما صدقوا يرموني ليه…..”
ارتفع حاجبي كيان بذهول….
“كنت عيزاهم يعملوا إيه……يعني….انتي بجد مش
معترفه انك غلطانه لحد دلوقتي……”
عقدت داليدا ساعديها امام صدرها متبرمه
بتعنت………
“الغلط اني عايزه اخد اللي بحبه واعيش معاه
ولو في عشه…….”
احتد صوت كيان قائلة بسخرية به لمحة من الواقع……
“دي اشعارات فارغه…..بيقولوها الناس الموهومين
اللي زي حالاتك كده……. الحب مش كل حاجة….
ولا هو اهم حاجة……. في حاجات كتير لازم تيجي قبل الحب……العقبة مش في الفقر….العقبة عنده كانت في أخلاقه……دا لا قادر يحترم اهله ولا نفسه ولا خايف على صحته……ولا عنده مستقبل يفكر فيه….إزاي هترمي حياتك وعمرك في حضن واحد صايع وضايع…….زيه…..”
ترقرقت الدموع في عينا داليدا وهي تخبرها
بحزن……..
“كان هيتغير ياكيان…هو وعدني بده….قالي ان
حبي ليه هيغيره……..”
قالت كيان بقسوة……
“كداب…….الحب مش بيغير حد…احنا اللي
بنتغير عشان الحب………وفي اختلاف كبير
بين الجملتين…….يادليدا…. “
مسحت داليدا دموعها قائلة……
“كلامك مكعبل…..مش فاهمه منه حاجة…..كل
اللي أعرفه اني لسه بحبه…….”
ارتفع حاجبي كيان بصدمة…..
“معقول……دا انتي تبقي كده بتخوني سلطان…..”
انفعلت داليدا بعناد……
“انا محبتش سلطان عشان اخونه……. وبعدين انا مش كده…… يمكن لسه بحب عادل بس…انا عارفه
ان اللي بينا انتهى…….”
وامات كيان براسها برضا عن قرار
صديقتها…….
“لازم ينتهي…. انتي في عصمت راجل…وبعدين حاولي تقربي من سلطان….مش يمكن تحبيه……”
سخرت داليدا من الفكرة….
“أحبه إزاي بس…..انا وهو مش متفاهمين….انا
وهو زي السما والأرض………”
ابتسمت كيان مؤكدة الأمر بدهشة…….
“تصدقي بالله انا لحد دلوقتي برضو مش مستوعبه جوازكم……دا انا يوم ما اتعرفت عليكي كانت في خطوبته….”
شاركتها الاخرى الضحكة الخافته وهي تقول
بذاكرة ناشِطه…….
“فاكره…….يومها كنت لبسه فستان حلو كده
وفرده شعري… وحطه مكياج… بس رسمة الأيلاينر يومها مكنتش مظبوطه فانتي قولتيلي انا ممكن ارسمهالك وتعرفنا ساعتها…….”
علت ضحكة كيان متذكرة طرائف وعجائب
هذا اليوم………
“رقصتي رقص في خطوبته……وزغرطي وكنتي فرحانه ليه اكتر من امه واخواته…….”
ضحكت داليدا قائلة…..
“اصل العروسة كانت صاحبتي وانا اللي مخترهاله…….”
صاحت كيان بدهشة….
“احيه…….. طب ومنفعتش معاه ليه…….”
حكت داليدا وهي تتحسر على حالها…..
“أبدا قالتلي ابن عمك ده بلدي اوي يادليدا بيشخط وينطر…ولبسي ده وبلاش ده…ولا مفيش خروج ورجعه امتى ونزلتي ليه….. لحد ما قرفاني….راحت
بقا فركشت معاه ودتني الدهب اوصله ليه………”
ربتت كيان على كتفها ساخره….
“وتلف الأيام وتبقي انتي المدام………”
قالت داليدا بوجوم…….
“حظي الأسود…..وقعني فيه…..مع اني كنت خطباهم لبعض عشان انتقام منهم هما الإتنين….أصلي عارفه
طبعها وعارفه طباعه المنيله…..فقولت يخبطوا شويه في بعض……….. هوباااا لبست انا في الباشا……”
قالت كيان بتعطف وهي تضحك أكثر……
“ياشيخه اتقي الله دا سلطان غلبان وطيب اوي…”
عقبت داليدا بسخرية…….
“اوي…….حوشي الطيبه اللي مغرقه الشقة…..اسكتي سبيني افصل شوية منه….. وقوليلي اي الاخبار….”
تلاشت الضحكة عند هذا السؤال فقالت بنبرة
مجرده من المشاعر…….
“زي الاهرام…….بصحى اروح الشغل ارجع للبيت وهكذا………معادا امبارح جه عثمان الدسوقي ونكد علينا كلنا وطرد حمزة…….وضرب شهد بالقلم……”
شهقت داليدا بدهشة وتأثر معقبة……
“ضرب شهد حرام عليه…..مش كفاية اللي عمله
فيها زمان……”
اندفع الغضب داخلها في لحظة فقالت
بتشنج….
“آآه انا كل مافتكر اللي حصلها بسببه….دمي
يفور وبيبقا هاين عليا ا…….”
اوقفتها داليدا عن المتابعة……..
“متكمليش دا مهما كان ابوكي………”
التوت شفتيها في بسمة ساخرة قاسية……
“أبويا……تعرفي انا عمري ما حسيت ان احنا لينا اب بجد………انا دوقت طعم اليتم من أول ما وعيت على الدنيا وشوفته…….”
قالت داليدا بتعاطف واضح……
“اكتر واحده بتوجع لما بسمع اللي حصلها هي شهد……..وحمزة كمان…..شاف كتير……الصغير دايما بيجي في الاخر……..وانتي اصغرهم….اكيد ما
عشتيش اللي عاشوا……. “
اومات براسها وارتجف جسدها آثار أحداث
كثيرة حدثت امام اعينها…لم تعرف ابعادها
وتاثيرها عليها إلا عندما كبرت وادراكت
كيف تكون معاملة الأب السوي مع
أولاده………
“صح الصغير دايما بيجي في الآخر بس بيبقا حاضر كل حاجة… مشكلته بس انه بيعرف معناها مع الوقت……. لانه صغير مش فاهم زي الكبير……”
حاولت داليدا بمرح تغير الموضوع….فأنا زاد الأمر
عن حده……..ستكون الجلسة بينهن عبارة عن جلد ذات…….. وهي لا تريد هذا………
“يالهووي دا احنا قلبناها نكد……فكي التكشيره دي ومدي ايدك كلي معايا من القرص دي…نائل ده
ذوقه حلو اوي في القرص………..”
“برضو قرص………طب دوقيني……..”
ابتسمت كيان واخذتها منها وبدات باكلها
على مهل…….محاولة التخفيف عن نفسها
بالطعام وتبادل الاحاديث النسائية المسلية
مع داليدا…..صاحبة الضحكة الرنانة بالانوثة
والروحه المرحة……والمواضيع الشيقة رغم
تفاهة اغلبها…..
…………………………………………………………….
عزلة مطلقة….وغربة رهيبة….. وحدة مقبولة…..
وحياة مهينة……العين مطعونة بالألم… والقلب
متهدل بالوجع…….والروح حبيسة في الجسد…
والجسد شاخ في الصبى…….
الى أين تاخذها الأيام…… تطمع في الاستقلال… بعيداً
عنه….. بعيداً عن أب متزمت شديد القسوة…… أب تسبب لها في الصبى بعاهةٍ مستديمة…. ظلت معها
حتى يومها هذآ………
المؤلم انهُ حتى الان لا يشعر بالذنب…. وكان ما حدث جزؤها على وقوفها أمامه في يوماً من
الأيام…….
اغمضت عينيها ليداعب رذاذ ماء البحر وجهها الحزين الشاحب …….وصوت الأمواج سمفونية ترخي اعصابها المشدودة…..
فتحت عينيها العسلية البراقة والتي رغم جمالها الجذاب لمعة الانكسار والحزن بهم مزيج من
جمالها……..
فتعلقت عينيها مع زُرقة البحر….وصوت الأمواج وتغريد العصافير في أعلى السماء الصافية…
والرمال تلمسها بقدميها ويداها……
حبيبها !!….
بينها وبين البحر قصصٍ سريه كثيرة لا يعرفها سواه…..هو ونيس الوحدة……..ورفيق الأحزان…….
حبيبها هذا الذي لا يتحدث بل بالصمت يهون
عليها…. بمجرد ان يلامسها الرذاذ والهواء معاً
تشعر انه يعانقها…. ويهون عليها…….
افضل مكان ترتاح فيه هنا……هنا الحديث يطول…
والراحة تدوم……… والعمر يهون امام محيطها
الهادئ………
“كنت عارف اني هلاقيكي هنا…….”
لم تدير رأسها إليه بل ارتجفت شفتيها قليلاً
في شبه إبتسامة……..مجيبة…..
“من زمان واحنا بنيجي هنا…….. ولا الساحة
نستك مكانا………”
“تقريباً حاجات كتير اتغيرت لما كبرنا…. بس إلا المكان ده هيفضل بتاعنا…….. مش كده…..” جلس
جوارها على الشاطئ……..ونظر للبحر بعيناه
العسلية الشبيهة باللون عيناها مع اختلاف…..بريق الاجرام القاتم بهم………..وهذا ما يجعل عيناه أكثر
ظلمه وأقل جاذبية………
اومات برأسها وهي تساله بعتاب…….
“رنيت عليك إمبارح مردتش……… قلقت عليك… لولا
كيان طمنتني الصبح…….. وقالت انك بايت في روشة سلطان…… انت كويس……”
نظر هو لوجهها الشاحب سائلاً…..
“انتي اللي كويسة…….بسببي رفع ايده عليكي… “
التوت شفتيها بمراره واضحه وهي
تخبره……
“انا كويسة ياحمزة….وبعدين انت ملكش ذنب في حاجة………انت عارف هو مش بيقبلني ليه…..”
رد الاخر واجماً….. “هو مش بيقبلنا كلنا……”
نظرت للبحر وقالت بسخط……
“بس انا زايده عنكم حبتين تلاته…. عشان كده أول
مابيلاقي فرصة يشفي غليله مني بيعمل كده…..”
رد حمزة بفتور…..
“متحمليش نفسك فوق طاقتك……هو طبعه كده
من الأول……..”
هزت شهد رأسها بعدم إهتمام قائلة…..
“سيبك من ده كله….. هترجع البيت إمتى……”
أجاب حمزة بصوتٍ مختنق…..
“إرجع فين ياشهد……انت عيزاه يفضحني زي إمبارح………انا كده تمام…. هبقا اعدي عليكم اخر النهار بعد الشغل… وبليل هروح أبات في ورشة سلطان….. لحد ما ربنا يحلها من عنده…… “
اومات برأسها بشجن…. “ان شاء الله هيحلها…….”
“صحيح نسيت اديكي فلوسك…..”أخرج حمزة
مبلغ مالي واعطاه في يداها……
نظرت شهد للأموال بتساؤل….
“اي دول……..”
اخبرها حمزة بهدوء…….
“الفلوس اللي اتسرقت منك….وكملين عديهم….”
بدأت شهد في عد الاموال وهي تساله
بدهشة…..
“معقول لقتهم كاملين……ولقتهم فين أصلا…..”
رد حمزة مبتسماً…….
“من اللي سرقهم منك…عيل من الصيع اللي
في الساحة………..وااه لقتهم كاملين ملحقش
يصرفهم…… وبعدين المال الحلال مايضعش…..”
قالت شهد بارتياح وهي تضع الاموال في
حقيبتهم….
“ربنا يخليك ليا ياحمزة….كويس انهم جم…….بيهم هدفع صيانة الاسانسير عشان نستعمله زي سكان العمارة….. “
“دفعتوا برضو متقلقيش…….”قالها حمزة ببساطه
فعقبت شهد بغرابة…..
“الله……”
نظر لها بعيون مشاكسة…… “اي يابنتي……”
وبخته شهد قائلة……
“انت هتبعزق فلوسك يمين وشمال….يابني انت داخل على جواز لم ايدك شويه…….”
التوى ثغر حمزة هازئاً…….
“المها !!…..شكلها كده لا باينلها جواز ولا غيره…..”
قالت شهد بحاجب مرفوع….
“ليه انت ونجلاء متعاركين …….”
زفر حمزة بيأس قائلاً بحنق……
“انا ونجلاء لو ضاربين بعض بنار…. مش هنبعد عن بعض برضو…..العيب في أمها….الوليه مجوزاني
بنتها طمع….طمعانه في العمارتين بتوع ابوكي
مفكره اني اقدر اتصرف فيهم…..”ضحك
ضحكة صغيرة خالية من المرح متابعاً
بجزع وهو يقلدها…….
“يعني مثلاً اخر مرة قالتلي مهر بنتي يبقا شقتين مفتوحين على بعض من عمارة من العمارتين بتوع ابوك اللي على البحر…..دا غير طلباتها عايزين القاعة مش أقل من قاعة بنت عمها اللي اتجوزت السنة اللي فاتت……استنا عايزين نشتري فستان فرح من الاتلية الفولاني زي بنت خالتها….الفرش ياحمزة لازم بنتي يتجبلها انضف واحسن فرش جه في عيلتنا ويفرشوا الشقتين اللي هنفتحهم على بعض وهكذا…..”
“وكان ردك إيه بقا……..” سألته شهد بضيق….
فاجاب الاخر واجماً……
“هقول إيه…..ربنا يسهل ياحماتي….عنيا لنجلاء…”
اخرجت شهد تنهيدة مثقلة بالهموم وهي
تخبره….
“بس انت مش في مقدرتك تجيب وتعمل كل
ده….مانت عارف ابوك عنده استعداد يحرق
فلوسه والعمارتين بتوعه ولا انه يدي لحد فينا فتفوته من ماله………”
اردف حمزة بصوتٍ حانق……
“طب قوليلي اعمل إيه…اعصلج مع امها وقولها لا….ساعتها هترميلي حتتين الدهب وتقولي مع السلامة….”
عقبت شهد مستنكرة….
“والحل انك تقعد تقول حاضر ونعم وانت مش هتعمل حاجة……..”
تشدق حمزة بـ……..
“لحد ما ربنا يفرجها يمكن ابوكي يحن قلبه عليا ويديني شقه واحده بس اتجوز فيها…لو حتى
يعملي عقد ايجار قديم انا راضي ياستي…….اي
حاجة تلمني انا والبت اللي خللت معايا دي……
وتريحني من زن أمها…….. “
“انت بتحلم……..بس حلوة خللت معايا دي……”
ضحكة شهد فجأة………وكانه أصيب
بالعدوى فضحك معها أيضاً معقباً……
“والله هم يبكي وهم يضحك…….”
ساد الصمت بينهما قليلاً وظلت اعينهما معلقة
على زُرقة المحيط حتى قطع لحظات التأمل
صوت حمزة…….
“صحيح عندي خبر حلو ليكي…….”
نظرة له شهد بظمأ للفرح…..
“بجد…. اي هو……..فرحني…….”
اخبرها حمزة بابتهاج……
“كلمت حكيم اللي فاتح بازار في شارع الصاوي…
هو صاحب عاصم الصاوي اوي…. وانا اعرفه
كويس وليا تعامل معاه…….”
برقة عينيها بالحماسية وسالته سريعاً….
“ها…. كمل……. قولتله اننا عايزين نأجر المطعم…..”
اخبرها حمزة بهدوء…….
“قولتله……. اني عايز أأجر المطعم واني هشغل
فيه كذا شيف وكده…. مجبتش سيرتك بقا عشان ميعملناش حوار……و زي ماتفقنا هكتب العقد
بإسمي وانتي اتعملي وكاننا شغلين سوا…….”
سالته بفضول……. “بس هو قالك إيه…….”
اجابها حمزة بهدوء…….
“قالي ان شاء الله هيكلم عاصم وهيحدد معاد معاه أروح امضي عقد الايجار اللي هو لمدة سنة…….”
“طب الحمدلله….. ان شاء الله يوافق…….الله واخيراً……..” عندما نهضت شهد تراجعت للخلف
قليلاً وهي تضحك وتصفق بيداها بسعادة
وحماس…..فقابلتها موجة عالية بللت نصف
فستانها بل واوقعتها أرضاً على الرمال……
وبدلاً من ان ينهض حمزة ويلحقها… ظل جالساً
مكانه يضحك عليها…….
صاحت شهد بغيظ وهي ترى ضحكته تتصاعد
بشكلاً مبالغ فيه…….
“بطل ضحك يارخم…. دا بدل ما تقومني……”
نهض حمزة واقفاً ومن بين ضحكاته عقب
بمزاح….
“كتكوت بيغرق على الشاطئ…….الحقونا……. اغيثونا…… “
احتدت عينا شهد واحمر وجهها بالغيظ اكثر….ثم
نهضت مقتربه منه وبين قبضتيها حنفة من الرمال المبللة عندما رأها حمزة …. ركض أمامها وهو
يصيح بتحذير……
“اياكي ياشهد…..لو رملة واحده جت على هدومي…
هدفنك على الشاطى ده وسيبك……”
قالت شهد بثبات وهي تركض
خلفه….
“أبقى اعملها وانا اشربك مية البحر…….”
ظلت تركض خلفه وهو امامها وصوت ضحكاتهما يعلو ببراءة وكانهما عادوا صغاراً……….
………………………………………………………………
استرخى على الاريكة جالساً يشاهد التلفاز وهو يمسك عنقود من العنب ويأكل منه بنهم واستمتاع شديد….
بينما يداين ناعمتان انثويتان تسير على كتفه برقة
تلامس العظام بنعومة فيلين معها خاضعاً….بينما
اساورها الذهبية تصدر لحن نشاز مع كل حركة
تقوم بها فمالت عليه و بجوار اذنه بخت سمها بلؤم……
“بس انا خايفه ياسي عثمان…. لحسان الشيطان
يلعب في دماغ إبنك ويفكر يأذيگ…. آآه مانت عارف الطمع يعمل اكتر من كده…. وبصراحة بقا عيالك التلاته…….. طماعنين في مالك…….”
مضغ عثمان حبات العنب بتلذذ وهو ينافسها
ماكراً……..
“مانتي كمان طمعانه فيه يامُهجه…. يعني هي
جت عليهم……..الكل عايز يورثني بالحيا… “
شهقت مُهجة المرأة صاحبة الاربعون
عاماً……مرأه يافعة الانوثة والجمال……جمالاً
استفادت من خلفه بزيجة مربحة كعثمان
الدسوقي والذي كان يسعى خلفه الكثيرات
من الساقطات وهي المحظوظه من بينهن……..
لفت من حوله وجلست أسفل ساقه تتحسس
ركبته كقطة وديعة وهي تقول بخداع…….
“اخص عليك… دا انت سيدي وتاج راسي…..دا انا خادمتك…. هو انا انسى وقفتك جمبي زمان… دا انا مكنتش لاقيه اللقمه والرصيف كان بيتي….جيت انت ياسيد الرجالة وفتحتلي بيتك ورعتني……معقول اطمع فيك وانا لحم كتافي من خيرك……”
التوت شفتي عثمان بابتسامة تحمل الغرور والمتعه في انٍ وآحد……..ثم مد يده ووربت على جنتيها
قائلاً……..
“عجبتيني يابت….وعشان كده لسه معمرة معايا انتي
عارفه انا اتجوزت كام واحده قبلك….وكلهم مفهموش دماغي غيرك………. “أشار على راسه…..فبدلال إشارة
هي على صدره قائلة……
“وكان نفسي افهم ده……وابقى فيه كمان…..”
شرد عثمان بعيناه قائلاً بخفوت…..
“لا دا مستحيل توصلي ليه……مفهوش غيرها….. “
هتفت مُهجة بدهاء…… “اكيد ام العيال…….”
“كريمة !!……”انفجر عثمان ضاحكاً بقوة…..
فعقدت مُهجة حاجبيها بأستغراب……فكانت الضحكة قوية لكن غريبة تحمل شيءٍ يثير الحيرة في النفس…..
هل يحب زوجته الأولى ، ام انهُ يكرهها لدرجة تجعلهُ يضحك بهذهِ الهستيريه المريبة عن كونها حبيبة قلبه……..
وان لم تكن هي……. من تكون تلك المنافسة القوية
بينهن ؟!………
“ضحكتيني…….ضحكتيني أوي يامهجة……”
حاول السيطرة على ضحكته…فسالته هي
بفضول….
“تدوم الضحكة ياسي عثمان…..بس مقولتليش
برضو مين هي……….”
نظر لها عثمات لبرهة وعندما وجدها مزالت تقف
مكانها تنتظر إجابة…….انزل عيناه على جسدها يتفحصها بشهوانية واضحة قبل ان يأمرها
بقوة………
“مش هنقضي الليله كلها رغي يامهجة…….. ادخلي جهزي نفسك……. واستنيني على السرير….”
“اومرك……ياسي ياعثمان…….”
ارتدت هذا القناع الوديع الخاضع الذي أعجبه لمدة ثلاثة أعوام ومزالت تجيد اقناعه به حتى صدق
هو الكذبة وأصبح يتلذذ بكونها عشيقه اكثر من زوجه امام الجميع……….
يعرف مرادها منه……..ولذلك مزال يلعب معها نفس اللعبة حتى تكتفي وتعرف ان عثمان الدسوقي لا يعطي أبداً بل يأخذ… وكلما أمر يجد ما يريد
مهما كان جحمه وصعوبة الوصول إليه
ياخذه…..
إلا شيءٍ وآحد……إلا شيءٍ واحد فقط…….
………………………………………………………………
نزل على سلالم البيت بطاقم رياضي انيق مصفف شعره الأسود الغزير للخلف…….أليوم سيقضي إياه
في الورشة بين الذهب والاحجار البراقة….ومكينتة
وادواتها التي تساعده على تشكيل قطع الذهب كما يريد……….
اثناء طريقة للخروج وجد الخادمة تقترب من الباب
وتفتح إياه……وتستقبل الضيفة بمنتهى الإحترام…
فتدخل الضيفة بكامل اناقتها بطاقم كلاسيكي ضيق
وتنورة قصيرة تكشف نصف ساقيها……تطلق شعرها
الكستاني للخلف بدلال…وتبرز جمال ملامحها الانثوية بمستحضرات التجميل الباهظة………
التقطت عينيها الزرقاء الجريئة و القوية كالسهام
عيناه السوداوية الباردة……..فقابلها بسلام بارد
كنظراته…….
“أهلا يارفيدة……نورتينا……..”
ثم نظر للخادمة والواقفة امامهما تحني راسها
بتردد في الرحيل……..
“نادي إلهام هانم……عشان تستقبل ضيوفها…..”
همست رفيدة بحزن…
“معقول ياعاصم……. خلاص بقيت ضيفة بنسبالك……..”
خرجت الجدة من غرفة الصالون بالكرسي
المتحرك الاكتروني……..وقالت بعتاب وهي تنظر
لحفيدها……
“عاصم ميقصدش يابنتي….جرالك اي ياعاصم
مش كده يابني…..”ثم نظرت لرفيدة وقالت
بترحيب…….”نورتيني يارفيدة يابنتي……..”
“بنورك ياتيته…….” اقتربت منها وقبلتها بمحبة….
عندما ابتعدت رفيدة نظرة الجدة لحفيدها بتساؤل….
“رايح فين كده……..”
رد عاصم بهدوء…. “عندي شغل في الورشة……..”
اومات الجدة براسها بتفهم…..
“تمام….. بس متنساش تيجي ساعة الغدى……”
أومأ براسه وهو يبتعد……خارجاً من باب البيت….
فشعرت رفيدة بالاحباط والضيق بهذا التجاهل
المستجد منه……فكان سابقاً اكثر حناناً وحباً
واهتمام……… معقول تغير في تلك الفترة
القصيرة ونسى كل ما بينهما…….
“ست رفيدة…..الست إلهام بتقولك اطلعالها…..”
فاقت من شرودها على صوت الخادمة فاومات
برأسها وهي تنظر للجدة باستئذان فقالت نصرة سريعاً بحنو وهي تربت على ذراعها…….
“اطلعي ياحبيبتي انتي مش غريبة يعني….دا لسه
بيتك…….ربنا يصلح لكم الحال…….”
ابتسمت لها رفيدة بامتنان… ثم اتجهت الى الاعلى
بخطوات انثوية ناعمة… فقابلت في طريقها ابن
اختها (يزن…) والذي خبط في كتفها اثناء تخطيه
درج السلم بسرعة…….
“حاسب يا يزن…….”
مسكها يزن قبل ان تقع ثم ابتسم وهو
يعانقها باشتياق قائلاً…..
“فوفو……… وحشاني…….”
ابتسمت رفيدة وهي تقرص وجنته قائلة…..
“وانت اكتر يازوز……. رايح فين كده…..”
تابع نزول الدرج قائلاً وهو يحمل حقيبة الظهر
على كتف واحد باهمال……
“النادي عندي تمارين…… ساعتين وراجع أوعي تمشي……..”
“لا هستناك…….”قالتها وهي تصعد بإبتسامة
حانية…… ثم بعد لحظات دخلت غرفة اختها…
التي قالت باستقبال
حافل……”رافي طمنيني…… قابلتي عاصم……”
القت رفيدة حقيبتها على الفراش وجلست
جوارها قائلة بحنق…..
“قابلته………”
سالتها الاخرى بفضول…… “وقالك إيه…….”
رفعت رُفيدة كفها تنظر الى اصابعها الطويلة
باهتمام……
“ولا حاجة كالعادة عاملني وكاني غريبة…..وكاني مكنتش في يوم من الأيام مراته……”
جزت إلهام على اسنانها وهي تقف في منتصف الغرفة ترتدي مئزر حرير طويل……تضرب كف
بكف وهي توبخ اختها الصغرى بحسرة…….
“انتي اللي ضيعتيه من إيدك…….قولتلك حافظي
على نفسك وعلى اللي في بطنك….قعدتي تستهبلي
فيها وتتنططي من هنا لهناك…..وهو قالك بلاش
شغل ولي انتي عيزاه هجبهولك ولي تطلبيه…… سوقتي فيها وطمعتي في فلوس الإعلان….
ورحتي عملتيه من وراه……..ومن حظك حصل الاجهاد…..وخسرتي اخر شعره ممكن توصلك
ليه…… “
تاففت رُفيدة بملل ودون شعوراً بشفقة
على خسارة طفلها والذي كان قد اتمم
الشهر الرابع داخل احشاؤها……..قالت…..
“آلله بقا وانا كنت اعرف منين ان كل ده هيحصل…وبعدين الإعلان كان لشركة كبيرة اوي يالهام……..دا غير المبلغ اللي جه من وراه……”
أحمر وجه الهام بالغيظ من ردها…. فعقبت
بغضب مكبوت…….
“المبلغ عوض حملك………بلاش دي….عشان انا
عارفه انه مش فارق معاكي أصلا……المبلغ اللي خدتيه عوض الهلومه دي كلها….. تخسري حفيد الصاوي…. ياخبتك…. انتي عايزه كل ده يروح
لوحده غريبة عننا….المفروض ان كل ده يبقا
ليا انا وانتي وولادنا…… مش لحد غيرنا…. “
ضربت إلهام على فخذيها وهي تسير بخطوات
غاضبه امام اختها الجالسة على حافة الفراش
تتابع فقرة التوبيخ التي لا تنتهتي من يوم ان
طلقها عاصم…….
“انا وانتي قعدنا نخطط سنين عشان نوقعه فيكي….. ويوم ما اتجوزك مكملتيش معاه السنة وطلقك وكله بسبب غباءك وطمعك في كام مليم بيجولك من شغلة موديل الاعلانات دي…….آآه منك يارفيدة
رجعتينا تاني لنقطة الصفر……”
اتسعت عينا رفيدة وتشدقت بصدمة…..
“معناه إيه كلامك ده….عاصم كده ضاع مني…..مش هعرف ارجعله تاني……اتصرفي يالهام…. انتي مش اختي الكبيرة…. مش انتي اللي خططي لكل حاجة من الأول اعملي حاجة…….بليز يالهام… “
“الحل في ايدك انتي يارفيدة…..”نظرة لها الهام
بلؤم….. فسالتها الاخرى بغباء……
“إزاي في ايدي….. يعني اعمل إيه…….”
اقتربت منها إلهام ومالت عليها تهمس بنبرة
كفحيح الأفاعي….
“رجعيه بالحيلة…..بشوية دلع…..على كلمتين حلوين…
على دمعتين ندم……..وبعدها هو اللي هيطبطب ويداداي…”
“تفتكري……..”نظرة لها رفيدة بعدم اقتناع…..
فقالت إلهام بتشجيع يفوح منه المكر…..
“افتكر أوي……ولو تستغلي الزيارة دي لصالحك.. يبقا خدتي خطوة لقدام معاه……و واحده واحده هيلين معاكي……. “
استقامت إلهام واقفه بشكلاً صحيح ثم غمزت
لاختها بنظرة تعرفها جيداً…..فهزت رُفيدة رأسها كعلامة على التفكير العميق…….
……………………………………………………………..
مرت ساعتين وهو يعمل في الورشة بمنتهى الهدوء
والتركيز الشديد…..يُقارن برسام يتفنن في رسم لوحة مبهرة ، او كاتب يسعى بالكتابة للوصول لعصراً أفضل……
كم يشعر براحة بهذا المكان…..كل طاقة سلبية داخله يفرغها في العمل سواء في الورشة…او محل الصاغة
في شارع الصاوي…….شارع الصاوي بذاته كفيل بصفاء ذهنه ، وايضاً ملئ فراغ قلبه بعد ان مر
بتجربة زواج فاشلة…..
والذي لأول مرة بها يُسيء الاختيار……وتكن النتيجة خسارة طفله……والذي من يوم ان سمع خبر حملها
وهو يعد الأيام والاشهر حتى ياتي للحياة ويحملهُ
بين يداه يضمه لصدره ويستنشق رائحته ويسر
عيناه برؤيته……..ولكن الفرحة ماتت داخله بعد
ان علم بحادثة الاجهاد……
ورغم حزنه على فقدان ابنه إلا انه وقتها كان لا يخشى إلا عليها….ومع الأسف كانت لا تستحق شيءٍ
من هذه المشاعر……. فهي من قتلته بإستهتارها واهمالها…….ومن لأجل عمل تعرض فيه جسدها….بمقابل الترويج لإعلان عن منتج اغلبية المشاهدون أعينهم تحلق مع اجساد النساء المتمايله لا للمنتج المقصود اطلاقاً !….
ومن يوم ان علم بطبيعة عملها رفضه….وشرط عليها ان تنسى انها كانت سابقاً موديل إعلانات…وتهتم بكونها زوجة عاصم الصاوي وتحافظ على هذه المكانة……
ولكنها تجاهلت تحذيراته وخرجت من خلفه وصورة الإعلان….. ويشاء القدر ان تفقد الجنين بهذا اليوم ويعلم بخداعها….وسبب الاجهاد الحقيقي….غير
الكذبة التي ألفتها هي واختها في البداية…..
زوجة عمه…….. إلهام ؟!…..
الحية التي لا تتوقف عن بخ سمها هنا وهناك….لا
يقبلها قط…….من يوم ان رآها وهو لا يرتاح لها
وللعجب فقد صوابه في لحظة جنونية وتزوج
أختها الصغرى…والتي لا تفرق شيءٍ عنها وهذا اكتشفه مؤخراً بعد حادثة الاجهاد……..
الفرق بين إلهام ورفيدة….ان إلهام العقل المدبر ورفيدة اليد المنفذة….وهكذا تكتمل خطط
الشقيقتين ؟!……
أصبح كل شيء مكشوف أمامه…..حتى اهدافهن معروفة….ومع ذلك يحب ان يرى محاولاتهن
الفاشلة في السيطرة على ثروة آل الصاوي
ورجالها………
ابتسم عاصم بسخرية فبالصبر ترى الأمور على حقيقتها…….ومعها تكتشف كونك اغبى إنسان
على وجه الأرض…..
طرق على باب الورشة جعله يجفل للحظات قبل
ان يسمح للطارق بدخول……
“ادخل…….”
فتحت الباب ودخلت إليه وهي ترجع خصلة من شعرها للخلف قائلة بنعومة……
“ممكن اتكلم معاك شوية……”
نهض عاصم عن مقعده….. وبين يده قطعة من الحلى بدأ يمسحها بقطعة قماش وينظر اليها بتأني وتركيز
مجيباً عليها بصوتٍ جليدي مسنن……
“مفيش كلام بينا يارفيدة…….”
ادعت الحزن وبدات تبكي وهي تقترب منه بانكسار……..
“عاصم أرجوك…. اديني فرصة أخيرة…. صدقني اللي
حصل ده وجعني اكتر ما وجعك…. انا كمان كان نفسي ابننا يعيش ويتربى بينا…. كان نفسي في
طفل منك ومني…..”مدت يدها وتحسست صدره
من أعلى السترة وهي تذرف الدمع قائلة
بمسكنة…..
” انا لسه بحبك ياعاصم… ومش قادره اتخيل
حياتي من غيرك…….عاصم أرجوك ارحمني من العذاب ده………. صدقني انا موجوعه اكتر
منك…. وكل اللي حصل ده كان غصب عني…..”
ابعد يدها وهو يواجهها بنظرات جافة ظالمة
قبل ان يعقب ساخراً…….
“غصب عنك إزاي ؟!…اتحرجتي تقوللهم إنك
اعتزلتي مجال الاعلانات ده وبقيتي ست متجوزه…….وانك حامل………”
“عاصم…….”نادت برجاء حزين وعيناها تتوسل
إليه بان يتوقف……….
فصاح عاصم وهو يمسك ذراعها ويقربها منه
بقسوة……..
“اخر مرة روحنا عند الدكتورة…….قالتلك بلاش تتحركي كتير اخرك خطوتين للحمام…..وتفضلي نايمه على ضهرك لحد فترة الحمل ما تعدي على خير………”
“عاصم…….”
حاولت سحب ذراعها الذي يتكأ عليه بقوة ولكن لم يكتفي بذلك بل تابع باعين متسعة بالغضب والنيران تتوهج بهما بقوة تكاد تبتلعها……
“عملتي إيه يارفيدة هانم…….أول ما جلك عرض كويس فلوسه كويسة…..جريتي تصوري إعلان
وتتميعي قدام الكامرات زي اي واحده رخيصة
مهما عملت معاها الوساخة بتجري في دمها
بتحب الرخص…..والرخاص………”
اغمضت عينيها بزعر عندما اقترب منها يلفح
صفحة وجهها بانفاسه الساخنة بالغضب………
“لا وإيه…….يجيلي الخبر وانتي في المستشفى…
ولم اسأل اختك تقولي دي وقعت من على
السلم وجبناها على هنا علطول……..وتحفظك
نفس الكلام عشان تقولهولي…..”اتكا اكثر على
ذراعها بمنتهى القسوة……فصرخت متأوها
بقوة……لتجده يكشف الأوراق امامها بمنتهى
السخرية………..
” أختك اللي بعتاكي عندي دلوقتي عشان تحنني
قلبي عليكي ورجعك لعصمتي تاني….بس لا…
روحي قوللها ان عاصم بيتعلم من غلطه…ومش معقول هيقع معاكي مرتين………”
ترك عاصم ذراعها بنفور….فشهقت رفيدة بصدمة وهي تنظر لعاصم…..وعندما رأت إبتسامة متشفية على محياه….انكرت بارتباك…….
“انت بتقول إيه….إلهام مالها ومال اللي بينا……”
اولاها عاصم ظهره هازئاً……
“إلهام هي اصل اللي بينا….مش هي اللي خطط
لكل حاجه بينا……….”
انكرت سريعاً وهي تقول بتملق……
“لا لا طبعاً…..انا لما قربت منك….قربت منك
عشان بحبك………”
استدار عاصم قائلاً ببسمة تعجب…..
“معقول الحب ظهر بينا فجأه كده…غريبة…ماحنا
كنا قدام بعض من زمان…….”
قالت بارتباك واضح….. “الحب ملوش معاد……..”
“بلاش انتي اللي تتكلمي عن الحب يارفيدة…..”
أشاح بعيناه بعيداً عنها…فاقتربت منه تلامس
ذراعه قائلة بنعومة…..
“ليه بقا….معقول مش فاكر ليا اي حاجة حلوة….”
لم يرد عليها فرأت انها فرصة للتأثير عليه أكثر
فاقتربت اكثر منه وهي تقول برجاء……
“عاصم انا بحبك….بحبك والله وعيزاك…قولي اعمل إيه عشان اكفر عن غلطتي….قولي وانا مستعده
أنفذ اي حاجة تأمرني بيها و دلوقتي………”
رفع حاجبه بعدم تصديق…..
“هتنفذي اي حاجة اطلبها…….”
اومات بابتسامة منتصرة….. “أيوه…هنفذ……هنفذ….أأمر انت بس……”
أومأ برأسه امراً….. “تمام……..اطلعي برا بقا……..”
“إيه…….”اتسعت عينا رُفيدة بصدمة….فمسح
عاصم على وجهه بكف يده كعلامة على نفاذ
صبره معها…وعندما وجدها مزالت متسمرة مكانها….صرخ في وجهها بقوة ارعبتها……….
“إيه وقعه على ودانك….اطلعي برا….هو ده اللي
انا عايزه دلوقتي……براااااااااا………”
ركضت سريعاً من أمامه خوفاً من ان يبطشها باي شيءٍ……فهو عندما يغضب يتحول للنقيض….
………………………………………………………………
في صباح اليوم الثاني وفي شارع الصاوي تحديداً……
دخل حمزة برفقة حكيم صاحب البازار والصديق المقرب لعاصم وعلى علاقة ودودة مع حمزة الدسوقي ويعرفه جيداً……..
عندما ابصارهم عاصم نهض من مكانه مشير لأحد
العمال في محل الصاغة باحضار مقعدين لهم… وان
يذهب لمقهى مينا النصراني ويحضر ثلاث فناجين
من القهوة…….
وبالفعل ذهب الشاب ملبي طلب رب عمله….
وقد سلم عاصم على حمزة بترحيب……
“اهلاً وسهلاً…… نورت المحل…….”
رد حمزة بود…… “منور بصحابه……….”
عرفهم حكيم على بعض مشيراً…
“دا حمزة ياعاصم اللي كلمتك عنه….. ودا عاصم الصاوي ياحمزة…….”
ابتسم حمزة بترحيب……
“غني عن التعريف طبعاً…… دا إحنا في مكانه…..”
اشار لهم عاصم ان يجلسا على المقاعد……وبدأ
في التحدث في صلب الموضوع……
“قعد ياحمزة…… حكيم قالي انك عايز تأجر
المطعم اللي جنبي ده……… وقاعد يشكر فيك يامه قدامي…..وبصراحة لولا انه عرفك انا مكنتش
أجرت المطعم ده تاني…….”
انعقد حاجبي حمزة بتساؤل…..
“ليه عمنا بس كفى الله الشر……….”
أخبره عاصم بهدوء……
“هو انت متعرفش ان الجمال فتحه مشاوي
قابلك…… وخسر كل فلوسه فيه…. وطلع
مديون كمان……..”
ادعى حمزة الدهشة قائلاً بلؤم……
“ياساااتر………لدرجادي…. مع اني يعني شايف ان ماشاء الله شارع الصاوي الرجل فيه حلوة….
معقول مشروع زي ده يفشل……”
أردف عاصم بحيرة…….
“متعرفش العيب منين……. بس في مطاعم كتير
برا شارع الصاوي ليها إسمها… وصيتها عالي… عشان كده رجالة الجمال معرفوش يعملوا زبون……”
هتف حمزة سريعاً…..
“يبقا العيب فيهم ياعمنا…. لا في المطعم ولا
في الشارع……..”
نظر له عاصم بجدية متحدثاً دون
مواربة……..
“انا معرفش العيب في مين… بس انا حبيت
أعرفك…. بس عشان متقولش ضحكتوا عليا
وخسرت فلوسي…….”
كان سيتراجع بعد تلك الجملة ولكنه لم يملك
حق الرفض او القبول……ببساطه لانه ليس هو
صاحب المشروع……هو فقط يضع نفسه في الصورة
حتى يسهل الأمر على شقيقته في أخذ خطوة للأمام في تحقيق حلمها……..فرد على عاصم بحسم…….
“بآذن الله الجاي كله خير……”
ردد عاصم بفتور…….. “ربنا يرزق الجميع……..”
ساله حمزة….
“طب هنمضي العقود إمتى……..”
هتف حكيم بتعجل……
“لو انت جاهز ياحمزة نمضي العقود دلوقتي ونسجلها قانوني بكرة عشان كل واحد يضمن
حقه… ولا اي ياعاصم……..”نظر عاصم له
متفاجئاً…. فغمز له حكيم كعلامة بإن يعجل
في الأمر فهذا المؤجر من طرفه ولا يصح ان
يماطل معه……
لذا تنحنح عاصم بخشونة وهو يعود بعيناه
لحمزة بالموافقة سائلاً……
“تمام لو مجهز العقد نكتبه….. بس الأول عايز
أعرف انت هتشتغل لوحدك ولا معاك شُركا……”
تردد حمزة داخله للحظة ثم أجاب بهدوء…..
“لا اطمن لوحدي………وكام عامل وشيف
هيشتغلوا معايا…… “
هز عاصم راسه بتفهم وهو يوضح وجهة نظره
والمسئولية الموجودة على عاتقه…….
“شَغل اللي تشغله انا مش هشركك…. انا بسالك بس عشان لو حصل اي عواء من عندك……. تكون انت المسئول قدامي……اي حد بيأجر مني الغلطه بتبقا في وشي انا قدام كبار عيلة الصاوي…….او بلدية الحي…… مانت عارف….. هو حكيم مش مفهمك
ولا إيه… “
تدخل حكيم وهو يهز راسه بالايجاب…وهو يشكر
“قايله كل حاجة ياعاصم…. حمزة جدع وبتاع شغل
وبكره تعرفه اكتر من كده……… وزي ما قولتلك انا اضمنه برقبتي…….”
تقدم الصبي بصنية القهوة وبدا يوزعها عليهم…….فأخذ كلا منهم فنجاناً…….وحينها
اخبرهم عاصم بهدوء…….
“على بركة الله…… يبقا نشرب القهوة ونكتب
العقود………”..

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

وضعت نجلاء الاطباق على السفرة ونادت على أمها
وهي تتخذ مقعداً امام الطعام……
“يلا ياما الفلافل هتبرد………”
خرجت والدتها وهي تضع الهاتف على اذنها…. وتتبسم باتساعٍ للمتصل قائلة وهي تقترب من
ابنتها متخذه مقعد جوارها……
“طبعاً ياسامح…. تنور ياحبيبي…..هستناك… دا نجلاء حتى هتموت وتشوفك…..”برمت نجلاء شفتيها وهي
تغمس اللقمة في طبق الفول……….
ضحكت والدتها بانتشاء متابعة…
” امال مش ابن خالتها……. يوصل ياحبيبي…… طريق السلامة…….” اغلقت والدتها الهاتف
ونظرة اليها قائلة بجذل……
“سامح ابن خالتك جاي يتغدى عندنا النهاردة… اعملي بزيادة……..”
سحبت نجلاء نفساً عميقاً واخرجته بمنتهى
الحنق معقبة بازدراء………
“ابن خالتي !!… على فكرة ياما هو ابن خالتك انتي
مش انا………. وبعدين هو كل شوية ينطلنا ماهو كان هنا من يومين……..”
وضعت والدتها اللقمة بفمها ومضغتها على مهل
وهي تجيب بلؤم النسوة……..
“ومالوا يجي تاني وتالت مش قربينا وبيطمن علينا…مانتي عارفه اننا مقطوعين من شجرة من
بعد موت ابوكي الله يرحمه……. “
نظرت لها نجلاء بطرف عينيها وهي تسابقها
دهاءاً…..
“امه….. انا فهمه دماغك كويس أوي…..بس اللي
في دماغك ده مش هيحصل…… انا مخطوبة
وبحب خطيبي ومستحيل اسيبه لو انطبقت
السما على الأرض……..”
لوحت والدتها بيدها مستهينة بالأمر……
“ياشيخه اتنيلي هي دي خطوبة…. دا مش عارف يجبلك شقة لحد دلوقتي…. يابت دا بقالوا سنتين خطبك ومشفناش منه لابيض ولا أسود…. دا حتى المواسم مبيجبهاش……. بلا نيله…….”
انعقد حاجبي نجلاء بغضب……
“مواسم !!…. مواسم إيه ياما…. دا بدل ما تقوليلنا
تعالوا عيشوا معايا في الشقة لحد ماربنا يفرجها…”
شهقة أمها بصدمة وجحظت عينيها بشكلاً
مرعب………
“إاااااايه ياختي……تعيشوا معايا…….. طمعانه فيا يانجلاء طمعانه في شقه اللي سبهلنا ابوكي… بصه لحتة الشقة دي وسيبه عماير ابوه اللي عالبحر
بطلوا دا وسمعوا ده… “
دافعت عنه نجلاء بحمائية…….
“مش هنخلص بقا من ام العمارتين اللي ملكيش سيره غيرهم…….. ارحميني ياما… حمزة هيعمل ايه يعني ما ابوه اللي مش موافق……..”
لوت امها شفتيها مرددة……
“ان شآء الله ما عنوا ما وافق… مش مشكلتي ولا مشكلتك……..”
جفلت نجلاء سائلة…. “يعني إيه ؟!……”
ردت امها بمكر…….
“يعني تفركشي ياختي وتشوفي نصيبك في حته تانيه….”
هزت نجلاء رأسها سريعاً…..
“مقدرش ياما دا انا روحي فيه……بحبه ياما…. “
هزت امها راسها ساخرة…….
“ها شوف البت…….. الحب ياختي لا بياكل ولا بيشرب……. ولا هو أهم حاجة………
أهم حاجة راجل …. راجل شريكي وعايزك يحترمك
ويلبي طلباتك….. وواحده واحده هتحبيه…..”
تذبذبت كالعادة امام حديث أمها فقالت
بتردد…… “وافرضي مشيت وراكي ومحبتوش……”
إبتسمت امها بانتصار……فمن كثرة التقريع عن أمر
الخطبة والمدة الطويلة التي قضت منها ولم يحدث
فيها شيءٍ إلا الأعذار من خطيبها……بدأت ابنتها تلين لهذا الحديث…… وقريباً ستكتشف ان هذا الارتباط
لن يجلب لها إلا الخسائر…….ويبدو انها ستقتنع بهذا في أقرب وقت….. هناك مثل يقال
(الزن على الأذان آمر من السحر…)
وهي تمشي على الوصفه بحذافيرها ولن تغلب مع ابنتها فهي تحفظها اكثر من نفسها……..
“مش هتخسري حاجة……. بالعكس هتكسبي أولها شقه بأسمك… فلوس في حسابك في البنك… وحتتين صيغه تحطيهم في دراعتك وتتعيئي
بيهم كده قدام الناس…..”
حركت أمها أساورها الذهب المعلقة في ذراعيها مضيفه وهي تلكز ابنتها في كتفها….
” يابت فكري في مصلحتك دا انا أمك وادرى بكل ده…..دا اتمنالك الخير ياهبلة…… وصدقيني سامح موافق على كل شروطك بس انتي قولي آآه……..”
كانت شاردة اثناء حديث أمها……الشبية بفحيح افعى تبخ سمها……….لكن عند نطق اسم هذا الازج….
انتفضت واقفة وقد دوى جرس الانذار
داخلها فجأه………..
“سامح مين…. وااه إيه….. لا طبعاً انا بقولك افرضي
لكن انا عمري ما سيب حمزة لو اي بالذي مقدرش بقولك بحبه……..”
نهضت أمها بحنق….ثم تقدمت منها تربت على كتفها بغضب واستهزاء……..
“بتحبيه طيب ياختي خليكي غرقانه في حبه لحد
ما نفسك يروح وتفطسي معاه……. وساعتها هتقولي ياريتني……..”
رمشت نجلاء بعينيها بتردد وهي تبتلع ريقها
قائلة…..
“متلعبيش في دماغي ياما….. كلامك ده ولا هز
شعره مني انا لسه بحب حمزة وعيزاه……..”
ابتسمت امها بغل وهي تقول بحنق شديد…..
“طيب ياختي ربنا يهني سعيد بسعيدة….”ثم
ابتعدت عنها خطوتين قائلة بقوة……..
“بس انا برضو لسه عند كلامي….ياخد شقتين من عمارة ابوه ويفتحهم على بعض…ويكتبهم بأسمك
ياما كده يانفضها سيره…….”
صاحت نجلاء من خلفها بتشنج….
“انتي كده بتعجزيه ياما……. حرام عليكي……”
توقفت والدتها واستدارت لها قائلة بصوتٍ
جهوري……يفوح منه التسلط والقوة…..
“حرام عليا لو مش في مقدرته ينفذ شروطنا….لكن
دا يقدر ينفذ وأكتر من كده كمان…..لكن انا اللي مبحبش الطمع وطلبت حقك….مهرك ياموكوسة….اللي عايزه تتنزلي عنه لجل
(بحبه ياما)…..”
ثم تابعت سيرها لغرفتها متمتمه بسخرية…….
” قال حب قال بلا قلة ادب وقيمة…..اربي انا وكبر عشان في الآخر تيجي تقعد معايا هي وجوزها…. ناقص أصرف عليكم بالمرة…….ماهي تكيه بقا….”
عضت نجلاء على اظافرها بغيظاً وهي تشعر بنفسها على حافة الضياع….فحديث امها كالسياط على قلبها….. يجلدها بلا رحمة…..أمها محقة……يجب ان تتزوج زيجة مرتاحة مادياً…….لماذا لا يوجد توافق
بين الحب والمال………من معه الحب يصعب عليه الوصول للمال….ومن معه المال…….ربما يصل للحب
كما قالت امها ؟!……
هزت رأسها وهي تتنهد بعذاب…بماذا تفكر….هل عزمت النيه حقاً على ترك حمزة……لأجل سامح ؟!…….
اتجهت نجلاء الى غرفتها تجري اتصال به….لعل سماع صوته يريح هواجس عقلها قليلاً…..ويخفف
نبضات قلبها المرتعبه…..
…………………………………………………………….
“منشية…….. منشيه…….منشية…..” صاح بصوتٍ جهوري امام المكروباص الذي يعمل عليه……
وبداخل أحد المواقف المخصصه لسيارات الاجرة
الكبيرة….. يقف بين السيارات…….ياخذ دوره بعد
مدة من إنتظار زملاؤه ……..
رفع حمزة عيناه للسماء الشمس حارقة أليوم.. يتصبب وجهه عرقاً…… اتجه الى مقعد القيادة وسحب منديلاً ومسح وجهه به وهو يصيح
بصوتٍ عالٍ……..
“منشيه…….سموحة……….منشية… “
اتجه اليه أحد السائقين الذي سيحمل
الركاب بعدهُ وسأله……
“فضلك يامه ياحمزة…….”
رد حمزة بفتور……. “نافرين……..ونبي يا ذكي..
هاتلي كوباية شاي من جلجل لحد ما ربك
يرزق…… “
اوما له الآخر بود….. “عنيا ياصاحبي……..”
اتت سيدة ومعها ابنتها تساله بفتور…..
“منشية ياسطا……..”
“منشية يامي…….. توكلنا على الله……..” أومأ لها حمزة وهو يفتح باب سيارته محتل المقعد قائلاً لزميله من عبر نافذة السيارة….”
“كنسل على الشاي دلوقتي يازيكو…. لم ارجع بقا……….”
“حبيبي ياعمنا……….” اعطى للرجل ورقة من المال قبل ان يتحرك بسيارته……. فأيضاً لموقف السيارات نسبة مع كل حمولة يقوم بها السائق….تمتم
حمزة بقرف….
“حار ونار في جتتكم……… هون يارب…….”
صدح هاتفه في تلك الاوقات ففتح الخط ووضع السماعه في اذانه قائلا…….
“اي يانوجه……..عامله إيه “
(الحمدلله انت فين ياحمزة…….)
رد وهو يحرك عجلات القيادة……
“هكون فين في الشغل من صباحية ربنا…..اي دنيا عندك…….”
(زي ماهي……..حمزة…….انا بحبك أوي….)
مط شفتيه وانعقد حاجبيه معقباً…..
“متحلاش الحوارات دي غير وانا في الشغل…..”
ضحكت نجلاء قائلة…..
(انت مكسوف ترد عليا ياميزو…….)
“هكسف من إيه…….بس مش وقته….لما أروح هكلمك……….يابن ال***”صاح حمزة وهو يتفادى الاصطدام في سيارة ملاكي……..سائقها يلعب على الطريق غير مبالي بارواح الناس من خلفه……..
(مين دا اللي بتشتمه ياحمزة…….)
“اقفلي دلوقتي…….”اغلق الهاتف معها وخرج من السيارة بعدما توقف سائق السيارة الفارهة
أمامه……
صاحت أحد السيدات من السيارة……
“خلاص يابني حصل خير….متعملش عقلك بعقلة….”
ثم قال أحد الرجال أيضاً….
“ايوا يابني بلاش مشاكل…..انت معاك ناس……”
لم يستمع لأحد خصوصاً عندما خرج السائق من السيارة وكان شاب في منتصف العشرون…يرتدي ملابس عصريه وسلاسل طويلة حول عنقه….وحتى قصة شعره تنفر منها النفس كملامحه تماماً…….
“هو انت مش شايف اعمى ولا إيه……”
قالها حمزة بغضب….فرد عليه الشاب
باستفزاز……..
“لا مش شايف اللي ورايا…..بشوف اللي
قدامي بس……..”
ارتفع حاجب حمزة وهو يشير على مرايات
السيارة الجانبيتين…….
“امال دول اي لزمتهم ياحبيبي….هي ماما لما اشترتهالك مقلتلكش ان دول بيخلوك تبص على العربيات اللي جايه من وراك…….”
تحدث الشاب بمزاح ثقيل….
“لا مقالتش………..أصلا دي هدية من دادي…….”
ابتسم حمزة قائلاً ببرود…….
“ياحبيب دادي….. وطالما انت ميح اوي كده…
مجبتش سواق ليه يسوقهالك……..”
“وانت مال اهلك………”قالها الشاب بملل…….
فاقترب منه حمزة…..وقد لمع بريق الاجرام في
عيناه العسلية……..فقال بصوتٍ هادئ….هدوء
ما قبل العاصفة………..
“طب ولي ياحبيب دادي الغلط ده… هما مقلولكش
ان كده كخه……..كخه ياااااالا…….”دفعه حمزة بيده ثم بركلة قوية من قدمه كسر المرآة الجانبية…..
ثم استدار متجه لسيارته……
فصاح الشاب قائلاً بعصبية كالمرأه المغلوب
على أمرها……..
“انت اتجننت انت مش عارف انا ابن مين……..”
لم يلتفت له حمزة بل هز رأسه هازئاً…….
“ابن دادي ومامي…..عرفنا……..سلملي عليهم…
وقولهم المرة الجايه نجيب هدايا عدله شويه…..”
ثم استقلّ حمزة السيارة وإدار محركها…. ثم
انطلق بها وعندما مر عليه أخبره بتوعد…….
“أمشي عدل……… لحسان المرة الجايه مش
هتلاقي حته فيها سليمه……….”
عندما سارت السيارة مبتعده عنه…..تدخلت أحد
السيدات معقبة على حمزة بلوم……..
“مكنش ليه داعيه يابني اللي انت عملته لحسان يأذيك……..”
رد عليها حمزة وهو يركز في الطريق
أمامه……
“احنا ما بنجيش على حد ياحاجة…….كل حوادث الطرق بتحصل بسبب عيال فاقده زي دي……..لسه
من قريب واحد زيه دايس على واحده معديه الطريق هي وبنتها الصغيرة…….قوليلي اللي زي
ده فين دلوقتي…هقولك في بيته……..مبتش ليله
واحد في الحجز…..هما ادفنوا تحت التراب
وحقهم راح…….. وهو عايش ولا على باله……… “
تمتم جميع الركاب بحسرة……
“حسبي الله ونعم الوكيل….. ربنا ينتقم منهم…….”
قال حمزة في سره وهو ينظر للطريق
أمامه………. “وعند الله تجتمع الخصوم………”
………………………………………………………………
في المساء استقل الاسانسير وصولاً للدور السادس
ثم أخرج هاتفه من جيبه مجري أتصل بها وهو
يستند بظهره على سور السلم…….
عندما فتحت الخط سريعاً قال حمزة بصوتٍ
عابساً…….
“معقول تنسي معاد استرحتي….انتي مش في
البيت ولا إيه…….”
اتى صوتها متردد وهي تسأله……
(لا إزاي في البيت….مخدتش بالي ان الساعة جت أربعة…….)
قال حمزة بملل وهو ينظر لسلم الممتد
بالاسفل……
“طب أفتحي انا واقف على الباب……خليني اسلم عليكي……وأشوفك قبل ماطلع اريح شوية ونزل
وردية بليل…. “
(آآه هفتح…..هفتح ثواني……..)مجدداً كان صوتها يثير الريبة قبل اغلاق المكالمة……
ولم تمر الثواني إلا وفتحت باب الشقة وكالعادة طلتها خطفت قلبه لكن ملامحها وعيناها الزائغة
جعلته يهز راسه متسائلاً بقلق……..
“مالك يانجلاء……. وشك مخطوف كده ليه……”
“ولا حاجة……” هزت راسها وهي تنظر في صالة البيت خلفها مما جعله يسألها بشك
“هو في حد جوا ولا إيه……”
وقبل ان تتفوه بحرف اتى صوت امها من غرفة الصالون متهللاً بحفاوة………
“قهوة سامح يانوجة………”
ارتفع جاجبي حمزة وتبسم بشر وتلك الامعة الاجرامية ومضها أربك نجلاء عندما ابعدها
هو عن الباب مدعي المزاح……….
“قهوة سامح يانوجة ؟!…. حبيبي…….وسعي
كده يانوجتي…. “
عندما تخطاها داخلاً الشقة دخلت خلفه قائلة
بقلب ينتفض خوفاً……..
“حمزة…….استنى بس هفهمك…….”
لم يعطي لحديثها اعتبار…..بل اقتحم الصالون بملامح هادئة…. بعينان عسليتان مشتعلتان……..
“سلام عليكم……..”
قالها وهو يوزع انظاره على الجالسين دون
تبسم…
فقلبت والدتها شفتيها وهي ترد السلام بصعوبة…
“عليكم السلام……أهلا ياحمزة……..”
جلس حمزة على الاريكة وكانه يمتلك البيت ومافيه…….. “أهلا بحماتي…….وحشاني………”
ردت والدتها باقتضاب…… “متشفش وحش………”
“اكتر من كده…….”أشار بعيناه عليهما…..
فاحمر وجه والدتها وكذلك هذا السامح…والذي كان يقاربه سناً…….لكن ملامحه المغلفة بالهدوء تبعث
الريبة في النفس……..فهو ممن يدعونا المثالية بشكلاً
مبالغ فيجعلك تفكر مرتين قبل حتى ان تمد يدك للسلام عليه………..
“خير ياحمزة….مش بعادتك يعني تيجي دلوقتي…”
رد حمزة وهو ينظر لسامح بشرٍ……
“جاي اشوف خطبتي……عندك مانع ياسامح……”
هتف سامح بارتباك…… “انا متكلمتش…….”
“بحسب……..”تمتم بها حمزة…..
فقالت امها بتهكم…..
“هو مش المفروض تديني خبر قبل ما تيجي…..”
قطب حمزة جبينه قائلاً….
“هو سامح اداكي خبر قبل مايجي……”
ردت منزعجة….”سامح قاربنا…..”
رد ببساطه……. “وانا خطيبها……..”
“حكم……”مصمصت بشفتيها ساخرة وهي تبعد انظارها عنه…….
دخلت نجلاء عليهم حاملة قهوة سامح ثم وضعتها أمامه قائلة بصعوبة بعدما لمحة نظرات حمزة
القوية عليها……. “القهوة…….”
سحب حمزة الصنية بمنتهى التبجح من أمامه
وحمل فنجان القهوة ثم احتسى منه القليل
وبعدها انزله ونظر لنجلاء قائلاً بمداعبة
جميلة……… “تسلم إيدك ياخطيبتي……”
إبتسمت نجلاء وطأطأت براسها بخجل……
فلوت والدتها شفتيها بتبرم صائحة فيها…….
“انجري يابت ادخلي اوضتك….. بل قلة آدب……”
احتدت نظرات حمزة قائلاً لها بتعجب…..
“جرا اي ياحماتي…..مفيش إحترام ليا…. هتدخل اوضتها لما انا جيت ومن شوية كان..”ثم قلد
صوتها متابع……” فين قهوة سامح يانوجة……..”
لوحت امها بيدها باستهجان……
“بقولك اي يابن الناس متخدنيش في دوكه…. احنا اتفقنا مفيش زيارات ولا مقابلات ولا حتى تلفونات غير لما تجيب الشقة وتكتبها بأسم البت ياما كده يامفيش جواز…….. واعتبر الخطوبة ملغية…. “
“خطوبة اي اللي مغلية….. بنتك تلزمني…… تخصني
ولا انتي لقيتي اللي يشيل…….” نظر لسامح بقوة
متوعداً إيه……
فلم يعره الاخر اهتمام وترك حرية الرد لوالدتها
التي قالت بتكبر واضح……
“والله انا بنتي الف مين يتمناها…….وكل الناس الي جتلها رهن أشار من صبعي واي حاجة هطلبها
هتكون مجابه…….”
استشاط حمزة غضباً……
“هو احنا هنغني على بعض ناس مين اللي اتقدمتلها…..ماكل المنطقة عارفه ان بنتك
تخصني…..مين بقا اللي فكر يعمل راسه
براسي……”
نظر لسامح بقوة فبلع سامح ريقه وهو
يقول بجبن…..
“انا من رأيي استئذان انا…….وحل انت
الموضوع دا بينكم……..”
اوقفته والدتها برفق……
“جرالك اي ياسامح….. قعد يابني……..” ثم
نظرة لحمزة قائلة بتزمت……
“كلامنا خلص ياحمزة….. وزي ما تفقنا مهر بنتي شقه باسمها………..وقدامك مهلة شهر بعضها تعالى خد حاجاتك واعتبر الخطوبة ملغية…..وربنا يعوض علينا بقا في السنتين اللي وقفت حال البت فيهم….”
نهض حمزة وعيناه تشتعل غضباً من هذا
الحديث المستجد…….
“يعني هي بقت كده ياحماتي……..بتبيعي بنتك
للي يدفع اكتر……..”
قلبت حدقتيها بملل وقالت…. “شرفة ياحمزة……….”
اوما حمزة براسه وملامحه تنذر بالشر…قائلاً
وهو يشير على الباب المفتوح…….
“ماشي………..بس طلاق من بنتك اللي جوا دي..
ماهحلكم غير بمزاجي…..مش بمزاجك انتي……”
خرج سريعاً من امامهما بخطوات غاضبة……
بينما اتسعت عينا سامح معقباً بصدمة…..
“طلاق ؟!……..هو اتجوزها امتى انتي مش
قولتيلي انها خطوبة بس………”
لوحت امها باستهانه قائلة…..
“دا اي كلام………سيبك منه……..اشرب قهوتك… “
مر من أمامها سريعاً فلحقت به تنادي عليه
بقوة….
“حمزة……… حمزة استنى……..ياحمزة… “لم يعرها
اهتماما بل غير طريقة نازلاً درجات السلم بدل
من الصعود لشقة والده……..
عادت نجلاء راكضة للصالون صارخة في أمها
وهي تبكي….
“حرام عليكي ياما ليه عملتي كده بس…قولتلك
بحبه……. بحبه وعيزاه………”
وبختها أمها بقوة وهي تنهر نفسها
بغضب صائحة……
“اخرسي يامقصوفة الرقبة……بتحبي في إيه…دا صايع…….دا كان بيعيش في الشارع اكتر من
بيتهم…..بس الغلطه مش غلطتك….انا…انا اللي
وفقت في الاول وربطك بواحد صايع زي
ده……بس انا هصلح ده كل هصلح الشبكة السوده
دي قبل ما الفاس تقع في رأس……….هصلحها……”
تضامن معها سامح قائلاً…..
“انتي صح……انتي صح يابنة خالتي…..هو دا
الكلام المظبوط…….”
نزلت دموع نجلاء وهي تنظر اليهم بحرقة
قلب……..
“حرام عليكم…..حرام عليكم بقولكم بحبه……
بحبه ياناس……..”ركضت لغرفتها وهي تصيح بتلك الكلمات ثم القت نفسها على الفراش تدفن رأسها به باكية…….
…………………………………………………………….
وضِعت الاطباق امامهما….. فنظر سليم لحصة الطعام الموضوعه في طبقة والتي كانت اصناف من الخضار
المطبوخ بشكلاً صحي كما تفضل إيتن………
بدات ايتن بالاكل وهي تسأله بلهفة….
“ها يابيبي قولت إيه…….”
بدأ سليم بالاكل وهو يسالها بعدم إهتمام
“في إيه بظبط……”
انعقد حاجبيها قائلة بدلال……
“في إيه؟!…. بيبي انا بقالي ساعة بكلمك عن الويك اند اللي هقضيه مع صحابي في شرم…….”
رد سليم وهو يمضغ الطعام
بصعوبة……
“انتي كنتي هناك الشهر اللي فات……”
تاففت ايتن معقبة بملل……..
“اديك قولت من شهر….. بجد يابيبي الايام بقت مملة أوي خصوصاً ساعات الشغل الطويلة……”
التوى ثغر سليم بتعقيب ساخط……..
“ساعات الشغل الطويلة ؟!…. انتي شغاله في إدارة شركة الشهاوي مظنش ان الشهاوي باشا حاطت على
بنته في الشغل…….”
ردت ايتن بتعالي وهي تقطع الطعام بالسكين
والشوكة………..
“نو……. بابي ميعملهاش لانه عارف طاقتي في الشغل وعارف اني بزهق بسرعة………..”
اكتفى بهمهمة بسيطة….. “ممم……… كويس…….”
ابتسمت ايتن قائلة بحماسية….
“ها اي رايك تيجي معانا شرم هتنبسط اوي يابيبي…….. صدقني……..”
رفض سليم بتساؤل……..
“مش هينفع………. عندي شغل….. هو انتي هتقضي الويك اند ده مع مين……..”
ردت بفتور…..
“مع كاندي ولي لي….. وشادي………”
ارتفعت انظار سليم عليها بتهكم……
“شادي ؟!…. هو شادي ده مورهوش شغلانه غير السرمحة ورا الستات………”
لاح الاستهجان على ملامح ايتن فهتفت
منزعجة…..
“سرمحه ؟! اي الالفاظ الوكل دي……..بيبي لو سمحت بلاش الالفاظ دي…. وبعدين شادي مش غريب دا ابن خالتي ومتربين سوا……….”
احتقن وجه سليم بالغضب فترك الطعام
وسالها بحدة والغيرة تفور دماؤه…..
“ااه متربين سوا………طب ممكن اعرف ردك إيه في
فرحنا اللي عمال يتأجل باعذار فارغة………”
زفرة ايتن قائلة…….
“اعذار فارغة ؟!…… جرالك اي ياسليم….. احنا خارجين نغير جوا ولا نتخانق سوا………”
تحدث سليم بنفاذ صبر…..
“ايتن انا تعبت من المماطلة دي……. انا عايز رد
بااه او لأ………”
اهتزت حدقتيها بتردد وهي تسأله….
“وان قولت نأجل شوية…….”
رد رداً قاطعاً…. “يبقا انتي كده بتنهي اللي بينا……”
قالت مشدوهةٍ….. “لدرجادي……”
زفر سليم بثقل وهو يحاول ان يهدأ من انفعاله
عليها…… ثم مد يده على سطح الطاولة وسحب
يدها يتكأ عليها بخفة قائلاً بنبرة أهدى
قليلاً……بينما عيناه تأسر عينيها الضائعة منه……
“ايتن…… لازم تفهمي اني محتاجك جمبي اكتر من
اي وقت فات….. العمر بيتسرق مننا يايتن… وانا محتاج اعيش معاكي اللي باقي من عمري…..
حبيبتي انا راجل وليه احتيجاتي….ومش معقول
هنفضل مقضينها تجاوزات كده مع بعض…..بهدف
انك بتصبريني عن حرماني منك……..انا شايف ان مفيش حاجة تمنعنا عن الجواز…..امورنا المادية تمام… بحبك وانتي بتحبيني…. وبقالنا سنتين مع بعض وفهمين بعض كويس…… “
سحبت يدها من بين يده قائلة بنفي……
“بس إحنا مختلفين عن بعض جداً………..مش
قادرين نوصل لبعض ياسليم………”
شعر سليم بالاحباط حينما سحبت يدها…ورغم هذا
الشعور البارد كمشاعر حبها معه…..أوضح بصبرٍ…..
“احنا مش أول اتنين نبقا مختلفين عن بعض…في زينا كتير في الاول بتبقا صعبة بس مع الوقت بيتعوده…… وبالحب كل شيء بيتحل……”
هربت من عيناه قائلة…. “اديني فرصة أفكر……..”
تافف سليم بحنق شديد……..
“وهو كل ده لسه مفكرتيش يايتن…. الموضوع مش جديد عليكي……… انتي بقالك سنتين بتفكري فيه………”
هزت ايضاً رأسها بملل………
“يوووه بقا ياسليم انت مستعجل كده ليه مقولتلك سبني أفكر …….”
نهض سليم فجأه من مكانه متحدثاً بالهجة شديدة
التزمت………
“تمام…….فكري براحتك……..وهستنا منك مكالمة تحددي فيها معاد الفرح…..”
اتسعت عينا ايتن بدهشة أكبر……
“مش معقول……سليم انت بتكلم بجد…….”
“انا عمري ما هزرت في الموضوع ده يايتن….هستنا
مكالمتك……….”أخرج عدت اوراق ووضعهم على الطاولة…..ثم ارتدى نظارته السوداء وخرج من المكان
باكمله تحت انظارها المشدوهة منه ومن اصراره المبالغ تلك الفترة في إتمام الزيجة…….
……………………………………………………………..
عندما دخل الشقة كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة
وقد نام والده مباكراً كالعادة….فهو مزال شخصاً
قيادي نشيط يمشي كعقارب الساعة…… ينام في
وقتاً معين ويستيقظ باكراً………لم يتغير شيءٍ
حتى بعدما أخذ معاش مبكراً مزال
كما هو…….(المستشار/مصطفى الجندي……)
بدل سليم ملابسه باخرى مريحة…..ثم ألقى جسده على الفراش يعبث في هاتفه عبر مواقع التواصل الاجتماعي…….
فأول شيءٍ قابله صورة تغير الملف الشخص
الخاص بحساب كيان………
اتكأ على الصورة بفضول فوضحت أمامه أكثر…فظل لبرهة يتأملها……..كانت صورة متخذه لها على
سهوة دون النظر الى الكاميرا.. فكانت تجلس على أريكة منزلية……وتقضم قطعة من الدونتس !…..
صورة عفوية حلوة……..تنطق بالجمال….ويبدو ان من التقطت الصورة لها تعرف جيداً في اي زاوية تزيد صاحبة الصورة حُسن………..
اتكأ على زر الإعجاب الأزرق……ثم تجاوز الصورة متفحصٍ المستجد………
(شيل الايك الأزرق ياستاذ…….إحنا مش بنشحت…)
أبتسم بل اتسعت الإبتسامة حتى ضحك…..ولم يصدق ان هناك شيء قادر على ان يضحكه بعد مقابلته بأيتن……..
دخل على الرسائل عبر المسنجر…..ثم أرسل لها بصلف…….
“مش عجبك الايك……دا مش بيتعمل لاي حد…..”
أرسلت بفتور……(كنت افضل ريأكت لاف……..)
أرسل بغلاظة يستفزها…….
“دا لو كنت حبيت الصورة….بس انا شايفها عادية…”
أرسلت كيان بوجهاً مصدوم…….
(معقول……داليدا عمرها ماصورتني صورة وحشة…)
خمن وهو يرسل….
“مين داليدا……اللي كنتي عندها النهاردة… “
(آآه………. صاحبتي……)ارسلت مجدداً
بشك……
(هو انت قصدك اني مش حلوة في الصورة….)
كتب بثبات……
“انا قولت عادية……..في فرق…….”
ارسلت هي بتزمر طفولي…….
(هي وجهة نظر….بس كل اللي عندي على البروفيل…..قالوا أنها حلو أوي…….انت
الوحيد اللي حطيت لايك أزرق……..)
ابتسم وهو يسالها بتسلية…..
“اي مشكلتك مع الايك………”
ردت بتزمر أكبر….
(رخم اوي…..مش بحبه…….غيروا……)
“لا…..”أرسلها بغلاظة…..وحينما لم يجد منها رد
ضحك وهو يرسل لها بتسلط……..
“ليه صاحيه لحد دلوقتي…….مش المفروض تكوني قدامي بكرة الساعة تمانيه……..”
ارسلت بتردد…..
(بصراحة دا السبب اللي خلاني أكلمك…….بصراحة
ان عايزه اخد أجازة بكرة………..)
سألها بفضول…… “في حاجة عندك…….”
اخذت وقتها في الإرسال….لكنه انتظرها دون ان
يمل او يكل…..بل وظلت تلك البسمة المتسلية مرسومة على محياه………..
(آآه يعني اختي اجرت مكان كده وناويه تفتحه مطعم…..فمحتاجه تظبط أمورها…وتشوف الدنيا هتمشي إزاي في المكان ده……..فبستأذنك هاخد الخميس والجمعة أجازة…..يعني عشان اكون معاها
ومسبهاش لوحدها………..)
أرسل بتفهم……..
“تمام ياكيان……انا موافق على الإجازة…..ربنا يوفقها…….”
ارسلت بامتنان……
(شكراً ياستاذ…..مش عارفه أقولك إيه……)
“متقوليش حاجة تصبحي على خير…….”
خرج سريعاً دون إنتظار رد………ثم أغلق الهاتف
بعدها ونظر لسقف الغرفة بصمت مفكراً في قرار
ايتن الأخير…..هل ستحدد معاد الزفاف…..ام ستنهي
مابينهما في لحظة تمرد…..والأهم هل سيتركها بعد
كل هذا الحب……..
ابتسم وسط ملامح متحجرة….بسمة تخص صاحبة العيون الفيروزية الشقية البراقة……. وتزمرها الطفولي على أتفه الأسباب……..
“تويتي…….”
تمتم بها وهو يغمض عيناه مستسلماً لنوماً عميق كان عقله بحاجة له بعد دوامة مرهقة من الأفكار……..
……………………………………………………………
دلف لداخل الشقة واغلق الباب خلفه زفر بتعب
وهو يشعر ان عظام جسده كلها غير ثابته في
مكانها من شدة الاجهاد فأليوم كان العمل مرهق….وقد خرج عدت مرات يلبي طلبات زبائن معظمهم عرسان اقترب موعد زفافهم……..ويحتاجاً لغرف نوم وطاقم صالون مفصل بمواصفات
معينة…..
وهو بفضل الله أولا ثم مجهودة وحبه للحِرفة والتي ورثها عن والده (عبد القادر….)أصبح له زبائن عدة يطلبوا عمله بالاسم……فان كان نجار محترف….هو ايضاً يراعي ضميرة في عمله وتلك نقطة تضاف في صيت حرفته……….
جلس على أقرب كرسي قابله في الردهة وهو يرخي اعصابه مرجع ظهره للخلف وعيناه القوية تتحرك يميناً ويساراً باحثه عنها…….
لكنه لم يجدها وكأنها تبخرت……رغم انه واثق أنها لم تخرج بسبب اغلاقه للباب بالمفتاح قبل خروجة…وكذلك هي ليست من محبي النوم مبكراً…
فهي الليل لديها نهار……. ونهار لليل………….
انعقد حاجبيه وهو يشعر بحركة مريبة بالمطبخ…
وبعض الاواني تضرب بعضها مسببه له المزيد من الآرق والصداع…..فتمتم بحنق وهو ينهض من مكانه…
“بترزعي في ايه يازفته انتي…..مابراحه…….”
قالها وهو يدلف للمطبخ لتتسع عيناه بدهشة وقد
فغر فمه لبرهة من هول ما يراه………
تلك الداليد…….لا تنتمي للبشر بتاتاً………..لأول مرة
يراى امرأة تغسل الأواني وهي ترقص !!……
هل جنت؟!….
كانت ترتدي ثوب قصير من اللون الازرق مطبع ببعض آلورود الصفراء………يبرز ساقيها البيضاء النحيلة…
وخصرها المنحوت……..وقدها الغض الانثوي……….
شعرها تلمه على شكل ذيل حصان مربوط بوشاح حريري أصفر اللون……..
كانت تضع سماعة الهاتف في اذنيها وتتمايل على الاوتار الصاخبة ويداها معلقة في حوض الغسيل
تقوم بمهمة غسل الأواني والتي تصدر ضجيج
مزعج……ولم تبالي بكل هذا فكانت في عالم
آخر…….. جسدها النحيل شديد الانوثة يتحرك
على ايقاع غير محدد…
لا تعرف ان كانت ترقص شرقي ام غربي…صراحة الوضع كان مريب…..رغم انها ماهرة في الرقص
وقد شاهد عرض بسيط لها في خطبته السابقة
إلا أنها الان تتلوى كالثعابين….وكأنها تتبع نهج
معين جنوني طالما انها بمفردها ولا أحد معها
أحياناً الإنسان يتصرف مع حالة بتلقائية تعجز عن
فهمها……لكنها تظل تلقائية خاصه بين المرء وحالة
ولا يشاركهُ اي مخلوق…..
أبتسم سلطان بسخرية وهو يميل براسه للناحية الأخرى….اي شيطان تلبسه وهو يطلب يدها
للزواج…..
عندما استدارت داليدا اثناء فقرة الرقص المريبة
تلك ،وجدت سلطان امامها يحدق بها بقرف
فصرخت تلقائيّاً صرخة المفجوع….وكانت أعلى
من المتوقع……..
لذا تقدم منها سلطان سريعاً وكمم فمها بكفه الكبير
وباليد الأخرى خلع السماعة من اذنيها والقاها أرضا
باهمال……..
“اخرسي….. إيه شوفتي عفريت…….”
اتسعت عيون داليدا وهي تنظر إليه بتراقب
قوي ومزالت يده تغطي نصف وجهها باستثناء
العيون السوداوية المضيئة بالحياة………
زم سلطان شفتيه بسخط قائلاً…..
“خايفه من إيه…….. دا انت تخوفي بلد……..”
نظرة إليه بحنق شديد ولم تعقب…… بل انتظرت ان يفك هذا القيد القوي لكنه لم يفعل…. بل ظلوا على حالهما هي واقفه أمامه تكاد تكن في احضانه بينما هو يحيط خصرها بيد والاخرى تكمكم فمها………
نظر إليها بحدة جعلت قلبها يخفق بجنون وبدات تهمهم من أسفل يده بتململ شديد…….
فتركها بدفعه قوية جعلتها تترنح للخلف
فصاحت….
“مابراحه هتوقعني………”استقامت واقفه
تنظر إليه بضيق فقال سلطان
“أول وأخر مرة تحطي الزفته دي في ودنك…..”
تخصرت بتمرد معقبة…..
“كمان الهاند فري بقا ممنوع…….”
نظر لها نظرة مستهينة شملتها ثم اردف
موبخاً….
“مانتي لو بتستعملي الحاجة بالعقل مش هيبقا ممنوع…..انا بقالي نص ساعة داخل من باب الشقة حسيتي بوجودي……. بالعكس دا انتي ولا هنا… لا وأيه….. اول ماشوفتيني رقعتي بصوت…….. “
قالت ببراءة…… “اتخضيت……….”
رد مستهيناً…… “معقول انا بخض اوي كده…….”
اشارة اليه باصبعها بتحذلق……
“طبعاً انت مش شايف حجمك………”
اوما براسه ببرود…..
“آآه شايفه……حضريلي الغد انا جعان……..”
اهتزت حدقتيها فهتفت مندهشة……
“جعان…..جعان إزاي انت مكلتش عند مرات عمي….”
وضح الأمر بصعوبة من بين أسنانه المطبق
عليهم……
“لا مكلتش…..انا طول النهار برا الورشة وساعة ما رجعت زي مانتي شايفه راجع نص الليل…….فأكيد
مش هصحيها عشان تغرفلي……انتي رحتي فين
حطيلي أكل………”
اجابة بفتور……. “بس مفيش أكل……..”
ارتفع حاجبٍ غير متهاون……
“إيه……….يعني اي مفيش أكل……….”
اخفضت راسها وقالت بحرج……
“يعني لما كيان جت طبخت مكرونة بالسجق….و
وكلناها…..كلها….وانا عارفه انك مبتحبش المكرونه
فمرضتش اشلك حاجة……..”
“طب انا جعان دلوقتي اكل إيه……….”سالها بعيون عابسة فاشارة هي على المبرد ببساطه…….
“كل اي حاجة التلاجة عندك…..”
التوى فمه قائلا….. “والله وانتي اي لزمتك……”
ارتفع حاجبي داليدا…..
“قصدك إيه بقا……..انا خدامه عندك..”
صاح سلطان بنفاذ صبر…….
” حاجه زي كده…..اعمليلي أطفح…… جعااااان… “
تململت داليدا بجزع…….
“تعالى كلني….. ما خلاص عرفنا انك جعااان أصبر……خلاص هعملك مكرونة……….”
امتنع باستهجان كطفل متزمر…..
“هو انتي اي حكايتك مع المكرونة……..قولتلك مبحبهاش………اعمليلي اي حاجة خفيفة من التلاجة….”
“صبرني يارب…….”قالتها بزفرة وهي تتجه
للمبرد…..
وعندما استدارت تفتح المبرد مسك سلطان
طرف الوشاح الحريري وهو يقول…..
“متنسيش الشـ…….”عندما ادارة رأسها إليه انسحب
الوشاح بفعل يده المتعلقة به فانسدل شعرها البني
الكثيف حتى غطى ظهرها ونصف وجهها وهي تنظر إليه بضيق………
“عجبك كده…….اربط شعري بالاسكارف تاني
عشان ايدي مش فاضيه……..”
قالتها وهي تغلق باب المبرد بركلة من قدمها بينما يداها الأثنين تحمل الجبن والبيض……
“ااايه…….”
تاففت داليدا بانزعاج واضح وقالت
برجاء…….
“خلص ياسلطان لما بسيبوا كده بيزولني……اربطه بالله عليك…..مانت اللي فكيته………متعرفش تكلمني من غير ما ترفع إيدك…….انا بسمع على فكرة…..”
زفر سلطان وهو يقف خلفها….فكانت تقف امام الرخامة تفرغ الجبنة في طبق……..
انحنى سلطان ارضاً يجلب الوشاح الحريري الملقى
اسفلة……وعندما امسكه انتصب واقفاً…ناظراً الى شعرها البني الكثيف….كثافة ونعومة وطول
ينافس أجمل شلالات العالم في عيناه……..
“خلص بقا ياسلطان………”قالتها بتزمر وقد
اتسخت يدها بماء الجبنة…….
فمد يداه ومسك شعرها برفق…….وبدأ بربطه
بالوشاح الأصفر الطويل……محاول أنهى الأمر
سريعاً……لكن تلك النعومة والرائحة الزكية التي
تفوح منه جعلاه متسمر مكانه كالابلة خلفها…
و قلبه وجسده يعيشان خلل الآن لأول مرة
يستشعر به……..
أبعد يده سريعاً بعد ان انتهى باعجوبة من ربطه…
ثم ابتعد خارجاً من المطبخ وهو يخبرها بصوتٍ
متحشرج……….
“هغير هدومي على ما تخلصي……..”
“اديني عشر دقايق………” قالتها وهي تتحرك عند الموقد غافلة عن ما اصبه………
بعد دقائق وضعت الطعام أمامه على السفرة الصغيرة المربعة………وصاحت منادية…..
“الاكل ياسلطان……”
سحبت مقعداً وجلست واخذت رغيف خبز ووضعته
امامها…..خرج سلطان من الغرفة بعد ان بدل ملابسه
بأخرى مريحة………اتخذ مقعداً وسحب رغيف خبز سائلاً بفظاظة…….
“هو انتي هتاكلي……..”
“آآه……جعانه…….ليه……..”
كانت ملهية في الطعام وهي تجيب عليه فرد
هو بفتور……
“عادي اصلك قولتي انك اتغديت مع صاحبتي…..”
وضعت داليدا اللقمة بفمها وهي ترد
باختصار…
“مانا اتغديت فعلاً لكن دا عشا……عشا خفيف……”
اوما براسه وبدا بالاكل دون تعقيب فسالته
فجأه….
“بس اي رايك في الأكل……..”
نظر سلطان للاطباق بتعجب…….
“رايي في إيه بظبط….دي كلها جبن ومعلبات من التلاجة…..”
“يسلام وبيض العيون……..”اشارة داليدا على الطبق ممتعضة من قلة تقديره….
فرد ممتعضاً هو الاخر……. “ناقص ملح………”
“والله طب ماتكلوش بقا طالما ناقص ملح…..”
سحبت الطبق لعندها……..
فمسكه سلطان من الطرف الأخر قبل ان
يتحرك أكثر……
“طالما اتحط قدامي يبقا هاكله….سيبي الطبق….”
سحبته بعناد قائلة…..
“بس انا مرضاش تاكل حاجة مش عجباك……”
“متقلقيش انا واخد على كده…….”
سهم اخر من سهامه النارية أصأب قلبها
بجرح اخر ……ان كان يراها بهذ الشكل لماذا
تزوجها…… كي يحرق المتبقي من روحها؟!……
عندما ساد الصمت بينهما وتوقفت داليدا عن
الأكل تحدث سلطان بخشونة…..
“بكرة الجمعة….وكلنا معزومين تحت عند امي
وابويا واخواتي البنات هيجوا بجوزهم وعيالهم وهيكونوا موجودين طول اليوم في البيت تحت………عايزك تلبسي حاجة واسعة وتلفي
الطرحة عدل……….وحسك عينك صوتك يعلى في الكلام…… وضحكة الرقاصين دي تكتميها خالص واحنا تحت……”
تاففت داليدا بحنق شديد……
“انا ضحكتي مش ضحكة رقاصين
ياسلطان……وقولتلك الاسبوع اللي فات اني
مكنتش لوحدي بضحك…..أختك وبنتها كان
بيضحكوا معايا…. “
اوما براسه وهو يرد باللهجة شديدة
الخطورة…..
“والله على اساس اني معرفش ضحكتك يادليدا….
دا انا اطلعها من وسط الف……مشاكلي معاكي زمان
اغلبها بسبب ضحكتك وصوتك العالي…ومشيتك في الشارع…….وشكلنا هنرجع نعيد ونزيد تاني….”
ضربت داليدا على الطاولة بقبضة يدها الصغيرة……وهي تنظر اليه بصدمة……..
“يادي النيلة…….ومالها بقا مشيتي……مانا
بمشي عادي………”
رد وهو يغمس اللقمة في الجبنة وياكلها
مردداً……
“بنسبالي انا مش عادي……ماشيه مايعه زي صاحبتها………”
شهقت داليدا مشدوهة من تعقيبة…..
“أحترم نفسك ياسلطان انا مسمحلكش………”
رفع عيناه عليها قائلاً بصلابة……
“مش مستني إذنك في الكلام……..انا اتكلم زي مانا عايز….وطالما في حاجات فيكي مش عجباني…يبقا
واجب عليكي تغيريها…….”
جزت على اسنانها متحدثة….
“حلو اوي انا مستعده أغير اللي مش عجبك…ضحكة الرقاصين…… ومشيتي المايعة…….”
قاطعها مضيفاً……. “وصوتك العالي………”
احمر وجهها من شدة الغيظ…….
“كمان انت جيت في جمل….وصوتي العالي….المهم
انت بقا هتتغير زيي……..”
قطب جبينه عابساً…..
“أتغير ؟!…….في اي بظبط……..”
نظرة اليه داليدا وقالت بقهر…….
“في حاجات كتير….. أولها معاملتك ليا……”
التوى ثغره في إبتسامة ساخرة…….
“سبحان الله….وليكي عين كمان تعلقي على
معاملتي ليكي……….بعد كل اللي عملتيه……….”
هزت راسها وهي تنكر الخطأ
بتعنت…..
“انا مغلطش……….انت اللـ………..”
نهض من مكانه سريعاً وكان حية لدغته ثم
سحب ذراعها بقوة بين قبضته وعندما نهضت
تواجه غضبه الأسود هسهس بنبرة مهيبة امام
وجهها الذي شُحب في لحظة امامه………
“كلمة كمان…..اقسم بالله لو زدتي عن كلمة
كمان…… مش هيطلع عليكي النهار سليمة………”
ازدردت داليدا ريقها بخوف….وهي تشعر باصابعه
تغرز في جلدها تكاد تهشم عظامها………نظرت اليه بارتعاد واضح وهي ترجع رأسها للخلف بخوف
من ان يبطشها بيده…..
فكانت عيناه تتوهج بناراً حارقة…ترعب ناظرها….
فكه متشنج…..وانفاسه غير منتظمة وكانه يصارع شياطين غضبه……..ام ملامحة فكانت متصلبة
وكانه على وشك ان يفسك دماؤها بيده الآن……
لكن نظرة الخوف من عينيها ورجاء الخفي جعلاه يترك ذراعها باعجوبة… دفعها بعيداً عنه…….ثم اتجه هو الى غرفة النوم مغلق الباب خلفة بقوة جعلت جسدها ينتفض من مكانه…….
…………………………………………………………….
دفع الباب الزجاجي ودلف للداخل بمنتهى العنجهية والتسلط…… مصدر صوتٍ يعرف عنه…. كالسلاسل فضية معلقه في عنقه… كرائحة المخدرات التي
تفوح من فمه الشهواني…. كزمجرة الذئاب التي يزمجرها ليرعب اصحاب القلوب الضعيفة….
كانت توليه ظهرها تصور أوراق على مكينة التصوير
لكن عندما احست بوجوده جزت على اسنانها…. متمته بغضب…….
“اصتبحنا وصبح الملك لله…… افندم……”
تحسس صدره بلؤم وعيناه تنهم في جسدها
المخفي تحت عباءة سوداء فضفاضة…..
“القوبيض………بتاع كل أسبوع ياستهم……..”
التفت له أمرأه في اوئل الاربعون من عمرها
أمرأه جميلة بعيون سوداء كحيلة وبشرة
خمرية وملامح أنثوية رغم بساطتها جذابة
على نحو جيد…….صاحت أحلام متاففة….
“اللهم طولك ياروح………..جرالك اي يامرعي……
احنا لسه مستفتحناش بمليم واحد…….”
تحدث المدعو مرعي بضيق…..
“الله هو انا كل ماجي اخد منك المعلوم تعمليلي
فيها الشويتين بتوعك…..قبي بالقوبيض ياحلام
لحسان اكسر المكتبة دي على دماغك……”
توسعت عينيها بحنق……
“يعني إيه……. هو شغل بلطجة……”
زمجر عابساً….
“لا ياختي مش شغل بلطجه انا باخد اجرتي
تعبي…. شقاي…..”
شهقت أحلام بتعجب قائلة…..
“تعبك وشقاك….تكونش مشركني المكتبة وانا مدرياشي…….”
دار بعيناه للحظة على هذا المحل القديم الضيق
الذي يحتوي على الكثير من الكتب وروايات المتنوعة وبعض المستلزمات المدرسية الأخرى وايضاً بعض الدمة اللطيفة للأطفال……..
مط شفتيه معقباً باستنكار…….
“اشركك….يعني يوم ماشركك اشارك في شوية كراكيب…..”
هزت أحلام راسها مخرجة تنهيده مثقلة…ثم رفعت عيناها قائلة بتعجل………
“شوية الكراكيب دول كنز بنسبالي….خلصنا عايز
كام وتحل عن سمايه……..”
رد بتبجح……. “زي كل مرة……”
“حسبي الله ونعم وكيل……”تمتمت بها وهي تفتح الدرج لتبدأ بعد المبلغ الذي يريده…….
رد عليها مرعي باقتضاب…..
“في الظالم ياختي…..انا باخد عرقي…..عارفه يعني إيه….يعني بحميكي من ولاد الحرام والبلطجيه…
انتي وكل الغلابة اللي في شارع الصاوي……”
ابتسمت احلام بقهر وهي تقول بغضب
مكتوم….
“آآه مانت مش قادر غير على الغلابة…….اما اللي زي
عاصم الصاوي وحكيم ومينا النصراني…خط أحمر
هما وكل اللي زيهم…..لكن تيجي تضحك وتستغفل مين بقا….الناس الغلابانه اللي زيي….وزي البايعين اللي بيسترزقه من المكان…….”
رد وهو يعد الاموال
بطمع…..
“كل دول انا بحميهم…….”
هزت أحلام راسها بعصبية…..
“من مين….منك ولا من شوية الصيع اللي ماشين معاك………روح يامرعي…….ربنا يهديك……ويرحمنا منك….. “
اوما براسه وهو يضع المال في جيبه……
“ماشي ياستهم…..بس قبل ماروح…..عايز استفتسر
عن حاجة……”نظرة له احلام بحنق….
” متعرفيش مين اللي أجر مطعم الجمال……”
قالت احلام بكراهية…..
“قصدك مطعم الصاوي اللي كان مأجره الجمال….معرفش وميخصنيش…..وتكل على
الله بقا خلينا نشوف أكل عشنا……….”
تمتم مرعي بمكر……
“مصيري اعرف……واهوه زيادة الخير خيرين….”
اندفع الباب الزجاجي ودخلت منه فتاة مراهقة سألت احلام بلهفة…..
“أحلام الرواية اللي طلبتها منك وصلت……”
قالت احلام مبتسمة ببشاشة…..
“لسه وصله من ربع ساعة استني هجبهالك……”
ثم ضربت على الطاولة الزجاجية الطويلة والتي
كانت كالحاجز بينها وبين الزبائن……
“طريقك أخضر يامرعي…….عايزين نشوف اشغلنا…”
القت عليه نظرة حانقة وهي تتجه لأحد الرفوف وتسحب منه الكتاب…..
………………………………………………………………
“أسمع مني يابني دي سهرة متتفوتش……”هتف بها
حكيم وهو ينظر لعاصم الجالس جواره يسحب من مبسم الارجيلة بداخل قهوة (مينا النصراني) صديقهم الثالث…….صداقة ثلاثية نشأت منذ زمن
في شارع الصاوي منذ بداية دخول عاصم لتجارة الذهب وادارة أملاك العائلة……
رد عاصم ممتنع وهو ينفث الدخان في
الهواء….
“حلال عليك……..مش عايز……..”
هتف حكيم محاولاً اقناعة…..
“صدقني مش هنشرب……. معسل بس…….”
رد عاصم متحججاً…….
“مش عايز انا مليش في السهر….انا لازم انام
بدري…… “
هتف مينا والذي كان يكبر عاصم بعدة اعوام
لكنه متزوج ولديه أولاد…………
“ليه عندك مدرسة الصبح……..”
ضحك عاصم ببرود قائلاً وهو يشير على رأس مينا……
“اي السكر ده…… تصدق ياحكيم بقا دمه خفيف
لم القرعة بانت……..”
رد مينا وهو يتحسس راسه بجزع…..
“قعدوا فكروني بقا……كله من الجواز وشيل
الهم عقبالكم………”
اتسعت عينا عاصم بدهشة وهو ينظر لحكيم
بمناكفة……..قائلاً بمناغشة……
“معقول الجواز يعمل كده…. بسم الله ماشاء الله.. عندك حكيم اهوه ناوي يتجوز الرابعة وشعر صدره
طالع برا القميص…… لا وايه راجل رياضي……”
مط حكيم شفتيه مزمجراً……
“قعد نق ياعاصم…..نق……..نق لحد ماطلقهم التلاته
بالتلاته…….”
رد مينا ضاحكاً…..
“حلو……. واهو تغيرهم كلهم مرة واحده……”
غمز عاصم لحكيم…..
“مش بقولك…….خلت دمه خفيف…..”
رد مينا وهو يتحسس راسه مجدداً…..
“بكرة ازرعو وصبغ كمان……”
ساله حكيم بلؤم…..
“وام رانيا عارفه بالكلام ده ولا هنلاقيك تاني
يوم متقطع حتة في التلاجة……”
هتف عاصم بمناكفة نحوه…..
“المفروض انت اللي تخاف على نفسك لحسان التلاته يتفقه عليك…… وتتسلم تسليم اهالي….”
رفع حكيم راسه للاعلى بصلف…..
“فشر……. انا التلاته اللي عندي ميتخلعوش
من مكانهم….. “
“ربنا يزيد ويبارك ياسيدي…. إلا قولي ياعاصم مش ناوي تعملها تاني…..” نظر مينا لعاصم…..
الذي بدوره سأل…… “هي إيه ؟!……”
ضيق مينا عيناه مردداً…….
“الجواز ياحلو…….. الجواز…. قبل ماحكيم يخلص على ستات الكوكب……..”
ارتشف حكيم من قهوته مردداً بأسى….
“ياريت بس دول كتير اوي وانا مش ملاحق….”
رد عاصم بدوره….
“لا انا كده ملك زماني……. مرتاح اخر راحة… “
رد حكيم متعجباً…..
“في حد يرتاح وهو بعيد عنهم…….”
اوما مينا وهو يبوح لأصدقائه بمحبة………
“عندك حق والله ياحكيم…… طب دا انا مرة ام رانيا زعلت مني وسابت البيت وراحت عند اهلها قعدت اسبوع ضايع من غيرها………ومقدرتش على
بعدها……..وروحت اراضيها علطول…….”
لكز حكيم عاصم بتوبيخ وهو ينظر لمينا
مضيفاً بحرارة……..
“ياسيدي شايف الحب……ياعديم الحب….وانا برضو يامينا ياخويا مرة زعلت من مراتي الأولى…..ام العيال
مانت عارفني بعزها….ضربة معاها خناقه جاامده…
فزعلت وسبتلي البيت….زعلت اوي وتاثرت فروحت
بايت في البيت التاني…ومراتي التانيه مقصرتش
والله هوونت عليا جامد…….اصلي كنت زعلان أوي منها……….”
“اهم حاجة ان الزعل راح……..”قالها عاصم بغمزة..
اوما حكيم بمزاح…..
“هو راح بس سبلي جراح……..يلا الواحد بيشقى وبيتعب عشان مين ماعشان اللي حوليه……”
ردد عاصم الجملة الشائكة بينهم….
“ياسلام…. على الانسانية والحب…. تصدق ياعندليب زمانك…….. عيني دمعت من التقوى……….”
ردد حكيم بتوعد……..
“بكرة تبقا انت كمان عندليب عصرك….وساعتها ههريك تريقه……بس تقع بس وانا مش هسمي عليك…….”
ساله عاصم بلؤم… “اقع في إيه بظبط………”
قال حكيم بصوتٍ عذب ملحن على اوتار
الكلمات….
“هو في غيره الحب…….دا احلى وقعه الانسان بيقعها
هي وقعت الحب….اسالني انا انا وقعت تالت مرات
وناوي اجرب الوقعه الرابعة……..”
هز مينا راسه وهو يجذب وجه عاصم اليه
قائلاً بجدية…..
“سيبك منه ياعاصم…..الحب ده بيجي مرة واحده في الحياة وهي وقعه واحده…..لم بيجي اللانسان بيكون الأهم الأول والأخير……..بيكون كل حاجة بنسباله وأول حاجة بيفكر فيها… الحب وحبيبته… “
شعر بالملل من هذه الجلسة الشاعرية فنهض
قائلاً بسخرية ناظراً اليهم معاً…….
“لا انا مش قاعد مع مينا وحكيم……انا قاعد مع
مغني وملحن……..انا راجع اشوف اكل عيشي سلام …..”
………………………………………………………………
دخلت سيارة بنصف نقل شارع الصاوي محملة ببعض
المعدات الخاصة بالمطعم الجديد والذي سيتم التجهيز له من اليوم بعد ان تم كتابة عقد الإيجار
وتسجيلة رسمياً في شهر العقاري……..
باسم حمزة الدسوقي…..
لفح الهواء وجه شهد فاطار خصلاتها القصيرة والتي
تغطي جبهتها…… فابتسمت شهد وهي تستنشق اكبر قدر من رائحة البحر الممزوجة بشارع الصاوي واناسه البسطاء…………
لكزتها صديقتها خلود والتي تجلس بجوارها وعلى الجانب الآخر في مقعد القيادة يجلس زوجها بشير…….
“سرحان في اي ياجميل……..”
ابعدت عينيها العسلية عن نافذة السيارة التي
تنظر من خلالها ونظرة الى خلود مجيبة
ببساطه….
“في المكان…….والشارع اللي هيبقا بيتنا التاني….
تفتكري المشروع هينجح هنا…..”
قطبت خلود جبينها قائلة بتعجب……
“وليه بقا مينجحش هنا…. اي حاجة فيها اكل
ناجحة بعون الله….. ولا انتي عندك شك……”
نظرة شهد للنافذة مجدداً قائلة بتفكير…..
“مفيش شك من ناحية شغلي… اللي قلقني المكان الناس اللي هنشوفهم وهنتعامل معاهم……. انتي عارفه ان شارع الصاوي بنسبالي زيه زي اي شارع بجيب طلباتي منه وبروح…. وطبعاً مبدخلهوش غير كل فين وفين……. يعني مش عارفه ناسه……”
تدخل بشير زوج خلود في الحديث
قائلاً….
“متقلقيش ياست شهد….. احنا معاكي….وواحده واحده هتتعملي……. وبعدين لو عايزة تنزلي السوق
يبقا لازمن تختلطي بده وده…… ولا اي ياخلود……”
لكز زوجته فاومات خلود برأسها قائلة بجدية…
“معلوم ياخويا…… وبعدين متقلقيش من حاجة انا وبشير اشتغلنا في شارع الصاوي قبل كده…… مش قولتلك ان إحنا كنا واقفين بعربية فول وفلافل
قبل كده….. يعني نعرف ناس فيه…….. ويعرفونا…”
لم تعقب شهد بل اومات برأسه مكتفيه بالصمت وهي تشاهد الشارع والمحلات الراكضة أمامها…. فسمعت
بشير يسألها بفتور…..
“هو حمزة مجاش معانا ليه لمؤخذة…. بما ان يعني هو اللي مأجر المكان من عاصم الصاوي… مش كان المفروض يجي برضو…. عشان الراجل ميشكش في حاجة…….”
عادت شهد اليه قائلة بنبرة عادية……..
“حمزة هيجي ورانا….. هيخلص بس نقلة الركاب اللي معاه وهيحصلنا…… وبعدين مالو عاصم الصاوي لو سالني هقول اني اخته وهشتغل معاه في
المطعم…….”
أوقف بشير سيارة النصف نقل أمام المطعم والذي كان بجوار مكتبة أحلام وعلى الجهة الاخرى محل قديم مغلق بجوار المحل صاغة كبيرة وفخمة
الشكل ملكاً لــ آل الصاوي والذي يديرها
عاصم….. فكان أكبر محل صاغة في الشارع
يتكون من طابقين الاول والثاني………وكله
يحتوي على افخم أنواع واشكال الحلي لجميع الاذواق الشعبية والعريقة…
ترجلت شهد من السيارة وكذلك بشير وخلود…. ثم
نزل من السيارة النصف نقل رجلين من العمال…
الذين سيتكلفوا بحملوة المعدات الخاصة
بالمطعم……
اخرجت شهد المفتاح من جيب تنورتها الطويلة
واتجهت لبوابة المطعم المغلقة……فمنعها بشير
قائلاً بحرج……
“عنك ياست شهد……..”
امتنعت شهد قائلة…..
“لا خليك يابشير انا عايزه افتحه بنفسي….”
اوما لها وهو يفصح لها المجال كي تتقدم….. اتجهت
الى المطعم وانحنت تفتح البوابة الاولى……بسعادة
وقلب يشرق بالأمل……
لكن صوت جهوري اتى من ماضي مظلم دوى في
أذان عليلة………
(وانتي فاكرة انك هتعرفي تحققي حاجة بنفسك واحده زيك آخرها تتجوز وتربي عيالها…..والطبيخ
اللي فكراه هيوصلك للعالمية نهايته معاكي في مطبخ بيتك……..كفاية عبط…….وهبل…. انتي
مش هتعرفي تحققي حاجة بنفسك فوقي….)
انتفض جسدها فجأه ووقع المفتاح من يدها..فنظر بشير لزوجته بتساؤل والتي تقدمت بدورها منها وانحنت تسالها بقلق…….
“شهد انتي كويسة……مالك…..”
نظرت شهد لها بعسليتان محربتان للوجع والماضي
بكل ما تمتلكه من قوة………ثم هزت راسها وهي تلتقط المفتاح وتفتح القفل بحزم…….
“انا كويسة……….كويسة ياخلود……..”
ساعدا الرجال في رفع الباب الجرار للاعلى ثم بمدالية المفاتيح الأخرى وضعت المفتاح الثاني
في الباب الزجاجي الأخير……..
فاتى صوتها الحزين من بعيد في حوار كان هادم للذات……….
(لي مصمم تكسرني….. ليه بتقلل من اي حاجة بحبها…….المفروض انك أبويا….. المفروض
انك تدعمني تقف جمبي…. وتصدق حلمي…)
صاح عثمان حينها بمنتهى القسوة مقلل منها بمنتهى الجمود
(حلمك اهبل وتافه……. والشهادة والخبرة اللي بتكلميني عنها متوصلكيش لحاجة…. اخرتك في
مطبخ بيتك…… فعقلي وبلاش تطمعي في اكتر
من كده……..)
تمتمت حينها بابتسامة مريرة…….
(أول مرة اعرف ان اللي بيحلم بيكون طماع….)
دفعت الباب الزجاجي بقوة ودلفت الى المطعم والذي سيكون أول درجة تتخطاها في حلمها…….تطلعت
شهد في المكان من حولها…….
كان مطعم كبير وشاسع……هناك جزء للطاولات والمقاعد…..بداخله باب يوصل للمكان الخاص
بالطهي…..ومكان منفرد للمراحيض الخاصة بالزبائن………كان جيد لا بأس به….يبدوا انه
سيكون بداية جيدة لها ولن تنساه……
هللت خلود بسعادة وهو تمسك كتف شهد…..
“المكان حلو اوي ياشهد وكبير ومتأسس
صح……”
قالتها وهي تركض للابواب المغلقة تتفحص المطبخ
المخصص للطهي والمراحيض……. وحقاً كان المكان جيد ونظيف يبعث الراحة في النفس…..
صاح بشير قائلاً بحماس للعمال الواقفين جواره…..
“يلا يارجالة ندخل الحاجات اللي في العربية جوا.. عشان نبدأ نظبط المكان……..”
استدارت اليه شهد قائلة بابتسامة جميلة…..
“بشير متنساش جردل الدهان……. عايزة اغير
لون الحيطه ديه…….”
اشارت الى الركن الخاص بزبائن قائلة…..
“عايز يكون في تغير في شكل المكان…..عشان الزبون يحس انه بيدخلوا لاول مرة….. “
“تمام….هجبهولك حالاً……….”
اخرجت شهد تنهيدة حارة حماسية وهي تخلع السترة من عليها وتلقيها على أحد المقاعد ثم ربطت
شعرها على شكل كعكة فوضوية جميلة وارجعت
قليلاً خصلات الغرة المغطيه جبهتها……….
فابتسمت خلود متقدمة منها بجذل……
“واضح انه هيبقا يوم طويل بس جميل……مش مصدقه ان بقا عندنا مطعم…. دلوقتي بقا هنطلع الأوردرات باسم (مطعم الشهد) واحنا حطين
رجل على رجل……. “
اتسعت ابتسامة شهد حالمة معقبة…..
“د انا عملت اليافته مخصوص عشان اعلقها لما نخلص……..”
“اليافته هتنور شارع الصاوي أصلا….ربنا يحققلك كل احلامك ياشوشو…….انتي تستهلي كل خير… “عانقتها
خلود بعد تلك الكلمات فربتت شهد على ظهرها وعسليتاها البراقة متعلقة في المكان بأمل جديد…..
………………………………………………………………
دلف الصبي الذي يعمل عند عاصم الصاوي في محل الصاغة……..
“عم عاصم…….عم عاصم……..”
رفع عاصم عيناه على الصبي الذي ياخذ انفاسه بصعوبة وكانه خرج من سباق للتو……
“في اي يارجب….مالك……في حاجة حصلت عندكم……”
هز الصبي رأسه وهو يقول لاهثاً….
“لا ياعم عاصم لكن في حاجة شوفتها وعايز
اقولك عليها………”
“حاجة اي يارجب خلص عشان مش فاضي…”
قالها عاصم وهو يوزن قطعة من الحلي على
ميزان صغير وهو يجلس باريحية خلف
مكتبه الفخم…….
فقال الصبي واشياً بهمساً…..
“المطعم اللي انت اجارته ياعم عاصم….صحابه جم وفتحوه…..وبينزلوا حاجاتهم فيه……”
رد عاصم بملل وهو يوزن قطعة
أخرى…..
“طب وفيها إيه…..مالمطعم اتأجر ليهم… “
هتف الصبي موضحاً…….
“فيها ان الراجل اللي آجره منك مش معاهم…..وان اللي فتحت المحل واحده ست…….”
“واحده ست ؟!……..”رفع عيناه عليه بقوة…..
فقال الولد واشياً……
“هما اتنين ستات وسواق العربية…بس اللي فتحت المكان واحده ست شكلها صاحبة المكان……”
نهض عاصم قائلاً بحدة…..
“صاحبة المكان إزاي انا مأجره لواحد مش واحده………”
“خليك هنا…….انا رايح أشوف في إيه…
ومين دي…”
أمر الصبي واتجه يتخطى الإدراج بشموخ ووقار
نازلاً للاسفل ومنه على باب الخروج…….متجه
الى هذا المطعم وهو يشم رائحة الخداع
والكذب وان حدث هذا فعلاً……فلن يرحم
حكيم فهو من جلب هذا النصاب إليه…..
………………………………………………………………
سندت السلم على الحائط ثم تسلقت درجات السلم وهي تمسك بين يدها دلو الطلاء وعندما وصلت لأخر السلم وضعت الدلو فوقه..وغمست الفرشاة في الدهان الأزرق الفاتح…. أحد درجات لون البحر المفضل لديها….
ثم بدأت في دهن الحائط وهي تدندن بصوتٍ خافت مع اغنية تصدر من هاتف خلود……..
صاحت خلود اليها من الأسفل…..
“ياشهد انزلي متتعبيش نفسك….. بشير هيطلع
يدهنه مكانك لحسان تقعي…….”
ردت شهد مبتسمة وهي تمشي الفرشاة على الحائط
بسعادة شاعره براحة غريبة بمجرد ان غيرت
لون الحائط بأخر جديد…….
“متقلقيش انا تمام ومرتاحه كده…… المهم الرجالة خلصت…….”
قالتها خلود وهي تتجه للمطبخ مجدداً….
“آآه فاضل حاجات بسيطه……”
دلف عاصم للمكان فوجد الرجال يحملوا
الأغراض للداخل وصوت موسيقى يدوي في
المكان برقي……
دار بحدقتيه حول المكان ليجد من تقف أعلى السلم توليه ظهرها تدهن الحائط… ترتدي تنورة واسعة كحلية اللون عليها كنزة علوية بيضاء ملتصقة قليلاً عليها…….لم يرى وجهها فقط شعر أسود ناعم مربوط على شكل كعكة………
التفت شهد سريعاً خلفها عندما شعرت انها تحت
المراقبة….فالتقط عاصم حدقتين باهداب
طويلة كثيفة سوداء يذوب بداخلهم الشهد
الحلو….
وقتها علم مالذي كان ينقص الخاتم؟……
حجر الكهرمان…. كتلك العيون التي يراها الآن
تضوي بقوة !!…….
تسمرت أعينهما للحظة وكان الكون توقف لثواني فقط ثواني كانت الموسيقي بها تدوي من
حولهما….
(شيء من بعيد ناداني و أول ما ناداني
جرالي ما جرالي….شيء من بعيد ناداني و
أول ما ناداني جرالي ما جرالي…دا مش
بايدي يابااا…….)
لحظات وشعرت ببلاهة الموقف وهي معلقة في الأعلى تنظر اليه بصمت دون سؤال او توضيح….
هي على علم انهُ (عاصم الصاوي) لن تتوه عنه…..فالطالما كانت تتردد على الشارع وتراه
بصدفة بشكلاً عابر…..لكن للحق لم تكن قريبة
منه بهذا الشكل لذا رأيته اربكتها قليلاً خصوصاً ان حمزة ليس هنا……والكلام التي كانت تخطط لقوله ضاع من عقلها فجأه عندما تصادفت به…….
نزلت شهد سريعاً درجات السلم وهي تشعر بالحرج والتوتر من مواجهة هذا الموقف…… وقفت جوار السلم وكأنها تنتظره هو كي يتقدم ويبدأ في السؤال……
ففعل عاصم وتقدم منها وعيناه القاتم تكاد تخترق
عسليتاها المهتزة بارتباك….. سائلاً إياها بصوتٍ خشن….. “انتي مين؟…….”
وصلت رجفة غريبة من نوعها على جسدها وقلبها…ورغم ذلك ردت بمنتهى الثبات امام
هذا الضخم الوسيم….صاحب الهيبة المزعزعة
لثبات المرء………
“شهد…………شهد الدسوقي…..اخت حمزة…….”
دخل أحد العمال مع بشير يحملوا شيءٍ كالوح الخشبي والذي ارتطم عن طريق الخطأ بالسلم الخشبي المجاور لها فاهتز من الأعلى دلو الطلاء….فانكمشت شهد بفزع……لتجد من
يسحب ذراعيها بقوة بعيداً لأحد الأركان…….
وينسكب الطلاء في اللحظة التالية مكانها….
(ناداني من يميني…… ولسة بيناديني
بيقولي حصليني على بلد العجايب
ناداني من شمالي قال يا ام المهر غالي
تعالي قوام تعالي خدي من الحب نايب……)
سحبت نفساً لرئتيها بصعوبة وهي تفتح عينيها بدهشة بعد ان شعرت بظهرها يرتطم بالحائط
الصلب خلفها……
وعندما ابصرت الوضع شهقت شهقة مكتومة…فكان عاصم يقف أمامها كالحاجز المانع وهو يمسك ذراعيها بقوة المتها والغريب انه لم يكن ينظر اليها بل كان ينظر للدلو الذي انسكب ارضاً مكانها…..
تأملت ملامحه الرجولية لثواني معدودة فكان رجل مهيب الملامح وقور الشكل ووسيم بشكلاً خاص…..فارع الطول يصل لستة اقدام ضخم
البنية ببشرة برونزية ولحية حالكة تلمع بشكلاً مذهل……
ابتلعت ريقها وهي تشعر بتوتر من هذا الوضع الذي لم يمر عليه الى ثواني كطرفة عين……….وقد
استدار لها عاصم يسالها بفتور وهو يبعد يداه
عنها بحياء ذكوري…..
“انتي كويسة………”
“آآه الحمدلله محصلش حاجة…… جت سليمة…..”قالتها شهد بنبرة مرتجفة وهي تسعل بحرج…وقد أحمر وجهها
كحبة طماطم بعد هذا الموقف المحرج……..
اقتربت منها خلود الذي خرجت للتو من المطبخ…..
“شهد انتي كويسة مالك اي اللي حصل…..واي اللي وقع جردل البوهيه كده….”
ردت شهد بحرج أكبر بعد ان لاحظت نظرات عاصم
القوية عليها…….
“حصل خير ياخلود انا تمام………”ثم تنحنحت قائلة
“خلود ممكن تجبيلي شوية ماية…….”
فهمت خلود سريعاً نظرات صديقتها فاومات
برأسها بطاعة…
“عيني هجبهالك حالاً…….”
ثم عندما اقتربت خلود من زوجها اشارة له بعيناها ان يتابع عمله هو والرجال……….ففهم الآخر وترك لهم
مساحة للحديث وهو يشير للرجال ان يتبعوه
للخارج…….
تنحنحت شهد وهي تشير لعاصم لأحد الأركان النظيفة كي يجلس على المقعد ويستريح…….
“اتفضل…..معلش يعني ملحقتش أعرفك على نفسي…بس بسيطه….انا شهد…..شهد الدسوقي…
اخت حمزة…. اللي آجر منك المطعم من كام يوم……..”
نظر عاصم للأرض ثم لها سائلاً بخشونة…..
“فهمت…..بس اللي مش فاهمه انتي بتعملي اي هنا…يعني انا فاكر اني اجرة المطعم لاخوكي…..
مش ليكي…..”
ازدردت ريقها وهي تنظر اليه بهدوء مجيبة
بمواربة……
“وانا مقولتش ان انا اللي اجرته…..يعني……انا هشتغل مع حمزة اخويا…..لاني فاهمه في المجال
ده اكتر منه…”
شم رائحة الكذب في صوتها….وراى ألق الكذب
في عسليتاها الجذابة………فعقب باستهجان…….
“غريبة….وهو اي اللي يدخله في مجال هو مش فاهمة…بالعكس دا اخته هي اللي فاهمه فيه……
انتوا بتلعبوا بيا ولا إيه؟!……. “
شعرت شهد بالحنق يتفاقم داخلها فهتفت بأخر ماتبقى من الصبر لها……..
“وهنلعب بيك ليه……هو انت مش ملاحظ ياستاذ عاصم انك مدي الموضوع أكبر من حجمه……..يعني اخويا آجر منك المحل واستعان بمساعدتي…..اي الغلط في ده….”
احتدت نظرات عاصم عليها مزمجراً……
“الغلط انه مجاش معايا دغري…..ومقالش ان
المطعم ده مأجره عشانك…….”
صممت شهد على رأيها قائلة بكبرياء….
“مقولنا مش عشاني احنا هنشتغل فيه احنا الإتنين…..وبعدين اي مشكلتك اذا كان متأجر بأسمي
او بأسمه……….”نظرة اليه بتساؤل…..
فاجاب بمنتهى الجمود المحمل بعنصرية الرجال
نحو المرأة العاملة الطموحة……….
“ببساطه لاني مبمضيش عقود إيجار مع حريم…منعاً للوش……ووقف الحال…. “
اتسعت نظرات شهد وهتفت بحمائية…….
“وش ووقف حال ؟!…..ازاي يعني هي الست لم تحب تشتغل وتثبت نفسها يبقا ناويه على مشاكل….وبعدين حضرتك مش شايف ان تفكيرك قديم شوية….اي مبمضيش عقود ايجار مع حريم…… مش فهماك
يعني هو احنا جربه مثلا……..”
هتف عاصم نافياً……..
“حاشى لله متقولنيش كلام مقولتهوش يامدام شهد….”
هتفت بغيظٍ ملحوظ…. “انسه……..انسه شهد……..”
لماذا غمرته الراحة فابتسم قائلاً بترحيب
طفيف……..
“أهلا تشرفنا………… تشرفنا يانسة شهد……..”
خفق قلبها فجأه فابعدت عينيها عنه قائلة
بجدية….
“خلينا نرجع لكلمنا……حضرتك مش مرحب بوجودي…..”
عبس وجهه بتساؤل….. “مش فاهم……..”
همست تسأله وبرائتها تطل من عينيها…..
“يعني مش عايزني امسك المشروع مع اخويا… كده المشروع ممكن يقع……..يرضيك ؟…. “
نظر عاصم لعيناها الراجية….ولمعة الشهد الصافي
تبرق بجمال في حدقتيها اسما على مسمى…..لم
تكن فقط عينيها الجميلة بل ملامحها حسناء أبية…..وقسمات وجهها صغيرة انثوية…..قصيرة القامة لكن تكوين جسدها يشع أنوثة ناعمة…….. رائحتها طيبة تبعث الراحة في النفس كرؤيتها تماماً……هيئتها توحي انها فتاه في الثامنة عشر………مع انه واثق انها أكبر من ذلك…….
عندما انتبهت شهد لنظراته الغير متهاونة معها وزفرة التي اخرجها وهو شارد في النظر اليها والذي لم ينتبه لها حتى بل هي من راتها…..وقررت ان تتماسك بأخر حل لديها…….وقالت بنبرة رغم انها كانت حاسمة إلا انه كانت رقيقة ناعمة بالفطرة جعلته يتبسم رغماً عنه……………
“بص بلاش تنفخ انا ممكن اضمنلك اني هكون زي النسمة في شارع الصاوي……. مش هتسمعلي صوت ولا هيبقا في اي مشاكل من ناحيتي…….. ولو حصل اي حاجة فأكيد ليا كبير اللي هو حمزة تقدر تكلمه في اي حاجة مش عجباك بخصوص تعاملي في الشارع هنا…”
ثم غيرت تعبير وجهها بشكلاً صارم
أعجبه لوهلة……..
“لكن بنسبة لشغلي فهيكون خط أحمر بنسبالك….
لانه يخصني انا……وطالما مفيش مشاكل من حوليه
يبقا مش هتدخل فيه قولت إيه……..”
لم يعقب بل ظل يأسرها بنظراته القوية….
فتغيرت نظراتها لرجاء قائلة بتساؤل……
“ليه ساكت………”
نهض عاصم قائلاً بحدة…….
“لازم اشوف بعيني الأول…..وساعتها هقرر
يا تفضلي……. هفسخ عقد الإيجار اللي بينا………”
اتسعت عيناها بصدمة وهي تقفز من مقعدها واقفه
امامه……..
“تفسخ عقد الايجار ازاي يعني……هو كلام عيال…..”
احتدت نظراته بشكلاً ارعبها لبرهة حتى فاجأها
برد القاطع وهو يوليها ظهره……
“قولي الكلام ده لاخوكي مش ليا….وبعدين
احمدي ربنا إني اديتك فرصة بعد الفيلم اللي
عملتوا عليا……”
عندما لم يجد تعليقاً منها توقف عن السير وادار
راسه إليها قائلاً…….
“ولو عايزة تفضلي في المكان ده…..اثبتيلي انك تقدري تشتغلي في شارع الصاوي ……ومشروعك ينجح كمان فيه…….”
“هينجح……”صاحت امام عيناه بعزم….
اوما براسه مبتسم ابتسامة خاليه من التعبير….
ثم قال قبل ان يغادر……
“ليكي عندي هدية حلوة لو نجح…..سلام يانسة شهد….”
القت شهد جسدها على المقعد وهي تزفر بتعب
شاعره براحة بعدما حاولت السيطرة عن الوضع
لكن التحدي صعب…..بمثابة رهن خفي بينهما…
وهي على علم ان قبل ان يقيم عاصم الصاوي بينها
الرهان كانت تقيمه هي بينها وبين نفسها…….
فالا بأس من عدت رهانات نهايتها واحده…النجاح..
ربما يزيد عزمها أكثر….من يعلم…..
اقتربت منها خلود هي وبشير
متسائلين…..
“عملتي اي ياشهد….قولتيلوا إيه…….”
زمت شفتيها باستياء قائلة….
“قولتلوا اللي مفروض اقوله…..بس مصدقش…
وواضح انه هيركز معايا اوي عشان لو حصل اي
مشاكل معايا او مني….هيقطع عقد الإيجار…..
وهيقولي بسلامة…..”
قالت خلود بحنق….
“فكك منه….هتيجي منين المشاكل…احنا جايين نشتغل مش نتعارك……”
تاففت شهد….
“والله… قولتله كده بس مصدقش…….”
اخبرتها خلود بتذكر…….
“على فكرة انا شوفت مكروباص حمزة داخل
علينا…….وكيان ركبه جمبه……”
توترت شهد وهي تنبه عليهم بعجلة…..
“حمزة….طب بقولكم….بلاش تجيبوا سيرة
ان عاصم الصاوي كان هنا……”
تدخل بشير…… “ماهو لازم يعرف ياشهد…..”
هزت شهد راسها برفض موضحة…..
“يعرف اي بس يابشير….الراجل اتكلم معايا كلمتين وخلصنا…..وادينا اتفقنا………او تقريباً اتفقنا….المهم
بلاش حمزة يعرف……عشان ميرحلوش ويشدوا قصاد بعض………”
اومات لها خلود متفهمة……
“ايوا عندك حق……بشير مش هيقوله ولا انا……اطمني…….”اوما بشير على مضض…
فقالت شهد بهدوء….
“طب يلا نشوف شغلنا……..”
“من غيرنا…….”قالتها كيان وهي تدلف المكان
حاملة بين يداها أكياس كثيرة وحمزة خلفها
يحمل عدد لا بأس به…..
اتجهت اليها شهد بلهفة قائلة….
“كيان وأخيراً جيتي….كنتي بتعملي اي دا كله…”
“كنت بشتري هدية المطعم الجديد….كام قطعة ديكور هتعمل شغل عالي في المكان……..”وضعت
كيان الأغراض جانباً……
“تعبتي نفسك……ليه….واي اللي انت جايبه دا ياستاذ…….”نظرة شهد لحمزة بابتسامة حلوة…
فقال حمزة بمرح…..وهو يضع الاكياس جانباً…
“زيها هدية المطعم….كام فوطة مطبخ على كام مفارش على طقم سكاكين وتوابل وللي زي
منه…….”
شعرت بالحنق منهم فهم يتصرفوا
كالاغراب معها……
“آآه منك ياحمزة……..كان اي لزمته بس مانا
جيبه كل حاجة ……”
رد حمزة وهو يعانق كتفها بإبتسامة
اخوية تشع فخر بها……. “زيادة الخير خيرين…….”
تفقدت كيان المكان بعينيها سريعاً
ثم قالت بابتسامة جميلة محبة…….
“بس المطعم حلو اوي ياشهد……طلع احلى من اللي في خيالي……. “
قالت شهد بجذل……
“ولسه ياكوكي… لما يتفرش….وكل حاجة تبقا في مكانها…”
شمرت كيان عن ساعديها قائلة بحماسية وهي
تنظر لهما معاً……
“طب ومستنيه إيه….يلا نخلص حاجة حاجة…..ولا
اي ياميزو…. “
غمز حمزة لاخته شهد قائلاً….
“انا مستني الرياسة يأمر بس……”
غمرة السعادة شهد فقالت مبتسمة…..
“الامر لله واحده…..خلينا نعمل سوا حاجة حاجة…”
اومات كيان براسها وهي تفتح حقيبتها وتخرج
قبعة من الصوف باللون الأحمر……
“قشطه أوي…..اربط شعري بقا والبس الايس كاب
ده عشان التراب……”
ابتسم حمزة مشاكساً إياها….
“لا حلوه ياكيمو…… دماغ شغالة ما بتنمش……”
“امال إيه وجبتلك انت وشهد واحد….نفس اللون…”
قالتها وهي تلقي الكاب الصوف عليه فالتقطه
حمزة قائلاً بتزمر…..
“جيباه أحمر………انتي عارفة اني زملكاوي…..”
هتفت كيان بملل…….
“هو احنا رايحين الإستاد….البس وانت ساكت…”
ثم نظرة لاختها قائلة بالطافة…..
“شهد عايزاني اعمل إيه…. “
قالت شهد وهي ترتدي الكاب الصوفي….
“هكمل دهان الحيطه دي وبعدين نكنس المكان ونسيقه….وبشير وخلود بيظبطه المطبخ جوا…”
قالت كيان بطاقة رهيبة……
“اوكيه انا عمتاً بحب الألوان أوي….حمزة يطلع
يدهن من فوق وانا وانتي من تحت وهننجز…..”
كانا الثلاثة شعلة من الطاقة الحب التعاون…..دهنا الحائط معاً وسط مزاح ثقيل وغليظ من حمزة
الذي افسد ملابسهم بالدهان الذي كان يقطر
عليهم منه بالفرشاة من الأعلى…….ورغم ذلك كان الفتيات يضحكا بصخب عالي……مستمتعين بتلك
اللحظات معاً…..سعيدين بأول خطوة تاخذها
اختهما……ويتمنوا لها الأفضل….كما يتمنوا جميعاً
المواصلة والنجاح بعيداً عن كنف عثمان
الدسوقي وقساوة قلبه……
لكن بالصبر ربما يتحقق الاستقلال…..ونصنع الحياة
السوية يوماً لنا ولمن نحب ؟!…….
كان آخر شيءٍ يجب ان يوضع هو الافته على المطعم من الخارج…….
وقفت شهد بالخارج امام المطعم ترى العمال يرفعا
الافته للأعلى ويثبتا اياها بمنتهى الحرص…..والتي كانت تحمل بالخط العريض (مطعم الشهد…)
ابتسمت شهد بسعادة وهي تتأمل اللوحة بمنتهى الرضا رافعة معها أحلام وطموحات ستسعى لتحقيقها……..
احاطت كيان ذراع شهد وسندت رأسها على كتف
أختها التي مزالت تنظر للوحة بعسليتاها المشعة بالفرح…..
شقت شفتي شهد ابتسامة جميلة وهي تقول
بتمني….”يارب…….”
حانت منها نظرة جوارها لتجد من يقف امام
محل الصاغة يتحدث في الهاتف وعيناه القاتمة
تأسرها مجدداً بنظرة مختلفه تخترقها وكانها
تحاول التغلغل لاعماقها……..
ابعدت شهد انظارها بتوتر……عائده للافته المعلقة
فتأملها عاصم لبرهة ثم عاد للافته ينظر الى الإسم
باستهانه !!………
لا تستهين بأحلام إمرأة فربما وجدتها يوماً تقف على قمة أحلامك ؟!…..

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

كانت تدور حول نفسها بسعادة طفلة في عمر الثامنة بثوب أبيض يدخل في طرف التنورة شريط
من اللون الأزرق كالبحر رفيقها………تترك شعرها الناعم القصير يغطي آخر عنقها…….
(شهد….. شهد شوفي جبتلك إيه…….)
نظرة الى اخيها (حمزة) الذي يكبرها بثلاثة أعوام خطت عينيها في ابتسامة جميلة….. وبتسمت الشفاة
الصغيرة سائلة اياه وهي تلتقط عقد خرز جميل من اللون الأزرق………مصنوع يدوياً….بسيط……لكن
اعجبها بشدة……….
(دا ليا انا ياحمزة……..)
أومأ حمزة مبتسماً…..
(ايوا اشتريته من مصروفي….. حلووو…..)
اومات شهد بسعادة وهي تلامس اطراف
فستانها بفرحة اليتيم…….
(أوي…….. بص دا لايق على الفستان الجديد…..)
حانت من حمزة نظرة على الفستان ثم عقب
بحنق شديد………
(بس ده مش جديد انتي وخداه من بنت جارتنا….)
دارت شهد حول نفسها تتفحص الفستان قائلة
برضا تام……..
(أيوا بس هي مبقتش عيزاه ودتهوني…. وماما كمان غسلته وحطت فيه الشريط الأزرق ده عشان يبان انه جديد…… هي مش هتعرفوا كده…….)
(ولا تعرفوا………. تعالي البسك السلسلة……..) فتح
العقد ونداها بعيناه ان تقترب……..ففعلت وهي
تقول برقة……..
(ماشي يلا عشان اوريها لماما…….)
(عارفه الهدية دي ليه……..)سألها وهو يحاول قفل
العقد……فردت شهد بنباهة……….
(عارفه عشان غطيت عليك إمبارح….ومقولتش لبابا انك تحت بتلعب كورة……….قولتله انك في الحمام
والحمدلله انك وقتها جيت بسرعة ولحقت
نفسك…..)
انهى حمزة اغلق القفل الصغير وادارها اليه قائلاً
بجذل…….
(ودي بقا هدية جدعنتك معايا…. ولو حصل حاجة
زي دي نبهيني وشوريلي من الشباك ساعتها…..)
اومات براسها وهي تنبه عليه…….
(ماشي……… بس بلاش تتأخر تحت وبابا نايم… عشان بيزعقلي انا وماما جاامد……)
(وعد ياشوشو…. مش هتأخر……..حلو اوي عليكي..)
قالها حمزة وهو ينظر للعقد……فلمست شهد الخرز
باناملها مؤكدة…………
(جميل أوي انا حبيتوا……..)
اقترح حمزة بملل….
(انا زهقان اي رايك نلعب استغمايه…….)
هتفت بسرعة……..(يلا بينا…..)
خرجت والدتهما (كريمة..) من المطبخ تحمل صنية عليها القليل من الرز…….كانت امراة مكتنزة الجسد
بشوشة الوجه حنانها يطل من عينيها في صوتها الدافئ…..اماً كأي ام اصيلة تريد ان تعيش لأجل احبابها تريد ان تفني عمرها وصحتها لأجل راحة
أولادها وزوجها……
نبهت صغارها بنبرة مجهدة….
(بلاش ياحمزة…. جري وتنطيط في الشقة أبوك
على وصول…….)
ترجاها حمزة وهو يمسك بيد أخته كي تتقدم
معه……
(شويه صغيرين ياماما…. عشر دقايق بس……..)
اومات كريمة امام رجاء اعينهما……
(ماشي العبوا في الصالة بلاش الاوض… وبذات أوضة ابوكم سامعين……) اتجهت للمطبخ سريعاً
تتابع نضج الطعام على الموقد……
(انت اللي فيها…..) صاحت شهد بها بشقاوة وهي تشير له على الحائط كي يعد خلفه…..
فاومأ حمزة الصغير براسه ببساطة…… فهو من عشاق
البحث عن الأشياء المفقودة…….. ليس من هواي التخبئ خلف الأبواب او تحت الطاولات….. يحب
الظهور……. النظر في العيون بجرأة دون جبن
او اختفاء…..
وضع حمزة ذراعه على الحائط ودفن وجهه بها
قائلاً بصوتٍ مشاكس لطيف…….
(خلاويص…. اجيب البوليس……. عشرة… عشرين..)
ضحكت شهد وهي تبحث عن شيءٍ جديد تختبئ
خلفه….. ظلت تدور حلو نفسها فكل الإمكان مكشوفه
لدى حمزة……تريد الاختباء في مكان لن يتوقعها
فيه……
اتت عينيها على غرفة أبيها المغلق بابها….إبتسمت
ولمعة الفكرة في عينيها دون ان تحسب لشيء….
وضعت يدها على المقبض وفتحت الباب ببطئ
حتى لا يسمعها حمزة الملهي في العد بصوتٍ عالٍ………
عندما دخلت واغلقت الباب أول شيءٍ اختبأت
خلفه سريعاً كان المقعد الخشبي المتأرجح….
الخاص بوالدها……والذي لا يسمح لأحد
بالاقتراب منه….ان صح القول فكل شيءٍ ملك
لعثمان الدسوقي لا يلمسه شخصاً غيره……حتى
ان كانوا أولاده وزوجته !…..حتى الغرفة ممنوع دخولها إلا بإذن منه…….وحتى زوجته كريمة
تستأذن قبل دخولها !!…….
ليس فقط لانها غرفته سبباً آخر أهم انها بها أوراق واموال لا يفضل ان يطلع عليهم أحد سواه…….
حبست شهد انفاسها وهي تضحك خلف المقعد سامعه صوت حمزة من الخارج يبحث عنها بشقاوة
ثم لحظات وتزمر…..واخرى ومل…..والاخيرة نادى
عليها بحنق….ان تظهر وكفاها مزاح فقد
فقد الأمل في ايجادها………واحبط للأسف……..
ابتسمت شهد بانتصار وخرجت من خلف المقعد
ولكن صوت شخشخت مفاتيح أبيها وفتح الباب بعدها جعل قلبها يسقط صريعاً وقد اختبأت خلف
المقعد مجدداً…….. ترتجف من الرعب…….
عزرائيل حياتها آتى…..سيقبض روحها الآن…..أنه عندما يطيح ضرباً على جسدها الصغير يفضل خنقها أكثر بيده الكبرى…كـ…كـقطة تقع بين يدي من لا يرحم……….
يفضل تعذيبها وهي تترجاه باكية ان يتركها تعيش………لكنه لا يفعل….لا يفعل إلا عندما يشعر
ان روحها تنسحب من جسدها بالفعل…وفي آخر
لحظة يطلق سراحها….واعداً إياها بالموت
القريب…….
(في ايه وقف كده ليه……وفين امك واختك……)
سمعت هذا السؤال القوي يصدر من أبيها بالخارج
فارتجف جسدها بفزع…… خصوصاً ان حمزة لا
يعرف بأي غرفة هي…….وبالفعل كان يتمنى ان تكون أخته تختبأ في اي مكان إلا غرفة والده…….ان كان حتى الحمام سيكون العقاب أهون………..
(شهد في الحمام……..)لا يعرف بماذا يجيب…لكن هذا
ما وصل له فقالها وهو يتصبب عرقاً…….
فضيق عثمان عيناه في خطٍ مستقيم قاسٍ وهو ينظر للحمام ليجد كريمة تخرج منه وهي توزع الانظار بينهما غافلة…….
(انت جيت ياعثمان……..)
تافف عثمان بقرف وكانه ينظر لكومة قمامة تفوح منها رائحة قذرة……….مع ان العكس…..تلك المرأه
كانت أمرأه نظيفة جميلة……بسيطه بساطه تبعث
الراحة في النفس لا تصيب بالنفور كما يفعل
هو كلما رآها……..
شعورها بعد تلك النظرة الباردة والزفرة المشمئزة
اضاف على جراح قلبها ملح فازدادت لهيباً
وتضاعف الالم…..لكن تحملت كالعادة دون
تعقيب وقالت بنفساً راضية…….
(حمدالله على سلامتك هحضرلك الحمام…….
وهجهز الاكل علطول…..)
صاح عثمان سائلاً….
(استني عندك…….بنتك فين……)
ردت كريمة غافلة……
(كيان نايمه………..معاد نومها………)
تافف بجزع مكرراً السؤال بوضوح……
(مش قصدي على الصغيرة فين الكبيرة……….)
درات حدقتيها بينهم قائلة بقلق…..
(كانت…..كانت هنا…..فين اختك ياحمزة………)نظرة لابنها الذي هتف بخوف……..
(هنا……. كنا بنلعب….وهي أكيد مستخبية في اوضتنا……)
كان سيبتعد حمزة يبحث عنها في الغرف المغلقة
لكن ابيه منعه ومسكه من اذانه يقرصها بقوة
صائحاً بانفاس كريهة ونظرات خطرة…….
(بتلعبوا هنا….انا مش قولت مية مرة بطلو لعب وتنطيط انتوا إيه شياطين…….)
صاح حمزة وبدأ يبكي بخوف…….
(اخر مرة يابابا مش هتتكرر تاني……)
(ايوا عيط زي النسوان….نداب زي اللي جابتك…..)
القاه بقوة حتى ارتطم جسده النحيل أرضا
فمسح حمزة دموعه بحزن وانكسار شاعراً
بناراً تكوي قلبه وجسده بعد هذه الكلمات السامة…….المعتادة منه……..
وقف عثمان في منتصف الصالة بطوله الفارع وبجسده الصلب هادراً بصوتٍ عالٍ ينادي عليها…………
(شاااااااااااااااااااهـــد………..شاااااااااااااااااااهـــد..)
ارتجف جسدها الصغير بخوف وظلت تدعي
وتترجى الله بدموع وشهقات المكتومة…. ان يخفيها عن عيناه….ألا يجدها….ان يقل حجمها وتكن بجحم النملة ولا يراها…..او ان يخلق لها جنحات فتطير وتهرب تهاجر مع الطيور المهاجرة لأبعد مكاناً…..
مكاناً خالي من عثمان الدسوقي….من العزرائيل….
فُتح الباب الذي كان يفصل بينها وبينه….وظهرت
ساق عثمان من خلال بنطاله الأسود….فبلعت ريقها
وهي تراه من خلال الفتحات الخشبية الصغيرة
الموجوده في المقعد التي تختبئ خلفه….. ازدردت ريقها وهي تراه ينادي عليها بصوتٍ يفوح منه
القسوة وتوعد……….
ومع ذلك لم تجرؤ على الرد او الظهور….. خوفها كان أكبر……… تعلم ماذا سيحدث لها ان ظهرت…. لذلك
لن تجازف قط…….
عندما غفلت وشردت في خوفها صرخت…. صرخة قوية وكأن اصابها مس…….لتجد نفسها معلقة بين يداه بقسوة قابض في اللحظة التالية على عنقها……بمنتهى السادية والوحشية……..
(يابنت ال***….. بتلعبي معايا يا****…..)
سبها باقذع الكلمات…. تمس شرف أمها…. وتمسها
هي كطفله لا تعرف من الحياة إلا اللعب والضحك…
ويسعد قلبها البريء فستان مستهلك !!…….
حاولت الافلات منه وهي تتأرجح بقدميها شاعرها
بروحها تنسحب ببطء……مستغيثة بصوتٍ ضعيف
مختنق……
غلت الدماء في عروق حمزة الصغير وهو يراها
تموت امامه بهذا الشكل المخزي….. فصرخ حمزة
في أبيه بتمرد صبي تعب من حياة العبودية
التي يحياها هو وشقيقته و أمه…….
القاها عثمان على الفراش بقوة واتجه الى حمزة الذي يصرخ فيه ويدعي عليه…….. أراد ان يعلم الإثنين درسٍ لا يُنسى……. فاتجه الى أبسط الحلول بنسبة له……
فك عثمان حزام بنطالة من حول خصره ورفعه
عليهما وظل ينقله بينهما بمنتهى القسوة………
مرة يجلدها على ساقيها فتصرخ مستغيثة اللاشيء
ثم يرفع الحزام مرة أخرى ويضرب وجهها به
حتى تصمت !!….وللعجب تصرخ بوجع وتحاول
تقبيل يده طالبة العفو حتى يتركها….لكنه يرفض ويجلدها مرة واثنين وثلاثة……يأدبها حتى تصمت ولا تصرخ في وجهه وهي تجلد بعنف ؟!!…….
كان خسيس……قاسي…. وحش…..عديم
المشاعر……..فاقد الإنسانية……. ينهال عليهما دون
أية شعور بالذنب….. وكانه ينفث عن غضبه من خلالهما……..
اتسخ الفستان الجميل بقطرات دماؤها وتمزق
العقد الذي احبته فوقع أسفل قدميها ومن
كثرة الضرب والبكاء شعرت بشيء دافئ
ينساب من بين قدميها…..
نظرة للأسفل بعيون باكية وجسد ينتفض من هول الوجع….لتجد نفسها تتبول دون شعور منها……….
فنظر لها والدها بقرف وابتعد….ولم يتوقف عن سبها ونعتها بالقذارة………
الحياة قاسية….لكن الاكثر قساوة….ان ترى قسوة
الحياة من خلال عائلتك…….ان تعيش الرعب في كنفك الدافئ……….أقصد البارد………..
…………………………………………………………….
في الصباح الباكر ترجلت من سيارة الاجرة….
امام أرض المقابر…..
نظرة للمكان من حولها…. تقريباً اتت في بداية
شروق الشمس……. كان المكان هادئ والهواء باسط……
رائحة القبور غريبة…. تبعث شيءٍ مفجع في
النفس….هنا ترى عن قرب ما تظنه انت انه سيأتي بعد عمراً طويل……….
الموت ؟!!
الكثير هنا فارق احباءه……..منهم من مات نتيجة جوع…..او مرض….او قهر………والاغلب مات وهو يسعى ان يعيش حياة ميسورة……..
هنا من آتى حامل أثقالاً على ظهره…..وعكسه اتى خفيف الحمل يرى مقعده في الجنة……….
النهاية الحتمية هنا…
مهم انكرت او تناست…..ومع ذلك هي كالبشر
غريزتها الفطرية تجعلها ترى العمر فرصة تتماشى
مع الحياة…..يمكن ان تحقق رغباتها واحلامها
دون ان تؤذي أحد………
الأحلام ليست من المحرمات كما يخبرها والدها…
قال يوماً ان الأحلام محرمة على النساء……وان الحلم الوحيد المسموح لهن هو الزواج وانجاب
الأطفال…..
نظرة للسماء بعينين ضائعتين متسائلة داخلها بحيرة………
كلٍ منا له حق ان يحلم…..وان كانت الأحلام محرمة على النساء ما كان خيالهن وصل للأفاق ؟!…..
سحبت نفساً بارداً وسارت بين المقابر….تلقي السلام
بهمساً احترماً للموته……..حتى وصلت لقبر والدتها
(كريمة)وقفت امام القبر والقت السلام وقرأت
الفاتحة……ثم تسمرت مكانها تنظر للقبر بحزن
ووجع….وكأنها مزالت تدرك ان امها ماتت وتركتها
منذ سنوات طويلة………
“وحشتني……بقالي اسبوعين مجتلكيش….أكيد وحشتك وانتي اوي والله……متزعليش مني….
انتي عارفه انا مش بيبعدني عنك غير الشديد القوي………”
نزلت دموعها فمسحتها وهي تبتسم بمحبة
مستأنفة…
“عايزه احكيلك عن الحاجات اللي حصلت معايا الفترة دي……..أجرة المطعم اللي حكتلك عنه…
اللي في شارع الصاوي….بس بنتك لازم يطلعلها
عفريت العلبة….والعفريت المرادي……عاصم
الصاوي صاحب المطعم ويعتبر مالك نص شارع
الصاوي….اللي بأسم عيلته……المهم ياستي حطني
في دماغه وناوي يوقفلي على الوحدة…ولو حصل اي حاجة هيقولي بسلامة……..كل ده لانه مش بيحب يتعامل مع الستات في الشغل…..شوفتي تخلف
اكتر من كده…… ما علينا…بنتك قدها…..يعني اللي
تعيش سبعة وعشرين سنة مع عثمان الدسوقي…قادرة تتخطى وتتعامل مع اي راجل……هتفرج وبكرة يعرف اني مش جايه
غير عشان اشتغل وثبت رجلي في المكان……”
ارجعت خصله من شعرها للخلف وهي تقول ضاحكة…….
“كيان كانت ناوي تجيلك معايا بس الشغل خدها…
لسه زي ماهي مجنونه وشقية…….ومش بتبطل شتيمة في المحامي اللي شغاله عنده…..واضح
انه مطلع عينها…..بس مش قادره تفهم لحد
دلوقتي ان ده العادي………وشعار اجددنا
بيقول……..مش هتوصل غير لم يتمسح بيك البلاط……وانت وشطارتك بقا…… ”
صمتت قليلاً ولاح الحزن في عينيها وصوتها فبدأت
تخبر امها بحيرة…..
“حمزة بقاله كام يوم مش مظبوط……متعصب دايما
وبيتنرفز من أقل حاجة……مش طايق نفسه…ودا معناه انه ياما متعارك مع نجلاء خطبته ياما مع امها…….نفسي اساعده اوي ياماما…بس ما باليد
حيلة الفلوس اللي كانت معايا مكنتش هتساعد
حتى في تمن أوضة على السطوح…….وانتي كمان
عرفاه نفسه عزيزة…….حتى لو اللي بتساعده دي أخته……..”
عدلت حقيبتها على كتفها قائلة بكبت…..
“طولت عليكي في الكلام…..هسيبك دلوقتي…ووعد
هجيلك في اقرب وقت احكيلك فيه عن الشغل في شارع الصاوي….دا اذا كملت وسبني الصايغ في حالي…..”
“سلام ياحبيبتي…….”انسحبت مبتعدة عن المقبرة
ببطء كنسيم يداعب أوراق الشجر….
……………………………………………………………
حياتك كفيلم سينمائي مقدر لك ان تعيش دور البطولة………تحدد انت البداية والنهاية…واترك
الحبكة الدرامية مفاجأة حصرية لك وحدك…
ففي النهاية هي اختياراتك ونتائجها…. وهو فيلمك
وانت البطل…. والمشاهد….. الناقد….والداعم……..
فلا تنفي أحلامك…..ولا تلغي كيانك……
فتحت باب المطعم باكراً…..انه أول يوم عمل…..
ستبدا اليوم بفرش الطاولات…..بمسح ارضية المطعم
واشعال اعواد البخور برائحة المسك والعنبر…..
شغلت الراديو على الإذاعة الدينية…….سمعت بعض اللقاءات الدينية المتداول فيها الأسئلة المعتادة..
آخر شيء تبقى هو الطهي….وهذا أفضل شيء تقوم
به……وسط الخضراوات التوابل والبهارات المحمصة
سمفونية تسلطن الرأس…….النار تفعل العجب…..
يقولون ان حلاوة الحب هو الجنون والاشتعال الذاتي…….. وليس العكس…
وهي ومقلاتها المفضلة يشتعلا على الموقد
والخضراوات وتوابل يتراقصا بسعادة كسعادة
طاهية ماهرة تعرف كيف تبرز النكهات
باحترافية فنان……
تقدمت منها خلود تنظر للمقلاة وهي تشم رائحة
الطعام الشهي…….فانشدت باعجاب……
“سيدي ياسيدي على الروايح……الله… الله….طالع لمين الاوردر ده……..”
قالت شهد وهي ترش القليل من الملح
وتقلب بمعلقة الخشب….
“لمدام لارا……..لازم نوصله على الساعة اتناشر
الضهر عندها عزومة…….بس اي رايك…. ”
ردت خلود وهي تعود وتقطع الطماطم…..
“رايي في إيه الجواب باين من عنوانه الريحة تهبل……..”
بعد مدة….قالت شهد وهي منهكه في الطهي…..
“خلود حضريلي مقدير السويسرول بالفراولة اللي
عملناه قبل كده لمدام لارا……اصلها طلبته تاني
مع الاوردر ده…..حضريها قبل مانسى… خلينا
نكسب وقت…… ”
“عيني………”ثم انحنت خلود تجلب الاشياء
الذي اشتروها أمس وقالت وهي تستقيم واقفه…..
“على فكرة بشير زمانه جاي ومعاه ورق الدعاية
اللي طلبتيه للمطعم………”
اومات شهد مبتسمة……
“كويس اوي……..نعمل إعلان قبل الافتتاح…..”
قالت خلود بحماسية مفرطة…..
“وأول ما أوراق الإعلان تيجي هخلي بشير يأجر
كام عيل كده ويوزعوا في كذا مكان….وهنكتب
الخصومات خسمين في المية يوم الافتتاح….
وانا واثقه بعون الله اللي هياكل عندنا يوم
الافتتاح…. هايجي مرة واتنين وعشرة وهيبقا زبونا……”
قالت شهد……. “ان شاء الله………”
……………………………………………………………..
بعد مدة…….بقلب ردهة المطعم التي يتم استقبال الزبائن بها…… علقت لوح ورقي أبيض….. ستدوي عليه الملاحظات الهامة…… الخاصة بقوانين المكان تجنباً للمشاكل وعدم الاحراج كذلك لأحد………
نظرة شهد للوح الورقي وبين اصابعها القلم الأسود
انحنت تكتب شيءٍ ما….لكن توقفت سريعاً وخفق قلبها بفزع عندما سمعت نحنحة رجولية خشنة
تاتي بالقرب من الباب………
استدارت تنظر الى أول زبون للمطعم……لكن
سرعان ما ارتفع حاجباها معاً مرددة بذهول……
“استاذ عاصم؟!……..اهلاً اتفضل……..”
تنحنح مجدداً بخشونة لها هيبة كحضوره تماماً…
تقدم منها وعيناه تأسرها كالعادة…… تخترقها بشكلاً
يزعجها……. هل ينظر في عيون للناس بهذا الشكل المريب و…….. والوقح……..
بلعت ريقها وهي تحاول الهروب من مرمى
عيناه مرحبه بلطف……
“نورت المكان………اتفضل……..”
كانت ملامحه متحجرة وعيناه هادئتين وهو يخبرها
بتسلط ازعجها………
“انا مش جاي اضايف…..انا جاي اشوف الشغل ماشي إزاي….خصوصاً انه يعتبر أول يوم ليكي…….”
ماهذا الهراء……ماذا يعني بأول يوم…..هل هو أول
يوم لها بروضة فاتى يطمئن……لا تحب عبث
الرجال وحتى ان كان صاحب المطعم التي
استأجرته منه……..
دار عاصم بعيناه حول المكان متمتماً بفتور…..
“كويس…..المكان بقا احسن شوية……بس لو مكنتيش غيرتي لون الحيطه دي….كان هيبقا أحسن…….”
قالت شهد مختصرة……
“كان لازم اغيرها عشان احس بتجديد……”
هز عاصم راسه قائلاً باستهانه…..
“آآه…….يلا اهي فلوس بتترمي على الأرض….الجمال
عمل اكتر من كده وفي الاخر طلع من المكان خسران……”
اتسعت عينا شهد بصدمة وعندما وجدته جاد
في حديثه تمتمت منزعجة دون النظر له……
“يافتاح ياعليم يارزاق ياكريم…….حقيقي….في ناس
وجودها معانا مهم……..بيدونا طاقة ايجابية كده…”
وضع عاصم يداه في جيب بنطالة وتحدث
بغطرسة وهو يهز راسه وكانه معه كل
الحق…
“انا واقعي يانسه لا سلبي ولا اجابي….ومع ذلك هتفضلي تحت عيني انتي وشغلك لحد ما أطمن
من ناحيتك…..ساعتها هيكون قدامك السنة اللي مكتوبة في عقد الإيجار…….”
تساءلت مقتضبة…..
“افهم من كده انك هتزرني كتير ؟!…….”
اوما عاصم بمنتهى السلاسة……
“كل يوم زي دلوقتي الساعة عشرة……في
مشكلة عندك……”
اتكأت على اسنانها قائلة بقنوط……..
“لا طبعاً….دا مكانك…..بس لازم اكتبها عندي…
عشان منساش……”
فتحت غطاء القلم امام عيناه الهادئة بمنتهى العصبية واتجهت الى اللوحة وكتبت بعصبية مكتومة تكاد تسمع صوت القلم وهو يحك في
اللوحة الورقيه ……..
(زيارات صاحب المطعم ستبدأ يومياً الساعة
عشرة………)
أبتسم عاصم بتسلية وهو يشعر بشيءٍ رطب حلو كالشهد يصب على قلبه……. يشرق صباحة ويجعله مختلفاً عن اي يومٍ مر عليه……ربما يجب ان يواظب على هذه الزيارة الصباحية فهي ستفرق معه جداً………
“ممكن تديني القلم…….”
طلبه البسيط جعلها تجفل وتنظر للوحة مجدداً تقرأ ما عليها خوفاً من ان تكون قد اخطأت في شيء او خانها تعبيرها وشتمت إياه كما فعلت في سرها
وهي تكتب……..
“ها….. القلم…..”
اوما براسه وهو يلاعبها بصوت الهادى والملامحه الصخرية……
“ايوا القلم………هاتيه………”
بللت شفتيها بتردد ثم مدت القلم….اخذه عاصم وبجوار الجملة كتب……
(صباحاً………)
نظرة شهد للكلمة وابتسمت….البسمة كانت تخص
الجملة الطويلة والتي كانت متوازنة حتى اتت كلمة
(صباحاً…)والتي كانت متناقضة مع خطها…..فقد
كتبها بالرقعة بخطٍ جميل اعجبها وغارت منه للحظة….
يبدو انه يجيد الرسم…….تبرهن بهذا……
“افهم بقا بتضحكي على إيه……..”
سألها فتلاشت البسمة بتدريج مجيبه ببساطه…
“أبداً خطك عجبني…….اصلي مكنتش بحب اكتب بالرقعة……..يعني كنت بستصعبها….. بس ماشاء
الله شكلك مش بتكتب غير بيها…..”
ردد عاصم وهو يستريح على احد
المقاعد….. “تعوود……..”
بعد رؤيته يجلس شعرت شهد بالحنق فهي يجب
ان تتابع عملها وتنهي الطلبات في معادها
خلود وحدها لن تلاحق على شيء……يجب ان
تباشر العمل……..
ماذا ستفعل ستصبر قليلاً ربما ينصرف
الآن اقتربت منه قائلة……
“تحب اعملك شاي…. ولا تتغدى……..”
نظر عاصم لها عن قرب….. بخصلاتها السوداء الناعمة القصيرة والتي تغطي جبهتها … شعرها معقود للخلف تضع شريط أبيض فوق رأسها……..ترتدي مريول المطبخ يغطي فستانها المشمشي الطويل……
عاد لعينيها ملامحها الصغيرة الانثوية ورغم جمالها الأخذ الانجذاب الاكبر كان لعسليتاها البراقتان كبركتان من العسل الصافي تنادي الجائع…..
ينافسا لمعة الذهب…… وحجر الكهرمان…….لم يرى عيون جميلتين بديعتين جذابتين ساحرتين……….
كعيناها هي……
حتى الآن يسأل نفسه لماذا اتى……ولماذا سيواظب على المجيء لهنا كل يوماً في الصباح…….
عقب عاصم أخيراً على سؤالها بتعجب…….
“مش عايز شاي…….لكن غدى إيه اللي هتغداها
الساعة عشرة ؟!!…….”
جلست شهد في المقعد المقابل له بحنق مخفي عن الأعين…..
“يعني عادي…..الاوردر اللي هطلعه كمان ساعتين
صحابه هيتغدو الساعة اتناشر……”
(كن حسيسا وابتعد لنرى اكل عيشنا يا هذا….)
ابتسم عاصم واخفض انظاره……عيونها قالتها…
العيون العسلية صريحة وشفافة لأبعد حد…..
أراد ان يتحدث معها أكثر….ولا يعرف لماذا تلح عليه تلك الرغبة الغريبة تجاه امرأه…….
“جايز….بس انا كده كدا…..مبحبش اكل من الشارع…
اكل المطاعم…. انتي عارفه مش بيراعوا ضميرهم في الشغل…….”
قالت شهد بحمائية واضحة…….
“بس انا غيرهم……انا نضيفه جداً في شغلي…تقدر
تدخل المطبخ وتشوف بنفسك…….”
رد عاصم بغلاظة…..
“ما الاهتمام ده بيبقا في الاول بس…….”
تمتمت شهد وهي تخفض رأسها……
(اللهم طولك ياروح…..وبعدين بقا…….)ثم رفعت راسها فوجدته ينظر اليها بصمت…..فقالت
بابتسامة صفراء وهي تجز على اسنانها……..
“منور……..”
حرك حاجب و رد دون تبسم……. “بنورك………”
لم تتلاشى البسمة المكفهرة
واقترحت…
“تحب اعملك شاي…… قهوة……عصير……”
امتنع بهدوء وهو يسالها عن مايدور في
رأسه…….
“مش عايز اتعبك………بس انتي فعلاً بتعرفي
تطبخي كويس…….ولا اي كلام….. ”
تلك الجلسة وهذا السؤال يفسر للناظر انها مقابلة رسمية مع رجل يبحث عن زوجة تجيد الطهي وتربية الأطفال وشرط اساسي ان تكون متعلمة حتى تذاكر
للأولاد !……
الصبر……فانا افقده مع هذا العاصم………
انعقد حاجباها ثم عقبت بتعجب….
“اي كلام إزاي يعني؟!…….بعرف اطبخ طبعاً… وقريب اوي هدوقك اكلي…. عشان تطمن بنفسك……”
أحب ان يزيد شرارة التحدي بينهما
فقال….
“مقولنا مليش في اكل المطاعم……..”
ردت شهد بمنتهى الثقة……
“وانا قولتلك انا غيرهم…….. وارهنك انك لما تدوقي
اكلي……مش هتبطل تطلب الاكل من عندنا…..”
قال عاصم بصوتٍ أجش……
“الثقة الزايدة دي بتودي في داهية يانسة شهد….”
احتد التحدي بينهما فقالت شهد…..
“بلاش تحكم غير لما تدوق بنفسك…… انا ممكن اقدملك دلوقتي حاجة بسيطه من اللي طبختها
تاكلها وتقولي رأيك…….”
رفع عاصم حاجباً عابثاً سائلاً اياها وهو يميل
للأمام قليلاً… “وياترى دي رشوة؟!….”
مالت مثله للأمام واجابة
بهمساً سري…….
“اعتبرها عربون محبة……..”
عند هذا القرب وهذا الرد شيءٍ داخله تحرك…حركة
لأول مرة يستشعر بها……رمش بعيناه مرتين وهو ينظر لملامحها الجميلة الهادئة والمنتظره…..
نهض عاصم بهدوء واخبرها بتسلط وهو على
وشك الخروج من هنا……..
“طولت عليكي………انا ماشي… وكل يوم الصبح الساعة عشرة هتلاقيني فوق رأسك زي ماتفقنا…….سلام يانسة……….. شهد… ”
خرج امام عيناها بهدوء عكس دخولة سابقاً…..
استدارت شهد للوحة الورقية لتنظر لاخر
كلمة خطاها بقلمة بخط الرقعة الأنيق
(صباحاً….)
كل صباح ستراه…………سيتلف اعصابها قليلاً ثم
يوزع طاقته السلبية عليها…..ويستفزها ثم
يرحل……ليس لديها طاقة لرؤيته كل صباح
هذا صعب…….صعب……….
صاحت خلود عليها من المطبخ……..
“ياشهد….. ياشهد تعالي شوفي الأكل مش ملحقه على كل ده لوحدي……..”
“جايه………. جايه ياخلود……..” ابعدت عيناها عن اللوحة واتجهت للمطبخ سريعاً تنهي مابدأ…..
……………………………………………………………..
عندما دلف عاصم الى الصاغة لم تمر الدقائق الا ووجد حكيم فوق رأسه يجلس في المقعد المجاور
له قائلاً بمنتهى الاريحية…..
“اطلب ليا واحد قهوة ياعاصم… وسيب الشغل ده وسليني شويه لحسان زهقان……”
رفع عاصم عيناه عن الاوراق وجز على أسنانه
مقطب الحاجبين ……
“زهقان !!…. وسليك؟!….. انت شايفني ارجوز… امشي على شغلك ياحكيم انا عندي شغل قد كده
فوق راسي……”
طلت البراءة في عينا حكيم متحججاً….
“البازار شغله مريح وبعدين الصبي بتاعي
واقف فيه…….”
ارتاحت يد عاصم على سطح المكتب
وساله بملل……..
“كويس اي بقا المطلوب مني……جاي ليه…. ”
اخبره حكيم بمنتهى الهدوء……
“عشان اشرب القهوة ودردش معاك شويه……الا قولي
صحيح اي أخبار الجيران الجداد انا شايف المطعم فتح…….”
احتدت نظرات عاصم وتحدث بغضب
مكتوم…..
“آآه كويس انك فكرتني…….الواد اللي جبتهولي
هنا عشان يأجر المطعم…… تعرفوا كويس……”
رد حكيم بجدية وهو يشير على عنقه……
“عيب ياجدع….طبعاً اعرفه دا انا اضمنه برقبتي….”
سحب عاصم ياقة قميصه وقربه من سطح
المكتب واندفع بغضب……..
“رقبتك اللي هقطعهالك ان شاء الله…..”
مسك حكيم قبضة عاصم متعجب من
فعلته…..
“في اي ياعاصم وحد الله ياجدع احنا اخوات….يرضيك ترمل تلات ستات وتحرق
قلبهم عليا……”
تركه عاصم بضيق وهو يستغفر عدة
مرات………ساله حكيم بجدية………
“ماتحكيلي اي اللي حصل…….”
زمجر عاصم مجيباً……..
“البيه اللي جبته طلع مش مأجر المطعم ليه….”
سال حكيم……… “امال لمين…….. للجيران……”
رد عاصم بقرف……. “لا ياخفيف لاخته…….”
عاد حكيم يسال بحيرة…..
“اخته ؟!!….اخته مين ؟!……”
رد مقتضباً…… “بتقول اسمها شهد……..”
اوما حكيم بتذكر…….
“شهد…..هو فعلاً عنده اختين بس انا معرفهمش…
طب وعملت إيه معاها…..”
“هعمل إيه ماهي شورتك……”اخذ نفساً حاد
مضيف باقتضاب…..
” مرضتش اقطع بعيشها قولت هحط عيني عليها الشهر ده لو لقتها هتعملي مشاكل وصداع في
الشارع همشيها……انا مش ناقص وجع دماغ….”
تحدث حكيم بضيق مستجد……
“عندك حق….والله ياعاصم انا معرفش انه ناوي يأجره عشان اخته….لو كنت اعرف كنت كنسلت
على الحوار مانا عارف انك مش عايز تأجر
لحريم…… صغرني البيه………بس لم أشوفه…….”
ضرب حكيم على ركبته بحنق…..د
فقال عاصم بعدم اهتمام……
“ملوش لازمه….هيقولك الكلمتين اللي اخته
قالتهم…..”
سأله حكيم….. “وهي قالت إيه……”
رد عاصم بملل وهو ينظر للدفاتر أمامه…..
“قالت انها شغاله معاه بتساعده بس……بس باين
انها بتحور…….”
ساله حكيم بخبث….. “هي حلوه ياعاصم……”
رفع عاصم عيناه عابساً…. “وانت مالك……”
اتسعت عينا حكيم وهو يترجم الرد الغير متوقع منه
لذا رد عليه بنفس الأسلوب…….
“الله…..انت اللي مالك هي كانت من بقيت عيلتك….”
رد عاصم بمنتهى الجمود……
“لا مش من بقيت عيلتي…بس مش حلو انك تكلم عن اخت صاحبك….هو مش حمزة دا صاحبك برضو ؟!….”
ازدادت لمعة المكر في عينا حكيم……
“زماله……يعني مستجدعة…..لكن مش صاحبي صاحبي يعني…….”
اكتفى عاصم بـ…….. “طيب…..”
أبتسم حكيم ملح بسمجة……
“طيب إيه…. مردتش برضو…….هي حلوة……”
شرد عاصم في الدفتر مجيب
ببرود……
“عادية…………حتى عينيها عادية……”
لم تكن عادية…..ولا حتى العيون عادية…..عسليتاها
البراقتين تلاحقه حتى وهو ينظر للدفاتر…..وكانه
ينظر اليهما……….
هتف حكيم مستفهماً بعبث…….
“انا مش بسأل عن العيون…… انا بسأل عن الجمال الجوهر الداخلي…….”
“اتقي الله احنا لسه على الصبح…….”قالها بوجه مكفهر…….
فاوما حكيم مكتفي بهذا القدر…..وسأله…..
“ماشي ياسيدي………اي رأيك نطلع اخر النهار نصطاد……..”
نظر له عاصم بتعجب واضاف وهو يرجع راسه للخلف استحسن الفكرة……
“نصطاد…..يااه…….بقلنا ياما مطلعناش نصطاد…..مينا
جاي معانا ؟……”
اوما حكيم مبتسماً…….
“أكيد دا هو اللي كلمني في التلفون وقالي تعالى نسهر على البحر وهات عدة الصيد معاك…..
هتيجي… ”
أومأ عاصم بالموافقة…..
“طالما فيها صيد يبقا جاي…….”
مزح حكيم قائلاً…….
“بس ونبي براحة علينا لحسان انت حظك في الصيد
دايما حلو ……بحس انك بتشطب على سمك البحر كله……..”
غمزة له عاصم قائلاً بلؤم…….
“متقلقش هسبلك شوية تمزمز فيهم…..عشان الفسفور…….”
……………………………………………………………..
جفف وجهه بالمنشفة ثم تركها حول عنقه باهمال
التقطت عيناه عقارب الساعة المعلقة على الحائط
والتي تشير للعاشرة صباحاً……….
حرك حدقتيه مجدداً لعند غرفتها فوجدها مغلقة ويتسلل من عقب الباب خطٍ من الضوء……
انعقد حاجباه مستغرباً الوضع فهي لم تخرج من الغرفة حينها وظل الضوء متشعل حتى انهُ رآه
هكذآ عند خروجة لصلاة الفجر….وظل هكذا منذ
آخر مشادة بينهما ليلاً وتبجحها امامه وتبريرها لخطيئة كانت على وشك ارتكبها مع نذل يستغلها ليصل لغايته منها……….
الغبية لم تفهم بعض ان حبها له وهماً وشعارات فارغة….وان شعار (الحب أولاً…)التي كانت ترفعة
في وجهه سابقاً لم يجدي نفعاً لا لإصلاح حال
حبيبها السابق…او تغيير نظرته هو نحوها كسبباً يجعله يتعاطف معها لأجل قصة حب طائشة بينها وبين صعلوك من صعاليك الساحة المعروفين ….
قصة تدفعها للتهور والهروب من بيت اهلها للذهاب الى شقته !!……
لم تكن يوماً ساذجة او سهلة الغش….كانت واعية ذكية خبيثة………لا يعرف كيف اوقعها (عادل..)في الحب وجعلها عمياء العين والقلب….وفعلت فعلة
أصغر فتاة في هذا الزمن تستنكرها ؟!…….
لم ينسى أبداً اليوم الذي صاحت فيه امام الجميع
متحدية والديها وعلى رأسهم هو…….
تحدث والد داليدا (ناصف) بقلة حيلة قائلاً….
(انا مش عارف اعمل إيه ياسلطان…….الولد من كلامه تحسو كويس ومحترم….لكن لم سألنا عنه….انا وانت
عرفنا انه رد سجون….وحشاش…ومبهدل اهله……)
تحدثت كذلك والدة داليدا (سهير)
بحرقة……..
(احنا نرفض…….زي المرة اللي فاتت وخلاص…..
ونقفل على السيرة دي………..وبنتك نحبسها في البيت متخرجش أبداً لحسان ياذيها ولا يقرب منها احنا مش ناقصين……اديك شايف جرايم القتل اليومين دول…..كل واحد تعجبه واحده يروح متقدملها اهله يرفضوا يروح مخلص عليها…..)
هدر سلطان بصوتٍ هز جدران البيت…..
(طب يبقا يقربلها كده…..وساعتها هيقرأ الفاتحة على روحه…..انتي بتقولي اي يامرات عمي امال انا روحت فين……..داليدا مسئوله مني…….دي أختي الصغيرة
ولو فكر يقربلها هيكون حفر قبره بأيده……)
فركت سهير في يداها من شدة الخوف وقالت
له بهمساً وعيون تذرف الدمع………
(ربنا يبارك فيك يابني……..لكن ياضنايا….الامر ميسلمش….الواد ده رد سجون وانا خايفه عليها….
وبيني وبينك……….البت رايداه…….وبتحبوا…وانا قلبي متوغوش من ساعتها……طالما مياله ليه…..
ممكن يملى دماغها بالكلام……..ويضحك عليها…….)
هز سلطان رأسه سريعاً وهو يتحدث بمنتهى
الثقة عن صغيرة عاشت بين كنفه طوال سنوات عمرها العشرون………
(مستحيل…..داليدا متربية على ايدي…….متعملش كده…….داليدا ناصحة وجدعة واكيد عارفه مصلحتها
فين….. وعارفه ان الواد ده مش مناسب ليها……..وأكيد انتي فهمتيها ده…….وعرفتيها ان سيرته مطمنش….ومفيش حد شوفناه غير لما
قالنا عنه بلاوي…….مفيش حسنة واحده
سمعناها تشفعله….. )
(الحسنة اللي تشفعلوا عندي ياسلطان اني بحبه….)
صاحت بها داليدا بعد ان خرجت من غرفتها إليهم مرتديه اسدال الصلاة واضعه الوشاح على شعرها باهمال……..
تقف صامدة امامهم تتحداهم…….بتعنت……..وكأن
الأمر بات بنسبة لها حياة او موت………
لم تهتز ملامح سلطان ولم يرف له جفن رغم ان
عيناه اظلمة بشكلاً مخيف و صدره اشتعل فجأةٍ بالغضب منها ومن قلة احترامها لحديث الكبار……
بل انها تخيب ظنه بها وتصغره امام والديها بعد ان كان يكتب فيها شعراً عن الادب والاخلاق و………والذكاء…
اين هم ياترا….ما شاء الله…..فتاة وقحة قليل الادب
غبية….. وساذجة……تقف امامه تقيم حرباً لأجل
حبها لشاب فاشل مستهتر………وغد…….من اوغاد الساحة……….
وكأنها فخورة بانجازها والذي سيجلب لعائلتها
وغد سيضع رؤوس الجميع في الوحل….زائد
المشاكل التي ستأتي لهم من خلفه….دا ان
توقفت عقولهم واصابهم العته ووافقوا
حتى يسعدوا الاميرة المدللة……
تباً لسعادتك ياغبية…….لن يقف امامك غيري…ويمنع
هذا المرض الخبيث من الإنتشار في جسدك….حتى
ان اضطرراً لاستئصال قطعة من قلبك المحب للمعاتيه !!………
نهض والدها من مكانه ومسك ذراعها بقوة صارخاً
(اي اللي خرجك من اوضتك…مش قولتلك متخرجيش منها…….انجري على اوضتك بلا قلة
ادب وحيا………انجري………)
كذلك نهضت امها وتضامنة مع زوجها قائلة
لابنتها بتوعد……
(ادخلي اوضتك يادليدا…..وعدي يومك على خير…….)
نظرة اليهم بعينين عميقتين اللون…متالمتين
وهي تقول بحرقة………
(انتوا بتعملوا معايا كدا ليا هو الحب حرام….
ذنب…انا بحبوا وهو كمان بيحبني وشريني….
وطلبني بالحلال……..طلبني منكم بدل المرة عشرة….وكل مرة بترفضوا………)
قالت سهيرة بتعب من تصلب راس
ابنتها……
(واحنا بنرفضوا من الباب للطاق….مش مناسب يابنتي………لو اتجوزتيه هيبهدلك وهيبهدلنا
معاكي……)
قالت داليدا بنفي…….
(مش هيحصل ياماما….عادل وعدني انه هيتغير صدقيني…….)
زمجر ناصف وهو ينظر لابنته بغضب وقارب على
فقدان اعصابه….وضربها لأول مرة……ربما يعود
عقلها لمكانه……….
(شايفه قلة ادب بنتك شايفه تربيتك ياسهير….بنتك بتعرفنا كلنا انهم بيتكلموا بيتقبلوا….شايفه تربيتك اللي تكسف………)
قالت داليدا بشجاعة امامهم…….
(انا مبعملش حاجة غلط يابابا…….الحب مش حرام ولا عيب……احنا طالبين الحلال…….)
قالت سهير…….
(وهو ده واحد يعرف الحلال يابنتي……)
اصرت داليدا واجابت……
(يعرفوا……… بدليل انه جه اتقدملي……..)
لوح والدها بسبابته وهو يصر بتزمت شديد……
(مفيش جواز من الصايع ده….ولو كان اخر واحد
في الدنيا…….لا يعني لا………)
نزلت دموع داليدا وهي تتجه لسلطان لتقف امامه
وتمسك يده قائلة بتذلل……..
(قول حاجة ياسلطان ابوس ايدك بلاش تفضل
واقف ساكت كده……قولهم ان الحب مش عيب
ولا حرام……….قولهم حرام يكسروا قلبي…….)
اجابها بخفوت دون تعبير مقروء……
(أهلك بيعملوا الصح يادليدا….الواد ده مش هينفعك…….انتي تستاهلي احسن منه…..)
انتفضت داليدا ترفع وجهها اليه مشدوهة……
ثم بلعت غصة حادة في حلقها وهي تحاول
اقناعة برجاء…….
(انا مش عايزه غيروا…..اقف جمبي ياسلطان اقنعهم….وانا اوعدك ان عادل هيتغير وهيبقا احسن من الأول بس انتوا ادوله فرصة…ودوني انا كمان فرصة اثبتلكم كلامي………)
قالت امها من خلفها باستياء……
(فرصة اي يابنتي….دا جواز…….جواز مش لعب عيال…….عايزه تتجوزيه وبعد كام شهر
يطلقك وتتحسب عليكي جوزاه……..)
استدارت داليدا تقول بنبرة شاجنة……
(مش هطلق منه….انا هفضل معاه لاخر نفس في عمري…..بقولكم بحبوا…والله بحبوا…وهو وعدني
انه هيتغير………..صدقوني……..)
قال سلطان بمنتهى الهدوء…..
(داليدا هاتي تلفونك…..عشان عايز اخد رقم عادل
من عليه واكلمه يمكن نتفاهم……….)
نظرة اليه داليدا بدهشة وقد عادت ألوان الحياة لوجهها تدريجاً وهي تساله بدهشة……
(بجد…بجد ياسلطان…….ثواني….ثواني هجيبوا……)
ركضت لداخل غرفتها بلهفة…..فنظر ناصف لابن
اخيه مشدوهاً…….
(اي اللي بتقوله دا ياسلطان…….احنا مش قولنا…)
قاطعه سلطان بتعبير غير مقروء….
(أصبر ياعمي…….أصبر……..)
عندما اتت داليدا اليه راكضاً بلهفة ولمعة السعادة تضوي في سوداويتاها الحزينة…..
(الرقم اهو ياسلطان……..)
اعطته الهاتف مُضيء برقم حبيبها…….
كانت تنظر اليه بتراقب ممتلئ بالاماني….لكن
سريعاً انكسرت على أرض الواقع عندما أخرج
سلطان شريحة الهاتف ومزقها ثم إطفاء الهاتف كلياً
ووضعه في جيبه….. قائلاً بصوتٍ كالجليد المسنن أوصل الصقيع لجسدها وجمد قلبها بمكانه…..
(ادخلي على اوضتك…..وحسك عينك اسمع نفسك حتى وانتي جوا……..)
ثم مسك ذراعها وقربها منه امام والديها….ولم يمانع
أحد……فالطالما كان لسلطان صلاحيات كافية لضبط
سلوكها وكسر شوكتها كما يقال………هسهس بنبرة مهيبة بالقرب من وجهها الاحمر وعينيها السوداء الجاحظة بالألم…..
(ومفيش حاجة عندنا اسمها بحبوا وعيزاه…..في حاجة اسمها اللي تشوفه يابااا………عشان ابوكي وأمك مش هيضروكي….لا دول عايزنلك الأحسن
وكلنا عايزنلك الأحسن……..إلا انتي عايزه ترخصي
نفسك……….بأسم الحب……….)
نزلت دموع داليدا فجأه امام عيناه ومزالت متسعة العينين بوجع وصدمة والدموع تجري على وجنتيها
بكثرة………..لا تعرف كيف تمنعها…ولا تعرف بماذا ترد
فامام عيناه المظلمة توقف كل شيء داخلها…إلا قلبها
كان ينبض على غير هُدى وكأنه أمام أكبر
مخاوفها……….
ترك ذراعها برفق قائلاً بصوتٍ قوي جعل
جسدها يرتجف بفزع……..
(كلامي خلص………على اوضتك يانسة……..)
ركضت من امامه حينها بصمت….لكن الدموع كانت تحاكي قلبه سراً بانه كسرها بهذا أليوم….فهي كانت تنتظر عونه…….وهو خذلها لأول مرة………..
نفض تلك الذكريات من راسه وهو يتجه إلى
غرفتها مطرق على باب الغرفة عدة مرات
“داليدا…….داليدا………داليدا……….”
عندما لم يجد رداً أمسك مقبض الباب وفتحه…
ودخل…..
عندما دخل وجد الغرفة مضاءة لكنها نائمة على الفراش……متسطحة على بطنها…….رافسة الغطاء
في آخر الفراش….وتنام بمنتهى الاريحية بثوب القصير الأزرق المطبع بالورود الصفراء….والتي
كانت ترتديه أمس وهي تقوم باستعراض رقصها الغريب في المطبخ !!……..
كان شعرها البني الكثيف يغطي رأسها….وكانها مدفونه اسفله……
جز على اسنانه وهو يشعر بفوران يجتاح جسده مجدداً…..شعور غريب ينتابه كلما رآها في وضع غير لائق…….شعور اتى من فراغ…….فهو لم يكن يوماً منجذب إليها…….لكن عندما أصبحت زوجته بات الشيطان يصور له كل ماهو مخل !!…….
والآن رغم مقته لها ولفعلتها……تُحرك مشاعره كرجل بشكلاً او بأخر………
حانت منه نظرة على غرفة الأطفال التي تبيت
فيها…..ورغم انه يعرف الغرفة جيداً ككل ركن في هذا البيت إلا انه عندما تأملها شعر بانها غريبة
عليه……فمن تسكنها طبعت عليها بروحها المرحة الجامحة كذلك برائحة ورد الجوري عطرها
المفضل والتي تستخدمه في كافة اغراضها
الانثوية………
غرفة غير مرتبة….على المقعد ملابس……وفي الأرض
ملابس………..وهناك قطعة داخلية تخرج من درج
الدولاب…………..اغراضها ملقيه على تسريحة
الزينة بأهمال………كل شيء غير مرتب ومع ذلك يكشف عن الاميرة المدللة…….
هذا الشيء كفيل بان يجعله يبتسم رغم غضبه
السائد منها……….
اقترب سلطان من الفراش ومسك الغطاء وغطى جسدها….. حتى يضمن ثباته في تلك اللحظة…..ثم جلس على حافة الفراش وبدأ ييقظها وهو
يلامس كتفها برفق…..
“داليدا……داليدا قومي الوقت اتأخر….والصلاة
قربت تبدا………”
ادارة وجهه للناحية الاخرى متمتمة بعيون
مغلقة…. “سبيني شوية ياماما ونبي……..”
فغر فمه بصدمة مصححاً….
“ماما !!…..داليدا انا سلطان……..قومي… ”
تمتمت بقرف وهي شبه نائمة….
“بكرهه…………بكرهك ياسلطان………”
لوى سلطان فمه وهو يدفعها في كتفها
بشكلاً غير آدمي…….
“لا ونبي حبيني……مقدرش أعيش من غير
حبك دقيقة واحدة……….”
تحركت داليدا توليه ظهرها منزعجة…. “هشششش…….”
“هش في عينك قومي بقولك……..”دفعها في كتفها بقوة……….جعلتها تنتفض في نومتها وهي تمسك الغطاء كحامي لها من بطشه………
“في حد يصحي حد كده….مابراحه……….وبعدين
انت إزاي تدخل اوضتي كده من غير ما تخبط…”
رد سلطان ببرود وهو ينهض من
مكانه…..
“خبط بس الظاهر نومك تقيل….الساعة بقت
حداشر قومي اغسلي وشك والبسي خلينا
ننزل تحت…. النهاردة الجمعة…..ولا ناسيه احنا
قولنا اي بليل……….”
اومات براسها دون تعبير مقروء…..
“تمام……..ممكن تخرج عشان اغير هدومي…….”
“خارج أصلا الأوضة شكلها يسد النفس…….وريحتها
مكمكه………..هوايها شويه مش كده…….”
بعد تلك الكلمات فتح الباب وخرج….فنظرة داليدا
للغرفة بصمت……متفحصه الفوضى المحيطه بها
ثم بدات تحرك انفها يميناً ويساراً حتى وصلت
لان تشم الثوب الذي ترتديه……….
“عنده حق…….انا هقوم اخد دش……….”ابعدت
الغطاء عنها وهي تلملم اغراضها وتخرج ملابس
أخرى ولم تنسى غسول الاستحمام المعطر
بورد الجوري……
………………………………………………………………
“يابت فكي التكشيره دي…. معقول دا وش عروسة مفتش على جوازها شهر……..”
نطقت بتلك الكلمات أميرة شقيقة سلطان
الكبرى…..
نظرة لها داليدا بملامح مكفهرة ولم تعقب….. فلكزتها
اميرة في كتفها قائلة بمناغشة…..
“طب احكيلي يمكن نحلوها سوا……..”
ارتفع حاجبي داليدا مستنكرة…..
“نحل اي بس ياميرة مقولتلك…. مفيش حاجة….”
همست لها أميرة بلؤم…….
“يابت اسمعي مني….. اكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة وانا اكبر منك بعشرين سنة………”
نظرة لها داليدا بصدمة…مزالت لا تصدق ان ابنة
عمها المرحة تلك اكبر ابناء عمها عبد القادر…..
حقيقة (أميرة)بالمجمل شكلاً وروحاً تتناقض
مع سنها المسجل في البطاقة….لذلك دوماً داليدا
تنسى هذا الرقم وتتعامل معها وكانها بنفس
عمرها…………
“طب والله مابين عليكي…. انا مش مصدقه ان الشحطه دي بنتك لا واصغر مني بسنتين بس….”
قالتها داليدا وهي تشير على (جنة) صاحبة الثّمانية
عشر…….. تلك الفتاة تحمل جمال والدتها وهدوء ووقار والدها….. وتصلب عقل خالها…… والباقية
تاتي……..
دفعت جنة النظارة الطبية لأخر عينيها وهي تنظر لداليدا بتحذلق قائلة…..
“لا وإيه أطول منك كمان………..”
لوحت داليدا بيدها مستنكرة….
“ياشيخة اتلهي الطول هطل………”
قالت جنة بمنتهى الهدوء المستفز……
“طول عمرنا عرفين ان القُصر خيبه وطول هيبة…..
جبتي هطل دي منين…… لسه مخترعاها جديد… ”
هتفت اميرة بتوبيخ….
“بس ياجنة كلمي مرات خالك عدل……”
قالت جنة بفتور…. “لازم تعرف الحقيقية ياماما…….”
تخصرت داليدا كالعادة حينما لا يعجبها
حديث أحد…..
“واي هي بقا الحقيقة ياطه يا حسين…….”
قالت جنة بالسان ذلق…….
“انك قصيرة القامة… ودا معنديش ليه تفسير علمي… لكن اللي اقدر اقولهولك انك لازم تعرفي حجمك الطبيعي وسط العيلة……. قزمة…….”
أحمر وجه داليدا واشارة على نفسها
بغضب….. “قزمة ؟!…. انا قزمة……. انا…….”
ازداد لسان جنة فصاحة مستفزة……
“أيوا وده ملهوش علاج……لكن لازم ترضي باللي
ربنا قسمه ليكي ومتبصيش للاطول منك..
لحسان تتعبي…… او رقبتك تتلوح……… ”
(هاتي برطمان الملح ده ياجنة……)صاحت حنان جدتها من أعلى السطح أمره…..كانت ستلبي طلب جدتها لكن داليدا اوقفتها وقد فار الدماء في
عروقها فقالت……..
“استني عندك….. انا هجيبه عشان اوريكي مين
هي القزمة……..”
نفخت داليدا ذراعيها وكانها تدخل حلبة مصارعة
تقاتل بينما تنظر لجنة بعدائية وكانها خصم لا يستهان به….. اتجهت الى الرف الرخامي بمنتهى التفاخر…. وعندما مدت يدها لتصل لعلبة الملح
لم يساعدها طولها حتى عندما شبت بيداها
ووقفت على أطراف أصابع قدميها لم تصل….
لذلك ضحكت جنة عليها وقد اصابة العدوى أميرة
فضحكت وهي تراقب محاولاتها عدة مرات……
كطفل صغير يريد الوصول لحلواه !……
زفرة داليدا يائسة وهي تسحب مقعد صغير وتقف عليه حتى تستطيع جلب علبة الملح……
عندما انهت المهمة نزلت من على المقعد ونظرة
لجنة بتفاخر قائلة وهي تعطيها الملح
بجذل…..
“خدي ادي ده لمرات عمي….. وقوليلها داليدا اللي جبته ليا…… عشان مكنتش طيلاه…….”
نظرة جنة لعلبة الملح بيدها معقبة…..
“داليدا انتي مصدقه نفسك…. انتي وقفتي
على الكرسي………”
رفعت داليدا راسها بصلف….
“ومالو برضو انا اللي جبته……..”
“اي شغل العيال ده………”تاففت جنة وهي تخرج
من المطبخ……..
فصاحت داليدا من خلفها بتوعد….
“طب لما ترجعي ياجنة… ونعمه لجيبك من النضارة اللي من ساعة مالبستيها وانتي رفعه مناخيرك لفوق…….وعملالي فيها مدرسة تاريخ….. ”
“حقها…….. السنة الجايه هتدخل الجامعة ادعلها تجيب مجموع كويس وتدخل الكلية اللي نفسها فيها…….” قالتها أميرة مبتسمة وهي تكشف عن
القدر التي تطهي بها الدجاج………
قالت أميرة بمحبة…….
“ربنا يحققلها كل احلامها…. انا بحب انكشها مانتي عارفه…….”
قالت أميرة برفق وهي تغلق غطاء القِدر….
“عارفة يادودا…. بس نصيحة من بنت عمك…. بلاش تقفي على الكرسي ده تاني…..لحسان تكوني حامل ويحصل حاجة لقدر الله…….”
كانت داليدا تشرب كوب من الماء وعندما سمعت تلك النصيحة سعلت بقوة ومن بين السعال قالت
بصعوبة…..
“متقلقيش انا واخده بالي….وبعدين لسه بدري….”
بدات أميرة بتقطيع فصين من الثوم وهي
ترد مستنكرة……..
“لا بدري ولا حاجة انا اتجوزت وانا في سنك كده
وحملت علطول….لكن النصيب بقا….بعيداً عنك وعن السامعين قعدت فترة بسقط من غير سبب لحد
ماتعلجت وبعد سنة جبت جنة وبعدها الولادين الصبيان………والحمدلله على كده…..”
“ربنا يباركلك فيهم……”ثم سالتها باهتمام…..
“صحيح ياميرة هما اخواتك البنات مجوش
النهاردة ليه………”
ردت أميرة بحزن…….
“كل واحده ملهيه بعيالها….بس والله كانوا ناوين يجوا النهارده بس الظروف…..انا بس عشان سكنة في الساحة جمب امي اموري متيسره وبعرف اجيلكم….لكن هما ياعيني عليهم كل واحده متغربه في محافظة شكل مش بنشوفهم غير كل تلات
شهور مرة…….”
هزت داليدا كتفها قائلة…..
“سنة الحياة……..هتعملي إيه…….”
اومات اميرة قائلة بتمني…….
“على رأيك…..بس امي بتزعل أوي من بعدهم عنها…بس انا بقولها بكرة يجوا عيال سلطان ويشغلوكي عنهم…….”
جف حلق داليدا بتوتر وهي تحاول إغلاق
الموضوع………
“آآه ان شاءلله….بس برضو انتوا حاجة تانيه….
انت ولادها…. ”
“معلوم بس اعز من الولد إيه……”اولتها ظهرها
وهي تبحث عن علبة البهارات…..فحركت داليدا شفتيها يميناً ويساراً بحسرة مجيبة…..
“ولد الولد طبعاً !………..”
في اللحظة التالية دخلت جنة عليهن وهي
تقهقه بصوتٍ عالٍ….. وقبل ان تسالها أمها نظرة
هي لداليدا وقالت بمزاح….
“حتى تيته مصدقتش انك انتي اللي جبتي الملح……..”
زمت داليدا شفتيها وهي تنظر للارفف العالية
عليها قليلا………
“وهتصدق إزاي وهي معلقة كل حاجتها في
برج ايفل كده………”
ضحكت اميرة قائلة بلؤم….
“دا عشان ماما أطول منك بس…….”
صاحت داليدا بنفاذ صبر……
“جرالكم إيه انتوا الاتنين هو انا قزمة بجد….”
قالت جنة بتحذلق…….
“لا طبعاً انتي اطول من القزمة بشوية……”
“بس ياجنة……”اخرستها أمها ثم ربتت على
كتف داليدا تواسيها قائلة…..
“متخديش على كلامها يادليدا……انتي طولك مظبوط……..”
اومات داليدا بثقة……
“انا بقول كده برضو….. انتوا اللي طوال أوي…..”
بعدها سألت أميرة ابنتها….
“ها ياجنة… تيتة خلصت صنية البطاطس…..”
اومات جنة براسها معقبة باعجاب……
“آآه خلصتها وحطت صنية الرز في الفرن…… بس مقولكيش ياماما…..صنية البطاطس طلعه من فرن الحطب إيه حكاية……”
ابتسمت اميرة مجيبة ابنتها……بينما داليدا تقف جوارهن شاردة الذهن……
“جدتك طول عمرها بتحب تخبز وتساوي
الصواني فيه…….. دي مصدقت جدك عملهولها
فوق السطح…… جمب عيشة الفراخ……”
قالت جنة بتفاخر…..
“ست من ريحة الزمن الأصيل…….مش زينا بقينا دلوقتي بنساوي الاكل في المكرويف…….”
“الزمن اتغير برضو ولا اي ياداليدا……” لامست اميرة
كتفها برفق……
فانتفضت داليدا على لمستها
قائلة بدهشة……
“في حاجة ياميرة بتنادي عليا…….”
قالت جنة بتعجب…….
“لا دي تاهت مننا ياماما……. انا هطلع اشوف
اسامة ويحيى بيعملوا إيه………”
قالت امها من خلفها……
“أكيد بيلعبوا كورة في دخلت البيت……..”
“روحتي فين ياحبيبتي……”سالتها أميرة مجدداً….
فهزت داليدا راسها بنفي ….. “معاكم والله…….”
إشارة أميرة على باب الخروج……
“بقولك إيه شكلك تعبانه سيبي الاكل وطلعي
قعدي برا شوية………”
رفضت داليدا سريعاً……
“وليه بس يأميرة مانا هساعدك…….انا مش
تعبانه والله… ”
“عارفه بس انتي لسه عروسة ومش عايزين
نتعبوكي كفاية سلطان………” لكزتها في
كتفها بخبث…….
فأحمرة وجنتي داليدا وارتفع هدير قلبها فقررت الانسحاب دون تعليق على حديثها………
………………………………………………………………
عندما خرجت لصالة المنزل الكبيرة سمعت ضجيج يأتي مدخل البيت الشاسع…..اتجهت لباب الشقة المفتوح…..فرأت سلطان يلعب مع أولاد شقيقته
أميرة بالكرة……….والتي كانوا توأم في عمر الثالثة
عشر…….(أسامة……ويحيى…..)شقيقي جنة الصغار…….
والذين كانوا هالة من الشقاوة والعفرته……إبتسمت داليدا وهي تراقب لعبهم الصبياني….العنيف قليلاً
ورغم عنفه وغلاظته تعلو الضحكات بالمرح……
وأيضاً سلطان رغم ضخامة جسده وطولة الفارع
إلا أنه كان مستمتع وسطهم……يلعب معهم ويمرح
وكأنه يقاربهم سناً……..
لم تنتبه انها تحت مراقبة عينا الصقر كما تراقبه بشكلاً صريح يراقبها هو بمواربة ذكورية……من
أسفل اهدابه……حتى انه حاول ان يشاكسها ودفع الكرة نحوها………
مسكت داليدا الكرة سريعاً قبل ان تصطدم في وجهها وهتفت بصدمة شاهقة…….
“حاسب ياسلطان…….”
رفع سلطان انظاره عليها مدعي الدهشة
ببراعة….
“داليدا ؟!….اي اللي موفقك هنا…….في حاجة….”
اشتدت خفقات قلبها امام نظراته المتفحصة لها
والتي ترسماها من أول حجاب رأسها الى أطراف
العباءة البيتي الجميلة التي تلتف على جسدها النحيل ببراعة بارزة معه مفاتنها بحياء……..
عدلت داليدا حجابها بيد مرتجفة تحت تأثير نظراته الثاقبة……… وقد اهتزت حدقتيها معاً وهي تجيب
بصوتٍ مهزوز……..
“لا يعني…..سمعت صوتكم وانتم بتلعبوا…فـ…فقولت اتفرج………انتوا بتلعبوا إيه………”
أجاب أسامة بوجه أحمر وشفاه
مبتسمة ببراءة…..
“الكلب الحيران………تعرفيها يابلة داليدا……..”
اومات داليدا وهي ترد له البسمة
البريئة…… “آآه اعرفها……..”
اندفع اسامة يقترح بلهفة…….
“تحبي تلعبي معانا دور…..دي هتعجبك أوي…..”
رد يحيى مكفهر الملامح عكس توأمه المحب
لكل شيءٍ خصوصاً الجنس اللطيف…….
“أسامة بيقولك كده عشان هو اللي عليه الدور….”
برر أسامة سريعاً وهو ينظر لاخيه ثم لخاله
الواقف امامهم يتابع بصمت……
“لا طبعاً انا عايزها تلعب معانا….اللعبة دي عايزة
اكتر من اربعه واحنا تلاته بس……..فحلو لو جت تلعب معانا………”
رفض يحيى منزعجاً من الفكرة……
“مينفعش….دي مرات خالك……ماتقولوا حاجة ياخالو………”نظر يحيى لسلطان بحمائية الرجال
فرد سلطان ببساطه…..فقد كان المكان مغلق
ولم يراهم أحد وفي النهاية التوأمين تربوا
على يد داليدا وليسوا اغراب عنها…….
“مفهاش حاجة لو جت تلعب يايحيى……دا لو
هي عايزة…….”
“أيوا عايزة…….إلعب…….”خلعت داليدا حذاءها
وهي تتقدم منهم بحماسية كالأطفال……..
لوى يحيى شفتيه ونظر لاخيها
مزمجر…..
“بس برضو انت اللي فيها ياسامة………”
رفض أسامة مشير الى داليدا برجاء……
“داليدا اطول مني وهتعرف تلمس الكورة….لكن انا قصير ومش بعرف المس الكورة وأنتوا طوال وبتحدفوا في العالي……..”
صاح يحيى بصلابة…..
“انت هتعيط ماتنشف ياسامة……..”
انعقد حاجبي داليدا من جدالهم الفارغ….فتدخلت قائلة بتطوع……..
“براحة على اخوك يايحيى……..انا هقف مكانه……”
هتف سلطان بنظر لئيمة……
“هتبقي الكلب الحيران !!…….”
بطرف عينيها صححت…. “اسمها صياد السمك……..”
ابتسم سلطان ساخراً………
“بجد اول مرة أعرف….. اقفي في النص….
يامراتي….. ”
مطت داليدا شفتيها بغيظٍ وهي تقلده بهمساً
وتحرك شفتيها بضجر……..
“بطلي برطمه وركزي هنا…….على الكورة…….”
قالها سلطان بانتشاء غريب ….
اومات له داليدا براسها بانصياع وعيناها تشع تحدي نحوه………ثم تخصرت في وقفتها كعلامة على الاستعداد للقادم منه……..
حدف سلطان الكرة لليحيى…..فاتجهت داليدا سريعاً
ليحيى تحاول خطفها منه….لكن يحيى كان الاسرع
في اعطاها لشقيقه………فركضت داليدا لعند أسامة
الذي اعتذر برقة…..
“اسف يابلة داليدا………قواعد اللعبة………”القاها
لسلطان خلفها………
فاستدارت الى سلطان الذي نظر لها بشر شقي وهو يبتسم من زواية واحدة…. قائلاً…….
“تعالي خديها يا…….يامراتي……”
“هاجي اخدها…..وهتقف مكاني دلوقتي…….”
عندما تقدمت منه القاها لاسامة…..فسريعاً اعطاها اسامة ليحيى…..اقتربت داليدا من يحيى قائلة
برجاء……
“يحيى هات الكورة وانا هعملك صنية مكرونة بالشاميل…”
ظهر الاستهجان على ملامح يحيى فقال
بجفاء…….
“بس انا مش بحب المكرونة انا بحب البط….”
هزت داليدا راسها بقرف….
“بط يع…يع….خليها معاك…..مش عيزاها……”
ضيق سلطان عيناه بخبث بعد تعليقها……فالتقط الكرة من يحيى…..فاتجهت اليه داليدا لاهثة محاولة ان تعرض عليه امكانياتها الفذة في طهي المكرونة
لكنها تذكرت انه لا يحب أكثر أكله تبدع فيها !
فصمتت وعيناها معلقة على الكرة محاولة الوصول إليها ولو حتى لمسها………..
لكن سلطان لم يعطيها الفرصة واعادها ليحيى
سريعاً فهو يعلم انها اذا ذهبت لاسامة ربما يقع
في فخ رجاؤها الانثوي اللطيف ويسلم لها الكرة
امام عينيها الجميلة بالخداع…..
وهذا لا يريده ان يحدث الآن…….فهو مزال يستمتع
بحيرتها أمامه……….
عادت داليدا تمسح قطرات العرق عن وجهها الأحمر بيدها وتبلع ريقها وهي تخبره للاهثة…….
“يحيى هديك عشرة جني………”
“خالو هيديني خمسين……..ألقف ياخالو……”غمز يحيى لسلطان فضحك سلطان متابع الحديث بانتشاء……
فعقبت داليدا وهي تكاد ان تبكي من اسلوب هذا الصبي الفظ الجلف كخاله……..
“آآه ياوطي يابو قلب قاسي……….على فكرة بقا لو فضلت بالاسلوب ده مش هتلاقي واحده تبص في وشك……احنا مش بنحب الرجالة القاسية…..بنحب الحنينين زي أسومي كده……..”قرصت وجنتي
أسامة بملاطفة فابتسم بحرج……
فهتف يحيى بنزق……..
“انا كده كده مش بحبكم……..لان معظم البنات تافهة……..مع احترامي ليكي يامرات خالي….”
قالت داليدا بغضب يتافقم داخلها…….واصبح الأمر اكثر من لعبة بنسبة له……..
“احترام……دا انت هزقتني…..هات الكورة وانا اسامحك……..”
“لا…………خديها بمجهودك………….”القاها الى سلطان………
فاخذها سلطان ولوح بها لها قائلاً باستفزاز…..
“تعالي خديها يادليدا شكلك تعبتي….تعالي……”
اقتربت من بوجه أحمر مجهد وانفاس لاهثة……
“هات……”
عندما حاولت ان تصل للكرة رفعها قليلاً فمدت يدها فرفعها اكثر وكانه يلاعب جرو صغير…..
جزت داليدا على اسنانها مصممة على اخذها منه…
فبدات بالقفز حتى تصل فضحك وهو يشاكسها
كصغيرة مدللة……
“الكورة اهيه انتي مش طيلاها….. خدي……”
زفرة داليدا بجنون ونفضت حجابها الذي كشف عن نصف شعرها بعد المجهود الرهيبة التي قامت به
في تلك العبة السيئة جداً…… التي استنزفت معها طاقتها ومع ذلك لم تحصل على الكرة حتى الآن…..بسبب سلطان الغليظ……..ويحيى
الجلف…….
ضربته في صدره بغضب ثم بمنتهى الجنون المعروف عنها قفزت عليه وعلقت ذراعٍ في عنقه وباليد الثانية لامست الكرة المتعلقة أعلى كف
يده…….. وكانها تصعد أعلى الجبال……..
“كسبت…..كسبت….. انت اللي فيها مش قولتلك….”
صاحت بها داليدا وهي تضحك وعيناها تشع ألق
الانتصار………ومزالت على وضعها في احضانه
بل وانها لم تتوقع ان تكون ثابته بهذا الشكل
بفعل ذراعه التي تحيط خصرها عندما قفزت
عليه فجأة……
تلاقت بعيناه وكانت النظرة لعيناه عن قرب غريبة
تخلق فوضى داخلها……تسري رعشة بجسدها……… تتعب جزءاً من قلبها…….
دفء يشع من جسده الصلب…. وعطر رجولي يداهم انفها………وذراع قوية تحتوي خصرها…..
“سلطان…….”همست باسمه امام عيناه التي تأسر
نظراتها بقوة……..
الم يحرر قيدها………ويتركها……فهمست راجية
“سلطان……..”
اشتبكت أعينهما في عناق حسي لا يخضع لعقارب
الساعة…………..عناق رغم اللهفة والمشاعر الدافئة المستجدة به كان…………كان مؤلم………
“في واحده عاقلة تعمل كده……..”
أخيراً خرج صوته متحشرجٍ متأثراً من هذا القرب…
حرر سلطان وثاقها وهو ينظر لها بقوة منتظر
ردها……..
“جت معايا كده مخدتش بالي………”احنت راسها أرضا كطفلة مذنبة………
نظر سلطان خلفها للصغار……..فوجدهم ينظروا اليهم ببلاها وقبل ان يعقب أحدهم…..سمعا صوت جدتهم
تصيح منادية…….
“الاكل ياولاد……..سلطان…. داليدا…….أسامة..
يايحيى انتوا راحتوا فين……..”
ركضا التوأم سريعاً لعند جدتهم حنان…….وكذلك
كانت ستفعل داليدا هروباً من نظراته وسؤاله….
“استني عندك……….”
توقفت مكانها وهي توليه ظهرها….وقلبها يخفق بجنون يسارع انفاسها المضطربة…….
عندما شعرت انه يقترب منها اغمضت عينيها…..
منتظرة التوبيخ والكلام الجارح كالعادة…..
لكنها تفاجأت بأنه يسحب وشاح راسها للأمام
حتى يخفي ما كشف من شعرها اثناء اللعب……
فتحت داليدا عينيها تحدق فيه ببلاها…وشفتاها مفتوحة باتساع……..
عندما لاحظ سلطان نظراتها سحب يداه…..
وهو يأمره بغيرة……
“اقفلي بوقك ده………جوز اميرة هيتغدي معانا
عايزك تدخلي الحمام زي الشاطرة كده تعدلي الطرحة و مشفشف شعراية من شعرك برااا الطرحة…….سامعة… ”
قلبت داليدا شفتيها بتهكم…….
“سامعة…… في أوامر تانيه ولا كفاية كده………”
“لما يبقا فيه هقولك……انجري قدامي……”اشار
لها بمنتهى الغرور ان تسبقه……..
زفرة داليدا عدت مرات بعصبية وهي تسير
أمامه بغضب……
ارتفع حاجب سلطان وهو يراقب مشيتها المائعة…
والتي لا أمل في تغيرها مهما علق عليها…..
“ماتعدلي الماشية المايعة دي………..إيه بتترقصي
وانتي ماشيه……. ”
“ياقليل الأدب……..”أحمرة وجنتي داليدا بشدة وهي تركض لداخل شقة والديه بعدما فهمت على ماذا
كان ينظر وهو يسير خلفها………
……………………………………………………………
مرو يومين الإجازة في لمح البصر……وها هي الآن
تجلس خلف مكتبها تتابع عملها عبر الحاسوب بينما
تنتظر دخول أستاذها حتى تخبره بمواعيد بعض العملاء…..
عبق عطره وصل الى انفها قبل رؤيته…. فابتسمت تلقائيا وهي تنظر نحو باب الدخول……
لتجده يدلف من الباب سريعاً نهضت واقفة
باستقبال رب عملها بإبتسامة شبة عملية…….
لكن سريعاً تلاشت البسمة على محياها وهي تراه مقطب الحاجبين عابث غاضب لأ بعد حد…..بل
وبدون النظر إليها…. أمر…….
“هاتيلي قهوتي على المكتب……….”
ثم دخل المكتب واغلق الباب عليه بصمت مريب….
مطت كيان شفتيها مفكرة بعمق وهي تحرك حدقتيها يميناً ويساراً ثم حكت في فكها وتمتمت سراً….
“هو قالب بوزة ليه عالصبح……..يكونش اليومين اللي غبتهم أثروا في الشغل فعشان كده مش
طايقني؟!….” زفرة كيان مضيفة بحيرة……
طب ماهو عارف…. يكونش نسي…. ولا يكون
ضارب خناقة مع خطيبته….وحتى لو
متخانقين انا مال أهلي…….. ”
(القهوة ياكيان…..)
قصف صوته كالرعد من داخل المكتب مما جعلها تنتفض بفزع ثم أتكات على اسنانها بعصبية وسارت
بخطوات غاصبة باتجاه المطبخ لتعد القهوة
للسيد المبجل…….
في المكتب كان يسير في المكتب ذهاباً وايابا بعصبية متحدثاً عبر الهاتف بقلة صبر……
“جبلي صورة من المحضر….وانا هتصرف…..”
دلفت كيان للداخل وهي تحمل صنية عليها فنجان قهوة وكوب ماء…..
عندما مرت من جواره بحذر وهي تحمل الصنية…
وجدت سليم منشغل جداً بالمكالمة الهاتفيّه
لدرجة انه لم ينتبه لوجودها واصطدم في
الصنية بين يداها……..وقد اتسخ قميص
الحلة الأبيض بـالقهوة……….
اتسعت عيناه فجاه عليها بعد رؤية قميصه… وقد انتشر بريق الغضب فيهما ببطئ……..
تراجعت كيان للخلف وبلعت ريقها بتوتر وهي
تعتذر بارتياع……
“اقسم بالله…….اقسم بالله انت اللي دلقتها……”
“اانااااااا……..”اتسعت عيناه اكثر تكاد تبتلعها
الآن……
اومات وهي تفرك في يداها مبررة……
“آآه انت….خدتها بالحضن…..يعني مش شايفني داخله بيها……..انت اللي الغلطان وآلله………”
كور سليم قبضته جانباً محاول التغلب على
غضبه وهو يقترب منها…. فاغمضت كيان عينيها
وقد لامس ظهرها الباب المغلق من شدة
التراجع للخلف………
أنتبه سليم لانكماش جسدها كالاطفال بخوف بل ولعينيها المغمضة بقوة ورموشها المرتجفة بهلع
ملحوظ………
وكانها تتعرض للعنف يومياً……..فقد اخذت وضعها
منتظرة ان تنال عقابها منه ؟!….
“كيان……..”
فتحت كيان عينيها ببطء فكشفت عن فيروزيتان حزينتان يلمعان بالدموع…….همست تلقائياً بشفاه
مرتجفة……
“انا………انا آسفة…….”
مؤثرة عيناها حتى في حزنهما…… ساحرتين !….
اوما سليم وهو يبتعد عنها عدت خطوات
مطمئنها بصوتٍ أهدى……
“حصل خير……زي ماقولتي انا اللي غلط الاول ومخدتش بالي……..”
ثم استرد الحديث بتساؤل…..
“بس……إزاي جه في بالك اني ممكن امد ايدي عليكي….عشان سبب تافه زي ده…….إزاي أصلا
جه في بالك اني مسموح ليا اعمل كده معاكي
او مع غيرك…….”
اهتزت حدقتيها……. وبهت لونها فجاة……وشعرت بغصة قوية تشطر حلقها لنصفين……وهي تلاحق
ذكريات مؤلمة لها ندوب مطبوعة على روحها
لم تمحى ولن تشفى منها بعد فلم تجد لها علاجاً حتى الآن….. وبطل اسواءالذكريات والدها
(عثمان الدسوقي….)
كم مرة تلقت الصفعات والضربات ونالت أشد
العواقب لاتفه الأسباب…..
كلما اوقعت شيءٍ وكسر……..كلما اعترضت على
أمراً يريده….كلما تجاهل رغباتها كطفلة فبكت
بحزن معبرة عنه…فتعاقب….وتعاقب حتى….
تصمت لأمره وترضى…..ويظن ان الصمت الرضا
او ان الحق معه….لكن في الحقيقة هو كسرة
نفس ظلت معها حتى وقتنا هذا ……
ربما هي محظوظة لانها أصغر اخواتها فلم ترى جبروت عثمان الدسوقي كما يجب ان يكون
فبعد وفاة امها تركهما يحملون مسئولية
بعضهم بمنتهى الجحود…….
وقد توفت والدتها في فترة مراهقتها وقد كانت شهد وحمزة يكبراها بالكثير…….كرسا معظم اوقاتهما لها
من عطف لحب لاهتمام…. اعتنيا بها كما لو انها طفلتهما الصغيرة……..لن تنكر انهما كانوا نعم السند
والعطف من يوم ان فتحت عيناها على الحياة…
“هاتيلي قميص من الهدوم اللي شيالها هنا…..”
انتبهت كيان لتلك الجملة لذا نظرة اليه لتجده يفتح ازرار قميصه ويخلعه امام عيناها……..ليظهر جزءه العلوي الرياضي……من بشرة برونزية الى صدر عريض صلب وذراع قويتين بارزتين بالعضلات
وبطن مسطحة تحكي عن لياقة بدنية عالية
يمتمع بها………
جحظت عينيها فجأه واحمرت وجنتيها فوضعت يدها على عينيها صائحة بحنق……
“استغفر الله العظيم……..ليه بس كده…….”
نظر سليم لظهرها بعدم فهم……
“ليه بس إيه………كيان هتيلي القميص بقولك.. ”
لم تستدير بل لوحت بيدها قائلة بوجنتين
مشتعلتين بالحرج…….
“هجيبه بس لو سمحت استر نفسك ولم اخرج
ابقى أقلع براحتك…….”
رفع سليم حاجباه معاً معقباً على الأمر
باستخفاف….
“انتي عبيطه…….انجزي ياكيان مفيش وقت عندنا
جلسة في المحكمة كمان نص ساعة…..”
فارت الدماء في عروقها فاستدارت إليه
ترمقه بحنق شديد……ثم رفعت سبابتها
تلوح بها بكبرياء…….
“اي عبيطه دي…هو انا بلعب معاك…لو سمحت
ياستاذ سليم نحترم بعض في الشغل شوية…..”
انعقد حاجبي سليم وهو ينظر لوجهها ثم للخصلة
المنسدلة على صدغها……اقترب منها ومد يده بتلقائية يزيل الخيط الرفيع المتعلق بها……
“اي اللي على شعرك ده……..”
ارتبكت كيان واهتزت حدقتيها وهي تشعر بانفاسه الساخنة الممزوجة بعطره تلفح صفحة وجهها الحمراء بينما اصابعه تلامس خصلتها يزيل
شيءٍ بمنتهى الحرص والاهتمام……
خفق قلبها بجنون كمؤشرات للخطر القادم عليها….
ابتعدت عنه في لحظة……
فجفل سليم ونظر لوجهها….. بوجنتيها الحمراوين وعينيها الخلابتين……وشفتيها الـ….التي تقضمهم بمنتهى التوتر………
“انتي كويسه…..الفتله دي كانت متعلقة في شعرك……..”رفع الخيط الرفيع امام عيناها
بطرف اصبعه فارجعت كيان الخصلة التي
كان يلمسها خلف اذنها ثم قالت بارتباك……
“هجيب لحضرتك القميص……..”
خرجت سريعاً هاربة….لا تعرف من ماذا…..لكن
المؤكد انها تهرب من شيءٍ ان اكتشفت هوايته
لن تحبذه أبداً…….
…………………………………………………………….
بعد ساعات طويلة مرهقة بداخل قاعة المحكمة
خرجا الإثنين حيثُ سيارة سليم الذي يصفها
جانباً…
استلقت كيان بجواره وهي تخرج تنهيدة تقيلة
مجهدة………
نظر لها سليم بطرف عيناه وهو يدير محرك السيارة……..
“انتي كويسة……..”
ردت بتلقائية وهي ترجع شعرها البندقي
للخلف………
“تعبت أوي…… وجعانه أوي…..”
رفع حاجبٍ مردداً… “جعانه…….”
أدارت راسها إليه تخبره بتلقائية والبراءة تطل من عيناها الفيروزية……
“آآه ينفع واحنا في طريقنا للمكتب تاني….على السكه كده……….انزل اشتري أكل……….اصلي مفطرتش من الصبح…….”
اوما سليم وهو ينطلق بسيارته مقترحاً
بفتور….
“تمام…..لو تحبي انا ممكن اغديكي في مطعم كويس……..”
هزت كيان راسها مصرحة وهي ترفع ابهامها
بثقة……
“لا لا مفيش داعي….انا بروح مطعم كده……”
سالها سليم….. “واسمه إيه المطعم ده……”
لفظت الإسم بارتياح غريب……
” مطعم ام ناني طواجن ومشاوي…….”
“نعم……”أدار رأسه اليها سريعاً……
ففغرت كيان شفتيها مندهشة…..
“انت أول مرة تسمع عن ام ناني….دي مكسرة الدنيا
في اسكندرية……دا انضف مطعم ممكن تاكل فيه……..”
انعقد حاجباه بتشكيك…….. “متأكده ؟!……..”
انبسطتْ ملامح كيان واقترحت بحماسية
شديدة…….
“اضمنهالك برقبتي……بُص انا عزماك…هو على الطريق هنتأخر نص ساعة بس…. قدروا وقت
البريك ونتغدى هناك…..قولت إيه…..”
واثناء القيادة رد سليم عليها مفكراً…..
“على حسب المطعم اللي هروحه…..ممكن ميعجبنيش….”
اشارت كيان على جانب عنقها مقلدة حمزة حينما يصر على شيءٍ ويكن جاد مئة بالمائة به…..بينما
تقول بمنتهى التفاخر……..
“هيعجبك….بقولك اضمنهولك برقبتي ….
عيب بجد ياستاذ دا انت مع كيان…على فكرة انا
لولا النصيب كان زماني مرشدة سياحية…..”
“لا والله……” نظر إليها بطرف عيناه وقد
كبح ضحكته بصعوبة…….
اومات كيان مصرة وبالغت بالقول……..
“آآه والله…..انا الأماكن اللي بخترها لازم تكون
سوبر ستار………أماكن معديه…..متقدرش تمسحها
من ذاكرتك أبداً حقيقي…….”
لمعة عيناه بتسلية فقال…..
“حمستيني…….يبقا نطلع على مطعم أ…..”
اضافت بمنتهى الفخر……
“ام ناني طواجن ومشاوي……..”
فلتت الضحكة من بين شفتيه ولم يتوقع انه سيجد ضحكاته المسروقة منه وسط الضغوطات والافكار المزدحمة بداخل رأسه…….
نظرة كيان الى انبساط ملامحه الرجولية بضحكة خشنة جذابة اطالت عمقاً حتى وصلت الى عيناه
العميقتين والتي تكاد تضيع في ظلامهم الحالك
كلما نظر إليها بقوة……..
ادارة وجهها للناحية النافذة مبتسمة…..وهي تتابع الطريق الراكض أمامها…….
بعد دقائق صف السيارة جانباً وترجل منها برفقة كيان التي اتسعت ابتسامتها وهي ترى المطعم
الشعبي الصغير مفتوح ابوابه ويعج بالزبائن……
“هو ده……”أشار عليه سليم دون تعبير واضح………
اومات كيان وهي تخبره بصلف…..
“شوفت زحمة إزاي من حلاوة وطعامة الأكل….”
لم يعقب سليم بل دخل برفقتها يدور بحدقتيه حول المطعم البسيط ورائحة اللحوم والدهون التي تفوح
منه رغم انها شهية جداً…… إلا انها غريبة قليلاً…….
عند دخولهما من الباب تقدمت منهما سيدة ممتلئة الجسد سمراء البشرة تلف وشاح راسها بشكلاً عشوائياً بل كل ما بها يضج عشوائية مفرطة
غير محبذة أبداً…….
“ام ناني…….. وحشاني……”راى كيان تسلم عليها بحرارة فردت الأخرى بحفاوة……..
“ابله كيان….ازيك يا ابله بقالك كتير مجتيش عندنا… هو اكلنا مبقاش بيعجبك ولا إيه……..”
وزعت كيان انظارها عليهما بتساوي وهي
تخبرها…..
“لا طبعاً هو انا اقدر استغنى… بس الشغل بقا… جبتلك كمان معايا ضيف… استاذي المحامي سليم الجندي……..شكرت في أكلك فأصر يجي يدوق بنفسه……”
رحبت السيدة به بحفاوةٍ
شديدة……
“ينور… دا مكانكم…. أهلا يا استاذها…….”
اختصر سليم بـايماءة بسيطه…..
“اتفضلوا…… المنيو قدامكم اختاروا منه اللي يعجبكم كله موجود……..” اشارت لهم السيدة بالجلوس على أحد الطاولات ثم ذهبت سريعاً لتساعد في تخفيف الزحام…….
جلسا الاثنين امام بعضهما على أحد الطاولات… ثم مسك سليم ورقة المنيو وبدأ يقرأ مابه…..
انزلت كيان ورقة المنيو قليلاً للأسفل حتى
ظهرت عيناها الفيروزية بوضوح فسالته
ببراءة….
“اي رايك في المطعم…….”
رد بفظاظة وهو ينظر لعيناها الجميلة
بقوة……
“لسه مكلتش عشان أقول رأيي…….”
هتفت كيان مبتهجة…..
“مش قصدي على الاكل على المكان…….محستش براحة نفسية….. ”
رد بفتور…… “لا…… عادي……”
سالته بنفس الابتهاج لعلها تجد شيءٍ
أعجبه هنا……
“طب وريحة الأكل والاجواء والزحمة…..”
رد بفتور دون النظر إليها…….. “عادية….”
وضعت الورقة جانباً وقالت
مستاءة….
“انت مفيش حاجة بتبهرك أبداً….”
هز راسه سائلاً بخشونة……. “مش فاهم……..”
انحنت كيان على الطاولة وقالت بهمساً
جاد….
“يعني اسمحلي اقولك ان قلبك ومشاعرك من كتر الركنة تربُة……..محتاج تنضف تمسح التراب تفتح
الشبابيك تدخل الشمس والنور لحياتك…..بتبصلي كده ليه………قولت حاجة غلط….. ”
توقفت وهي ترى عيناه مسمرة عليها بدهشة…لأول
مرة يجد من يحدثه عن دواخل شخصيته….وللعجب
يكن رغم الاندهاش البادي عليه مستمتع بالحديث
الخارج عن أطار العمل المحدد بينهما…..
هز راسه وهو يدفعها للمتابعة….
“كملي المفروض اعمل إيه كمان……”
قالت كيان بإختصار….
“يعني تشوف ناس تروح اماكن جديدة…… تغير روتينك العادي من الشغل للبيت ومن البيت للشغل……”
ضيق عيناه بخطٍ مستقيم
معقباً….
“مركزة معايا اوي ياكيان…….”
قالت كيان ببساطه……..
“طبيعي على فكرة انا بقعد في مكتبك اكتر ما بقعد في بيتنا……..”
رمقها بنظرة خطرة قائلاً بخشونة…..
“وانا جايبك تقعدي ولا جايبك تشتغلي……”
صاحت كيان بعد تلك النظرة
بارتياع….. “مانا بشتغل والله……”
ضحك سليم فجأه فهدأت من روعها وهي تضع
يدها على قلبها بفزع……
“بعد بصتك شكيت في نفسي…….”
تلاشت الضحكة بتدريج حتى قال
ساخراً…….
“قلبك رهيف….دي تضاف لشخصية المحللة
النفسية…… برافو…….”
هتفت بحرج ….. “بتتريق يا استاذ……..”
سالها وهو ينظر لقائمة الطعام مجدداً…..
“خلينا ناكل مش قولتي انك جعانه…..هتختاري
إيه….. ”
كانت سترد كيان وهي تبتسم برقة لكنها وجدته
يداعب ساقيها من أسفل الطاولة……
تلاشت الابتسامة ونظرة كيان اليه بصدمة وقد
أحمر وجهها بغضب وهي تهتف بعصبية……
“أحترم نفسك ياستاذ سليم….ولم رجلك…..”
ارتفع حاجبه بصدمة حقيقية…… “نعم……”
اشتعلت وجنتيها بحرج….وقالت
بغضب طفيف…..
” انت عمال تخبط في رجلي ولا مش واخد بالك…….”
عبس وجه سليم قائلاً بصلابة…
“بس انا محركتش رجلي من مكانها…….هلمسك إزاي
يعني…..وبعدين انا هعمل كده ليه أصلا……”
برمت شفتيها ونظرة اليه بازدراء
مغمغمة….
“الله واعلم إيه اللي في ضميرك من ناحيتي…..”
هتف سليم بحنق شديد…..
“كيان انتي الكوري آثر على دماغك…..”
“عرفت منين اني بتابع كوري…….يووه ياستاذ سليم رجلك لو سمحت…….”صاحت بعصبية وهي تقفز واقفة….
نهض سليم كذلك خلفها هاتفاً بنفاذ
صبر….
“يابنتي انا مجتش جمبك أصلا… انتي ليه مش مصدقة…….”
شعرت كيان بان مزال هناك من يداعب ساقيها لذا
اتسعت عينيها برعب…..وتمتمت………
“أمال….. امال… اي ده……” نظرة اسفلها لتجد
فأرين صغيرين يقفزوا ويلعبوا حول ساقيها…..
انتفض جسدها مشمئزاً بخوف ثم سريعاً
صعدت فوق الطاولة صائحة برعب…..
“فار……فار………فار…….”
“فار ؟!….. فار هنا……….”انحنى سليم ينظر اسفل الطاولة ليرى الفئران بالفعل تهرب من اسفل الطاولة
إلا مطبخ المطعم !!…….
زم سليم شفتيه بقرف وهو ينظر اليها وكانت هي أيضاً رغم الخوف والفزع تراقب دخولهما المطبخ
بصدمة…..وكانه مسكنهم الأمن !!……
عندما احتدت نظرات سليم النارية عليها ادارة
وجهها مبررة الموقف……..
“على فكرة المطعم كويس واكلهم حلو……يعني
حتى لو عندهم فيران ده مش ذنبهم…….”
“مش ذنبهم ؟!………تمام معنى كلامك انك هتقعدي تاكلي…….”سحب سليم نفساً حاد منتظر ردها….
شعرت بانقلاب معدتها مع تذكر الفئران وقد اوشكت
على التقيؤ…وهي تخبره برفضٍ تام……
“لا طبعاً انا بطني وجعاني ومش عايزة أكل…..”
قال ساخراً….. “غريبة مع انك كنتي جعانه…..”
حملت حقيبتها على كتفها وقالت
بامتناع…. “نفسي اتسدت…….”
أراد ان ينال منها قليلاً على تلك العزومة
الفاشلة بكل المقاييس لذا قال بسخط…..
“إزاي دا ام ناني طواجن ومشاوي برضو… قعدي
قعدي…..على ماتلـفـلـنا الفارين في سيخ ناخدوه معانا اهو نقزقز فيهم في السكة………”
نظرة كيان له بقرف وعندما ترجم عقلها كلماته المقززة انقلبت معدتها أكثر لذا وضعت يدها على فمها وركضت للخارج بسرعة…….
تحرك سليم للحاق بها…..هو يضحك بقوة فعلاً لن ينسى هذا الموقف ولو بعد مائة عام……..
عندما وصل اليها وجدها تستقل السيارة بمكانها جواره…… ففتح الباب وجلس جوارها سائلاً…
“انتي كويسة…….”
هتفت كيان وهي تكاد ان تبكي من شدة الحرج
ومن سخافة الموقف بداخل…….
“استاذ سليم لو سمحت…..متكررش كلامك ده تاني
انا معدتي قلبه خلقه……..”
سالها وهو يكبح ضحكته
بصعوبة…..
“بقالك اد إيه بتاكلي عند ام ناني؟…….”
اجابة باقتضاب…. “تلات سنين………”
هتف سليم بتعجب وكانه يرى معجزة
حية أمامه……
“بجد !!….. تلات سنين ولسه عايشة……”
لم ترد عليه بل اشاحت بوجهها بحرج أكبر
فقال سليم بمزاح غليظ……
“اتكتبلك عمر جديد….دا طلع زي مابيقولوا معدة المصريين تطحن الزلط………..بس مقلوش الفيران بصراحه……”
خجلت كيان وهي تخبره…..
“بس انا مكنتش باكل فيران……”
استخف الإجابة فلوى
ثغره…. “مفرقتش كتير والله……”
أرادت ان تغير الحديث
فقالت….”احنا اتأخرنا على المكتب….. ”
اوما براسه وهو يدير محرك
السيارة….
“نتغدى الاول وبعدين نطلع على الشغل…..”
قالت بامتناع ومزال شعورها بالتقيؤ يموج في
حلقها……..
“نتغدى ؟!…..بس انا مليش نفس……معدتي وجعاني……….”
تجاهل حديثها وانطلق بسيارة لوجهةٍ محددة……..
…………………………………………………………….
تنهدت بارتياح وهي تغلف اخر طلب لليوم…..
أول يوم في المطعم بدون زبائن !…. ومع ذلك
الطلبات التي اتتها عبر الهاتف كانت كفيلة بان
تظل لعشر ساعات واقفة على قدميها…..
وجبات الطعام التي تعدها وتعرضها عبر الانترنت
هي التي شجعتها لدخول مجال الطهي والتطوير
فيه….واصبح لها زبائن متنوعة……فهناك من يطلب الوجبات المعتادة شبه تقليدية….. وهناك من يفضل الوصفات الغربية لعدة مطابخ معينه كالاسباني
….الفرنسي…الامريكي…. الهندي….ولانها تحب
الطهي بجميع انواعه وأيضاً كانت الشهادة الجامعية
جزءاً منه ابدعت وتعلمت حتى عندما تمتلك مطعم احلامها تكن مؤهلة لكل شيء…….
رفعت عيناها لخلود بتساؤل…….
“ها ياخلود خلاص…….اديتي لبشير عناوين الزباين
اللي هيوصلهم الاوردرات…….”
اومات خلود وهي تحمل الكيس عنها….
“اه كله تمام……هاتي عنك……”
رفضت شهد وخطت به للخارج……..
“خليكي………انا هطلع…..عشان أأكد عليه…”
عندما خرجت شهد حاملة الاكياس وجدت بشير يفتح باب السيارة ويتقدم منها قائلاً…..
“كده خلاص ياست شهد……. ولا لسه فيه حاجة
تانيه……”
هزت شهد راسها وهي تأكد عليه بجدية…..
“لا كده تمام….. العناوين في الورقة معاك…. ركز يابشير اوعى تلغبط الاوردرات زي المرة اللي
فاتت…..”
ضحك بشير قائلاً بحرج….
“يااه ياست شهد……….لسه فكرهالي…..”
ابتسمت شهد متذكرة مواقف العمل الطريفة
بينهما فهو وخلود كانوا أحياناً يعملون معها
عندما يكن لديها ضغط في العمل….وطبعاً
كان المكان الانسب للطهي مطبخ بيتها……….
“هي دي حاجة تتنسي……دانت احرجتني
مع الزبونتين يومها……”
اتجه بشير للسيارة واستقل بها
قائلاً…..
“قدر ولطف…… اهيه عدت……”
اكدت عليه مجدداً….. “ماشي بس خد بالك…….”
اوما براسه وهو يدير محرك
السيارة……
“عنيا حاضر………..سلام عليكم…….”
انطلق بسيارته بعدها فادارت شهد ظهرها كي تدخل المطعم لتجد صوتٍ رجولي يوقفها….صوت بات مألوف لها مؤخراً….لكنه مزال مزعج ويستفزها……
“ماشاء الله أوردرات من أول يوم كده….دا
الجمال ذات نفسه معملهاش….مع ان المطعم
ده….. كان الفرع التاني ليه…….”
إغتصبت شهد البسمة وهي تستدير له…. لتراه يقف
عند سيارة سوداء فارهة امام المحل الشاغر الذي يفصل بين المطعم والصاغة…….يقف مستند على سيارته وفي يده الهاتف ينظر له باهتمام……..
“امسك الخشب ياستاذ عاصم…. مش كده…..”
رفع عيناه القاتمة للشهد الذأب في حدقتيها……
فضاع قليلاً وتلبك داخلياً….. لكن في الأخير
رد باعجاب خفي……
“مانا قولت ماشاء آلله……. بس برافوو…. شكلك
عارفه انتي بتعملي إيه كويس……”
هزت راسها متسائلة……
“ودي حاجة كويسة ولا وحشة…….”
“في الحالتين ترجعلك…….” كان رد قاطع شعرت
بعدها بالحرج فقالت وهي تستدير مغادرة
للداخل…
“تمام عن إذنك…….”
“شهد……….”
نداها مؤجرها الغليظ لأول مرة باسمها مجرداً دون القاب مسبقة…..وهذا ازعجها بشدة ……لكن الازعاج
الأكبر من تلك الخفقة العالية…..أصأبت قلبها بخلل
لا تدري لِمَ……..لكن المؤكد انها كلما نظرة اليه شعرت بالحنق والضيق….وكانه يستفز اعماقها محاول نزع
قناع التحضر والهدوء التي تتحل بهم امام الجميع
سحبت نفساً طويلاً تهدأ من جنون خفقاتها ثم استدارت إليه منتظرة بنظرات هادئة……
آآه من عيناكِ إذا اصابت الهدف !!…ابتلع عاصم
ريقه وهو ينظر اليها بأمر قوي………
“الساعة عشرة هتلاقيني فوق رأسك……..”
لم تعطي اية إشارة بل ظلت معلقة عيناها
عليه وهو كذلك لمدة دقيقة…….
ثم انسحب بهدوء من أرض المعركة….معركة اسلحتها مخفيه عن الأعين……معركة نشأت بداخلهما دون سابق انظار……..
انطلق بسيارة السوداء امام عيناها الحانقة….و…
الضائعة…..لن تنكر انها ضاعت لأول مرة وهي
تحادث رجلاً…………..
عندما وصل للمنزل صعد الى غرفته ليبدل ملابسه باخرى مريحة حتى يذهب للصيد كما اتفق مع حكيم……..
ان يبدل ملابسه ان يطمئن على جدته قبل
خروجه ويبلغها حتى لا تقلق…….
فمن يوم وفاة والديه وسفر أخته….وكل الاهتمام الفائض يصب عليه هو…..وهو لن ينكر ان اهتمامها
هو الشيء الوحيد الدافئ في حياته…..ورغم انه في اواخر الثلاثينات من عمره…..إلا انه مزال بحاجة
لتلك الاشياء البسيطه التي تمنحها له………
عندما فتح عاصم الباب أضاء الغرفة وهو يخلع
سترة الحلة……..
لكن لم يلبث إلا وانعقد حاجباه بشدة…..وبرزت عروقة في لحظة وتحولت نظراته الفاترة الى
نظرات سفاح على وشك ارتكاب جريمة……
التوى فكه بتشنج وازداد سعير انفاسه الغاضبة
وهو يرى (رُفيدة…)تستلقي على سريره بمنتهى الاريحية ترتدي قميص نوم قصير يشع اغراء ويكشف عن الكثير

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

كان كل شيءٍ واضحاً ، لكننا
لا نفهم بالاشارات ، اننا نفهم بالصفعات
#نجيب_محفوظ
…………………………………………………………..
عندما فتح عاصم الباب أضاء الغرفة وهو يخلع
سترة الحلة……..
لكن لم يلبث إلا وانعقد حاجباه بشدة…..وبرزت عروقة في لحظة وتحولت نظراته الفاترة الى
نظرات سفاح على وشك ارتكاب جريمة……
التوى فكه بتشنج وازداد سعير انفاسه الغاضبة
وهو يرى (رُفيدة…)تستلقي على سريره بمنتهى الاريحية ترتدي قميص نوم قصير يشع اغراء ويكشف عن الكثير ……
شعر فجأه بثورة عارمة تهدر في اعماقه…..وطاقة عنيفة سوداوية مرتسمه على وجهه المتصلب
ولم يتابع اكثر في مشاهدة عرضها الرخيص
المبتذل لذلك نداها بصوتٍ أجوف كالحجار
الصلب……
“روااااافيدة……روااافيدة…….”
تمايلت على الفراش وقد ارتجفت داخلياً بخوف إلا
انها حاولت السيطرة على اعصابها لتكمل خطت
إلهام بحذافيرها كما امرتها…….
عندما تلاقت أعينهما بصراعٍ عنيف من قِبله
وضعت يدها على صدرها تلقائياً قائلة بصوتٍ مغوي…….
“عاصم…….سوري……راحت عليا نومه وانا قاعده
على سريرك…….”
نظر عاصم اليه بعينان عاصفتان….غير
متهاونتان أبداً…..
“واي اللي دخلك اوضتي……وازي تنامي بشكل ده……”
شعرت رُفيدة بموجة من الاحباط تجتاحها…..
لكنها نهضت واقتربت منه قائلة بصوتٍ يحمل
اغراء العالم بأكمله…..
“كانت من ست شهور اوضتنا احنا الإتنين….كانت
من ست شهور بس ياعاصم…….بنام في حضنك على السرير ده…… معقول نسيت الليالي الحلوة اللي قضيناها سوا…..أمتى قلبك كان قاسي أوي كده…
إمتى…..”
أثناء حديثها كانت تلامس لحيته الحالكة بيداها..
تداعبها بحب…..بينما حديثها المحمل بأنين التوسل
يزداد كلما استمر صمته المبهم….. والغير معبر عن
ما يدور بعقله………
“عاصم متبعدنيش عنك اكتر من كده….انا مش قادرة
اعيش من غيرك….صدقني انا متعذبة في بعدك يابيبي………وحشتني….ووحشتني حياتي معاك….”
نزع يداها بنفور ثم ابتعد عن عيناها الجريئتين……المحمله من بين بؤرتيها خبثٍ
دفين……
“وانتي جايه لحد هنا وقلعه هدومك…عشان تقوليلي الكلمتين دول…….كان ممكن تقوليهم… من غير ما ترخصي نفسك اوي كده…….”ثم تأتأ بشفتيه وهو يجلس على أقرب مقعد ويخلع حذائه الأسود
متجاهل النظر لها……..
“…شكلك وحش اوي وانتي بتعرضي نفسك لواحد غريب عنك… ”
“غريب عني !!….عاصم انت جوزي……”
اقتربت منه وجلست على ركبتيها أمامه
متحسسه ساقه باغواء……
“الكلام ده من ست شهور…..دلوقتي انا
طليقك….”نزع يدها مجدداً بمنتهى النفور وهو
ينهض بعد ان تخلص من حذاءه ووضعه جوارها !…..
احنت براسها في جلستها تقول بنشيج
حارق…
“ياااه لدرجادي……معقول كل اللي عملته فيا ده
مش مكفيك….لسه بتعاقبني…….”
قال عاصم بصوتٍ أجوف…..
“بعاقبك ؟!…..مين قال اني بعقبك….انا قفلت اللي بينا من ست شهور ياروفيدة…….ولو انا بعاقبك يبقا ناوي اسامح ورجع….لكن انا لا هسامح ولا هرجع…..احنا
اللي بينا انتهى لحد كده…وانا اديتك حريتك….عايزة إيه تاني…….”
نهضت عن الأرض تنظر اليه بعيون باكية
تتوسل اليه بشكلاً مهين……
“عايزاك ترجعني لعصمتك…..بقولك حياتي صعبة
من غيرك…انا بحبك…… بحبك عاصم…..”
ابتسم عاصم باحتقار…..وبسوداوية مزدرية
واجهها بحقيقة ما بينهما والذي لا يحمل اي
نوعاً من الحب……
“بتحبيني؟!…..ولا بتحبي اسمي وفلوسي…..بتحبيني
ولا بتعملي دا كله عشان تفضلي ماشيه تحت ضل
أختك……انتي عمرك ماحبتيني ياروفيدة….انا كنت فرصة حلوة بنسبالك….وبنسبة لاختك…فقولتوا زيادة الخير خيرين……واهوه هنكون كوشنا على عيلة الصاوي من الناحيتين……..”
تراجعت رُفيدة بصدمة وشعرت بنيران تكوي امعائها
وكانه وضع جذوة حارقة تلتهم اعماقها ببطئ شديد….اهتزت حدقتيها بارتياب وبدات تزدرد
ريقها بصعوبة…..فارادت ان تزور الحقائق……
قائلة……..
“انت فاهم غلط……ليه دايما بتلمح لكده….انت
عارف اني بحبك…..يمكن إلهام كانت السبب في جوزنا…….يعني هي اللي قربتني منك بكلامها
عنك….وبكلامها عني ليك…ودا شيء طبيعي
بين الاخوات…..يعني هي شافتك مناسب
ليا…….فقررت تقربنا من بعد….ليه شايف انها عملت
كده عشان الفلوس……هي مش محتاجة.. دي مرات عمك وام ابنه يعني ليها زيك تمام….وكمان انا
مش محتاجة فلوسك ياعاصم…..انا عندي شغلي وحياتي……..ومعايا فلوس تعيشني مرتاحة……..”
التوى ثغره ساخراً….. “زيادة الخير خيرين……..”
صدر صوتها كالأنين وهي تهمس بتعب
حقيقي…..من تصلب رأسه معها………
“انت بقيت صعب…..صعب أوي……وظلمني
وظالم اختي…….”
التوى ثغره وهو يقول بسخرية سوداء….
“بجد ظلمها……..جايز………قدامك خمس دقايق تلبسي هدومك وتخرجي…..اطلع من الحمام
ملقكيش…….”
اتجه ناحية باب الحمام المتواجد بغرفته….فوجدها تعترض طريقه قائلة برجاء…
“عاصم احنا لسه مكملناش كلمنا….لازم تفهم ان اللي بتعملوا فيا دا بيدمرني…ولو حصلي حاجة ذنبي هيكون في رقبتك…….”
هتف بصوتٍ كالجليد المسنن……
“اطمني محدش بيموت ناقص عمر……اخرج ملقكيش…….”القى نظرة حازمة مهيبة ثم دلف للحمام واغلق الباب خلفه بقوة…….
انتفض جسدها في مكانه وسريعاً بدأت في ارتداء ملابسها على عجله…….فهي لا تضمن أبداً اي جنون
سيفعل ان خرج ووجدها بانتظاره…..غضبة غير متوقع وقد تصادفت به كثيراً في فترة
زواجهما….
ان غضب ينقلب المكان راسٍ على عقب…..ولا تدرك
اي جحيم سيدفعك به ….لكن سواء علمت او
لأ ففي النهاية يبقا الجحيم وصف غير مستحب
ومخيف لاي شخصاً وهي على رؤوسهم……….
أنار الهاتف باتصال من (الهام…)عضت رُفيدة على شفتها وهي تسمع صوت خرير الماء بداخل…..
اخذت نفساً مرتجف وهي ترد بصوتٍ محبط…..
“ايوا يالهام……”
قالت إلهام بحنق شديد…..
(أيوا يالهام إيه؟!… انتي فين يارافي عملتي إيه…)
حانت نظرة من رُفيدة للخلف فوجدت الباب مزال مغلق والصنبور مفتوح…. جلست على حافة الفراش زافرة….
“كل اللي قولتيلي عليه عملته…..كل حاجة عملتها….بس مفيش فايدة…….انا تعبت يالهام….
انا حسى اني برخص نفسي…….”
اندفع فضول الهام فسالتها بقلق…..
(بترخصي نفسك ليه بس هو اي اللي حصل..مش عملتي اللي اتفقنا عليه…….)
اتاها صوتٍ خشن مهيناً… جفلت معه حواسها
فجأه…..
“الشهادة لله يامرات عمي اختك مقصرتش…بس
انا اللي بقيت اكسل اوطي اجيب حاجه رمتها
تحت رجلي……..”
تداركت الهام الموقف الذي وضعوا فيه
فسريعاً قالت مبررة…….
(عاصم….انت فاهم غلط احنا كنا بنتكلم عن….)
قاطعها عاصم بصوتٍ حازم…..
“عني…….سمعتك وسمعتها…….انتي عارفه اي
اخرت الحوار ده يام يزن…….”
سالت إلهام بتوتر……(إيه…..)
رد بصوتٍ غريب…..خالي من التعبير……
“انك تركزي مع عمي وابنك…….وطلعيني من حساباتك…..أهوه تريحي دماغك شوية من
التفكير واهوه تريحيني انا كمان……اي رأيك…”
على الناحية الاخرى ارجعت الهام شعرها للخلف
بعصبية وهي تدور حول نفسها في غرفتها
محاولة السيطرة على الموقف المخزي التي
وضعت به مع اختها الغبية………
(عاصم انا بعمل كده عشان خاطر اختي…رفيدة بتحبك وطلبت نصحتي فـ….)
قاطعها عاصم متابع بسخط……
“فقولتلها اقلعي ونامي في اوضته…ونعمه نصايح الاخوات…..”
القى عاصم نظرة ازدراء على رفيدة التي تسمرت مكانها بوجنتين حمراوين بالغضب والحرج ورأس شبه منحني بالهزيمة……وقد بدأت تتمنى في تلك
الوقفة ان تنشق الأرض وتبتلعها الان بعد تلك النظرات السوداء والكلمات المهينة……ان الموقف
باكمله قلل منها بكل المقاييس…….
القى عليها نظرة مشمئزة وهو ينهي المكالمة
بنبرة نافرة منهن…….
“اخر مرة هقولهالك……واختك قدامي وسمعتها وهتسمعها تاني….طلعوني من حساباتكم…اللي بيني
وبين رُفيدة انتهى من يوم ممات ابني في بطنها بسبب جشعها وكدبها عليه……..”
وقبل ان يغلق الخط في وجه الهام أمر رُفيدة
المتسمرة امامه بقهر……
“اطلعي برا……….كلامي خلص خلاص…..”
اطرقت رُفيدة براسها وهي تاخذ الهاتف منه وتخرج
راكضه لغرفة اختها تجر الخيبة والخسارة في قدميها……
اغمض عاصم عيناه بقوة شاعراً بكم هائل من الاختناق…وتشنج قوي في عضلة فكه…بينما
النفس في صدره يتردد كآتون حارق….
ارجع شعره للخلف وكان على غير هدى يترنح
بين أفكاره وعواصفة…..
الم ينتهي من تلك القصة ويرتاح…أصبح وجودها
هي واختها يسبب له عدم الراحة والمواصلة في سلاماً نفسياً……
يجن جنونه عندما يراها مزالت تلعب لعبتها المكشوفة هي ورأس الحية الكبرى…..مزالت
السذاجة تحيط بهن…..بان يوقعنا به مجدداً في
فخ الهوى الكاذب…….ويغرق في حب مطصنع
بنى هل أهداف انانية محددة بالمال والجاه…..اما
عنه ، فهو الصورة التي تحمل كل ما سبق…. فلِما
لا يكن جزء مما يريدون ؟!……..
خرج للشرفة يستنشق بعض الهواء لعله يهدأ مشاعرة
الثائرة بالغضب…..بعينين نافذتين شاردتين ظل ينظر اللاشيء والغضب مزال يحرق فتيل صبره……وفي سهوة من الشرود تنشط عقله فجأه و ذكره
بمقتطفات لعيون عسلية براقة قابلها في يومه بنظراتها الغاضبة……وأحياناً الملوله…..الحانقة…
والمتعجبة….المصدومة…والقانطة…..وأخيراً الهادئة………هدوء يعبر عن صفاء عينيها وخبايا طباعها…..
لفظ إسمها بعيون سابحة في ذكرى
عيناها….. “شهد…….”
تذوق احرف إسمها على لسانه ببطءٍ شديد اصابه بعدها بشعور غريب لأول مرة يطرق بابه ؟!….
……………………………………………………………..
خرجت من المطبخ تجفف يداها بالمنشفة الصغيرة
حانت منها نظرة على اخيها……الجالس على أحد الطاولات في ردهة المطعم……..
وقفت للحظات تتأمل صمته وشرود الحزين البادي على ملامحه وعيناه….يتألم……الالم يسكن عيناه
بوضوح…والحزن مسيطر على المتبقي منه……
يؤلمها قلبها لعجزها عن مساعدته لو كان بيداها
لفعلت الكثير حتى ترضي والدة حبيبته…
لكن ما باليد حيلة….هي أيضاً تسعى للاستقلال بعيداً عن عثمان الدسوقي….. كما يريد حمزة… وكم
تود كيان……..
وان وصل احدهم لهذا الاسقلال والاكتفاء الذاتي
سيمد لأخيه يد العون……وهذا لم يكن وعد بينهم
بل أصبح حق مكتسب اتخذاه الثلاثة مع مرور سنوات عمرهم معاً ……
جلست امامه على المقعد وسندت يدها على سطح الطاولة لتضع ذقنها على كفها المضموم…..ناظرة
اليه بصمت له الف تعبير واولهم…..الشفقة……..
.
“مالك ياعم المكتئب……..”
رفع حمزة عيناه العميقتين بالحزن اليها…ثم
تمتم بابتسامة باهته……..
“مكتئب مرة واحده……فين الإكتئاب ده مانا
كويس اهوه…….”
هزت شهد رأسها بتصميم…….
“لا مش كويس…….احكيلي اي اللي مضايقك…”
رد هارباً من عيناها….. “ولا حاجة……”
لخصت الاجابة بـ…. “نجلاء تاني وامها صح…….”
أسبل عيناه وهو يلعب في سلسلة المفاتيح
مضيف بضجر…….
“ادتني مهلة شهر اجيب الشقة…….في شهر هجيب الشقة؟!…….شفتي استهبال اكبر من كده…..”
زمت شهد شفتيها بعدم رضا…….
“دي قصدها تعجزك…..طب ونجلاء رايها إيه….”
راقبت شهد عنفوان ملامحه واستياءه
وهو يخبرها……
“نجلاء ملهاش رأي……مانتي عارفه أمها…..”
سالته شهد بجزع…. “وهتفضل في الهم ده كتير…..”
اندفعت عيناه اليها كالسهام… بينما سالها بصوتٍ
مجهد من كثرة صراعته مع نفسه……..
“عايزة تقولي اي ياشهد…….”
اندفعت بصوتٍ قوي تواجهة بالحقيقة…..
“عايزة اقولك انك بتقوح ياحمزة….سبها تشوف نصيبها……..انت مش هتقدر على طلبتهم…..”
ومن بين ثنايا قلبه اخبرها بخفوت…..
“بس انا بحبها….ومن زمان….من قبل حتى ماخطبها وانتي عارفه كده كويس….”
اومات شهد بتعاطف لتقول برفق….
“عارفه…..بس ماباليد حيلة…..أبوك مش هيحن قلبه ولا هيغير رأيه….لو كلمنا مين بالذي هيصمم على اللي في دماغه………وانا مصدقت انه رضي عنك وخلاك ترجع تبات في البيت من تاني…….”
وهجت النظرات بحدقتاه واندفع يخبرها
بعنف……..
“انا مش هسبها ياشهد……انا بحبها….بحبها ومش هسبها تروح لغيري…….”
اومات مجدداً براسها قائلة…..
“عارفه….وعشان كده بقولك سبها….قبل ماتسمع
كلام امها وتكسرك……”
هز حمزة راسه سائلاً بشك…
“انتي تعرفي حاجة ومخبيها عني..”
اهتزت حدقتاها واشاحت بوجهها دون
تعقيب….
فسالها حمزة مجدداً وقد ازداد سعير غضبها….
سائلاً اياها بعذاب…
“شهد ردي عليا……انتي تعرفي حاجة…. ”
نهضت شهد وهي توليه ظهرها قائلة بمنتهى
الوضوح….
“معرفش حاجة…..انا بس شايفه اللي انت عامل نفسك مش شايفه….فوق ياحمزه……وشيل الغمامه
دي من على عينك….نجلاء مصيرها تمشي ورا
كلام أمها…….و…….”
قاطعها وهو يضرب سطح الطاولة نهضاً بعدها بعصبية وكان الشياطين تتراقص امام عيناه
فبدون قصد اشعلت اخته جزءاً يحاول إخمادُ
منذ أيام……
“مش هيحصل….انتي كده متعرفيش نجلاء….نجلاء
بتحبني………بتحبني… ”
واجهته شهد بعينيها بقوة عرت المشاعر
المتذبذة داخله…….
“وليه عمال تكررها……اللي واثق من حاجة…مش بيعيد ويزيد فيها…..”
نظر لها بحدة وساد الصمت بينهما……والنظرات كانت
كفيلة بتدمير مايسعى للحفاظ عليه……
القى عليها نظرة أخيرة ثم تحرك مغادراً…فمسكت شهد ذراعه وقد انقبض قلبها فجأه و سالته…….
“رايح فين…….”
ابعد حمزة يدها قائلاً بصلابة….
“روحي مع بشير وخلود…..”
سالته برعب……. “وانت رايح فين……..”
لم يرد عليها بل خرج من المكان في
سرعة الريح……
ركضت للخارج مناديه
عليه……
“حمزة………حمزة………”
ضربت فخذيها بعصبية وهي تلوم نفسها
بقوة…..
“استرها يارب……… استرها……”
دخلت خلود المطعم وسألتها بفتور…..
“ها ياشهد خلاص…… بشير دور العربية برا ومستنينا…….”
“آه خلصت……… يلا بينا…….”اومات شهد وهي تخلع المريول بيد ترتجف ………
بحثت خلود بعيناها في انحاء المكان
سائلة بتعجب….
“هو حمزة راح فين……..”
قالت شهد وهي تطفئ الأنوار وتحمل سلسلة المفاتيح والحقيبة قائلة بعجلة……
“يلا بينا ياخلود……..خليني الحقه قبل ما يعمل
معاهم نصيبة……”
سألتها خلود بتعجب وهي تخرج معها……
“مين دول……..”
سحبت شهد الباب الزجاجي واغلقته
بالمفتاح قائلة……..
“هقولك في السكة……. يلا بس…….”
بعد اغلاق المطعم اتجهت الى السيارة بسرعة واضعه يدها على قلبها بخوف…..هل أخطأت حينما واجهت
اخيها بالحقيقة…..هل ادعت على نجلاء بالباطل…
هل فعلاً ستكون مستعدة للتخلي عن اي شيءٍ
لأجل اخيها ام انها ستظل تضغط عليه كأمها….
……………………………………………………………..
وصل أسفل العمارة الذي يقطن بها……ترجل من السيارة التي يعمل عليها بعد ان صفها جانباً…..
ثم استقل المصعد للدور السادس حيثُ شقتها….
كانت نظراته مخيفة قاتمة….تبعث رجفة رعب في
عينا الناظر……ملامحه متحجرة مهيبة…..وانفاسه
متصاعدة محملة بالغضب والعدائية لكل من سيقف
أمامه الآن…….غضبه يوشك على احراق المتبقي
من صبرٍ وعقلٍ داخله……..
سحب نفساً حاداً بعد ان فتح باب المصعد وقبل
ان يتخطاه سمع صوت ضحكاتها العالية وهي تودع
ضيفها من على الباب قائلة بصوتٍ مائع…..
“مكنتش أعرف ان دمك خفيف اوي كده….”
لمعة عينا سامح وهو ينظر اليها بقوة هائماً في
هذا الجمال المشع من كل زاويا بها….فقال وهو
يميل برأسه عليها بخبث…….
“مانتي اللي كنتي مصدره ليا الوش الخشب…. هتعرفي منين بس…….بس ملحوقه… ”
بميوعة اكبر سالته….. “مش فاهمة…..تقصد إيه بملحوقه…. ”
ابتسم سامح بسماجة قائلاً بمداعبة…
“ملحوقه يانوجا….مصيرك تعرفيني أكتر…وتحبيني اكتر……..ولا إيه…….”
تلونت الشفاة بإبتسامة خجولة….فقالت…
“واثق اوي من نفسك…..وافرض مقدرتش أحبك..”
تأتأ سامح بشفتيه وهو يستند على إطار الباب الواقفة أمامه مائلاً عليها قليلاً……..
“كده أزعل….. احنا اتفقنا على إيه جوا….. تديني فرصة عشان نعرف نقرب كويس من بعض…….وانا
واثق انك هتحبيني.. ”
ظهر حمزة من العدم فجأه….وخطى نحوهما قائلاً
بنبرة قاتمة عنيفة……
“هي من ناحية هتحبك… فهي هتحبك….مش بيقولوا الطيبون للطيبات برضو… والطيور على اشكالها تقع……..”
انتفض سامح بخوف ينظر إليه….. وارتجفت نجلاء
كذلك متراجعه خطوتين للخلف بينما وصلت خفقاتها
المرتابه للعنان بقوة تكاد تقسم انها ستمزق
صدرها من شدتها………….
وكانها ترى النهاية الحتمية على يد سفاح يقترب
منها ببطئ شديد يتعب الأعصاب ويوقف القلوب…. فملامحه كانت سوداوية تنذر بالشر….. وعيناه كانت هائجة بجنون عاصف يكاد يزهق روحها في رمشت عين هي والمدعو سامح الذي يقف الان مرتاعٍ
يخشاه أكثر منها !!……
هتف سامح بشجاعة مفرطة حتى يرسم الدور
امام نجلاء المتسمرة مكانها بصدمة…..
“انت اي اللي جابك هنا…. انت عايز تتهزق
وتطرد زي المرة اللي فاتت…….”
مسكه حمزة سريعاً من ياقة قمصية صائحاً في
وجهه بوحشية………
“آآه عايز اتهزق وانضرب…… هات اخرك عشان اوريك
تمامك…….”
قالت نجلاء بتردد…..
“ملوش لازمه الكلام دا ياحمزة……”
“اخرسي يابنت ال****…”سبها حمزة وهو
يلقي عليها نظرة قاتلة…
فغرت نجلاء شفتيها غير مصدقة الفظ البذيء الذي
رماها به……..يبدو ان امها كانت محقة هذا الارتباط
لم يجلب إلا الاوجاع والخسائر لها……..ويبدو انها استخدمت عقلها أخيراً في تلك العلاقة السامة…
وستنهي ما بينهما تحت اي ظرف….
شد حمزة ياقة سامح وهو يسخر من نفسه
بقسوة…..
“لا وانا اللي كنت بقول فيها قصايد شعر…”
رماها بنظر كارهة لاي شعور كان سابقاً خاصاً
بها وحدها…..أضاف بلسان يلتوي بشمئزاز……
“اتريكي كلبة فلوس زيك زي اللي جابتك…..
بتبيعي للي يدفع اكتر……..وهو اكيد مقصرش.. ”
نظر لسامح بقوة فجفل سامح وتوتر اكثر وانساب العرق من فوق جبهته من شدة الخوف والتراقب
للقادم من هذا المجنون……
قالت نجلاء بحنق مدافعة عن موقفها بمنتهى الوضاعة…….
“هو لما ادور على مصلحتي اكون طماعة….. وبعدين
انا صبرت واستنيتك كتير عملت إيه ولا اي حاجة…
كل يوم حجج فارغة واعذار…….”
جز حمزة على اسنانه هاتفاً بغضب……
“وطالما انتي زهقتي اوي كده…. مقولتيش ليه وعرفتيني بنيتك الوسخه من ناحيتي…..”
لوحت نجلاء بيدها توقفه بصرامة….
“أحترم نفسك…. انا مستحملة قلة ادبك لحد
دلوقتي عشان خاطر اللي كان بينا زمان…… ”
ازداد بريق الاجرام في عينا حمزة صائحاً
باحتقار……..
“زمان كمان ؟!…. ياشيخه يحرق ابو اللي كان بينا…….. ويحرقك انتي والجِعر ده وأمك معاكم…
ياعيلة وسخة…. مفيهاش راجل كلها نسوان
مصديه… ”
ظهرت امها من خلف الباب صارخة بملل
والشماته تطل من عيناها الئيمة……..
“ما تحترم نفسك ياواد انت بتزعق كده ليه….هو الجواز بالعافية…. ما البت قالت مش عيزاك…خد
حاجتك وتكل على الله…… ”
اوما حمزة وقد اشتعل صدره بجنون وفارت الدماء في عروقة لدرجة لا تحتمل مما جعله يقدم على
هذا وهو يقول بمنتهى الشر……..
“عيني….هاخد حاجتي……. وحقي كمان…..”
ضرب راسه في جبهة سامح بقوة مما جعله يقع
أرضا متالماً…..اندفع حمزة نحوه بجنون يسدد
له الضربات مما جعل نجلاء وامها يصرخوا بأعلى صوتٍ لديهن يستغيثوا الجيران من حولهم….
خرجت شهد من المصعد بصحبة بشير وخلود
وسريعاً عندما سمعوا الصريخ و رَأَوْا الاشتباك
تدخلوا سريعاً خوفاً على حمزة من ان يتهور
في ذروة غضبه ويرتكب جناية مع هذا
الأحمق……
تدخل كذلك بعض الجيران معهم….ودخلت شهد بينهم كحائل وهي تحاول ان تهدأ اخيها ببعض الكلمات وتترجاه بالدموع كذلك… فقد وصل حمزة لحالة اللا وعي…..ربما لم يفيق منها إلا على مصيبة كبرى….
“الحقونا ياناس…. الراجل هيموت في ايده..روح
منك لله ربنا ينتقم منك يابعيد…”هتفت بها والدة نجلاء بعصبية استفزت شهد… وكسرة قشرة
الهدوء التي تتحل بها بين الجميع….
فصاحت بحمائية مدافعه عن اخيها امام
الجميع…..
“ربنا ينتقم منك انتي إياك تدعي على أخويا…..ليكي
عين تكلمي……..وليه بجحه بصحيح….. طالما لقيتي
اللي يشيل ادتيلوا مهله ليه شهر انتي وبنتك عشان
يجيب الشقة……عالم الكدب الخيانة بيجري في دمها…….”
اتسعت عينا والدة نجلاء بشدة واكفهر وجهها
وهي تستعد لبخ سمها وكرهها لشهد التي كانت ومزالت الأجمل بين الجميع…حتى أجمل من
ابنتها…..رغم تشوهاتها الخارجية وضغوطاتها
النفسية مزالت جميلة تشع قوة وكبرياء….
تخصرت السيدة مبتسمة بسخرية
سوداء….
“والله وطلعلك حس ياشهد…..احنا كدبين
وخاينين…..آآه تلاقيكي منكاده من بنتي عشان هتجوز قبل منك…. آه مانتي بورتي بقا ومفيش
عريس بيخبط على بابك تكونش السماعه اللي في ودنك هي اللي بطفشهم………ولا يكونش فكرينك طرشه……والودنين بايظين….”
تأتأت بشفتيها مدعيه الحزن والشفقة ثم
اضافت بغل مبطن……
“عارفيهم ياختي ان في واحده فيهم سليمة
يمكن حد فيهم قلبه يحن ويتجوزك…بدل مانتي قربتي على التلاتين ولسه زي البيت الوقف كده….”
حاول حمزة تجاوز الجيران الواقفين امامه يمنعوه
من الهجوم عليها………فسبها صارخاً……
“اخرسي ياوليه يابنت الكلب انتي.. لحسان
اسففك تراب العمارة……”
ردت والدة نجلاء بغضب
يماثلة….
“اخرس ياصايع ياعرة الرجالة……”
مد حمزة ذراعه بقوة ودفع سامح لعندها
قائلاً…….
“عرة الرجالة اهوه في حضنك انتي وبنتك
اشبعوا بيه………ياعالم****……”
تحملت شهد الالم الحارق في صدرها….وتماسكت
حتى لا تبكي وهي تدفع اخيها بقوة
صارخة….
“كفاية ياحمزة كفاية يلا بينا……يلا كفاية كده…”
صاح بشير وهو يدفعه هو أيضاً باتجاه باب
المصعد…….
“اسمع كلام اختك ياحمزة وطلع معاها…..”
ترجاه كذلك أحد الجيران…..
“اطلع يابني ربنا يهديك…….كل شيء اسمه ونصيب
والجواز مش بالعافية…….”
هتف حمزة بنفور…….
“لا مش بالعافية وهي كده كده متلزمنيش…..”
تلاقت عيناه بعينا نجلاء الصامته فلوى حمزة فكه بقرف نادماً على كل شيء عاشه معها سابقاً…
و اوالهم حبها الزائف…….
“ياخسارة كنتي غالية اوي عندي…وعلى قد الغلاوة بقيت في عيني أرخص من التراب اللي بدوس عليه بجزمتي……”
دفعته شهد الى المصعد وهي تصرخ مجدداً
بقهر…..
“يلا ياحمزة قولتلك كفاية……كفاية ياخي…كفاية
فضايح…..”
…………………………………………………………….
طرقت شهد على الباب بقوة فبداخل خرجت كيان
من غرفتها تتثأب فقد غفت قليلاً بعد عودتها من العمل لحين عودتهما من الخارج……
“جايه حاضر…….”
قالتها وهي تفتح الباب ناظرة اليهما بهدوء تحول
الى الدهشة وفغرت شفتيها سائلة…..
“اي ده مالكم…..اي اللي حصل…….”
دلف الجميع لداخل الشقة من ضمنهم خلود
وبشير وقد هتف بشير متعجباً……
“معقول مسمعتيش الزعيق ده كله ياكيان…..”
سألت كيان بنفاذ صبر وهي توزع انظارها
عليهم بتساوي…
“زعيق…. زعيق إيه……ما تفهموني ياجماعة……. ”
القت شهد حقيبتها جانباً وهي تتجه لأحد الزاويا قائلة بصوتٍ متحشرج…..
“هدخل الحمام وجايه……”
سألت كيان مجدداً بحيرة…..
“مالها ياخلود …….. اي اللي حصل…….”
امتقع وجه خلود وهي تتذكر الكلمات السامة
التي احقنت بها المرأه شهد بمنتهى الوضاعة…..
قالت خلود بتنهيدة أسى……
“حمزة شد مع نجلاء وامها تحت… وكان بيتعارك مع واحد تبعهم……… واحنا وشهد حوشنا بينهم.. والوليه اللي ماتتسمى ام نجلاء هلفتت بالكلام مع شهد…..”
برقة عينا كيان وقبضت على يداها
بقوة…..
“قالتلها إيه………”
اجابت خلود بصعوبة وبعيون
دامعة…..
“كلام ميجليش قلب أقوله….حتى لو بحكيلك…. الخلاصة انه كلام يوجع بتعيرها بتعبها وبالسماعة
اللي في ودنها…… و…. وعشان لحد دلوقتي متجوزتش….. اهوه كلام كله غل ونقص…… ربنا
ينتقم منها….. حرقت دمها ودمي….”
جن جنونها فخطت خطواتها بمنتهى العصبية
نحو الباب قائلة بشراسة…….
“بنت الكلب……. طب والله لروح افتح دماغها…”
احاطت خلود خصرها محاولة منعها
وهي تهتف برعب…..
“استني عندك ياكيان…. احنا مصدقنا…. مصدقنا
لمينا الدنيا……. الله يسامحها وخلاص……”
صاحت كيان هائجة وعيناها تغليان
غضباً…..
“الله يحرقها…. مالها ومال اختي… تتجوز ولا تقعد هي كانت قعده فوق رأسها… وبعدين ماله تعب
أختي هي اللي اختارته…… ست جاهله… وعايزة
تاخد بالشبشب على بؤها……… سبيني ياخلود…”
كانت تقاوم وثاق خلود على خصرها مما جعل
خلود تتركها صائحة بتعب……..
“ياكيان كفاية بقا وبطلي مناهده……… أهدي….”
“خلاص ياكيان……… كفااايه……”صاح بها حمزة الجالس على الاريكة يشاهد ما يحدث بعيون مظلمة…… تحمل انفعال ربما ان خرج
سيرتكب جناية…….كما يتمنى !……..
تقدمت منه كيان صارخة بعنفاً…….
“انت هتسكتلها ياحمزة….. بعد اللي قالته على
شهد……. طبعاً مش حماتك…….”
أجاب بنبرة مريرة……
“مبقتش حماتي……. انا سبتها للي دفع أكتر…..”
لوحت كيان بيداها بعنفاً…قائلة بحمائية……
“في ستين داهيه….. هي وامها…. اللي يهين أختي
ميلزمناش ولا ينفع يبقا واحد منا……..”
ربتت خلود على كتفها بملاطفة….
“الموضوع انتهى ياكيان أهدي……أهدي عشان متضيقيش شهد أكتر……. ”
تبادلت مع خلود النظرات حتى ترقرقت الدموع في عينيها وهي تتجه لاحد الزوايا قائلة بقلق…..
“انا هروح ابص عليها…. طولت اوي في الحمام….”
لحقت بها خلود…… “انا جايه معاكي……”
اطرقت كيان على الباب برفق وهي تنادي
عليها….. “شهد……… شهد……انتي كويسه… ”
“كويسة…….. ثواني وطلعه…….”
لفظت شهد بتلك الكلمات بمنتهى الهدوء واليسر حتى اقنعتهم بالفعل بانها بخير… وباحسن حال…
مؤكده ان الحديث لم يأثر عليها…. ولم يؤذيها
قط……
لكن ان نظرة الى صورتها المنعكسة في المرآى ستكتشف…. انها لا تخدع أحد سواها…..
بلعت الغصة الحادة في حلقها وهي تمسح دموعها المنسابه على خدها…….
أحياناً تكن الكلمات مصدر سعادة للقلوب… وكثيراً تكن الكلمات كفيلة بكسرة النفس….. بهدم الذات…..بحرقة القلب………بالعيش في الظلام
باختيار العزلة…..ان تمقت على حياتك….وتكره
نفسك لمجرد انك تأذيت من كلمات محقنة
بسموم خبيثة…….اليست السموم قاتلة ؟….
اطرقت شهد براسها وهي تضم شفتيها بقوة تكتم شهقة عالية تعبر عن اوجاعها…..ثم حانت منها
نظرة الى المرآة…..لتجد كم هي بالحزن
تكبر ؟!…..تتغير ملامحها للاسواء…..الحزن قادر على افساد كل أمل يضوي بداخلها….الحزن قادر على اعجازها……. وهي لن تعجز…….فهي عاشت حياتها كلها تعافر مع نفسها وجميع من حولها…..لن تستسلم
لهذا اليأس……أبداً…..
نظرت الى صورتها في المرآة…….بعينين عميقتي اللون….. متألمتين حد العذاب…….عيون تصرخ بأن
الكتمان أصبح سجن مشدد لا يحتمل…..الن تتحرر
وتبوح باوجاعها…….الن تتخلص من تلك
التراكمات…..الى متى ستظل بتلك القساوة على نفسها………الى متى ستظل تحت قناع الهدوء
والرشد….والصمت المبهم…….
اطبقت على عينيها بقوة والدموع كانت حبيسة الجفنين……تأبى الخنوع……. كما تأبى
صاحبتها………
طرق الباب مجدداً وهتفت كيان بزعر….
“شهد اخرجي بقا كفاية كده……شهد………”
خرج صوتها ثابتاً في أوج الهدوء والسلام النفسي !!……..
“خرجه ياكيان…..خرجه……..”
مدت يدها و نزعت السماعة الطبية من اذنها….ثم
وضعتها جانباً وفتحت صنبور المياة….تلطم وجهها
بالماء بقوة تاركه العنان لدموعها الان بين خرير الماء العالي…….. وصوتٍ من الماضي كان يدوي في
اذانها بقوة يشاركها الحزن باصعب الذكريات…
واسواء حادث عاشته………
هتف عثمان وهو يحاول نزع الصورة من بين
يداها صارخاً بقسوة…..
(اي اللي خلاكي تاخدي الصورة دي……)
نزلت دموع شهد بحزن وكانت فتاة مراهقة
جميلة في الخامسة عشر من عمرها……
(هي دي الست اللي بتحبها يابابا…هي دي الست اللي كرهت ماما وكرهتنا عشانها……)
اتسعت عينا عثمان بشكلاً مخيف يكاد يبتلعها
وهو يحاول خطف الصورة من بين يداها……
(بقولك هاتي الصورة……هاتي..)
اخفتها شهد خلف ظهرها وهي تحاول التحدث
معه من بين دموعها الجارية….ووسط غضبه القاتم والذي يهدد بقتلها الان لا محال……فمنذ متى وهي تتجرأ هكذا امامه وتحاسبه…….
(هدهالك بس لازم تعرف ان احنا ملناش ذنب…وان ماما كمان ملهاش ذنب لانها حبتك…..وبعد كل اللي عملته قبلت تكمل عشان خاطرينا وعشان
بتحبك……)
سحب الصورة من بين يداها ووضعها في جيبه
قائلاً بازدراء…….
(هاتي الصورة…..عيله زيك بتحسبني…وبتكلمني كمان عن الحب….ادي التربية….والله وعرفتي
تربي ياكريمة………)
دافعت شهد عن امها بقوة…..
(ماما ربتنا احسن تربية……)
اقترب عثمان منها وعيناه تقدحاً غضباً
اسود….
(بامارة انك دخلتي تفتشي في اوضتي…لا وكمان بتحسبيني…….)
واجهته لأول مرة قائلة بثقه……
(لانك غلط واحنا لينا حق عليك….وبعدين انا مش صغيره…….انا عندي خمستاشر سنه و…..)
لم تتابع حديثها فقد هجم عليها بمنتهى العدائية يضربها ويصفعها ويركلها بقدميه……أطال ضربها
وتعنيفها اكثر مما سبق ، مما جعلها في هذا اليوم المشئوم تنزف من كل مكان بجسدها والنزيف
الذي اصابها كان نادراً بنسبة لها فقد نزفت اذنها اليمنى واصبحت لا تسمع إلا صوتٍ تشوش ، وألم
شديد داهمها في اذنها وكأن هناك سهمٍ حاد اخترقها….حتى انها كانت تصرخ حينها وهي غير قادرة على سماع صوتها لكنها شاعره بكم الوجع التي تحياه وقتها………..
وعندما اخذها حمزة وامها للمشفى اكتشفت انها فقدت اذنها اليمنى للأبد…….وان اليسرى ايضاً
تأثرت تاثر طفيف كذلك لكنها أفضل من
الثانية….
وقتها اجرت عدت عمليات وخضعت لرحلة علاج طويلة على أمل ان تشفى وتستعيد حسة السمع كسابق لكن للأسف بعد هذا العذاب انتهى بها
الحال بسماعة طبية……..
ووقتها كان بيدها سلاح قوي لسجن ابيها بعد ان تعدى عليها بهذ الشكل الوحشي……..وحتى المشفى ساعدتها في اخراج تقرير طبي قوي…..
فقد اتت اليهم شبه ميته…….وكان الجميع
يساندها حتى تأخذ حقها ممن يدعى ابٍ…….
حتى حمزة كان يحثها على محاكمة ابيهما
قانونياً…..
لكنها لم تفعل..لم تمتلك الجرأة…..لسجنه…لتعذيبه
لحرق قلب أمها عليه…… فقررت العفو…..عفو بديهياً….. لكنها في قرارة نفسها لن تسامحه أبداً……أبداً…
هتفت كيان برعب من الخارج…..
“انا مش مطمنه ياخلود……انا خايفه بقالها ساعة فتحه الحنفية….يكونش اغمى عليها…..”
“فال الله ولا فالك……..اي الكلام ده……”قالتها خلود
وهي ترفع يدها على الباب مجدداً فوجدت شهد تفتحه وتقف أمامهم تنظر اليهن بهدوء وغرتها
التي دوماً تغطي جبهتها مبلله بالماء وكذلك وجهها…….وجهها الشاحب كشحوب الاموات…..
وعينيها غائرة حمراء من كثرة البكاء…….
ورغم الهدوء البادي عليها إلا ان ملامحها قالت
كل شيء دون طرح السؤال حتى ؟!…….
قالت شهد بهدوء وهي تخرج وتغلق باب الحمام خلفها……
“هحضرلكوا….العشا…..انا جايبه أكل من المطعم هيعجبكوا……..عمايل ايدايا…. ”
فغرت خلود شفتيها واتسعت عيناها… وكذلك
فعلت كيان وهي تسالها مشدوهة…….
“عشا اي ياشهد…..انتي……..”
اولتهم ظهرها وسارت باتجاه المطبخ لتقول
بنبرة مرحة………..
“انا ميته من الجوع…….حضري السفرة ياكيان
انتي وخلود وانا هسخن الأكل………”
نظرا الفتيات لبعضهن بصدمة…….لا يصدقا
ما يصدر منها ؟!…..
ألن تتوقف عن هذا الادعاء الزائف….الجميع له حق
في لحظة انهيار واحده…..ولو حتى بمفردة ؟!…..
……………………………………………………………
بقلب المطعم وفي صباح اليوم الثاني… كانت تجلس على المقعد امام طاولة مستديرة ساندة مرفقها عليها وترتاح على كفها….. عينيها العسليتين شاردتين في عالم آخر…….. حزينتين لأبعد حد….. صريحتين
معبرتين لمن يود الاطلاع بهم……..
منذ البارحة وهي لم تذق طعم النوم….. للأسف الاحزان رافقتها حتى الصباح…..تلوت ليلاً على
جمار كلمات (ام نجلاء) بكت بصمت وانهارت
وهي تدفن وجهها بالوسادة……. متذكرة كل
شيءٍ سيء عاشته من يوم ان وعت على
الحياة………..
وكانت ليلة معذبة لروحها انتهت بنزع جسدها نزعاً من على الفراش ثم قضت فريضة صلاة الفجر
وارتدت ملابسها وذهبت للمطعم….لتباشر عملها…
العمل الشيء الوحيد الذي تتنفس من خلاله…تشعر
بنفسها بقيمتها وهي تكتسب المال بمجهودها… دون
الاعتماد على أحد……او الانتظار من أحد………
لطالما هكذا عاشت…….وهكذا علمها والدها……ربما
القسوة جنت شيءٍ واحد جيد بان تكون شابة مكافحة لا تعرف الدلال والعب كمن في سنها…..
شابة مستقلة بنفسها وقريباً ستكون مستقله
بعيداً عن كنف والدها وعن اي رابط
يجمعهما معاً….
سمعت صوت الباب الزجاجي يدفع وانتشر شذا عطره الرجولي في المكان…..علمت ان الساعة أصبحت العاشرة وان حضور مؤجرها حان
ويجب ان تتعامل معه بمنتهى الطافة والأدب
والصبر الغير منتهي حتى يرضا عنها……
تباً انها ليست بمزاج لكل تلك السخافات فالينظر
نظرة ويرحل…… اصلا المكان خالي من الزبائن
باستثناء الطلبات التي ستعدها أليوم والتي
تاتيها عبر الإنترنت….
تنحنح عاصم بخشونة وهو يطلع عليها بعيون كالصقر……..
قلبت شهد حدقتيها بملل وقد اتتها رغبة غريبة في مناكفة مؤجرها…….مسكت شهد الهاتف وصبت اهتمامها عليه وهي تقول بحنق……
“مش عايزين النهاردة……. لسه مطبخناش…. عدي علينا نبقا نشوفلك اي حاجة تاكلها…..”
ابتسم عاصم وهو يجاري حديثها وقد تقدم منها وجلس على المقعد المقابل لها…..
“خسارة مع اني ميت من الجوع…..مكلتش من إمبارح….. ”
مطت شهد شفتيها قائلة باسى….. “ياحرام……”
رفعت شهد عيناها الجميلة إليه…….فابتسم عاصم
لأول مرة بصدق وقد ازداد وسامة بعد ان لانت شفتيه الصلبة…….
“مش كده…… انا برضو بقولهم ياحرام…….”
خفق قلب شهد فعادت تنظر للهاتف بخجل
افترسها بعد نظراته الذكورية الكاسحة….
نظر عاصم للمكان الهادئ من حوله ثم عاد
إليها قائلاً بسخرية……
“اي اخبار الشغل….شايفكم بتهش دبان النهاردة..
تحبي انفعكم……اهو اساهم باي حاجة…. عشان متفضليش زعلانه كده….. ”
رفعت شهد عيناها عليه معقبة على اخر
جملة…..
“مين قال اني زعلانه عشان الشغل؟…….”
سأل دون تفكير…. “امال زعلانه من إيه……”
رفعت حاجبٍ عابساً……”نعم…..”
تغاضى عن نظراتها المتعجبة والوجه العابس
ونظر للمكان مجدداً قائلاً بثقة…….
“انتي بطريقه دي مش هتعرفي تدفعي الايجار
آخر الشهر…..”
زاد العبوس عليها وهي تقول بتعجب….
“معداش من الشهر غير خمس ايام ياستاذ
عاصم !!….”
نظر لها عاصم مستنكراً هذا القب
الثقيل……
“مابلاش استاذ دي عشان مش قادر أبلعها منك….”
قطبت حاجباها وهي تساله
بقنوط….
“تحب أقولك إيه…… يامعلم عاصم……”
رد بإبتسامة اجمل من السابقة….قد سحرتها
لبرهة مما جعلها تخفض عينيها…..
“خليها عاصم بس….. إحنا من سن بعض تقريباً…”
سريعاً رفعت عينيها اليه كرصاصة طائشة
وهي تساله بصدمة……
“من سن بعض ؟!….. ليه انت عندك كام سنة….”
أراد ان يغذي فضولة
فاجابها…..
“تمانيه وتلاتين……وانتي…..”
نهضت شهد من مكانها واتجهت إلا اللوحة
الورقية وظلت تمسح الاشياء التي كتبت
عليها أمس……….ثم اجابت بتهرب…..
“مش لازم تعرف……..بس انت أكبر مني…”
سألها عاصم بفضول……. “بكام سنه يعني……”
أدارت شهد وجهها إليه قائلة بترفع….
“كلك نظر……..”
ادعى التفكير وهو يقول بلؤم….. “سنتين……..”
ابتسمت شهد بخفة وهي تعود لتجلس أمامه
على نفس المقعد…….
“قديمة….برضو مش هقولك عندي كام سنة…..”
سالها عاصم وعيناه تتبسم تشاركها
الابتسامه….
“ليه مش بتحبوا تقوله……”
توترت حدقتي شهد لكن سريعاً ردت بانف
مرفوع بتعالي….
“عشان….عشان السن اللي في البطاقة ده
مجرد رقم بنسبالنا……..”
اوما عاصم بتفهم……وهو يعيد السؤال……
“وجهة نظر………بس انا عايز اعرف عندك
كام سنة…….”
ضيقت عيناها في خطٍ عابساً..
وقالت….
“ليه هو سني كمان ممكن يعملك مشاكل….”
“بتتريقي……..”رجع بظهره للخلف وهو يأسرها بنظرات الصقور……..
اومات براسها متمتمه بخفوت……
“بصراحه آآه….انت انسان غريب ياستاذ عاصم….”
“أستاذ…..”زم شفتاه مستاءاً ثم حثها على
المتابعة…..
“ماشي……غريب إزاي ياستاذه شهد؟…….”
تبسمت وهي تخبره بصراحة…..
“يعني من أول يوم شوفتك فيه وانا حساك
عدو المرأه…….”
وضع ساق على اخرى وهو يمط شفتيه قائلاً
بصلف…….
“وليه الاحساس يانسه شهد….انا عدو المرأة
فعلاً…”
رفعت وجهها المشدوه اليه أكثر
وهتفت بصدمة….
“اي دا………اي دا بجد……”
ضحك عاصم….ضحكة رجولية خافته….له اثر
جميل على النفس….مبهجة…..تشع خشونة
وهيبة…….فقال موضحاً وجهة نظرة…..
“بهزر…..يعني انا من وجهت نظري ان الست ملهاش غير بيت جوزها….وقبل جوزها ليها بيت أهلها….
لكن الشغل والبهدله ميلقوش بيها….الست لازم
تكون مسئولة من حد…… مينفعش تشيل
مسؤولية نفسها….. لانها في نهاية ست…… ”
سالته شهد مباشرةً….
“انت عندك اخوات بنات…….”
اوما براسه وهو يجيبها بمنتهى السلاسة وقد
تناسى الإثنين ما خلفهما من اعمال عليهم
القيام بها……
“عندي واحده…….متجوزه وعايشة برا……”
سالته شهد بفضول….. “مش بتشتغل………”
رد ببساطه متفاخراً……..
“لا… معاها شهادة ومتعلمه كويس….بس قاعده في البيت وبتربي عيالها وواخده بالها من جوزها…….”
لم تكن لديها رغبة في الجدال معه أكثر….. فأغلقت الموضوع قائلة………. “كويس…..”
انعقد حاجبي عاصم بحنق……
“اي هو اللي كويس…….انتي شيفاني معقد؟…. ”
ردت بالامبالاة…. “في الحالتين ترجعلك…….”
ارتفع حاجب عاصم وتشدق سريعاً
باعجاب….فتلك كانت جملته أمس……
“برافو بتحفظي بسرعة……”
اكتفت بايماءة بسيطه وهي تبتسم…..مما جعله ينظر اليها أكثر يتأملها بشكلاً مفضوح…..يكشف عن اعجابه
بشكلها….. بعزمها في العمل…..بمناكفتها البسيطه
معه….اعجب بهدوءها الواضح…..وحزنها الدفين جذبه…..ابتسامتها التلقائية ابهرت حواسه…..كلما
تبسمت بعفوية شعر بشيءٍ يدغدغ قلبه……
نشلته شهد من شروده
قائلة…..
“اوعى تكون بتشبه عليا…..”
هتف عاصم دون تفكير…..
“شكلك مرهق………عن إمبارح……”
رفعت حاجبها مندهشة……
“ماشاءالله عندك قوة ملحظة…….بس دا
سؤال ولا معلومة……..”
أومأ براسه وهو ينهض….. “لا معلومة…….”
نهضت شهد خلفه سائلة
بغباء……”على فين؟……”
لوى عاصم فمه بتعجب…… “على المحل….”
شعرت بالحرج من نظراته الثاقبة عليها فقالت بسرعة……
“تحب اعملك فطار……..احنا عملنا منيو صغير كده للفطار بيبدأ الساعة تمانية وبينتهي حداشر….”
رد عاصم ممتنع بالباقة…..
“تسلم إيدك بس انا فطرت قبل ماجي….”
اومات براسها وهي تتحسس عنقها بشكلاً
تلقائيّ يعبر عن حرجها وتسرعها….
فأراد عاصم ان يهون عليها فقال قبل خروجه
بمنتهى الفتور……
“صباحك زي الورد……سلام…..”
خرج امام عينيها التي تموج بمشاعر مستجدة تختبرها مع مؤجرها الغليظ………
……………………………………………………………..
استيقظت في وقت متأخر من الصباح وكالعادة ذهب
سلطان للورشة باكراً دون ان يوقظها….
خرجت من غرفة الأطفال…. التي تقيم بها من يوم
ان تخطت قدميها هذا المكان…….
تثأبت وهي تذهب الى المطبخ وتفتح المبرد لترتشف القليل من المياة الغازية….. عادة سيئة باتت عندها منذ الصغر ان تتناول وتشرب كل ماهو مضر
بصحة ….حتى اصبحت اختيارتها أكثر
تهاوناً وضرراً !…….
انعقد حاجباها وهي تنتبه لكيس أسود موضوع على رخامة المطبخ…….
اتجهت اليه تتفحصه لكن قبل ان تفتحه وجدت ورقة صغيرة ملقي فوقه باهمال…فتحت الورقة وقرات ما بها…….
(اطبخي الأكل ده…….عايز إرجع الاقيه على
السفرة……)
زمت داليدا شفتيها وامتقع وجهها…. شاعره بالغضب
والاستياء من هذا المخلوق الهمجي قليل الذوق…
والذي ابتلتها الأيام به ليكن تكفير عن خطاؤها
الوحيد الذي ارتكبته في هفوة الحب أولاً…..
فتحت الكيس لترى ما به……
فجحظت عينيها سريعاً بعد رؤية مابه….ثم
تمتمت بعدم رضا…والغضب تفاقم داخلها….
“بط !!……….انا هطبخ بط……لا دا بيحلم…. ”
جزت داليدا على أسنانها وهي تخرج من المطبخ عائده لغرفتها لتبحث عن هاتفها بمنتهى العصبية…….وعندما لمحت الهاتف التقطت
إياه سريعاً واجرت اتصال به……..وانتظرت
وهي متخصرة بتشنج واقفه على غير هدى
وكانها تقف على جمار مشتعلة……..
فتح سلطان الخط وهو يهمهم بعدم رضا
وبقلة ذوق…….
(نعم عايزة إيه اخلصي……)
عبس وجه داليدا وفغرت شفتيها قائلة
بعبوس….
“الناس بتقول الو….سلام عليكم.. صباح الخير….
مش عايزة إيه اخلصي…….”
جلس سلطان على مقعداً بقلب ورشة الخشب
ومسح حبات العرق من فوق جبينه وهو
يجيب بسخرية……
(صباح الخير بليل ؟! الساعة بقت واحده يامراتي..
هو انتي لسه صاحيه ولا إيه ؟!..)
اومات داليدا ببساطه وهي تجلس على حافة الفراش…… “ااه لسه صاحية…….”
تشدق باستنكار…….
(لسه صاحيه آآه……ماحنا لو بنام بدري…..هنقوم
بدري نشوف اللي ورانا…….)
سألته داليدا باستخفاف….
“واي بقا هو اللي ورايا……”
أجاب سلطان بضجر……(انك تفطريني مثلاً……)
هتفت داليدا بتعجب…….
“انت بتنزل الساعة سبعة عايزني اصحى الساعة سابعة……دا انا بنام ستة أصلاً !…..”
ضرب سلطان بكف يده على ركبته قائلاً
بسخط……
(بسم الله ماشاء الله….هي دي الجوازة اللي تشرح القلب فعلاً……..)
ضحكت داليدا دون صوت فوجدته يشدد على السؤال بملل منها…….
(اخلصي متصلة ليه……)
تبرمت شفتيها بحنق من معاملة البهائم
تلك……..فقالت ببرود…..
“أكيد مش متصلة عشان احب فيكي…..”
رد باسلوبٍ اشد بروده……
(وحتى لو عشان كده…انا مليش في محن التلفونات…….)
تشدقت بدهشة…… “محن ؟!…..”
زفر بقلة صبر…. مكرر السؤال بعدها بحدة…..
(اخلصي ياداليدا….انا عندي شغل ومش فاضي
للدلع ده…….)
كانت ستتحدث داليدا لولا سماع صوت امرأه
صدر عبر الهاتف…. على الطرف الآخر كانت تتحدث
الى سلطان بنبرة مائعة لا تفهم هدفها إلا أمرأه مثلها……
(ياسطا… ياسطا سلطان….جرالك اي ياسطا السفرة اللي اتفقنا عليها خلصت ولا لسه……”
تغيرت نبرة صوته مائة وثمانين درجة عن ماكان
يتحدث بها معها….مما جعلها تجفل لبرهة
وهي تسمعه يقول للمرأه بمنتهى الباقة….
“اديني يومين ياست البنات وهتكون خلصه
بعون الله………”
هتفت المرأة على الناحية الآخرى
بتغنج…….
(ماشي ياسطا وانا هستناك….قصدي هستنا السفرة لحسان انا بقالي اسبوعين باكل على الارض….)
بمنتهى الطف والوداعه قال……
(وانا ميخلصنيش ياست البنات…… عينيا حاضر…….يومين بظبط وهتلاقيها عندك…….)
ثم خشن صوته وهو يعود للتحدث إليها
عبر الهاتف بجزع …..
(اخلصي ياداليد…….عشان مش فاضي…..)
برمت داليدا شفتيها هازئة…..
“واضح انك مش فاضي……. واضح أوي….”
رد سلطان بغلاظة……
(الحمدلله انك واخده بالك ها عايزة إيه…..)
هتفت داليدا بنفاذ صبر من بين شفتيها الشبه
مطبقتين….
“هو اي اللي عايزة إيه…مين الوليه المايعه اللي
كانت عماله تتسهوك عليك دي…….”
رد مختصراً ببرود ازعجها
بشدة……
(دي ام دنيا………بتسألي ليه؟……)
ضيقت داليدا عينيها بخطٍ مستقيمٍ حاد…. وهي تساله بيقين…….
“ام دنيا….مش دي اللي لسه مطلقه من كام شهر….
ومعاها عيله…….. وكانت عينيها منك زمان……”
ابتسم بسخرية سوداء واجاب بسلاسة
تجلط الدم…
(عليكي نور………..هي بشحمها ولحمها……اللي
عنيها مني من زمان……)
هتفت بحدة……
“وبتكلمك ليه بقا ان شا الله…..”
زفر مستاءاً منها وهو يقول بملل…..
(شغل زي مانتي سامعه….وبلاش تحققي معايا كتير عشان ميخصكيش……)
قالت داليدا بحمائية ومشاعر كالطوفان تعصف
داخل صدرها المشتعل……
“لا يخصني….لانك جوزي قدام الناس على الأقل ولازم تحترمني وتراعي شعوري…….”
برم سلطان شفتيه بتعجباً…….
(وهو في حد دسلك على طرف هو انتي صاحيه تقولي شكل للبيع…….)
نهضت من مكانها وهي تهدج من شدة غضبها
وغيظها منه…
برم سلطان شفتيه متعجباً…….
(وهو في حد دسلك على طرف هو انتي صاحيه تقولي شكل للبيع…….)
نهضت من مكانها وهي تهدج من شدة غضبها
وغيظها منه…..
“انا اللي بقول شكل للبيع ولا انت اللي شاري بط عشان تحرق دمي على الصبح……”
قطب سلطان حاجباه عابساً…..
(بط ؟!…..هي بطايه واحده يتيمه وعايزك تطبخيها…
إيه كفرت…..آآه يعني هو دا السبب اللي خلاكي ترني عليا……)
قالت محتدة ودماء تفور في عروقها….
“امال هرن عليك عشان ايه….عشان أسمع قلة ادب ومايعه على الصبح……..”
لم تجد منه رد بل ظل صامتاً على الخط…مما جعلها تسحب نفساً طويلاً قائلة من بعده بعناد…..
“انا متصله بس بيك عشان اقولك اني مش هطبخ حاجة…ماشي انا مبحبش البط ولا بحب اطبخه سامع………”
لم يكن لديه طاقة او وقت للجدال معها
فهي مزالت كطفلة العنيدة المدللة…..وهو يكره
هذا النوع من النساء….وقد ابتلى بها وانتهى
الأمر…
(تمام ارمي البطه….وانا هاخد بعضي وروح
اكل الأكله اللي نفسي فيها في اي مطعم……ارتاحتي…..)
سالته داليدا بضيق….
“يعني اي هتروح مطعم…….”
قال سلطان بتهكم……
(يعني هروح مطعم….طالما انتي خايبه وملكيش
غير في المكرونة……اللي انا مبحبهاش أصلاً…)
شهقت داليدا بعد تلك الإهانة الاذعة فقالت
بدفاع……
“خد في بالك انا مش خيبه….انا بعرف اطبخ
كل حاجة…….”
ابتسم ابتسامة ساخرة…..واردف……
(فين ده ياشيف شربيني….انا من ساعة متجوزتك…
مشوفتش غير المكرونة…….جميع انواع
المكرونات شوفتها على إيدك……)
“ودي حاجة قليله….. دا يثبتلك اني شاطره في المطبخ…….وعشان اثبتلك اني شاطره في المطبخ
هطبخلك البطايه النهاردة…..على شوية رز بشعرية
وصنية بطاطس في الفرن…..هبهرك……”قالتها داليدا بحمائية وهي تعزم النية على التحدي….واثبات انه مخطئ في حقها…….
تمتم سلطان وهو غير متفائلاً…….
(هبهرك !!!….. ربنا يستر…..متاكده انك هتعرفي تطبخي البطاية ؟…..)
“متاكده ياسلطان……..سلام……”قالتها سريعاً ثم اغلقت الخط في وجهه……
بعد ان أغلقت الخط اتجهت إلى الحمام لتغتسل وتحضر شيءٍ سريعاً لتاكله…….ثم بعدها نظفة
الشقة التنظيف اليومي…..واعدت لنفسها كوب من النسكافية وجلست تقلب في الهاتف عبر منصة اليوتيوب تبحث عن وصفات جيدة للطعام الذي
ستعده…….
فهي بالفعل لا تفقه شيءٍ في الطهي إلا المكرونة وذلك لانها تحبها….لطالما كانت في بيت والدها المدلله ياتيها الطعام على الفراش من صنع
يدي امها….التي لم تدلل أحد اكثر منها لانها
أصغر أخواتها…..
ويبدو ان وقت الدلال والطعام الجاهز على السرير
انتهى للأبد….وستعد هي بنفسها ما يشتهي زوجها
توسعت ابتسامة داليدا وهي ترى ان الوصفات غاية
في السهولة وممكن ان تطهو الطعام بشكلاً جيد خصوصاً (البطة)….
وضعت داليدا الكوب على الطاولة الزجاجية أمامها
ثم اتجهت الى المطبخ بمنتهى النشاط والحماسية
لتطبخ…..
بعد مدة….أثناء الطهي والاندماج…. صدح هاتفها باتصال منه……زمت داليدا شفتيها وهي تضع السماعة في اذانها بتبرم فهو فالعادة لا يجري
اتصال بها أبداً دوماً تكون هي المبادرة بذلك…
“ايوا ياسلطان……”
اتى صوته هادئ لطيف وهو
يسالها…..
(بتعملي إيه يادودا…..)
تبسمت شفتيها بسعادة…اشتاقت لهذا الدلال…كان في سابق لا يناديها إلا به…..عندما كانت بنسبة له
ابنة عمه التي كبرت على يداه وبين احضانه……..
تبسمت مجيبة بفخر……. “بطبخ طبعاً……”
سالها بشك……..(مكرونة….)
قالت داليدا بجزل…..”احنا اتفقنا……. البطاية…..”
قال سلطان بمزاح……
(ربنا يستر……. انا خايف على البطاية منك….)
ضحكت دون صوت وقالت وهي تقشر
البطاطس بجوار رخامة المطبخ……
“متقلقش….. انت هتيجي إمتى…..”
ابتسم سلطان على الناحية الاخرى لأول مرة
تهتم بموعد قدومه……..
(لسه بدري……….. المهم انتي بتعملي إيه…..)
ردت بمنتهى الراحة…..
“سلقت البطاية… و… وبقطع البطاطس اللي
هعملها صنية……..”
(مم……. ماشي انا معطلك…….)
ابتسمت وكان الصدع الذي حدث في علاقتهما
لم يغير ما كان بينهما سابقاً…..من علاقة ودودة
بين ابناء العم……
“اي فاضي…… وعايز ترغي……..”
رد بحياء……(يعني….. شوية…..)
همهمت وهي تساله…. “مم…… عايز تقول إيه……”
سالها سلطان سريعاً….
(ليه لما قولتلك هروح اكل في المطعم.. رجعتي في كلامك وقولتي خلاص هطبخها…..)
قالت داليدا بثبات….
“عشان اثبتلك اني بعرف اطبخ……”
لم ترضيه تلك الاجابة البديهية فقال…
(واي تاني……)
تهربت من السؤال بـ…… “مفيش حاجة تانيه….”
ناداها سلطان بجدية……(دودا…..)
زفرة داليدا وهي تستسلم للاجابة الصادقة
داخلها….
“عشان صعبت عليا…. وحسيت اني قليلة الذوق
معاك…ارتحت…. ”
رد سلطان بخشونة……
(ممم…. لا انا متعود على قلة ذوقك من وانتي
قد كده……….)
تبرمت داليدا بتهكم….
“كل اللي بينا خمستاشر سنة……”
علق سلطان باستفهام…..
(ومالك بتقوليهم وكانهم خمستاشر يوم…..)
اجابة باستهانه….. “لانها مش هتفرق…..”
اخبرها بوقاحة……
(معايا انا هتفرق…. دانتي يامه عملتيها عليا…..)
هتفت داليدا منزعجة….. “سلطاااان…..”
ادعى البراءة قائلاً……
(آي ده……. هو لسه الحوار ده بيضايقك…..)
قالت بقنوط….. “آه…..”
قلدها بشكلاً مستفز (آآآه……)…..ثم استرد الحديث مشاكساً………( بس ريحة الأكل حلو أوي……)
فتحت صنبور الماء وقالت مقتضبة…….
“يسلام……”
أخبرها بمكر الثعالب……
(فكريني المرة الجاية اجيب كوارع وبمبمار تعملهوملي…….)
قفلت الصنبور بعصبية معقبة….
“زودتها يابن عمي…….”
رد سلطان بتملق……
(ومالوا يادودا……عندك كام سلطان……)
ضحكة بخفوت وقالت بخجل….
“هو واحد….. ومطلع عيني……”
رد بصوت مهتدج……(عقبال مطلع روحك……)
اتسعت عيناها بارتياع…..وقالت
“ياساتر……..سبني عشان مش فضيالك…..”
قال هو أيضاً بملل….(ولا انا… هحب فيكي يعني……)
رفعت وجهها مشدوهة….وقالت بقنوط…..
“على فكرة ياسلطان انت اللي رانن عليا…..”
اخبرها بصراحة….
(انا رنيت اطمن…..خفت تولعي في المطبخ…)
سالته داليدا بحماقة…… “خايف على المطبخ……”
اجابها بخشونة…..
(لا وانتي الصدقة… اللي جوا المطبخ……)
اضافت بغباء…. بعد تفكير !!…..
“المواعين ؟!……”
ضحك سلطان عليها معقباً بسخرية….
(دا انتي لقطه…….. سلام ياهبلة…..)
صاحت بحدة…… “بس متقولش هبلة…..”
(سلام يادودا…………)انساب صوته الهادئ الرائق عبر سماعة الهاتف ثم اغلق الخط بعدها…….
فتنهدت داليدا تنهيدة غريبة عليها عميقة حارة جداً ومستاءه……وكانها تشعر بالفراغ والملل بعد إغلاق الخط……تابعت مجدداً طهي الطعام لحين عودته ليلاً……….
………………………………………………………………
كانت تدندن بسعادة وهي تحمل الاطباق بين يداها
وتضعها على السفرة……..ثم وقفت تنظر للسفرة المتكاملة بفخر….فقد اعدت الاصناف على اكمل
وجه…..ومذاقهما فوق الممتاز بنسبة لطهية
مبتدئه……
ادارة داليدا راسها ناحية الباب بعد سماع صوت شخشخت المفاتيح…….
وسريعاً ظهر سلطان من خلف الباب يحمل كيس صغير بين يده…….
رفع عيناه اليها وابتسم قائلاً……
“سلام عليكم…..”
ردت داليدا بحماسية……
“وعليكم السلام……..اغسل إيدك يلا وتعالى كُل
قبل مالاكل يبرد…….”
تقدم من السفرة ونظر للاصناف الموضوعه عليها فكانت رائحتها شهية والشكل يسيل لعاب
الجائع……
عاد سلطان لعينيها وقدم لها الكيس
قائلاً بفتور……
“خدي دا……. حاجات عشانك…..”
“عشاني…. اي ده….” تفحصت مابداخل الكيس بفضول…..” جيلي كولا……مصاصة…..ونوتيلا….”
“مش الحاجات دي انتي بتحبيها….. ولا كبرنا….”
قالها سلطان وهو يحاول التقاط الكيس…
ابعدت الكيس عن مرمى يداه….هاتفه
بنفي…..
“ابعد إيدك……كبرنا إيه……..انا لسه نونه……”
ابتسم سلطان وهو يهز راسه
مستاءاً…….
“طب يانونه……..هغير هدومي اوجي……”
“متتأخرش لحسان الأكل يبرد……..”قالتها داليدا وهي تخرج أحد اكياس حلوى الجيلاتين وتأكل منها
بسعادة طفولية……
بعد مدة جلسا الإثنين على مائدة الطعام وبدا ياكلا بصمت فانتبه سلطان بانها لا تأكل إلا من الارز والبطاطس ولم تمد يدها وتأخذ قطعة من البطة
الذي قسمها امامها منذ للحظات……
“اي رأيك في الأكل…….”
قطعت داليدا هذا الصمت بسؤالها المتلهف……
فاجابها سلطان وهو ينظر لعيناها السوداء
البراقة…… وكانت تجلس بالقرب منه……..
“الأكل حلو…….كنت متخيل حاجة تانية…….”
بهزه من راسها سألته…… “زي إيه مثلاً……”
رد وهو ياخذ معلقة من البطاطس ويضعها على
طبق الأرز أمامه…….
“يعني الرز ني…. البطاطس محروقة…..البطه مشنوقة……..”
جحظت عينا داليدا بدهشة……. “ياساتر…..”
اجاب سلطان مبتسماً…..
“الحمدلله ربنا ستر…..وطلع الأكل حلو……”
همهمت داليدا وهي تقلب في طبقها….
“مم….كويس بالف هنا…….”
انتبه سلطان مجدداً بانها تختصر الطعام على
الارز والبطاطس فقط… فعقب مستغرباً……..
“هو انتي ليه مبتكليش من البطه……”
قالت داليدا وهي تمضغ الطعام على
مهل….
“انا مبحبش البط…….”
سألها سلطان عابساً…. “وانتي جربتيها قبل كده……”
“بصراحة لا بس………”قاطعها سلطان وهو يمد
يده لها بقطعة صغيرة من لحم البطة……
“طالما مجربتيش يبقا متحكميش….افتحي بؤك…..”
نظرت داليدا لوجهه القريب منها بشدة ولقطعة اللحم الصغيرة التي بين أصابعه….فتمتمت
بتردد وقلبها يعصف بجنون……..
“سلطان قولتلك مش بحبه…….”
بصوتٍ عذبٍ يسحر ترجاها…..
“الحته دي بس لو طعمها وحش خلاص……”
فتحت فمها امام عيناه الراجية…..وهمسته قد
سلبت عقلها للحظة……..عندما اغلقت فمها وبدأت تمضغ بقطعة اللحم وعيناها اسيرة لعيناه سألها بهدوء……… “اي رأيك…….”
اومات براسها برضا وهي تنزع عيناها نزعاً
من مقلتاه…….. “طعمها مش وحش……..”
ابتسم سلطان برضا اكبر وهو يعطيها قطعة كبيرة
من البطه في طبقها قائلاً بأمر……
“مش قولتلك…. يلا كلي دي كلها……انتي ممدتيش ايدك فيها من ساعة ما قعدنا……”
توسعت عينا داليدا بدهشة معقبة….
“كل دي….انت كده بتزغطني……”
نظر سلطان لطبقه
واجابها…..
“ومالوا عندنا كام دودا……..”
ابتسمت داليدا بجزل والسعادة تشرق صدرها المظلم
ياليته يظل هكذأ معها رائق هادئ حبوب……تخشى ان ينقلب ويعود لعهده وحشاً….. قاسياً…..فظٍ….
……………………………………………………………..
تشير الساعة للواحدة صباحاً…..لم تنم حتى الآن
تجلس على الفراش تضم ساقيها الى صدرها تبتسم
طارة وتلعب بشعرها طاره أخرى……منذ ثلاث ساعات وهي تحاول النوم ولا تعرف……ربما عشاء البط والارز
كان أصعب من ان يهضم في ثلاث ساعات؟!…يحتاج
اكثر من هذا……
شعرت بالملل من تلك الجلسة الكئيبة في غرفتها…. مسكت الهاتف فوجدته فصل شحنة…فزفرت وهي تنهض خارجة من الغرفة تبحث عن شاحن في
غرفة الصالون…….
قبل ذاك الوقت كان سلطان يستلقي على الفراش
وعيناه الشاردة معلقة على سقف الغرفة… تائه في ملكوت آخر…… عن عينيها السوداء المشعة بالشقاوة حين تضحك ، عن فرحتها بكيس الحلوى كطفلة صغيرة لم تتجازو الخامسة…. عن عادتها الغريبة في سماع الأغاني وهي تغسل الاطباق…. وعن شرب المشروبات الغازية بعد تناول الطعام…… عن ضحكاتها الرنانة بالانوثة الفاتنة…. عن مشيتها المائلة لراقصة تقدم عرضاً مغرياً…. عن داليدا…. عن طفلته التي كبرت على يداه…. وتشاء الأقدار ان تكن زوجته بعد فعلتها الفادحة…… والتي تصد له هو بمنتهى الشهامة حتى يحافظ عليها ويكبح جموح المراهقة بداخلها….
شعر انه يختنق في هذه الغرفة…تعب من التفكير
بها يريد ان يشتم القليل من الهواء النقي في الشرفة المتواجدة في غرفة الصالون…….
نهض من مكانه وارتدى التيشرت وخرج من الغرف
كانت غرفة النوم وغرفة الاطفال التي تقيم فيها داليدا بجوار بعضهما وحينما فتح البابان طل الاثنين
معاً في نفس الوقت مما جعلهما ينظروا لبعضهما لبرهة باستغراب والتعجب يعلو وجوههم المجهده من كثرة التفكير……
قطع سلطان الصمت سائلاً… “انتي راحه فين……”
اجابت داليدا وهي تحرك حاجبيها
بشقاوة….
“هجيب الشاحن عشان التلفون فاصل….. وانت؟….”
ابتسم بعد حركتها الشقية واجاب…..
“هشم شوية هوا في البلكونة……”
تحسست داليدا بطنها المسطحة من فوق منامتها
ثم مطت شفتيها معقبة……….
“واضح ان الاكله كانت تقيله اوي…. انا مش
عارفة أنام…….”
رد سلطان بفتور…… “ولا أنا……”
توسعت عينيها بانتشاء وقالت مقترحة……
“طب بقولك ايه…. عندي فكرة اي رأيك… نتفرج
على فيلم لذيذ كده وكوميدي……”
اوما سلطان مستحسناً الفكرة….فقالت داليدا
بعفرته وهي تبتعد….
“طب انا هصب ببيبسي تشرب……”
رفض قائلاً….. “لا…… عايز شاي….”
اومات براسها مبتعدة….فقال سلطان ممتعضاً…
“متنسيش السكر زي كل مرة…….”
إدراة داليدا راسها عابسة…….
“اي الاحراج ده……. هحط سكر خلاص….شغلنا
فيلم بقا يلا……”
هز سلطان راسه باسى ثم أبتعد لصالون حتى يشغل
فيلم كما طلبت…….
بعد دقائق دخلت داليدا غرفة الصالون فوجدت الاضاءه مخفضة والفيلم مزال في البداية وكان سلطان يجلس ممدد الساقين على الاريكة
الكبيرة وعلى ساقة غطاء خفيف قد جلبه
من الغرفة……
جلست داليدا بجواره وهي تمسك كوب المياة
الغازية وترتشف منه على مهل……وعيناها معلقة
باهتمام على شاشة التلفاز الكبيرة……
حانت من سلطان نظرة جانبية إليها وهي تشاهد باستمتاع وترتشف من الكوب بتلذذ……
وفجأة في سهوة مراقبته لها وجدها تضحك
ضحكة أنثوية رنانة عالية تشع اغراء ليس له مثيل وفجأه نظرت اليه ورفعت كفها في الهواء وهي تضحك بقوة وتنظر لعيناه منتظرة……
فعقد سلطان حاجباه لثواني ثم مد كفه لها فضربت
داليدا كفه بكفها كنوع من المشاركة الودوده والمرحة…وتلك الحركة لا تحدث إلا مع الراجل وبعضهم !!……..وليس مع زوجته….التي من المفترض ان تكون انثى رقيقة…….
قالت داليدا ضاحكة وهي تضع الكوب
جانباً….
“فظيع بيموتني ضحك بجد…….شوفت قاله إيه…”
هز سلطان راسه بنعم وهو ينظر اليها بقوة تسير عيناه بنهم على خطوط وجهها الجميل.. على
ضحكتها الرنانة…. وشفتيها التي تتحرك متحدثة
إليه بإبتسامة ثابته…….
جميلة عندما تبتسم….عندما تضحك…تمرح……جميلة
في الفرح… وكانها هي الفرح…….ولا تراه إلا من خلالها هي……..
عادة الكرة اكثر من مرة كلما اتى مشهد كوميدي او
حديث مضحك بين الأبطال…تضحك بقوة وتمد يدها له فيعطيها كفه دون إنتظار أكثر وقد اعتاد حركتها العفوية حتى بات ينتظر المشاهد التي تُضحكها
حتى يلامس كفها وهي تصفع يده برقة……….
اثناء مشاهدتهما للفيلم والاندماج به أتى مشهد رومانسياً في الفيلم فبدأت عيون الأبطال تلمع
ووجوههم تقترب من بعضها حتى قبل البطل
البطلة بمنتهى الرقة والحب……
ادارة داليدا وجهها نحو سلطان ونظرة لعيناه
هامسة بخجل…..
“البطل دا قليل الأدب…….”
قرب سلطان وجهه منها هو أيضاً وسألها…
وكانوا الاثنين يجلسا بجانب بعضهما على
نفس الاريكة وساقيهما ممدده امامهما……….
“ليه يعني….. دي خلاص بقت مراته…….”
سالته ببراءة وعيناها تعانق
عيناه بخجل….
“هما…….هما المتجوزين بيعملوا كده…..”
أومأ براسه وهو يلفح صفحة وجهها
الحمراء بانفاسة الساخنة…..
“واكتر من كده…….”
اغمضت داليدا عيناها وهي تشعر انه يقترب أكثر
من الازم وقد شعرت ان شفتيه قاربت على لمس
شفتيها مما جعلها تنزل رأسها للأسفل بارتباك
وترتاح على كتفه هامسة وهي تبتلع ريقها بصعوبة……
“انا سقعانه….. سقعانه أوي…..”
زفر سلطان شاعراً بانه ابتلع جمار ملتهبة مستقرة
في صدره الذي توهج كعيناه……. أغمض عيناه
وهو يسحب الغطاء اكثر على اجسادهما ثم ضمها
لاحضانه برفق لتستقر داليدا على صدره النابض بقوة……ثم اغمضت عينيها بتعب وهي تشعر
أخيراً برغبة قوية بالنوم بين ذراعيه……..
بعد نصف ساعة….. حملها سلطان على ذراعيه متجه بها الى غرفة النوم التي تبيت بها……
فتح سلطان الباب ونظر إليها فكانت ذاهبة في سبات عميق وتدفن وجهها في صدره…. متمتمه
بين الحلم واليقظة……
“سبني أكمل الفيلم…….”
اخبرها سلطان بإبتسامة
مستاءة….
“الفيلم خلص من بدري ياداليدا……”
وضعها على الفراش فغمغمت داليدا وهي
توليه ظهرها لتنام على جانبها…….
“وحبته………….قولي حبت جوزها……”
عاد سلطان مبتسماً ودثرها تحت الاغطية
مجيباً….
“حبته……..حبته ياداليدا…….”
كان سيبتعد عائداً الى غرفته لكنه انتبه لشيءٍ ما أسفل مؤخرة عنقها…. انحنى يلمس هذا القلب الذهبي المكور……فحاول تحريكه قليلاً من اسفلها
حتى لا يجرحها او يزعجها في نومها…..
لكن قبل ان يحركه قاده الفضول لفتح القلب
الذهبي ورؤية ما به….وبالفعل فتحه وكان عبارة
عن قلب مقسوم لنصفين يحتوي كلٍ منهم على صورتين الصورة الاولى لها……….. والثانية…….
الثانية كانت لحبيبها السابق……عادل……
ورغم انها زوجة لرجلاً آخر مزالت وافيه في حبها لسابق ولا زالت تحمل صورُ في سلسالاً قريب من قلبها !!……..
…………………………………………………………….
ليلاً كان يستلقي على الفراش يقلب في الهاتف عبر مواقع التواصل الإجتماعي…..(الفيسبوك..) وجدها
كالعادة تنشر منشور خاص بممثل كوري وسيم….. تتابع مسلسلاً له…….دخل على التعليقات فوجدها
تتغزل هي وصديقتها في جماله واطلالته الساحرة
وكانوا يناكفا بعضهن بطفولية…….
فابتسم وهو يتفحص صفحتها الشخصية مجدداً كم
مرة يدخل الى هنا ولا يعرف لماذا هو هنا؟!… كل مرة يشعر بتطفل نحوها فيدخل صفحتها باحثاً عن شيءٍ
لا يعرفه….ويطول البحث والتراقب حتى يقف امام صورها الشخصية فيطيل التأمل وتطيل حيرته
معها……
جميلة ملامحها تشع بالقوة… بالشقاوة….بالبراءة
وعينيها الفيروزية جذابة تضوي كالمصابيح
الكهربائيه…… تجذب… تخطف… تربك….حقاً
الصمت في حرم الجمال جمالاً…..
اتسعت ابتسامة سليم حتى ضحك وهو يتذكر
عزومتها الفاشلة للمطعم الشعبي.. ثم تليها الفئران أسفل الطاوله ثم زعرها و وقوفها أعلى الطاولة مرتعبة ثم انقباض ملامحها عندما رات الفئران
تدخل مطبخ المطعم الذي كانت تكتب فيه شعراً
منذ دقائق…..
حتى شعورها بالاستياء والحرج منه بعد هذا الموقف المخزي كان أمراً جميل….العزومة لم تكن سيئه كما ظنت بل ان الموقف جعله يضحك من قلبه ويبتهج
رغم الغرابة والتقزز الى ان الموقف كان فكاهي
بدل حالته المزاجية للأفضل…..
حتى عندما اثر على ان يطعمها في مكان آخر…كانت جلسة رائعة تحدث معها في أشياء عديدة وشعر
معها بالالفة لأول مرة……
…………………………………………………………….
عندما وصلت السيارة ترجلت كيان منها فاطار
الهواء خصلات شعرها وهي تنظر لعربة الكبيرة
تقدم وجبات سريعة يعمل عليها شباب جامعي
كانت العربة تقف في قلب حديقة عامة كانت عربة كبيرة ملونة مرتبة تقدم شطائر من البرجر وبعض أنواع البيتزا السريعة……..
كان أمام العربة يوجد عدت مقاعد وطاولات صغيرة فأتخذ سليم مقعداً وامامه كيان جلست وظلت تتابع المكان والحركة الهادئة به ورائحة الشطائر الشهية……حتى المنظر الطبيعي
والنسيم المنعش أعطى نجمة إضافية للمكان
سالها سليم وهو ينظر لها
باهتمام….
(اي رايك في المكان…. عجبك…..)
اومات كيان ناشدة….(تحفة… حلو اوي……)
ضيق عيناه بلؤم……(احسن من ام ناني….)
عضت كيان على باطن شفتيها…..
(ما خلاص بقا ياستاذ متحرجناش……)
اتى النادل اليهما ماسكا ورقة صغيرة يكتب
عليها طلباتهما في حين سأل بتهذيب…
(طلبات حضراتكم……)
توترت حدقتي كيان قليلاً وهي تنظر لسليم فهي
لا تعرف شيءٍ هنا…. فابتسم سليم باتزان طالباً
من النادل وجبته المعتادة وطلب لها المثل….
تابعت كيان ابتعاد النادل وسالته
بهمساً….
(شكلك بتيجي هنا كتير….)
رد مختصراً…….(مش علطول……)
نظرة كيان أسفل الطاولة بشتكيك…..
سالها سليم بحاجب معقود
(في فيران تاني ولا إيه…..)
رفعت عينيها اليه بحرج وقالت بنبرة مرتجفة
قليلاً……
(زيادة تأكيد من ساعة اللي حصل وانا جسمي بيقشعر……. حسى انهم واقفين على كتفي…)
نفضت كتفيها بتشكيك….
طمئنها سليم بلطف…
(لا مفيش حاجة…. اطمني….)
قالت كيان بتنهيدة أسى………
(كده كدا انا موعوده بيهم ماما بتقولي ان يوم
ما تولدت بكام يوم دخلت الاوضة عشان تبص عليا لاقت فارين بيلفوا حوليه……)
رفع سليم حاجبٍ……(بجد….)
اكدت كيان بابتسامة متهكمه…..
(ااه والله…. كانوا داخلين من منور بيتنا… وأول ماشافوا ماما خرجه من المنور المفتوح… ماما حمدت ربنا انهم معضونيش او كلوني…. اصلهم كانوا كبار أوي…..)مالت عليه وقالت ببحة
سرية…
(وتقريبا والله أعلم كان بيتعركوا مع بعض عشان
يشوفوا مين اللي هيدوق الأول….)
ارتفع حاجبي سليم وكبح ضحكته ثم
سالها بتسلية ذكورية….
(وانتي عرفتي منين ؟….)
هزت كتفيها قائلة بعفوية….
(حاجة بالعقل كده ياستاذ…..)
أومأ سليم قائلاً…..
(آآه….هي مامتك ميته من زمان…….)
اتى النادل ووضع امامهما شطائر البرجر والبطاطس المقرمشة وكوبين من العصائر الطازجة…ثم انصرف بعدها….فتساءلت كيان بتوجس…….
(عرفت منين ان ماما ميته؟….)
رد سليم ببساطه…..
(من على الفيس عندك…….)
اومات كيان مجيبة….
(ميته من وانا عندي خستاشر سنه…..)
سالها سليم بفضول…..(كنتي بتحبيها…..)
برمت شفتيها وهي تاخذ اصبع من البطاطس وتاكله……(هو في حد بيكره أمه……)
هز راسه وهو يتناول من الشطيرة بمنتهى
الحرص والاناقة……
(مش قصدي…قصدي كنتي متعلقه بيها….)
بدأت كيان بالاكل كذلك وهي تندمج معه في الحديث…..
(جداً….كانت كل حاجة في حياتي هي وحمزة
وشهد أخواتي……)
سالها سليم بفضول….(وباباكي هو ميت…….)
غيمة من الكأبة استوطنتها للحظة قبل ان
تقول بلا تعبير……
(لا عايش….بس مش زي ماما…….انا متعلقه بيها أكتر…..)
اندمج سليم كذلك في الحديث وشعر انه يريد ان
يهدم حاجز بينهما…..حتى ان لم تتطلب هي منه..
فهو يشعر انه يريد ان يبوح بالقليل معها….
فشاركها الحديث والحزن في نبرة أجش
حزينة….
(انا كمان كانت امي غالية عندي جداً ومتعلق بيها أوي لما تعبت قبل ما تموت مكنتش عارف اعمل إيه….قعدت ادعي وصلي وترجى ربنا بدموع انها ترجعلي من تاني وتخف….حتى بابا كنت كل يوم بسمعه وهو بيصلي قيام الليل وبيدعلها بدموع انها تخف…كان بيحبها أوي…….وكانت هالة بنسباله هي الحياة والحياة بنسباله هي هالة…….لحد دلوقتي عايش على ذكراه…..وفات اكتر من خمستاشر سنة…)
ضحكة كيان هازئة وهي تبتلع اللقمة
بصعوبة……
(ابويا بعد ما امي ماتت بتلات ايام كان
متجوز…..)
تشدق سليم ذاهلاً……(معقول….)
اخرجت كيان نفساً مقهوراً وهي توضح
بمرارة…
(اصل الرجالة نوعين…نوع زي المستشار مصطفى والدك….ونوع زي والدي عثمان الدسوقي…)
نظر لها سليم طويلاً قبل ان يقول
مفكراً….
(شكلكم مش متفاهمين مفيش بنت بتكلم كده
عن أبوها….إلا لو كان بينكم مشكلة……)
توسعت عينا كيان وحركت شفتيها للأسفل
كوجهٍ حزين ساخر وهي تخبره بسخط…..
(مشكلة !!…قول مشاكل… نصايب …حروب…)
نظر لها سليم بتعجب فهزت كيان راسها متابعة
بعد ان توقفت عن الأكل…….
(انت محظوظ ياستاذ سليم واضح من كلامك ان باباك حنين وبيحبك……وأكيد لما بتضيق بيك
الدنيا بتروح تكلم معاه تترمي قي حضنه تعيط… تضحك معاه……أكيد باباك عارف انت بتحب ايه وبتكره إيه….اكيد المستشار يهمه راحتك وسعادتك…..وبيسعى يوفرلك ده من وانت
صغير حتى بعد موت مامتك……)
غامت عينيها في الحزن وهي تسترد حديثها
بمرارة…..
(لكن انا……الحياة بنسبالي عبارة عن حمزة وشهد
انا معرفش الحنان ولا الحب غير معاهم…..احساس
صعب اني اوصل لسن الاربعة وعشرين وعمري ما عرفت حضن الاب ده عامل ازاي….ولا حتى حنان الاب والاهتمام والسند والامان بيبقا إزاي…..)
تأثر سليم بحديثها وألمه قلبه بعد رؤية
الدموع تتكون في مقلتيها الفيروزية الحزينة
ليجدها تضيف بصوتٍ خافت……
(تعرف ياستاذ… اليتيم بيبقا معروف انه يتيم وأحياناً بيلاقي اللي يحن عليه لانه يتيم….لكن المحروم مش متشاف لان الحرمان مش بيتشاف بيتحس ومين هيحس بيه غيرك……)
نظر لها سليم بقوة والصمت ساد بينهما
فأضافت بابتسامة فاترة…….
(تعيش يتيم احسن ما تعيش محروم…..)
ثم مسحت عينيها قبل ان تنزل دموعها فقالت
بابتسامة عابسة والحرج يعلو وجهها
الحزين…
(انا حسى اني قولت حاجات مينفعش أقوله…
تقريباً انا لخصت حياتي في ربع ساعة…..صح..)
اوما سليم وهو يبتسم…..
(تقريباً.. بس دي حاجة كويسة انك تحكي….)
هزت كيان راسها وهي تعود للشطيرة تختبأ
خلفها مدعية الأكل بشهية مفتوحة…..
(لا كفاية فضايح كده….لحد كده انا هسكت أحسن…….)
اكتفى سليم بايماءة بسيطه فيكفي ما سمعه
اليوم منها………
حل الصمت لعشر دقائق كانت كفيلة بان تريح اعصابها وتخفي احزانها في بؤرتها…….
واثناء ارتشاف العصير قالت كيان
بتردد…
(ممكن اسألك سؤال ياستاذ سليم….)
رفع سليم عيناه عليها قائلاً….(اسألي……)
قالت بتوجس وعينيها الشقية تستشف
اجابته….
(هو انت مش شايف انك انت وخطيبتك
مختلفين اوي عن بعض…….)
هتف بصدمة……(نعم…..)
اسبلت عينيها وحركت الشليمون بحرج
وهي تقول…
(انا آسفة اني بدخل في خصوصياتك…بس بجد
أنتوا الاتنين مختلفين……)
سألها بتهكم……(إزاي يعني….)
مالت على الطاولة بشقاوة حلوة تدغدغ قلبه أحياناً ثم قالت بهمساً سري…..
(بصراحة كلام في سرك يعني…أحياناً بدخل على البروفايل عندها وبلاقيها مشيره صور لذيذة ليها على البحر وبالبكيني ومع صحابها والدنيا لذيذة
معاها وشكلها روشه….. وانت؟!…)
نظر لها بتراقب…..(وانا إيه ؟!….)
امتقع وجه كيان واستردت الحديث
باقتضاب…..
(انت البروفايل بتاعك كئيب صورة واحده ليك وكام بوست مشيرة من جروب المحاماة….وبوست
بتعزي فيه واحد صاحبك…..بتعزيه في عمته
تقريباً…….)
ارتفع حاجبه بزهوٍ
ذكوري….
(دا انتي متابعة بقا….)
زاد امتعاضها وقالت بنفي نافرة…..
(لا والله دا هي مرة واحده دخلت فيها البروفايل بتاعك طلعت منه عندي ضيق تنفس…قولت
والله مانا داخله تاني……)
إصابة الاحباط فتمتم بحنق منها
(لدرجادي……)
اومات وهي تطرح السؤال مجدداً
بفضول…
(مردتش برضو على سؤالي ياستاذ مش شايف
انك مختلف أوي عن الانسة ايتن…….)
رد سليم بجفاء…..
(من امتى بنقيم الناس وانطباعتهم بصفحتهم
على الفيسبوك…)
رفعت كيان راسها بترفع…. وقالت بنزاهة…
(لا اسمحلي الموضوع مهم جداً وفعلاً بيجيب نتايج إيجابية…….عندك مثلاً واحده صاحبتي
كانت بتحب واحد ومكنتش عارفه تدخله من اي إتجاه…اصل الواد معقد وكاره الجواز والستات وده باين من البروفايل بتاعه تقوم تعمل إيه…….كلمتني…)
نظر لها بارتياب متمتماً….
(ربنا يستر……وعملتوا إيه؟….)
ابتسمت كيان بفخر واردفت بدهاء….
(اقترحت عليها تدخل تكلمه وتفتح معاه حوار
عن حقوق الراجل المهدوره في المجتمع وانهم
قد ايه مظلومين معانا…….وانهم نعمة في حياتنا
وقد إيه هما كائنات جميلة و لطيفة…….وفعلاً عملت كده وقعدت تحلو عليه……لحد مالواد
وقع وحبها…واتجوزها….)
ارتاب سليم منها وهتف باندهاش……
(انتي محتالة….. ويترى صاحبتك حفظت على حقوقه المهدورة ؟!!…..)
هزت كيان راسها بفخر قائلة بابتسامة
صفراء…
(طبعاً ياستاذ بدليل انه بياخذ كيس الزبالة معاه كل يوم قبل ماينزل….ومش بس كده دا بيرجع محمل في ايده طلبات البيت وكياس الفاكهة للأولاد
ماهي جبتله توأم……ما شاء الله عليهم
عفريت……..)
(حسبي الله ونعم الوكيل…..) تمتم بها سليم وهو يخرج المحفظة من جيبه حتى يدفع ثمن الطعام
قبل المغادرة….
دافعت كيان عن جنسها ببراءة…..
(بتحسبن علينا ليه ياستاذ….طب والله مفيش اغلب مننا……دا احنا ملايكة…….)
قال سليم ساخراً وهو ينهض من مكانه….
(آآه مانا عارف….يلا بينا ياملاك الرحمة…اتاخرنا عن الشغل…….يلا..)
اخذت اصبع من البطاطس ووضعته في فمها
قائلة وهي تلحق به…..
(طيب متزقش بس البطاطس حلوة اوي…هبقا اجي اكل هنا كل يوم…….)
استقل مقعد القيادة قائلاً بغلاظة….
(كويس بس اوعي تجيبي فيرانك معاكي…..)
دلفت كيان بجواره متاففة بحنق
شديد…..
(مش هنخلص بقا…..الله يخربيتك يام ناني…)
…………………………………………………
فاق من شروده على اتصال من ايتن…..
أخيراً اتاه اتصال منها منذ اخر حديث بينهما وهو لا يعرف عنها شيءٍ وأثر على ان يبتعد ويتجاهلها حتى
تعطي له رداً قاطعاً عن علاقتهما وهو ان تكتمل
بالزواج او تنتهي وينفصلا للأبد…….
يتمنى ان تعود لرشدها وتعود إليه فهو لا يريد
الانفصال عنها…فبعد كل هذا الحب تتركه؟!….
فتح الخط وكان لديه رغبة قوية في سماع صوتها
الآن….فقالت بصوتها الناعم….
(أخيراً يابيبي…. عبرتني……)
قال سليم بكبت….
“معلش يأيتن كنت نايم ….عامله إيه…..”
قالت ايتن بدلال……
(تمام……مش ناوي تفتح الباب بقا…..)
نظر سليم لباب غرفته المغلق بحيرة…
“باب؟……باب إيه ؟!!……”
قالت بانين مائع عبر الهاتف……..
(انا على باب شقتك ياسليم افتح يابيبي…..رجلي وجعتني…….)
اتجه سليم سريعاً للخارج وفتح باب الشقة ليجدها امامه ترتمي في احضانه وتلصق شفتيها في شفتيه
في عرض سخياً منها وهي تقول بشوق حار….
“وحشتني……وحشتني يابيبي أوي……”
بادلها سليم القبلة بحرارة وهو يبث شوقه وحبه لها
فابتعدت ايتن عنه بدلال……
“باباك هنا……”
اخبرها وهو يطبع قبلة على
وجنتها…..
“برا….شويه وجاي…….تعالي ادخلي……”
اغلق الباب وسحب يدها للداخل فابتسمت ايتن بزهو وسعادة وهي تشعر انه لازال يعشقها وبين قبضة يدها ولم يفلت كما ظنت………
جلست على الاريكة وهو بجوارها…..سالها بلهفة وعيناه تشع حبٍ…..
“ها يايتن….قررتي فرحنا هيكون امتى…..”
اومات مبتسمة بجذل….
“قررت……كمان شهرين……”
تجهمت ملامحه سريعاً ليقول محبطاً…..
“شهرين؟!….انا قولت انك هتحددي كمان عشر ايام خمستاشر يوم…..مش كمان شهرين…..”
قالت ايتن بحنق…
“انت مستعجل ليه ياسليم….مش كفاية اني وفقت نحدد معاد…….”
شعر بسهم حاد يخترق صدره فقال
واجماً…..
“بجد كفاية….فعلاً كفاية دا انا لازم ابوس ايدي
وش وضهر انك وفقتي وعطفتي عليا……..”
نهضت ايتن بضيق…. “سليم بلاش الطريقة دي….”
لحق بها ووقف امامها صائحاً
بغضب…
“انهي فيهم بظبط….. طرقتي ولا طرقتك……”
تاففت ايتن قائلة بترفع…..
“اكيد طرقتك اديني شهرين ارتب فيهم اموري.. انا عروسة ومش اي عروسة انا ايتن الشهاوي عارف
يعني ايه ايتن الشهاوي……”
سهم اخر اشد قسوة أصابه فعقب بابتسامة
هزيلة……
“انا كنت فاكر ان الترتيبات دي عشان انتي هتبقي
مرات سليم الجندي……”
عانقت وجهه بكفها مترجية……
“الاتنين ياحبيبي….ارجوك ياسليم متبوظش كل حاجة بينا قدم شوية تنازلات اشمعنا انا….”
سهم ثالث اشد شراسة إصابة…فعقب
بتعجب
“تنازلات ؟!!….. جوزنا بقا تنازلات بنسبالك….”
نفت ايتن موضحة…. “ياسليم مش قصدي….”
استفسر سليم بجفاء…..
“افهم بس انتي عيزانا نفضل كده…..نخرج نسهر
نقضيها تلفونات وخروجات…….”
اولته ظهرها وهتفت ببساطه مجردة من
ثوب الحياء…
“إيه في الجواز هنعمله اكتر من كده… علاقة كاملة
انا عرضت عليك وانت رفضت……”
اشاح سليم وجهه وهو يشعر بتضخم في
صدره لا يعرف غضب ام تأثر بهذا العرض
السخي….فقال بغضب مكتوم….
“لان مينفعش…… انتي متخيله انتي بتقولي إيه….”
استدارت له ومسكت ذراعه هامسة بحب….
“متخيله….. انت أول راجل في حياتي.. وأول واحد
احبه والحاجة دي هتزود حبنا……”
أضاف قاطعاً….. “بالجواز يايتن…..”
قالت باستهانه……
“مش هتفرق بيه او من غيره… الجواز نهاية الحب
وانا خايفه على حبنا ينتهي……”
ابعد يدها عنه صائحة بنفور من
تفكيرها…….
“حبنا ممكن ينتهي فعلاً لو فضل تفكيرك كده… ”
اندفعت ايتن تقول بتهكم…..
“هو لما أكون انسانه متفتحه وواعيه زيادة اكون
مذنبة…. وخطية…. سوري….. مكنتش اعرف انك زيهم…….”
امسك ذراعها قبل ان تبتعد وهتف بجدية…
“انا مليش دعوة بحد يايتن لكن انتي مش عارفه نهاية تفكيرك دا إيه…. لو واحد تاني غيري… كان زمانه شافك واحده……”
بتر جملته وهو يسحب نفساً عميقاً متابعٍ
برفق…..
“لكن انا عشان بحبك وعارفك كويس.. واثق انك
عرضتي عليا كده بدافع حبك ليا……. بس برضو غلط……غلط…. ”
ترقرقت الدموع بعينيها الجريئة وهتفت
بحرقة…….
“قولتلك اننا مش شبه بعض تفكيرنا مش زي
بعض…… احنا مختلفين وده مخوفني…..”
هتف سليم وهو يقربها منه….
“بس انا بحبك…..”
رفعت راسها اليه ونزلت دموعها قائلة
بعذاب…..
“وانا كمان بحبك… بس انت مش قادر تفهمني…”
اوما سليم براسه ومسح دموعها مبتسماً
بحنان…….
“هحاول… هحاول… وزي مانتي قولتي لازم نقدم تنازلات….. وانا موافق على اننا نأجل فرحنا شهرين
كمان على ما تجهزي نفسك وتستعدي… بس بعد الشهرين…..”
سألته….. “إيه…..”
سحبها سليم لاحضانه هاسماً
بحرارة……
“مش هسيبك تبعدي عني لحظة…….”
“سليم…….”
ابتعد عنها برفق والتفت خلفه ليجد والده يقف
عند عتبة باب غرفة الصالون الواقفين بداخلها
وكان حاملاً بين يداه اكياس مليئة ببعض المستلزمات ، يبدو انه عاد من الخارج الآن…ومن نظراته الحانقة الغير راضية علم انه لم يحبذ
هذا التقارب بينهما خصوصاً بان ليس هناك
رابط شرعي بعد !!………
“بابا…… ايتن لسه جايه من شوية…. كانت بتسأل عليك…… واصرت تستناك لحد ما تيجي…..”
قالها سليم ولكز ايتن التي ابتسمت واقتربت منه تؤدي التحية بأحترام……. “اهلاً يأنكل……”
اوما مصطفى بابتسامة مغتصبة ثم نظر
الى سليم بتجهم….
“اهلاً يأيتن يابنتي…… نورتي البيت…هي الساعة
في ايدك كام دلوقتي ياسليم….”
فهم سليم مغزى سؤاله فرد وهو يحك في انفه
بحرج…. “حداشر…..”
اوما مصطفى وهو يوزع نظراته عليهما باتهام
صريح ثم قال…..
“حداشر….ممم طيب…. مش واجب برضو تضايف خطيبتك معقول متشربهاش حاجة لحد دلوقتي….
دي بقت حداشر…. ”
تنحنح سليم بحرج اكبر وهو يتجه الى
والده……
“آآه فاتتني دي يادرش….. ثواني وراجع….عنك
يادرش…. ” حمل الاكياس عن والده وتجه بها
للمطبخ………
دخل مصطفى غرفة الصالون وجلس على
الاريكة متمتماً بتجهم طفيف…….
“منورة يأيتن يابنتي…. وازاي باباكي ومامتك…”
قالت ايتن بوداعه مصطنعه…..
“دادي ومامي بخير….. بيسلموا على لحضرتك…..”
اوما مصطفى مجيباً……
“الله يسلمهم……. نورتي الشقة……”
ردت مبتسمة….. “بنورك يأنكل……”
نظر مصطفى بسطوة……وهو يسألها…..
“سليم قالك انكوا هتعيشوا في الشقة دي مش
كده…..”
ازدادت الوداعه على ملامحها متناقضة مع
عيونها الجريئة……..
“متكلمناش لسه في التفاصيل دي… لكن اكيد معنديش مشكلة خالص أعيش مع حضرتك انا
عارفه قد إيه سليم بيحبك وميقدرش يستغنى
عنك وانا كمان مقدرش استغنى عن سليم ولا
عنك يأنكل ……..”
اخرج مصطفى انفاسة براحه أكبر بعد هذا الرد
ليرد عليها بمحبة تمحي كل التجهم السابق منها
ومن ابنه………
“ريحتي قلبي يأيتن…. يعني على كده حددتوا
معاد الفرح…….”
اومات ايتن برقة……
“كمان شهرين على ما نلحق نجهز نفسنا….”
“على بركة الله……..الف مبروك يابنتي…. ”
ربت مصطفى على كتفها بسعادة حقيقية……
فردت ايتن بنفس الابتسامة الدبلوماسية…….
“الله يبارك فيك يأنكل……”
……………………………………………………………
طرقت على باب الغرفة برفق واستأذنت قبل الدخول…… “حمزة……حمزة…. ”
“تعالي ياشهد…… انا صاحي…….”
عندما سمعت صوت اخيها دلفت الى الغرفة المظلمة
فتأتأت بشفتيها بعدم رضا وهي تشعل الاضاءة….
“وطالما صاحي قاعد في الضلمة ليه……”
“عادي….. يمكن يجيلي نوم……” قالها حمزة وهو يجلس على الفراش ممدد الساقين ينفث من
سجارته بمنتهى القرف…….
جلست شهد على حافة الفراش أمامه تنظر اليه
بعدم رضا أكبر….ثم عقبت على كل مايحدث بحنق شديد……
“وهيجيلك نوم إزاي وانت بتحرق صدرك بالبتاعه دي………هات ياحمزه… ”
ابعد حمزة يده وهو يهتف بعصبية
مكتومه…
“شهد انا مش فايق لمحضراتك دي….انا قرفان لوحدي……..”
مطت شهد شفتيها بحزناً منه…….
“اخص عليك….لما اكون خايفه عليك اكون بديك محضرات…….ماشي هعدهالك……قولي بقا معدتش
ليا عليا في المطعم النهاردة……..”
رد حمزة بجزع…..
“انا مخرجتش من البيت من الصبح……”
“طب ليه….”سالته شهد بدهشة….
فهو بالعادة لا يفضل الجلوس في البيت….
فالطالما كان الشارع رفيق دربه منذ الصغر…..
رد حمزة باستهجان……
“مش عايز أخرج……مش عايز اشوف حد….”
عبست شهد قائلة بانزعاج……
“اللي بتعملوا في نفسك ده حرام…….محدش
بيموت من الحب…….”
اطفاء حمزة السجارة في المنفضة قائلاً
بقرف….
“مش بنموت بس بنتكسر….بتسود الدنيا في عنينا…
بنحس انها النهاية…….”
قاطعته شهد بجدية قائلة…….
“اديك قولت بنحس…..لكنها مش النهاية…..اسمعني ياحمزة…….الحب مش اهم حاجه ولا كمان من اساسيات الحياة……واللي باعك بيعه…… واشتري
نفسك وقلبك بداله………”
اسبل حمزة عيناه غير مقتنع…..فمن الذي يحكم
على مشاعر الحب…..شهد لم تقع في الحب يوماً
وليست لها تجارب سابقة…….سبعة وعشرون عام
كانت فيهم الفتاة الأكثر عملية وطموح…..تهتم
بما تريد… وما تريده هو الاستقلال بحياتها القادمة بعيداً عن عثمان الدسوقي…..وكنفه البارد…..
بعيداً عن القسوة بعيداً عن البيت التي شهدت جدرانه على اسواء حياة مرت بها في طفولتها
وفترة الصبا….وحتى الآن…….
شهد تحاول ترميم روحها العطبة….بالاحلام بالعمل
بحياة بعيدة عن الرجال وقسوتهم…..لذلك لم تقع
في الحب ولم تحاول ولم تريد اكتفت بنفسها
وماتريد فقط……لهذا أحياناً يحسدها فهو ذاق
من نفس الكأس لكنه لم يتعلم مثلها….لم يكن
أبداً منيع عن الحب بل وكانت لديه رغبة قوية
في تكوين أسرة يغمرها بالحنان ويكن نعم
السند والعون لها……
لكن الأحلام تناثرت أسفل اقدامه وجرحته…
والجرح غائر قاسي عجز عن الماشي والمواصلة بعده….
تابعت شهد وهي تلكزه في كتفه بخفة……
“صدقني ياعبيط… والله ولا تستاهل دمعة واحده
من عينك….نجلاء زيها زي بنات كتير ورجالة كمان كتير بيستنوا الفرصة الحلوة وأول ماتيجي بيمسكوا
فيها باديهم وسنانهم……وحتى لو هيفرطوا في ناس
قصادها…..هيعملوا كده لانها بنسبالهم فرصة العمر…..”
رفع حمزة عيناه عليها فاضافت شهد بقوة ربما
يستمدها منها أحياناً حينما تلقيه الامواج
بقسوة لعندها…….
“فاللي ميبقاش عليك…..متبقاش عليه…….”
“مين قالك اني باقي عليها…….عليا الطلاق ما تلزمني……..بس وجعاني……موجوع منها
ياختي……موجوع ياشهد……”
سحبته شهد لاحضانها وربتت على ظهره
قائلة بلطف حاني……
“سلامتك من الوجع ياقلب أختك……هتنسا والله ياحمزة بكرة تنسى……وهنفتكر الأيام دي انا وانت
ونقعد نضحك عليها كمان…..صدقني…….”
أحياناً يشعر بانه ليس بأخٍ كبير لها يكبرها بثلاثة أعوام………بل كثيراً يشعر بالعكس بانها هي الأكبر
بحنانها المفرط…..وتفهم والمراعيه لتقلباته المزاجية….لصبرها الفطري……لنقاء روحها وقلبها…..شهد ليست أخته فقط انها صديقته
الودودة الطيفة…امه الصغيرة الحنونة الواعية…..
شهد كل شيءٍ بنسبة له وهو أيضاً بنسبة لها شيءٍ كبير……..
شهد وكيان العائلة بنسبة له….. يرى من خلالهما دفء العائلة والانتماء الاسري ورغم كل شيء
يحدث لثلاثتهم سيظلوا ممسكين بكف بعضهم
حتى نهاية العمر……

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا

مرت الأيام بسرعة وبدأت تجهز لأفتتاح المطعم بشكلاً رسمي….. قد مر حوالي عشرة أيام على تواجدها في شارع الصاوي وفي مطعم(الشهد)
حانت من شهد نظرة على ساعة يدها فوجدتها
تشير للعاشرة إلا خمس دقائق…..
عضت على باطن شفتيها وهي تقلب في الإناء المرفوع على الموقد…..قلبها يدق بقوة…لا بل بشدة
كلما اقتربت الساعة من العاشرة صباحاً يحدث خلل
في كامل جسدها….واحمرار شديد في وجنتيها….
عدم التنفس بشكلاً منتظم…… التعرق المبالغ فيه…..وكانها تحتضر !!…….ومن شدة توترها وهذا الاضطراب المستجد عليها تخفق احيانا في الطهي
وهذه ليست عادتها أبداً بذات في العمل…
لدرجة ان (خلود) بدأت تلاحظ الأمر وتشكك في ان
حالتها تلك مرتبطه بزيارة( عاصم) اليومية والتي يواظب عليها في العاشرة صباحاً كما اتفق معهم….
صراحةٍ وجوده يربكها يخلق داخلها أشياء عديدة لا تفهمها بعد…… ورغم حنقها من تلك المشاعر التي
تجعلها كالبلهاء…… إلا انها تحبذها بشكلاً
او بأخر !!…….
ما بداخلها يصعب ان تفسره لنفسها حتى…. لكنها رغم كرهها لهذه المشاعر المستجدة إلا انها تحب ان
تستشعرها….. أمامه !!….
كيف ولماذا؟!…. لا تعرف… فقط هي ضائعة… ورؤية
هذا المؤجر الغليظ المتطفل عليها بشدة تريح ضياعها المؤقت……
مدت يدها لتجلب الملح وفي اللحظة التالية سمعت صوت الباب الزجاجي من الخارج يفتح وصوت نحنحات خشنة صادرة…فجن قلبها بجنون داخل صدرها ومعه شعرت بانتفاضة قوية تسير في
جسدها مما جعلها تخفق كالعادة وتقع علبة الملح
من على الرخامة قبل حتى ان تصل لها يدها…..
اتسعت عينا خلود التي كانت منشغله في التقطيع جوارها……. استدارت خلود تنظر للعلبة الواقعة
أرضاً ونظرة لشهد التي مطت شفتيها بحنق والهدوء
البادي على ملامحها كان كالستار الساتر بما تشعر
به الآن……….
“جرالك اي ياشهد مالك بقالك كام يوم عالصبح في نفس المعاد يتوقعي حاجة يتبوظي حاجة…انتي
اتحسدتي ولا إيه……”
“شكلي كده……..مش عارفه مالي……”اتجهت شهد لأحد الارفاف وهي تأخذ علبة ملح أخرى وتعود للموقد…….
سمعت خلود تنحنحات خشنة من الخارج..فعلمت
هي ايضاً صاحبها فقالت بملل وهي تعود لم
كانت تفعله….
“شكل اللي إسمه عاصم برا…….اطلعي زحلقيه زي
كل يوم عايزين نشوف مصالحنا…….”
ابتلعت شهد ريقها وهي تضع القليل من الملح
في الاناء قائلة…… “اطلعيلو انتي ياخلود……”
استدارت لها خلود متعجبة….. “انا……”
اومات شهد براسها ببساطه…..
فاردفت خلود بحيرة….
“ازاي بس مانتي كل مرة انتي اللي بتطلعي ليه…..”
مسكت شهد المعلقة وبدات في تقليب مدعية اللامبالاة…….
“اطلعي انتي المرادي انا زهقت….. وبعدين الاوردر
لازم يوصل في معاده……”
اقتربت منها خلود سائلة…
“طب ياشهد اقوله إيه……”
قالت شهد دون النظر إليها….
“ردي على قد السؤال ياخلود…. مش شغلانه….”
زمت خلود شفتيها للحظة ثم هتفت سريعاً…..
“طب قوليلي هو كان بيسألك في إيه كل يوم عشان أرد علطول ومتفجأش وقعد اتاهته قدامه….”
شردت شهد للحظات….عن ماذا كان يسألها كل يوم عن أشياء عديدة يختلق الاحاديث حتى تطول الجلسة….يتعمد اغاظتها بحديث سلبي عن المطعم
والعمل به…..ثم ترد عليه هي بمنتهى العنفوان الجميل…..وتشتعل عينيها بالعزم امام عيناه
القوية الشبيهة بسهام تود اخترقها……من شدة
صلابتها أمامه…..
أحياناً يمزح….وأحياناً يصمت….احيانا يتسمر امام
عينيها متاملاً بصمت…..وأحياناً ينهض فجأه مغادراً
دون مقدمات مسبقة…….وكانه يخشاها….او يخشى
شيءٍ لا تعرفه بعد ؟!……….
بللت شهد شفتيها ثم اجابت بمنتهى الهدوء
والثبات…….
“عن الشغل….يعني زي ماقولتلك قبل كده حاطتنا في دماغه مستنيه غلطه واحده…….فأكيد جاي عشان يشوف عملنا نصيبة زي ما متوقع ولا الأمور تمام زي كل يوم كده يعني….يلا اطلعي بقا خلينا نخلص ونرجع نكمل شغلنا….. بدل العطله دي…….”
هزت خلود راسها عدت مرات وهي تتجه
للحوض لتغسل يداها…..
“خلاص خلاص طلعه…. كملي تقوير البتنجان والكوسة……. على ما رجع…….”
قالت شهد بفتور…… “ماشي…….”
جففت خلود يدها بالمناديل وهي تهتف بتذكر..
“شهد صحيح….. لو سال عليكي أقوله إيه……”
هزت شهد كتفيها وهي تغطي الإناء وتتجه الى
عمل خلود حتى تنهي المتبقي منه…….
“زي مانتي شايفه…… بطبخ…… مش فاضية….”
بالخارج وقف في صالة المطعم الكبيرة عيناه تكتسح المكان كالعادة باحثاً عنها….. لم يكن يوما شخصٍ مقدس للمواعيد الهامة…….. لكن العاشرة صباحاً
أصبحت تشكل له بداية أليوم اشراقٍ….. رؤيتها
النظر لعينيها سماع صوتها الموسيقي….تأمل
صمتها الجلي….وعنفوان ملامحها الإبية…..كل
ما بها إبيٍ جميل…….
اغمض عيناه وهو يشتم روائح الاطعمة الشهية صباحاً والمُعدة من تحت يداها هي……سمفونية البهارات المختلطة المنبعثة من مطبخها الصغير….تجعل ممتلئ البطن جائع يشتهي
ما يشم !!…….
“أهلاً يامعلم عاصم …….”
فتح عيناه وهو يعود على أرض الواقع على صوت
غير متوقع الآن…..اين هي ؟!……
سحب نفساً عميقاً وهو ينظر الى المساعدة التي تعمل معها (خلود….)
توترت خلود من نظراته الثاقبة في اشارت على
أحد الطاولات قائلة بتردد…..
“اتفضل قعد……نورتنا……”
سألها عاصم بخشونة….. “فين شهد ياخلود……..”
اهتزت حدقتي خلود وهي تتلعثم
قائلة……
“شهد……..بتطبخ جوا……ايدها مش فاضية……
حضرتك عايزها في حاجة……قولي وانا
اوصلهالها…. ”
كان سيتحدث عاصم لكن اوقفته خلود بحرج
وهي تبتعد…… “ثانية واحدة……ثانية… ”
اتجهت خلود الى الباب الزجاجي حيثُ دخل من خلاله شابان…..رافقتهم خلود لأحد الطاولات واعطاتهم المنيو الخاص بوجبات الإفطار في
هذا الوقت……
فطلب الشابان بعد لحظات قصيرة ما يريدون…….فاستئذنت خلود عاصم بعينيها وهي تدلف للداخل حتى تقوم باعداد الطلبات……..
لأول مرة يشعر بالحرج والغضب بسبب امرأة….هل
تخبره بصراحة انها ملت من هذه الزيارات المتكررة
والتي ليست لها اية داعي…..لم تكن هكذا أمس ولا
حتى قبل أمس…لم تعطي اي إشارات حتى يفهم
هذا…..لماذا اليوم بتحديد تتعامل معه بقلة
ذوق……
حانت منه نظرة على الحائط الزجاجي جانبه
فوجد نفسه عابس الملامح مكشر الانياب……صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب…….والحنق منها……..
جز على اسنانه واستدار مغادراً المكان لكنه توقف وهو يفتح الباب الزجاجي عندما سمع حديث
الشابان الجالسين خلف ظهره على أحد
الطاولات…….
“دلوقتي هتشوفها صاروخ…..صاروخ ياض يابوحة…
عسل…ولا عنيها…ولا شفايفها…….يسطا دا كفاية جسمها عمله شبه البنات اللي بنشوفهم على النت
الحلوين دول بالفلاتر…..هي بقا حلوة اوي بس
من غير فلتر…..اصلي….. ”
اوما الشاب الاخر منسجم مع رفيقه في
الحديث……قائلاً بابتسامة لعوبة غامزاً…..
“انت هتقولي على الفلاتر دا انا اتهريت…شوقتني أشوف الطبيعي…….لو طلعت حلوة زي ما بتقول
كده هاجي كل يوم افطر هنا…وياصباح الطبيعة…”
قال الاول هامساً باعجاب…..
“الصراحة الاكل واللي بتعمله حاجة فاخر
من الآخر…..”
غمز له الاخر بخبث….
“اتاريك بتيجي هنا كل يوم…..”
ضحك الاول معترفاً باستياء……
“وحياتك لو عليا عايز اجي كل ثانية بس الفلوس مانت عارف…..”ثم أشار سريعاً حين لمحها تخرج
من المطبخ حاملة طلباتهما……..
“اهيه جت اهيه هي دي…..الشهد……”
تأملها الاخر بقوة وجرت عيناه على كل تفصيله بجسدها وهو يصرح باعجاب…….
“ايوووه…..دي عدت وصفك بمراحل…..انا مشفتش
حلاوة كده قبل كده…..دا شارع الصاوي طلع بيحدف
علينا موزز تحل من على حبل المشنقة….”
ابتسام الاول بزهوٍ….. “مش قولتلك…..”
قال الاخر بعبث وهو يرقص حاجباه…..
“انا شابط في الشغله دي…انا هفطر هنا كل يوم
دا الفطار هنا طلع طِعم بشكل…..”
اسكته الأول حينما اقتربت شهد
منه….
“اسكت يابوحة هتفضحنا…..”
عندما خرجت تحمل صنية الافطار على يداها انتبهت
لوجود عاصم عند الباب الزجاجي المغلق يوليها ظهره…..لكنه استدار في لحظة خاطفة والقى
عليها نظرة قاتل يريد تمزيقها إرباً……. وقد
تحولت ملامحه على غير العادة لملامح
شيطانية مرعبة……
وقتها علمت ان خروجها الآن كان أكبر خطأ….فقد
ظنت انه رحل بعد ان اطمئن ان الأمور بخير
معهن……
لماذا كل هذا الغضب الذي يبعث الذعر لقلبها
الضعيف…….كان في تلك اللحظة كالبركان الهادئ يهدد باندلاع النيران من فوهة في اي وقت….
طاقة عنيفة سوداوية مرتسمه على محياه بوضوح وهو يراقبها عن بعد خطوات بعيون كالصقر الهائج وهي تقترب بمنتهى الرشاقة من الطاولة التي كانت تتغزل في جسدها لفظياً بطريقة بذيئة.. بشكلاً اشعل النيران في صدره شاعراً برغبة قوية في تمزيقهما وتلذذ في تعذيبهما فقط لانهم تحدثا عن شيءٍ يخصه !!
متى كانت تخصه ؟!…مُستأجرة كغيرها….هل تعني له اكثر من مُستأجره يخشى ان توقعه في مشاكل
هو بغنى عنها…….
وهجت النيران في حدقتيه…وازداد سعير غضبها
وهو يراها تنحني قليلاً كي ترص الاطباق على الطاولة المستديرة…….وعيون الاوغاد تتربص لها…..تنهش بها دون رحمة او حياء……
فانتفخت أوداجه بعروق حمراء….بينما جسده بدأ ينتفض من هول الغضب…….وهو يقترب من
الطاولة لا ينوي خيراً بعد ما رأى….
قال الشاب الذي يدُعى( بوحة)
“بجد تسلم إيدك الأكل شكله وريحته يفتحوا النفس…….”
إبتسمت شهد بعملية وهي تستدير
مبتعدة… “بالف هنا….”
“استني…….”مسكها الشاب من يدها فجأه….فاتسعت
عينا شهد بقوة ممتزجة بالغضب….فحاولت سحب يدها من بين يده القابضة عليها……صائحة…..
“إيدي……. انت اتجننت……”
وقبل ان يتفوه الشاب بكلمة كان قد تركها بعد ان
اصابته لكمة اسفل عيناه صادرة من قبضة يد
كبيرة قوية كالفولاذ الصلب…….
اتسعت عينا شهد بزعر وهي تنظر الى عاصم الذي سحبها بقوة خلف ظهره وكانه الدرع الحامي
لها !….
“قوم ياحيلتها منك ليه مفيش طفح هنا….”
هدر صوته بشكلاً جهوري مخيف وهو يسحب
الإثنين من ملابسهما بيداه الأثنين….ناظراً
لكلاً منهم نظرات تدفنهم إحياء من شدة
ظلامها المخيف……
هتف الشاب الأول بارتعاد…..
“احنا منقصدش يامعلم عاصم….اقسم بالله بوحة ما يقصد…….”
احتدت نظرات عاصم وهو يهدر بازدراء….
“متملاش بوقك بالله يالا….انتوا ناوينها من ساعة ما دخلتم……ولا فكرني اطرش ومسمعتش كلامكم…”
حاول الشاب الاخر تقبيل يده وهو يرتجف بخوف
قائلا برجاء….
“حقك علينا يامعلم عاصم غلطه ومش هتتكرر..”
أومأ عاصم براسه وبعينين غير متهاونتين
قال بشرٍ……
“ماهي مش هتكرر…عارفين ليه عشان انا مش بس
لو لمحتكم قدام المطعم ده تاني …دا انا لو لمحتكم
بصدفة بس معاديين الشارع ده هقطع رجليكم واكسر ايديكم……..أيدك الحلوة اللي بتمدها على حاجات غيرك…….”لوى ذراع المدعو بوحة…
والذي صرخ متألماً راجياً اياه…….
“آآااه….سامحني يامعلم عاصم…مكناش نعرف انها تبعك……..”
اتسعت عينا شهد وشعرت بالغضب اكثر وهي ترى
عاصم يتركه مؤكداً المعلومة بصوتٍ قوي……
“الحمدلله ان المعلومة وصلت…..سكتك خضرة
منك ليه……..”
خرج الاثنين سريعاً من المكان ناكسين الرأس
بذل…..
استدر عاصم اليها يرمقها بغضب ويبدو ان هناك وصلة من التوبيخ بانتظارها…..لكنه بدلاً من ان
يجدها ناكسة الرأس مثلهم تنتظر التقريع منه
وجدها تواجهة بغضب أكبر ولم تلبث الا
وصاحت بعنفوان…….
“اي اللي انت عملته ده….بتدخل ليه انت شايفني ناقصة ايد ولا رجل عشان تدافع عني…وثواني
ثواني….هو إيه اللي تخصك….انا مخصش حد
تمام….ومستحيل ابقى تحت رحمة راجل
ساامع…..”
بمنتهى الهدوء رغم الغضب الذي مزال جلي
على وجهه……
“أهدي…….انا عملت اللي المفروض اي واحد في
مكاني هيعملوا……”
صاحت بحنق شديد…..
“بس انا متطلبتش مساعدتك……”
التوى ثغره وهو يقول بسخرية سوداء….
“وانا مش هستنا لما تطلبي……اللي بيجري في عروقي ده دم مش ماية بسكر……”
تناثر الغضب على ملامحها أكثر مع هذا الرد
المستفز…….
“ميخصنيش اي اللي بيجري في عروقك…انا اللي يخصني اني مخصكش….سامع انا مخصش حد…”
مط شفتيه وهو يومأ براسه بمنتهى
الثبات……
“عرفنا……انك حرة نفسك….عايزة تقولي
إيه كمان……”
هاجت اكثر وازداد بريق الغضب في
عسليتاها…..
“اي الأسلوب ده انت عايز تعصبني…..”
ارتفع حاجبه وهو ينظر لها بتعجب من أول رأسها
حتى أخمص قدميها……..
“انتي كل ده ومش متعصبة !!…….دا انتي صوتك اعلى من صوتي……”
جنت كلما تذكرت انها صرح بانها
ملكاً له…..
“اعلي صوتي زي مانا عايزة…..انت مالك….انا…
اخصك باي حق تقول كده……انت عايز الناس
تقول عليا إيه……..”
نظر عاصم لساعة معصمه بملل متمتماً دون
النظر إليها….
“الموضوع خد اكبر من حجمه….وانا عندي شغل ومش فاضي….وانتي كمان مش فاضية زي ما خلود قالت……”
نظر عاصم لخلود الواقفة متسعة الأعين عند اطار باب المطبخ تتابع ما يحدث منذ بداية لكمة عاصم للشاب….
تركها عاصم واقفه مكانها واتجه للباب لكن قبل ان
تصل يده لمقبض الباب الزجاجي وقفت شهد امامه
تصيح بجنون وقد تقابلت اعينهما لأول مرة
بشكلاً عاصفٍ….وقد زالت قشرة الهدوء أخيراً
من عليها ورأى الجانب المخفي من شخصيتها…..الاشد حرارة وحيوية…..من الهدوء
الذي رغم اعجابة به الا انه كان يزعجه أحياناً
ويشعر انه حاجز تتعمد وضعه بين الجميع……ولا يعلم حتى الآن لِمَ تتعمد التعايش بهذا القناع البارد…….
“لا فاضية…….ولازم تسمع الكلام ده كويس أوي…..”
ادعى الملل وهو يأسر عينيها عمداً……
“اتفضلي بس وطي صوتك……لاني مبحبش الصوت العالي……”
تمردت عليه قائلة…. “دا صوتي اذا كان عجبك…..”
هز راسه غاضباً وهو يحرك راسه كي
تبتعد…..
“يبقا مش هسمع لانه مش عجبني..ابعدي ياشهد… ”
هتفت من بين انفاسها الغاضبة….
“لا هتسمع…..انا مش محتاجة مساعدتك…لأ تدافع عني ولا حتى تحميني لاني أقدر أعمل ده لوحدي…
اخر حاجة انا مخصكش…..ومستحيل اخصك
سامع……”
نظر لها عاصم طويلاً الى ان سألها بهدوء…..
“خلصتي كلامك……”
اومات برأسها بوجهٍ احمر من شدة الانفعال…..
فقال عاصم دون ان تحيد عيناه عن وجهها….
“ابعدي…….”
ابتعدت بالفعل عن الباب فخرج امام عيناها الغاضبة……..
بعدها اقتربت منها خلود تلامس كتفها وهي
تقول بعتاب…..
“ليه عملتي كده ياشهد….انا شايفه ان الراجل مغلطش…..دا رباهم وجبلك حقك منهم…..”
لم ترد عليها شهد بل ظلت عيناها معلقة على الباب
الذي خرج منه عاصم…..فأمتقع وجه خلود قائلة
بضيق……
“الواد ده من الأول نظراته ليكي مكنتش مريحاني… لا وجايب صاحبه كمان الحمدلله ان المعلم عاصم علمهم الأدب……بس انتي غلطي جامد معاه…. دا بدل ماتشكريه….. ”
انزعجت شهد من الحديث فنظرة لخلود
لتقول بتهكم…..
“اشكره على ايه……عمايله دي هتخلق ليا مشاكل
مع حمزة وابويا….دا غير شارع الصاوي والناس
اللي فيه…”
قالت خلود بتفكير….
“مشاكل اي بس….المعلم عاصم دغري وملوش في الاوع….وبصراحة بقا انا حسى…انه معجب بيكي
مشفتيش ضرب الواد إزاي لما مسك إيدك….”
صاحت شهد بوجهٍ مكفهر……
“اتكتمي ياخلود….انا لا عايزة احب ولا اتحب….
انا عايزة أشتغل……واقف على رجلي…..ومحتجش
لمخلوق……”
لكزتها خلود وهي تتشدق بصدمة…..
“ياهبلة حد يرفس النعمة….دا عاصم الصاوي….دا الشارع مكتوب على اسم اجداده….دا غير املاكه
و…. ”
“خلود خلصنا يلا عشان نكمل شغلنا……”تركتها شهد واتجهت الى المطبخ للتتابع عملها محاولة السيطرة
على اعصابها ونسيان الأمر برُمته…..واخمد ضميرها
عن ردة فعلها المبالغ فيها معه……
………………………………………………………………
في المساء…….
اخرجت تنهيدة بطيئة وهي تعود من شرودها على صوت حمزة اخيها الذي سحب كرسياً وجلس بجوارها سائلا اياها بشك…….
“مالك ياشهد سرحانه وساكته كدا ليه…. وكله سد
الحنق !!….. من ساعة مادخلت وانتي على وضع ده….هو في حاجة حصلت… في حد ضايقك؟…. ”
رفعت شهد عينيها على عينا اخيها الذي ضاقت في خطٍ خطر منتظر ردها…..هزت رأسها سريعاً
بنفي..
“هيكون مالي بس ياحمزة….مفيش حاجة……”
اعاد السؤال مجدداً بالحاح…..
“إزاي مفيش حاجة………هو انا هتهوه عنك….”
زفرة بجزع وهي تشيح بوجهها للناحية الأخرى…فتمتم حمزة بيقين……
“لا في حاجة…. وكبيرة كمان في إيه؟……”
مسك ذقنها وادارها اليه….
فنظرة شهد اليه قليلاً تفكر ماذا تقول….
هي عابسة غاضبة منذ الصباح بسبب شخصٍ واحد تكن له ثلاثة مشاعر متضاربة مخنقة الأول شعور بالذنب من صراخها في وجهه بعد دفاعه عنها….
والثاني الغضب من هذا الدين الذي لفه حول عنقها……فهي بغنى عن ديون من اغراب مستجدين وعابرين في حياتها …….
والثالث حنق شديد يقف كالغصة في حلقها عندما أوضح امام الشابان بانها تخصه ؟!….
الأمر يزعجها بشكلاً يفوق الوصف…وكان بعد تلك الجملة أصبحت عارية دون شيءٍ يسترها…تخشى ان تخرج من باب المطعم فيشير الناس عليها بانها المرأة
الخاصة بـ عاصم الصاوي !…….
اغمضت عينيها لثوانٍ بغضب ثم فتحت اياهما واختلقت حديثاً من الهواء قائلة……
“مفيش حاجة تقلق ياحمزة….انا بس حسى ان
الشغل في المطعم مش جايب همه…….”
انعقد حاجبي حمزة عابساً…..واردف…
“مش جايب همه؟!…. متأكده؟….. يعني انا شايف
ان البداية حلوة مش وحشة…. وشوية شوية هتعملي زبون… انتي يعني لسه مكملتيش
أسبوعين في المكان…….”
سألته بفتور…… “انت شايف كده…..”
أومأ حمزة وهو يطمئنها برفق…..
“الصبر ياشهد…كل حاجة بتيجي بصبر….وبعدين
متخفيش من فلوس الإيجار انا هسددهالك اخر
الشهر من معايا……”
هزت شهد راسها مسرعة بالحديث…..
“مين جاب بس سيرة الإيجار…انا معايا فلوس الحمدلله وهقدر ادفع في المعاد…..الحمدلله الاوردرات اللي بتطلع بتغطي مصاريفي واجرت
بشير وخلود….وبشيل منها كمان جزء للإيجار…..”
قطب حمزة جبينه قائلاً….
“طب مالدنيا تمام اهيه لي التشأم بقا….”
استلمت دفة الحوار فقالت بصدق….
“مش تشأم ياحمزة….مانت شايف أهوه….مفيش زبون
بيدخل المطعم إلا بطلوع الروح………لو سالتني النهاردة دخلك كام زبون هقولك أربعة بالعدد والمطعم مفتوح من الساعة تمانية الصبح
ودلوقتي الساعة بقت حداشر بليل…..”
ابتسم حمزة وهو يبث بها الأمل…..
“كلوا بالصبر ياشوشو….مش هتطلعي السلم مرة واحده معروفة واحدة…. واحدة……..عشان نحس بطعم النجاح ولا إيه…….”
تبسمت شهد وهي تنظر اليه بحنان….
“عندك حق….قولي بقا انت اي اخبارك……عامل
ايه في شغلك……”
سحب سلسلة المفاتيح من أعلى الطاولة وعبث
بها وهو يجيب……
“اديني شغال هروح فين….من موقف لموقف ومن نقلة للنقلة…….”
اقترحت شهد بعيون لامعة…..
“ماتفكك من شغلانة السواقة دي وتعالى اشتغل معايا….”
عقب وهو يمط شفتيه هازئاً……
“اجي اشتغل معاكي…..انتي لسه قايله انك قاعده
طول النهار بتهشي دبان……”
ضحكت شهد ساخرة كذلك….
“واي فيها نهش دبان سوا…..”
رد حمزة بملل …… “مبعرفش اهش دبان……”
ضربت كفه الممسك بسلسلة المفاتيح وقالت
بجدية……
“بكلم بجد….تعالى نبدأ سوا وان شاء الله ننجح سوا….”
هز حمزة راسه وهو يجيب بحيادية…..
“مانا لو غاوي هقولك آمين…لكن انا مليش في الطبخ
والجو ده….انا احب السواقة الشوارع الجري على
الرصيف جمب البحر……..”
نظروا لبعضهما بصمت وكان الحديث انتهى هنا….
اقتربت خلود منهما قائلة…..
“يلا بينا ياشهد مش هتمشي معانا…..”
اومات شهد وهي تنهض وكذلك حمزة…..
“آه يلا…..روحي انتي مع بشير….وانا وحمزة هنروح سوا بعربيته…….”
عبس وجه حمزة قائلاً بمزاح…..
“حاسس انك بتستغليني وبتجبيني بليل مخصوص عشان اوصلك……”
ضحكت شهد وهو تعانق ذراعه متدلله
عليه…….
“لازم تكون متأكد اني بستغلك….انا أطول اركب عربية جمب القمر ده كله…… “قرصت وجنته فابعد يدها بحنق فهو يكره تلك الحركة منها وبذات امام
أحد..
تمتما حمزة بزهوٍ دون النظر إليها……
“عندك حق احتمال كمان يحسدوكي اول ما يشوفوكي قاعده جمبي….”
فغرت شهد شفتيها وهي تلكزه بضيق….
محدثة خلود بسخرية…….
“بذمتك ياخلود شوفتي تواضع كده قبل كده…..”
ضحكت خلود معها قائلة….. “بصراحة مشفتش…..”
…………………………………………………………….
بعد دقائق وصلت سيارة حمزة أسفل البنية التي يقطنا بها……انتبهت شهد وهي تخرج من السيارة
الى سيارة أبيها الفارهة والتي تصف جانباً………
“واضح ان ابوك فوق……”
خرج حمزة كذلك من السيارة مرحب بسخرية….
“ياهلا وسهلاً بالمشاكل والنكد اللي انا بغنى عنهم……”
اتجهت شهد للسيارة الفارهة ووقفت امامها
بعيون شاردة وهي تخبر اخيها بحزن…..
“فاكر يوم ما اشترى العربية دي….”
أومأ حمزة متذكراً وهو يسحب انفاسة بعصبية
مكتومة…..
“كانت مجزره بيني وبينه…….راح يشتري عربية واحنا التلاته متمرمطين من موصلة للتانية……دا غير ان البيت وقتها مكنش فيه غير عشرين جني ولما طلبنا منه فلوس قالنا اكله نفسكم وتكفله بنفسكم
انا معدش معايا فلوس لحد تاني……”
تابعت شهد بسخرية مريرة…..
“على اساس انه كان بيدينا اولاني…..ما طول عمرنا بناكل الفتافيت من بعده……ربنا يسامحه…….”
لم يرد حمزة بل ظل ينظر للسيارة بصمت مبهم….
فادارة شهد وجهها اليه قائلة برجاء…….
“يلا بينا نطلع….وعشان خاطري ياحمزة بلاش تشد معاه زي كل مره هي لقمة هناكلها وكل واحد فينا هيدخل اوضته ويدار ما دخلك الشر……..”
التوى فك حمزة بتشنج…..
“الشر قاعد فوق…..ومستنينا ياشهد……”
اتسعت عينيها بحنق…… “حمزة…..”
نظر حمزة لما خلفها وقد اتسعت عيناه وشلت حواسه ووهجت حدقتيه فجأه…..فبلعت شهد
ريقها وهي تنظر خلفها لترى نجلاء ووالدتها
يخرجا من العمارة متجهين الى سيارة الرجل
الذي اشتبك معه حمزة منذ أيام….
قد سلمت عليه نجلاء بخجل وهو اتكأ على يدها
بوقاحة وهو ينظر باتجاه حمزة…..مبتسماً نحوه
بشكلاً دنيء أشعل صدر حمزة الذي خطى خطوة للأمام ولحسن الحظ انها لاحظت هذا التهور
فمنعت إياه هاتفه بهمساً….
“حمزة احنا قولنا إيه…..سيبها لحال سبيلها راحت للي شبها……اعقل مضحكهاش عليك….بلاش تضحكهم عليك اعقل…….”
نظر لاخته بعينين قويتين….. شاخصتين بريق إجرامهم يتزايد مع مرور الوقت……
“يلا بينا…..يلا…….”
قالتها شهد وهي تسحبه من ذراعه الى مدخل
العمارة تارك خلفه جزءاً من قلبة يحترق بعد رؤيتها مع غيرة سعيدة راضية….. وقد اختارت بإرداتها كما اخبرته سابقاً بمنتهى النذالة بانها باعت لمن دفع أكثر !….
……………………………………………………………..
عندما صعد للشقة دلف لغرفته وأغلق بابه عليه
منفرد بنفسه قليلاً بعد رؤيتها برفقة غيره والبسمة تعلو ملامحها الجميلة جمال مخادع كالصنارة التي تلتقط الصيدة الرابحة بعد طول إنتظار…….
جلس على حافة الفراش بتثاقل وهو ويشعر بتضخم حاد في صدره من شدة الانفعال والغضب…..
ولسعة حارقة اصابة حدقتاه مسح عيناه سريعاً
وهو يفتح الدرج المجاور للسرير باحثاً عن
منديلاً ورقياً…… لكن وقعت عيناه الحمراء
على البوم صور صغير خاص به……
التقط الالبوم وفتحه وبدأ يشاهد العديد من الصور التي جمعت بينهما في خلال عامين مضوا….كانت
بهم الوعود راسخه في قلوبهما قبل أعينهما…توعدا
بالكثير ولم يحققا إلا القليل وأكبر الوعود بينهما
انتهت قبل ان تبدأ……..
قام سريعاً باخراج كل الصور الخاصة بها والصور التي تجمعهم معاً على مدار عامين…..كانوا عامين زائفين بعد مرورهم اكتشف الحقيقية الموجعة…..
كان مجرد اسطبل لعامين مجرد اسطبل والفارس الحقيقي اتى واخذها منه ببساطه……
سحب سلة القمامة الموضوعة جواره واخرج الولاعة
واتكأ عليها وقرب صورة نجلاء من شعلة النار الصغيرة فأكلتها بقوة وتغذت على بقاياها…..
القاها حمزة في سلة القمامة واخذ الصور التي تجمعهم وبدأ في احراقها ورؤيتها واحده تلو
الأخرى وهم ينتهون متحولون الى رماد الباقي
منه في سلة المهملات…….
لم يشعر براحة أبداً وهو يحرق صورها كم ظن…. بالعكس شعر ان قلبه هو من يحترق وليست
الصور…… وكانه أحرق قلبه بدلاً من إحراق
ما تبقى منها…..
طرق رقيق على الباب يليه صوت كيان
وهي تناديه قائلة…..
“حمزة العشا…… العشا اتحط……”
رد حمزة سريعاً بامتناع….. “مش عايز اكل…….”
فتحت كيان الباب ووقفت عند عتبت الباب
ناظرة اليه وهي تقول…….
“بس أبوك مستنيك على السفرة… وهو اللي قالي اناديك……..هتيجي صح…. ”
بعد لحظات أومأ لها برأسه بملامح حجرية…
“جاي وراكي…..”
انعقد حاجباها وهو تحرك انفها يميناً ويساراً تتأكد
مما تشمه……ثم عقبت…..
“حمزة هي اي الريحة دي…… هو انت بتولع في إيه……..”
اجابها وعيناه على سلة المهملات….
“شوية أوراق مش مهمين…….”
نظرة كيان الى ما ينظر ثم اومات براسها
دون اهتمام……
“آآه طيب بسرعه بقا متتأخرش أبوك مستنيك…”
خرجت كيان واغلقت الباب خلفها…..
………………………………………………………….
تجمع الجميع على سفرة الطعام الأب على رأس الطاولة والاخوة الثلاثة يجلسوا على الصف اليمين
بجوار بعضهم…….
مضغ عثمان الطعام وهو ينظر اليهم بعيون كالذئب
الماكر المنتظر الانقضاض على فريسته في أضعف
حالتها……..
تنحنح عثمان ملفت الانتباه من حوله…وبالفعل نظرة
أجْوَاز العيون الثلاثة إليه وكلاً منهم يحمل شعوراً
مختلف عن الآخر…وكانت أعينهم كالستار المكشوف يكشف الكثير دون البوح…..
دخل عثمان في صلب الحديث بنبرة خشنة صارمة…….
“اللي حصل في العمارة من كام يوم ده حقيقي…
ولا افترى عليكم…. ”
بلعت شهد ريقها واطرقت براسها بتردد محاولة استجماع شتاتها سريعاً…..
لم يرد حمزة بل اكتفى بالصمت….وكذلك فعلت كيان وهي تدعي سراً ان يمر اليوم دون كوارث وعدم اختلاق مشاكل كما يفعل معهم دوماً……..
“اتكتمتوا ليه ردوا عليا…….اي اللي هببتوا ده..”
ضرب عثمان على الطاولة بقوة صائحاً بهذة
الكلمات بغضب أسود…مما جعل شهد وكيان
ينتفضا معاً بخوف رافعين رؤوسهم إليه اما حمزة فجز على اسنانه يمنع نفسه بالقوة من التهور فمهما كان هذا الرجل والده !!….
وزع نظراته عليهما بجمود حتى استقرت على
حمزة فازداد غضبة سائلاً……
“إيه هتفضلوا تبصه لبعض كتير….انت اتعركت مع
زفتت الطين حماتك…..شتمتها وجرست بنتها في العمارة……”
هتفت شهد بدفاع عنه…
“محصلش يابابا حمزة أ……”
اخرسها بنظرة واحده تعرفها جيداً ثم هدر
بقوة اخافتها…….
“اتكتمي…..انتي كمان قليتي ادبك عليها وبدل
ما تحلي وقفتي مع اخوكي….ولا عال مخلف
بلطجيه صيع واقفين يتعاركوا….ناقص تطلعوا
المواص من بوقكم…… ”
تدخلت كيان متحدثه بحمائية…..
“بس شهد مقلتش ادابها عليها…..دا هي اللي شتمت شهد وقعدت تعايرها بمرضها وبسنها والجواز….”
أومأ عثمان بمنتهى القسوة وهو يرمق ابنته
بقرف………
“عندها حق….. ماهو اللي بيته من قزاز…ميحدفش الناس بطوب…….”
نظرة له كيان بغضب ممزوج بالكرة….واكتفت شهد بصمت دون تعبير موحد في عينيها المنكسرة…..
صاح حمزة بانفعال عليه……
“انت بتكلم على أساس ان انت وهما زي السمنه على العسل….ايش حال مكنتش راضي زمان تيجي معايا عشان اخطبها وسبتني أروح لوحدي….”
هز عثمان راسه وهو يؤكد على الحديث مضيف
بزهوٍ……
“عشان النسب ده ميشرفش… مش هيليق بأسمي… انا يوم ما أجوزكم لازم اكون راضي عن الجوازة…. ومش بعيد اختارها بنفسي…..ومش هختار أقل
مننا لا دا انا هختار الأعلى مننا اللي يشدكم
لفوق مش يسحبكم لتحت…….”
تدخلت كيان بوجهٍ ممتقع……
“هو مينفعش نعترض على كلامك زي ما علمتنا… بس الزمن اللي بتكلم عنه ده انتهى خلاص….دلوقتي احنا
كبرنا واللي زينا بيختار بنفسه……… ”
رفع عثمان حاجبه بمكر واشار بعيناه على
حمزة هازئاً…..
“مش في قانون عثمان الدسوقي….والجدع يتحداني…..بصوا لاخوكم كويس…..هتعرفوا ان
اللي بيقف قصادي مش بيوصل لاي حاجة…..”
التوى فك حمزة بسخرية مريرة…..
“مش مصدق انك شمتان فيا……..مش مصدق…انت
بجد ابونا ولا كدا وكده……”
احتدت نظرات عثمان بشدة واحمر وجهه وفارت الدماء بعروقة فرفع كفه كي يصفعه…….
صاحت الفتاتان معاً بزعر وهما ينهضان عن مقاعدهن بهلع…
“بااااااابااااااا……”
في لحظة خاطفة التقط حمزة يد والده قبل الوصول لصدغة وقد واجهه بعيون أشد قسوة وغضب…..
“قولتلك مية مرة اني كبرت على الضرب…وبقيت اعرف اقف قصادك…..ورد القلم اتنين…….”
اتسعت عينا عثمان بدهشة ناظراً اليه بعدم تصديق…..فاضاف حمزة ببرود وهو يترك يده…
“بس انا مش هعمل كده عشان صلة الدم….اللي
انت متعرفهاش…….”
“حمزة……..”نادته شهد وهي تمسك ذراعه كي
يبتعد عن هنا….
بينما صاح عثمان بكراهية……
“اخرج برا بيتي مش هتقعد فيه…….برااا……اخرج
برا… ”
نزع حمزة ذراعه من بين يدي أخته….ثم اتجه الى غرفته سريعاً قائلاً بكرهٍ شديد…..
“عارف عشان كده حضرت شنطتي…..هدخل اخدها واغور…..اشبع بالبيت وبالعمارتين اشبع بالفلوس وبالعربية……أشبع بكل حاجة وسيبنا احنا نسف
في التراب ويطلع ميتنا عشان نكسب القرش…
عيش انت وسيبنا احنا نموت بالبطيء…..”
خرج من الغرفة وتابع بحرقة……
” زي امي ما ماتت من كتر المرض وقلة العلاج…..
اللي بفلوسة كنت مقضيها مع كل واحده شوية وسيبتنا معاها ننحط في الصخر عشان نلحقها…….وبرضو ملحقنهاش……”
اتجه الى باب الشقة فركضت شهد وكيان
خلفه قائلين معاً برجاء…..وهما يتعلقوا في
ذراعيه من الناحيتين……
“حمزة……..خليك بالله عليك..بلاش تمشي…….”
سحب حمزة نفساً غاضباً بصعوبة وهو يهمس
لهن قبل ان يفتح الباب……
“ادخلوا اوضتكم وقفلوا عليكوا…..أول ما يمشي هاجي………..سلام…….”
خرج واغلق الباب خلفه بقوة….فنظر الفتيات الى بعضهن ثم لابيهم الذي مزال يجلس مكانه على
رأس الطاولة بسطوةٍ قاسية ونظرات
كفيلة ببث الرعب في اجسادهن…..كان ينظر
للباب المغلق بقوة وبملامح حادة مكفهرة….
…………………………………………………………..
على البحر ليلاً وبين الامواج الثائرة والهواء الطلق
البارد القى الصنارة وظل ينتظر بعينين شاردتين
معلقتين على سطح البحر الحالك……سابح بذكراه إليها….كيف كسرة قشرة الهدوء التي تتحل بها أمامه….لمجرد انهُ نسبها إليه !!…
لا تخص أحد ؟!….
تسللت ابتسامة خائنة من بين شفتيه المتصلبة
وقد لانت قليلاً…..
كيف لها ان تتمرد على هذا المسمى الخاص…. كثيرات يتمنون ان ترتبط اسمائهن بعائلة الصاوي بشكلاً او بأخر…..
إلا هي رأى في عينيها رفضٍ أزعجه…. لم يحبذه
بل غضب من هذا الرفض…..فقد خدش كبرياء لم يمسسه احد سواها !!…..
كيف للطباخة ذات عيون عسلية الجميلة بان ترفضة وكيف ينزعج من ردها وكأنه قصد التدخل حتى يعلن ملكيته الحصرية نحوها !!…..
هل بهذه السرعة تسللت إليه ونالت من قلبه…. كيف فعلت وهو الذي ظن انه بنى حِصناً منيعاً من الحب ، وقد اتخذ هدنة سلام أبدي عن حروب الحب ومآسيها…..
اشتدت عصا الصنارة في يداه ، ففاق من شروده وهو يحاول سحبها عليه لكنها كانت ثقيلة و السمكة كانت عنيدة تأبى الخروج من البحر تحاول الفكاك بعد ان أكلة الطُعم ؟!….
لكنه كان أشد عناداً منها وسحب الصنارة لعنده وبعد نزاع دام لدقائق رفع الصنارة فوجدها فارغة !…..
قد هربت بعد ان أكلت الطُعم ؟!…
……………………………………………………………..
صباحاً في المطعم كانت تقوم بتنظيف صالة المطعم تحاول اشغال نفسها بشيءٍ وهمي….. متجاهلة بأنها تقوم بهذا مع اقتراب الساعة للعاشرة صباحاً…….
هل تنتظرة ؟!….
هي بأنتظاره فقط كي تعتذر له عن ما بدر منها أمس…فهي اندفعت بشدة أمس وصرخت في وجهه بدون وجهة حق…..وظهرت امامه كفتاة سوقية تختلق المشاكل……
وهي عكس ذلك…….فقط في غضبها تكسر كل الحواجز داخلها وتندفع فجأه بشكلاً يزعجها من نفسها…
خرجت خلود من المطبخ وهي تمسك ورقة
بين يداها قائلة وهي تنظر الى شهد…..
“شهد انا كتبت الطلبات اللي احنا محتجانها النهاردة….”
اقتربت خلود من شهد واعطاتها الورقة والقلم
قائلة….
“رجعي انتي برضو عليهم وشوفي لو ناقصين
حاجة……”
اخذت شهد منها الورقة وهي تستريح على المقعد ناظرة الى الورقة بتركيز شديد بينما يفتح الباب الزجاجي ويدلف رجل تفوح منه رائحة سجائر غريبة….ومنظره يبعث عدم الراحة في النفس…..
خصوصاً بهذه الندبات العميقة والكثيرة في وجهه وعنقه وذراعيه المكشوفة……وحتى الوشوم به
تشعرها بالتقيؤ……..
رفعت شهد عيناها عليه وظلت تراقب نظراته على المطعم ثم عليهن لتسمعه يقول بابتهاج غريب……
“صلاة النبي أحسن….دا المكان نور من تاني لا
وشكل القشيه بقت معدن……..”
غمغمت خلود بقرف وهي تراقب نظراته على
المكان ثم عليهن……
“اصطبحنا وصبح الملك لله….كانت نقصاك بقا….”
سمعتها شهد فهمست لها متسائلة…
“مين دا ياخلود…..”
امتقع وجه خلود وهي تقول بشفاه مقلوبة
بازدراء…..
“دا مرعي الجن…….تقدري تقولي كده دا واحد من ضمن ولاد الحرام اللي كانت امك بتدعيلك ان يكفيكي شرهم…….. ”
هزت شهد راسها وهي تعود بنظر إليه…. “فهمت…….وعايز إيه……”
“اللي زي دول بيعوزا إيه……غير ياخدوا…. ياخدوا وبس…… “امتعضت خلود اكثر وهي تراه يقترب منهم…..وعلى شفاه إبتسامة مبتذلة…..
قال مرعي مبتسماً بلؤم وهو ينظر الى
شهد ومد يده لها…….
“اهلاً…. اهلاً….بالست شهد….مش شهد برضو……”
نظرت شهد لكفه المفرود امامها ثم الى عيناه
الماكرة وقالت بحدة……
“نعم………… عايز إيه……”
نظر مرعي لكفه المعلق في الهواء ثم إليها….وعندما لم يجد منها أية استجابة سحب كفه بحرج وحك
في شعره قائلاً……..
“اي معاملت مرات الاب ديه….ماشي مقبولة
منك……. لمؤخذه انا جاي اكل… واخد القبيض…….”
هتفت شهد بتعجب…
“نعم ؟!…. يعني اي القبيض ده……”
حك مرعي ابهام اصبعه بالسبابة امام عينيها
الحانقة واردف …….
“المعلوم الفلوس اللي باخدها عرقي انا ورجالتي…..”
أشار على ثلاثة رجال ينتظروه بالخارج…ليسوا
أقل منه بالوصف……بل من نفس العينة…..
“عرقك في اي بظبط انا مش فاهمه حاجة….”
احتدت نظرات شهد عليه….فقال مرعي
بتبجح…….
“افهمك انا بحميكي وبحمي مكانك……”
لوت شفتيها هازئة… “بتحميني من اي بظبط……”
رد مرعي سريعاً…. “من ولاد الحرام……”
امتعضت شفتيها وهي تقول
ببرود….
“شكراً انا مستغنيه عن الحماية دي…..”
رفع مرعي كفيه معاً وقد ظهرت بوادر الإزعاج
على وجهه……..
“لا لا كده هزعل متقوللها حاجة ياخلود مانتي
قديمه هنا….”
لكزتها خلود باضطراب بعد
نظراته…..
“ادفعي ياشهد وتقي شره…….”
هز مرعي راسه وهو يبتسم بشر…
“جدعه ياخوخا…. اسمعي كلامها وادفعي بسوكات……عشان مزعلش…..”
تخصرت شهد بتحدي….. “ولو مدفعتش……”
رفع مرعي حاجبه واخبرها بملامح تنذر
بالشر والتوعد…..
“يبقا انتي عايزه تخسريني….ولو خسرتيني
هتخسري نفسك والمكان اللي وقفه فيه…….”
بلعت شهد ريقها وهي تقول بصوتٍ
اجوف…
“المكان ده بتاع عاصم الصاوي ولو عرف انك……”
قاطعها مرعي بعينين تقدحان شراراً…..
“الله انتي هتهدديني بيه ولا إيه…..انا مبتهددش ولو وقفتي قصادي هتزعلي…..كل اللي على صفك بيدفع تمن حمايتي ليه انا ورجلتي ومفيش حد قدر يعترض……”
تدخلت خلود ومسكت ذراعها قائلة…
“تعالي ياشهد معايا…..”
عاندت شهد وهي تنظر اليه بغضب هائل…..
“سبيني ياخلود دا مفكر البلد مفهاش قانون جاي يبلطج عليا وعلى خلق الله….لو محدش وقفلك انا هقفلك…..”
احتدت نظرات مرعي….
“الله دا انتي مصممه بقا…..”
ترجته خلود وهي تربت على صدرها…..
“لا يامرعي هي لا مصممه ولا حاجة….دقيقتين بس
ياخويا وهنرجعولك…….”
سحبت خلود جانباً فصاحت شهد بتشنج…..
“انتي بتبعديني لي ياخلود انتي موفقة على الكلام ده…دا عايز ياكل شقانا…….بلبطجة وفردت الصدر….
هو وشوية الصيع اللي وقفين برا…..”
قالت خلود بوعي وجد ……
“متقفيش قدام القطر ياشهد وفي الآخر تقولي هو اللي داسني…..مرعي مش سهل وبتاع مشاكل وبيدور عليها بملقاط….دا غير انه رد سجون وواخد على كده…انتي مش شايفه وشه ودراعه مفيش حته
فيها سليمه من كتر المصايب اللي بيعملها ….
فبلاش تجيبي لنفسك مشاكل انتي بغنى عنها……اديلوا الملمين وريحينا….. ”
هاجت شهد من بين اسنانها بعدم
رضا……
“دي فلوسي تعبي وتعبك….ادهاله إزاي بس…..”
قالت خلود بهمساً……
“زي الناس ربنا هيفرجها ادهاله وريحينا من شره…..”
هتفت شهد من بين انفاسها العالية….
“ياخلود…..”
قاطعتها خلود متابعة بتحذير…..
“اسمعي كلامي ياشهد انا قلبي عليكي….انا
اشتغلت في شارع الصاوي قبل كده وعارفة نظامه إيه……وفي شارع الصاوي الكل بيمشي جمب
الحيط وبيتجنب المشاكل……ولازم تعملي كده……”
ضربت شهد كفٍ بأخر وهي تهتف متعجبة….
“انا عايزه افهم بس…..عايزة أفهم… عاصم الصاوي وكبار الشارع هنا عارفين ان اللي اسمه مرعي ده بيمص في دم الغلابه هنا عشان ياكل ويشرب هو ورجلته……”
قالت خلود بتذكر……
“محدش يعرف…..بس عاصم متعارك معاه قبل كده وقامت بينهم مجزرة كبيرة في الشارع لو هتلاحظي ان مرعي وشه متخيط من ناحية اليمين البشله دي بقا…..عاصم الصاوي اللي عملهاله……ولولا مسعد الصاوي عمه اللي وقف الحرب دي كان في واحد فيهم هيموت……”
انعقد حاجبي شهد وتساءلت…
“لدرجادي…….واي السبب……”
لوت خلود شفتيها وقالت….
“السبب ان مرعي قل ادبة و ضرب ست كبيرة فرشة بخضار في الشارع……وعاصم كان معدي بعربيته وشاف اللي حصل فمسكوا في بعض……..قمت المجزرة بعدها…..ومهدتيش غير لما أدخل الكبار وحلوها……..لكن أكيد النفوس لسه شايلة فبلاش تكوني انتي السبب وتقومي الحرب تاني
بينهم……..اديلوا اللي هو عوزه خلينا نتقي شر……”
اكتفت شهد بصمت وهي تنظر إليها…..فتابعت
خلود وهي تربت على كتفها بخوف……
“اسمعي الكلام ياشهد بعد كل اللي حكيتوا ولسه معنده…….خافي حتى على حمزة……”
انتفض قلب شهد وهي تنظر الى خلود التي هزت راسها وهي تنظر ناحية مرعي الذي يراقبهن بعينين شيطانيتين تشتعل كلما زاد عنادها….فجزت شهد على اسنانها وهي تشعر بانها مجبرة على ذلك…حتى
تبعد المشاكل عنها والاذى عن اخيها……فإن علم حتماً
سيكسر رأس هذا الضبع الجائع………
سحبت نفساً مضطرب ثم ابتعدت عن خلود ذاهبة إليه سائلة إياه بتهكم…..
“عايز كام……”
ابتسم مرعي ببشاعة وهو يحك كفيه
ببعضهم قائلاً بطمع……
“حلو…… شكلك اقتنعتي…….انا عايز يعني
حوالي…..”
زمت شفتيها وهي تنظر الى خلود التي هزت
راسها تترجاها ان تدفع كي تنتهي تلك القصة
على خير ……
اتكأت شهد على اسنانها وهي تضع يدها في جيب المريول…….وتخرج المبلغ المطلوب اعطته له
قائلة بحنق شديد……
“ممكن بقا توريني عرض كتافك……عشان ورانا
شغل ومش فاضيين……”
مال برأسه قليلاً سائلا بصدمة….
“طب والغدا………”
زفرة شهد وهي تعقد ساعديها امام صدرها لتقول
ممتعضة….
“معندناش….لسه مطبخناش…..معاك الفلوس روح
كُل بيها في حته تانيه……”
تحسس مرعي صدره بخبثٍ قائلاً بتبجح وهو ينهال عليها بنظرات دنيئة……
“عداكي العيب….يبقا لينا غدوة عندك….قريب سلام
ياست…..شهد……”
خرج من المكان امام ابصارها المشدوهة من هذا الانسان الزج الحقير…..تمتمت خلود داعية بقهر
وهي تقترب لتقف جوارها…….
“حسبي الله ونعم الوكيل….. تصرفهم على مرضك يابعيد……”
اغمضت شهد عينيها وهي تأخذ انفاسها بتعب…
العمل في شارع الصاوي أصعب مما توقعت يوماً
ويبدو ان الاستقلال والاكتفاء بذات أصعب من
قسوة ابيها عليها……
…………………………………………………………….
تسير العجلات على الرصيف بسرعة وتنعكس الشمس على وجهها الأبيض وعينيها الفيروزية
وبفعل النسيم تطير خصلات شعرها البنية
للخلف بموجاتٍ هائجة……..كملامحها العابسة
وعينيها الغاضبة……
نظرة للافتة الشارع الانيق الذي يقطن به استاذها
المبجل….. فقد طلب منها ان تحضر له ملف قضية
مهمة قد نساه في مكتبة أمس…..ولان اليوم أجازة
رسمية طلب ان تحضره هي له !!…….
لا بأس ان تخرج هي من البيت في يوم اجازتها ثم
الى المكتب ثم إليه الجحة المقنعة الذي قالها
انها الأقرب إلى المكتب….. ولم يضع في الحسبان
انها فتاة….. لكن لا يجوز الاعتراض فهذا أستاذها المبجل…..عديم الإحساس والدم !!……
اوقفت الدراجة الهوائية الخاصة بها أمام البنية الماكث بها…….ثم ترجلت منها…..
واتجهت الى بواب العمارة سائلة بهدوء…..
“ممكن اعرف شقة المستشار مصطفى الجندي
الدور الكام……”
نهض البواب مجيباً وهو ينظر
اليها بتراقب….
“الرابع مين حضرتك……”
ردت كيان وهي تعدل حقيبتها فوق
كتفها….
“سكرتيرة مكتب المحامي سليم الجندي……”
أومأ البواب بتفهم مشيراً على مدخل
العمارة….
“اه هي الشقة اللي في الدور الرابع على إيدك اليمين
هتلاقي يافته مكتوب عليها اسم المستشار…..”
لوحت كيان بكفها شاكرة… “تمام….شكراً ياذوق…..”
استقلّت المصعد صاعدة للطابق الرابع…..
بعد لحظات وصلت الطابق الرابع فخرجت من المصعد واتجهت الى الجهة اليمنى……. وسريعاً
رأت الافته المشيرة للمستشار مصطفى الجندي
والد المبجل……
سحبت نفساً عميقاً ونظفت حلقها بنحنحات خشنة ثم عدلت الحقيبة و اتكأت على جرس الباب….
وانتظرت….
فُتح الباب بعد ثواني وظهر من خلفه رجلاً وسيم
في عمر والدها تقريباً لكن هيهات بينه وبين والدها
الرجل كان وسيم ، وقور الشكل يشع وجهه بشاشة وطيبة من زمن ولى….. كان يشبه سليم الى حد
ما فخمنت سريعاً ان هذا هو المستشار… لم تراه
من قبل تعرفه بالاسم فقط لكن تصادف هكذآ
لم يحدث….
ابتسمت كيان بتلقائية وحركت رأسها وهي
تقول برقة….
“اهلاً ياعمو……”
انعقد حاجبي مصطفى ولانت ملامحه بعد رؤية هذه الجميلة الصغيرة…….. صاحبة العيون الفيروزية المتلألئة…..
“اهلاً وسهلاً…….”
عندما صمت منتظر ان تتابع اضافت كيان بوجها متخضباً بالحمرة……
“انا كيان…….. اللي شغاله في مكتب المحامي سليم ابن حضرتك……”
ابتسم مصطفى وانشد باعجاب…….
“كيان….. اسمك جميل……غريب اوي الواد سليم ده إزاي مقليش انه بيدرب محاميه زي القمر كده
عنده……”
ازداد احمرار وجهها واطرقت برأسها قائلة
“شكراً ياعمو……” ثم رفعت رأسها وهي تخرج
الملف من حقيبتها……
“استاذ سليم كان طالب مني ملف قضية نساها
على مكتبه امبارح…… تقدر حضرتك تدهوله…..”
رد مصطفى بفتور…..
“سليم مش موجود خرج….بس هو شوية وهيجي… ادخلي استنيه جوا…. اهو حتى تريحي رجلك شوية وتشربي حاجة معايا……”
رفضت كيان….. “لا.. لا ياعمو…..شكراً……”
عبس وجه مصطفى قائلاً…..
“خايفه من إيه دا انا زي باباكي….عمتاً هسيب
الباب مفتوح عشان تطمني……”
بررت كيان قائلة….. “مش قصدي ياعمو بس……”
قاطعها وهو يبتعد عن الباب……
“بطلي رغي بقا… وادخلي مش هنفضل نتكلم
على الباب…..”
وفي اثناء طريقة للمطبخ سألها…..
“ها ياكيان قوليلي تشربي شاي ولا نسكافية…
ولا أقولك عندي هوت شوكلت يجنن أعملك……..”
سألت بأستغراب……
“هوت شوكلت ؟! لا ياعمو شكراً……”
ابتسم مصطفى وتوقف وهو يلتفت ناظراً
إليها…….
“مستغربة ليه هالة مكنتش بتشرب غيره…..”
تسمرت كيان مكانها تنظر اليه بصمت فاضاف
بإبتسامة فاترة……
“آآه هالة دي تبقي مراتي…….. الله يرحمها…..”
“الله يرحمها…….” تمتمت بها كيان وهي تراه
يبتعد في أحد الأركان…..
خطت خطواتها بحرص إتجاه الصالون المفتوح امامها وقد تركت الباب مفتوح كما اقترح…..
سارت بحذاءها الرياضي الأبيض على الأرض المصقولة الامعة…….وبدت عينيها تتمعن من المكان
حولها…….شقة أنيقة فارهة والفرش منمق مختار بعناية….وكل قطعة تدل على ذوق أنثوي رائع فني
لأبعد حد……
سارت بحذاءها الرياضي الأبيض على الأرض المصقولة الامعة…….وبدت عينيها تتمعن من المكان
حولها…….شقة أنيقة فارهة والفرش منمق مختار بعناية….وكل قطعة تدل على ذوق أنثوي رائع فني
لأبعد حد……
إبتسمت كيان وحانت منها نظرة على طاولة خشبية
يوضع عليها عدت براويز لصور قديمة…….واخرى حديثة…….
بعض الصور خاصة بسليم وهو طفل في أحضان
والدته (هالة) تناولت كيان الصورة بيدها وظلت
تتأملها بإعجاب….أمرأه جميلة تشع حبٍ وحنان
أنيقة ذكية نظرة عينيها دافئة حانية……..لهم حق
ان يحزنوا لفراقها…..فمن يراها للمرة الاولى يقع
في حبها ماذا عنهما عاشوا معها تحت سقف واحد كأسرة واحدة مترابطه لسنوات طويلة وفجأه
اخذها الموت منهم……..
وضعت الصورة جانباً ونظرة لصورة اخرى كانت لسليم بسترة التخرج…. كان أصغر أجمل أكثر
برائة من الآن….. وبدون لحية……..
ضحكت كيان وهي وتضع يدها على فمها ثم وضعت
البرواز مكانه ونظرت للصورة الأخرى كانت تجمعه
مع والديه وهو في عمر المراهقة…..كان شكله مختلف هنا ويبدو انه كأن شقي ومشاغب.. لكنها لم تغفل
عن ابتسامته المتسعة ولمعة عيناه البراقة بالفرح
لمجرد انه بين ذراعي والديه……..
كما هو جميل عندما يبتسم…….
اتى صوت مصطفى من خلفها وهو يضع صنية
المشروبات الدافئة……
“في ألبوم صور في درج اليمين خديه وتفرجي
على الصور براحتك…….”
وضعت كيان البرواز في مكانه بحرصٍ شديد
ثم استدارت اليه بحرج…
“انا اسفة ياعمو…. بس الصور شدتني……”
جلس مصطفى على الاريكة قائلاً بود…
“وفيها إيه…. انا بتكلم بجد في ألبوم صور عندك خديه واتفرجي عليه…. في صور اكتر من دي….”
هزت كيان راسها وهي تتقدم وتجلس جواره
تاركه مسافة بسيطه بينهما ثم قالت باعجاب
وهي تنظر نحو الصور……..
“لا ملوش لزوم….. بس طنط هالة جميلة اوي..
وواضح كمان ان سليم كان متعلق بيها أوي….”
لانت عينا مصطفى بالحنين…وهو يخبرها
بحزن…….
“فوق ما تتصوري……..هالة كانت عند سليم
الدنيا ومافيها…..وهي كمان كانت بتحبه أوي…
لدرجة اني كنت بغير منه ساعات……أصلي
مكنتش أحب حد يشاركني فيها….. وكنت رافض الخلفة عشان متتشغلش عني بالولد اللي هتجيبه…. ”
اتسعت عينا كيان بدهشة وهي
تضحك باستمتاع….
“لدرجادي كنت بتحبها……”
اخرج مصطفى تنهيدة حارة مليئة بالحب
والعواطف الخاصة بحبيبته هالة… وحكى اليها
بمنتهى الاريحية المطلقة…….
“كانت حب عمري هالة كانت أول ست أحبها….حبتها
من وهي في المدرسة…كانت في ثانوية اخوها كان صاحبي…….كنت خايف أقولها بحبك كنت أكبر منها
بخمس سنين……ويوم ماتخرجت اتشجعت وروحت قولتلها اني بحبك…..راحت ضربتني بالقلم وجريت
على بيتها وهي بتعيط….واخوها في نفس اليوم جه
كسر عضمي……”
ارتفع حاجب كيان بصدمة….. “إيه ده… لدرجادي…..”
قال مصطفى بمزاح……
“واضح ان كلمة بحبك عندهم شتيمة…..”
ضحكت كيان بقوة ومن شدة الخجل وضعت
يدها على فمها فشاركها مصطفى الضحك……
ثم أضاف بعد برهة من الصمت…..
“بس بعد كده فهمته اني عايز اخطبها وأول
ماشتغل وجيب الشقة هتجوزها…وفعلاً كنت قد الوعد وبعد الخطوبة بسنة اتجوزتها……وعشنا
في الشقة دي…..هي مكنتش كده…هي كانت
بسيطه وهي اللي حلتها وادتها قيمتها……وبعد
كام سنة جه سليم……ونور حياتنا…..وقوى علاقتنا
اكتر من الأول…… ”
لانت ملامح كيان بتأثر وتمتمت
بحرج…..
“تعيش وتفتكر ياعمو…..ربنا يرحمها…….”
مسح مصطفى طرف عيناه سريعاً ثم نظر
إليها وارتسمت علامات الجدية على ملامحه
قائلاً……..
“المهم انتي قعدتي تدحلبيني بالكلام…وانا لحد دلوقتي مسألتكيش…..”
عبست كيان بتساؤل…… “على اي ياعمو……..”
رفع حاجب وانزل الآخر قائلاً بجدية مبالغ
بها…
“دي عنيكي ولا عدسات……”
ابتسمت كيان واطرقت برأسها بخجل…..
“لا عنيا والله……”
هو أيضاً أبتسم مشيراً برفق….
“طب يلا اشربي الهوت شوكلت ده
لحسان يبرد…”
مسكت كيان الكوب وارتشفت منه القليل
فسألها مصطفى بهدوء……
“قوليلي ياكيان اي اخبار شغلك مع سليم
مرتاحة معاه…..”
من أعلى حافة الكوب نظرة إليه بتردد…ثم انزلت الكوب وقالت عابسة…..
“بما انك كنت صريح معايا انا كمان مش هكدب عليك…..بصراحة ابنك مطلع عيني في الشغل..
ولكانه مستعبدني…..”
اندهش مصطفى قائلاً….
“ياساتر ؟!!…سليم ابني يعمل كده……”
وضعت الكوب على الطاولة ثم قالت مستهجنة…
“وأكتر…..هنروح بعيد ليه أهوه النهاردة اجازتي وانا أصلاً معروف يوم اجازتي بنام لحد العصر..صحاني الساعة تسعة قال إيه روحي هاتي المكتب وهاتيلي الملف اللي نسيتوا فيه…….طب ياستاذ ما تروح انت
” انتي اقرب ياكيان….هاتي بس وهستناكي تحت العمارة هاخده منك…….واديني انا اللي قعده
في شقته مستنياه……..”
تدخل صوتٍ رجولي في الحديث قائلاً
بجزع……
“ماشاءالله بتشتكي مني للمستشار كمان….”
رفعت كيان عينيها على باب الصالون المفتوح لتجد سليم امامها بكامل اناقته المعتادة يرتدي قميص أسود وبنطال يماثلة كانا في غاية الروعة عليه
برزا جسده الرياضي الصلب….وقامة طول
الجذابة…..مع هذا الشعر الأسود الغزير ولحيته
المنمقة……
تذكرت صورته بسترة التخرج ووجهه بدون لحية…
فكبحت ضحكتها بسعال وهي تنهض عن الاريكة
متهربة من نظراته المتربصة لها عن أقل حركة
تصدر منها لآن !!…
لم يتحرك والده من مكانه بل قال موبخاً وهو
ينظر إليه……
“كويس انك جيت إيه اللي بتعملوا في البنت ده ياولد….مش عيب تخرجها من بيتها بالشكل ده
كنت هتغلب يعني لو كنت روحت جبت ملفك
بالعربية بدل ما تبهدله بالشكل ده……”
رد على والده بصوتٍ بارد يبعث في الاوصال
رجفة مرهقة……
“بابا لو سمحت…….متدخلش في شغلي..وبعدين الانسة كيان بتقوم بشغلها……”
ثم عاد لعينيها عندما نظرة اليه فقال
بتهكم….
“وبعدين مضايقه ليه أوي كده اني صحيتك بدري..
دا انا حتى بساعدك تلحقي معادك مع نائل….”
بملامح مشدوهة تمتمت كيان وهي تنظر اليه
بعدم فهم…… “نائل ؟!…..”
تحدث سليم بتملك واضح والغيرة تشع من عيناه القاتمة……
“مش المفروض انك خارجة مع صحابك النهاردة
وفي الكومنات نائل قال انه هيكون موجود
معاكم….”
نظر له مصطفى بصدمة….وهو لا يفهم شيءٍ..هل
مايراه في عينا ابنه حقيقي !….ام انه يتوهم !…
لم تستوعب بعد ماذا يريد لذا سألت ببلاها..
“إيه…….. مش فاهمه…….”
مد سليم يده بملل وبملامح حجرية قال….
“متغيريش الموضوع هاتي الملف….. خليني
أشتغل عليه وقدم المذكرة…….”
اخرجت كيان الملف واعطاته له…..فوزع مصطفى النظرات عليهما يشك……ثم نهض قائلاً……
“انا هروح احضرلكم الفطار…….”
رفضت كيان سريعاً وهي تحمل حقيبتها على
كتفها…..
“لا لا ياعمو….. انا لازم امشي…… انا اتأخرت….”
اصر مصطفى قائلاً…..
“لا يابنتي…. لازم تفطري معانا…..”
قال سليم بفظاظة….
“سيبها يابابا…….وراها معاد مهم……”
بلعت كيان الغصة المختنقة في حلقها….وهي تؤكد
على حديثه….. “ايوا ياعمو……. انا فعلاً هتأخر……”
هز مصطفى راسه بتفهم ثم أشار لابنه بأمر….
“طب وصلها بعربيتك ياسليم…..”
قالت كيان بعفوية وهي تسير لخارج
غرفة الصالون…….
“لا ياعمو… مفيش داعي….. عزيزة تحت….”
سألها مصطفى بتعجب….
“مين عزيزة…. دي أختك……”
صدر من سليم ضحكة خافته جعلتها تتوقف وهي تنظر اليه بحنق شديد….ثم نظرة الى والده
موضحة….
“لا دي العجلة بتاعتي……”ثم زمت شفتيها
الشهيتين بتزمر نحوه…..
” على فكرة مفهاش حاجة تضحك…..”
ابتسم مصطفى وهو يرمق ابنه بعتاب….
“سيبك منه ياكيان.. هو لما بيحب حد… بيحب
يكون محور اهتمامه مش العكس…….”
نظر سليم لوالده بعدم فهم….ليجد والده يودع
كيان قائلاً برفق…..
“شرفتينا ياكيان ولو اني كان نفسي تفطري معايا
وتقوليلي رايك في اكلي……”
بادلته السلام باليد وهي تتحول الى تويتي
الطيف قائلة برقة……
“تسلم إيدك باين من الهوت شوكلت انك استاذ في الطبخ مش بس في القانون…….سعيدة اني اتعرفت على حضرتك ياعمو……”
ربت مصطفى بكفه الحر على يدها
قائلاً بمحبة…
“وانا اكتر ياحبيبة عموو……”
تجازوت سليم متجاهلة وداعه فقال امراً
وهو يلحق بها…..
“استني هوصلك…..”
وقفت عند باب الشقة
قائلة….
“مش هينفع عزيزة تحت…..”
تافف بملل قائلاً… “هوصلك لحد تحت….. يلا……”
تابع مصطفى خروجهما من باب الشقة امام
عيناه….فتمتم بحيرة بعد اغلاق الباب…..
“اي اللي بتعملوا دا ياسليم…….. الإتنين !!….”
وقفا امام المصعد منتظرين وصوله فحانت من سليم
نظرة شاملة عليها…..بشعرها المموج الطليق والذي تتركه هكذا أحياناً حينما تكون في مزاج سيء
غير قابل لمسك مكوة الشعر…….
ثم انحدرت عيناه على الكنزة الصيفية البيضاء المطبع عليها قلوب حمراء صغيرة…..ثم للبنطال الجينز بساقيه الواسعة……..ثم للحذاء الأبيض الرياضي….
كم هي جميلة دون تكاليف زائدة….رائعة بأقل
شيءٍ……بساطتها تكمن في الانجذاب نحوها
هل ستقابل نائل بكامل اناقتها….حتماً ستبدأ
الاستعداد لهذه المقابلة…..بأفضل شيءٍ لديها..
ان كانت هكذآ وجميلة تسحر العين….كيف ان
تأنقت ماذا سيحدث لقلب نائل…….وقلب كل
من تمر عليه هذه الجنية الصغيرة الشقية….
فيروزية العينين…..جميلة القوام…..
فتح باب المصعد فدلفت كيان للداخل قائلة
بامتناع…..
“ملوش لازمة توصلني لحد تحت…انا عارفة
السكة…..”
تجاهل حديثها واستقل المصعد جوارها ثم اتكأ على
الزر فأغلق المصعد ابوابه…….
فظلت كيان واقفة مكانها بتحفظ تنظر للائحة
الأرقام المضيئة أمامها….وهو فعل المثل جوارها
لكن عيناه كانت تراقبها بين الحين والاخر في الخفاء….
حتى بدأ المصعد يهتز قليلاً والانوار تنطفئ
وتنير…….
فأتسعت عينا كيان بزعر وارتجف جسده بهلع
وهي تمسك ذراعه بتلقائية قائلة بتلعثم
من شدة الخوف…..
“ا…استاذ سليم…..الاسانسير هيقع……الاسانسير…”
مسك سليم يداها الاثنين بين كفيه واتكأ عليهم
قائلاً برفق وهو يطمئنها بثبات يحسد عليه….
“اهدي ياكيان هو ساعات بيعمل كده…وبيرجع يشتغل تاني عادي….أهدي…….”
جف حلقها وهي تقول بقلبٍ مرتجف…..
“انا خايفه…..انا عندي فوبية أصلاً من الاماكن
المغلقة…….هو احنا هنموت….هو النور بيعمل
كدا ليه…..هو…..هو ملبوس…….”نظرت للأعلى
بهلع….
فقال سليم بنفي…ومزال يمسك يداها بقوة…
“لا مش ملبوس…..أهدي….اقولك غمضي عينك….”
اهتزت حدقتيها وتمتمت بخوف….
“أغمض عيني ليه هو بيقع بجد……”
بث سليم الطمأنينة لقلبها الضعيف بصوتٍ
حاني……..
“شوية وهيرجع يشتغل تاني….غمضي عينك لو خايفه……..ومتقلقيش انا جمبك……”
اومات كيان برأسها وهي تغمض عينيها بقوة
شاعرة بالدوار والاختناق في لحظة
واحده…….
“متسبنيش ها………انا خايفه…….”
هي من اتكأت على يداه تلك المرة باجتياح….فهز
رأسه قائلاً برفق…..
“أهدي…….اهدي ياكيان انا جمبك……”
مع لمسة يداها شعر بشيءٍ غريب حلو…. وخَطِر…
شعور لم يختبرهُ مع ايتن……مالى في لحظة خاطفة عليها وفي سهوة اللحظة لامس انفه شعرها البندقي
المموج……. والعبق به كان مميز……مما جعله يغمض عيناه مستشعر بهذه الذة الحلوة… الخطِرة….. الفريدة
من نوعها………
هدئ المصعد وانفتح بعد الوصول للطابق الارضي
فأبتعد سليم عنها…..وترك يداها قائلاً بعينين
ذأبه……”وصلنا ياكيان…..”
فتحت كيان عينيها ونظرت لباب المصعد المفتوح
فخرجت منه بخطوات شبه متعثرة وهي تضع
يدها على رأسها…
فمسك سليم ذراعها قائلاً بقلق…..
“انتي كويسة……”
نزعت كيان ذراعها برفق قائلة بامتنان…..
“الحمدلله…. دوخه بسيطه من هزت الاسانسير…..”
نظرت للمصعد بعد خروجها بزمجرة….
“لازم تعملولوا صيانة…. دا ممكن حد يموت
جواه……”
رافقها سليم للخارج وهو يعقب
باستخفاف…
“انتي اللي قلبك ضعيف…..”
نظرت اليه بذهول…..
“يسلام يعني انت مخفتش……”
أومأ برأسه وهو يسير معها واضع يده بجيب
بنطالة….فقالت مستهجنة……
“ااه واضح انك واخد على كده….الحمدلله اني مش سكنه هنا كان زماني مدفونه من زمان……”
لم يرد بل ابتسم….ثم وصلا معاً للدراجة
الهوائيّة الخاصة بها…
فنظر سليم للدراجة بعدم استحسان…..
“متاكده انك هتعرفي تروحي بالعجلة دي… انتي
بتقولي انك دايخة…..”
استقلت الدراجة ببساطة ووضعت قدميها على الدواسات قائلة…….
“لا الدوخة راحت الحمدلله….. انا بقيت احسن…
شكراً ياستاذ…….”ثم حركت الدواسات بحركة
دائرية وبدأت الدراجة بالتحرك في الاتجاه
المعاكس له……
فظلت عيناه تلاحقها حتى اختفت عن مرمى ابصاره…….
……………………………………………………………..
شعور غريب ملازم لها بعد عودتها….لساعات طويلة
تحاول الهروب من هذا الشعور المتموج بين ثنايا قلبها…..
هل تخضع للمراقبة والتجسس المستمر من قِبل
رجل مرتبط وعلى وشك الزواج بأخرى…وهو في الأساس استاذها…..ولماذا يضعها تحت المراقبة…..ويتابع تحركات حياتها الشخصية…
بكل هذه الدقة…….
لا تفهم شيئاً…..وقد بدأت بعضٍ من المشاعر الخائنة
تستوطن قلبها وتنتهك عذرية مشاعرها
الخاصة……
لمست يداه القوية على يداها…. كيف سمحت له بمسك يداها بهذا الشكل… ليست من النوع المحب للتقارب بالجنس الآخر….لطالما كرهتهم لانهم أشباه عثمان الدسوقي !!…..
يكرهون الحب…..يكرهون النساء……..
المرأة بنسبة للرجال أداة متعة……آلة لأنجاز
المهام المتراكمة عليهم…….وكيس ملاكمة
عند الغضب !!……
لم تشعر بالأمان أبداً نحوهم……باستثناء اخيها
فهو كان يشكل السند والحماية لها منذ الصغر
هو أفضل من رأت من جنس آدم….ربما لانه
اخيها…
لا تعرف لكن تلك المشاعر المذبذبة تُخيفها من
نفسها……تتمنى ان لا يكون صحيح ما تشعر
به وما تراه بعيناه وتكذبة متغاضية عنه
بغباء…..
فإن كان صحيح هنيئاً لها بالعذاب….فهي لن
تأخذ دور امها مكسورة الجناح……ستصل لرتبة
الأعلى…..التي يوماً ما كانت تستحقرها !!….
“انتي هتفضلي سرحانه كده كتير…في اي ياكيان بقلنا ساعة بنكلمك…..”
فاقت من شرودها على صوت صديقتها فنظرة
اليها بانتباه…..”بتقولي حاجة يا يارا……..”
تاففت صديقتها بملل وهي توزع نظراتها عليها
هي ونائل المشارك الجالسة والذي عيناه كانت
معلقة على كيان من بداية دخولها النادي…..
قالت يارا بمزاح ثقيل…..
“بقول صباح الخير بليل…….اي يابنتي روحتي فين
احنا خارجين نفك شويه ونفرفش…ونفصل من مود
الشغل الكئيب……..ولا اي يا روميو…..ماتقول حاجة لچوليت…. “نظرة لنائل بغمزة ماكرة….
فلاحظت كيان سريعاً لذا علقت
منزعجة….
“يارا بلاش الهزار السخيف ده لحسان أقوم امشي…..”
وضعت يارا يدها على فمها وهي تكبح
ضحكات عابثة……
“خلاص خلاص سكت… انتي لسه بتقفشي…..”
أخذ نائل دفة الحديث قائلاً بملاطفة….
“لو ماقفشتش متبقاش كوكي…..”ثم
نظر لكيان قائلاً بالباقة…..
“انا هروح اجبلك آيس كريم…..بالمانجا زي مابتحبيه…….”
“وانا يانائل باللمون….”قالتها يارا وهي تلكز
صديقتها بهمسٍ….
“طب والله بيحبك حني عليه بقا…..”
تاففت كيان بملل وهي تخبرها
بوجوم….
“يارا….خلصنا….انا لا عايزة أحب ولا اتجوز…انا هفضل كده سنجل….”
هتفت يارا بصدمة تليها حسرة……
“سنجل !!…..حد يلاقي واحد دايب فيه دوب كده ويسيبوا….ونبي انتي خايبة……ومعقدة… ”
اومات كيان بوجوم….وهي تمسك هاتفها وتعبث
به……
“عندك حق انا معقدة…وعشان انا معقدة عايزة افضل سنجل كده عشان متعبهوش هو او غيره…..”
ثم قالت وهي ترفع الهاتف أمامها…..
“انا هنزل صورة على الاستوري…….”ثم سألت
صديقتها وهي تحاول ان تتخذ وضعية
جديدة اكثر تلقائية ولطافة…….
“شكلي حلو……”
قالت يارا باستفزاز….. “قمر ياچوليت……”
“رخمة……”قالتها كيان وهي تخرج لسانها بشكلاً
طفولي نال اعجاب يارا فاقترحت ضاحكة…..
“نزلي الاستوري وانتي مطلعه لسانك أحلى….”
اعجبتها الفكرة فنفذت قائلة…
“طب والله لعمل كده……”
بعد ان التقاط الصورة رفعتها على الاستوري الخاص بالفيس…..ولم تمر الثواني إلا ودخلت عليها لتجد
سليم الجندي أول من رأها….وهذا كان أمراً نادراً
بنسبة لها…….فتمتمت ذاهلة…….
“اي ده…..”
سألتها يارا بفضول……. “في إيه…..”
هزت كيان رأسها وهي تبتلع ريقها
بتوتر….. “لا…… ولا حاجة…….”
…………………………………………………………….
لم تصدق ما تراه عينيها…… لم تتوقع أبداً هذا العدد
الهائل الموجود بقلب صالة المطعم… يعج المكان بكثير من الزبائن الذين اتوا لحضور إفتتاح المطعم
ولان الخصم اليوم كان خمسون بالمئة على جميع الوجبات المسجلة في المنيو اتى الجميع للاستفادة من هذا العرض…
وتفاجأ الكثير من مذاق المأكولات الشهية……واتفق الأغلبية على الحضور الى هنا… من لذة الطعام
والطعم المميز…. ونظافة المكان…….والطباخة
الجميلة التي تتجلى منها ابتسامة تشرق
اليوم سرور وهناء……..
كانت تعمل بكل جهد في المطبخ… وقد استعانت ببعض الفتيات للعمل معها….. فهم لا يختلفون
عن خلود في المطبخ…. فكانوا طاهيات
ممتازات…..ومنجزات في العمل…. لذا
ساعدوا كثيراً في تلبيت طلبات الزبائن في
وقتٍ قياسي……….
اتتها طلبات كثيرة في هذا اليوم….فقد أعلنت عبر الإنترنت عن الافتتاح والخصومات الرائعة…وتهاتف
الكثير عليها…. لدرجة ان الهاتف لم يتوقف دقيقة واحده عن الإتصال….. باستثناء الرسائل عبر
الإنترنت…..
ساعدها حمزة كثيراً في توصيل الطلبات بسيارته ومن جانب آخر كان يوصل بشير كذلك… حتى كيان
لم تتركها ساعدت في طهي وسارت حسب تعليمات أختها….. لم تصدق ان تبدأ العمل والتجهيزات فجراً حتى قرب السادسة مساءاً……. واقفة على قدميها
لم تجلس أبداً………
تشعر ان قدماها متورمة من شدة التعب…. والصداع
يتفاقم برأسها من شدة الضجيج ومن كثرة ارتداء السماعة الطبية لساعات طويلة…..
بدأت الأجواء تهدأ قليلاً رغم ان المطعم مزال يعج بالزبائن لكنهم بدأ يسيرون مع الموكب أخيراً…دون
ركضٍ…….
زفرة شهد بتعب وهي تمسح حبات العرق عن جبينها
ناظرة نحو كيان التي تسوي الدجاج في الفرن….
“كيان انا هروح اغسل وشي…. شوية ورجعه….”
القت كيان عليها نظرة مشفقة وهي تقول
بحنان…….
“ارتاحي شوية ياشهد….. انتي منمتيش من إمبارح بليل واقفه على رجلك……ارتاحي وانا مع البنات ولو في اي حاجة هنادي عليكي……”
رفضت شهد بتزمت قائلة…..
“ارتاح اي بس ياكيان مينفعش النهاردة مفيش راحة….لازم اخلص واطلع حاجة كويسة لزبون…دي فرصتي عشان اعمل زبون للمكان……انا بقالي اكتر من اسبوعين بهش دبان……. ”
انهت حديثها واتجهت الى الحمام الخاص بهم
بعيداً ومستقل عن صالة المطعم والضجيج….
مرت خمسة أيام على آخر يوم رأته فيه…. لم يتردد
على المطعم مرة أخرى……. ظلت تنتظرة كل يوم
في العاشرة صباحا لكنه لا يأتي…… تشعر بأنها
تفتقد شيءٍ في هذه الساعة تحديداً… وعندما لا تحصل على غايتها…. تغضب وتنهر نفسها… وتصب
بغضها عليه دون ان يدري ؟!…..
وكل هذا في الخفاء….فخارجياً هي في أوج
هدوءها وثباتها دون رؤياه !……….
ماذا يحدث لها…..لماذا تتولد هذه الرغبة الغريبة في رؤية مؤجرها الغليظ؟….وهي التي كانت من فترة قصيرة تبغض هذه الزيارات المتكررة…والمقيدة
لحريتها في العمل ؟!…..
ربما لأنها تريد الإعتذار منه….اي انها اكتشفت انها
أخطأت في حقه…وقللت من شأنه امام خلود…..
وهو لا يستحق كل هذا….فقد ساعدها من باب
الشهامة ليس إلا……..
تريد الاعتذار بشدة….. ورغبة مجنونة تلاحقها منذ البارحة ليلاً بأن تذهب إليه وتعتذر… وتوضح له
سبب انفعالها المبالغ…..
بلعت ريقها وتخلصت من السماعة ووضعتها جانباً…
ثم فتحت صنبور المياة وبدأت تلطم وجهها بالماء
بقوة كي تفيق للعمل وساعات المتبقية به…وكي تمحى أيضاً قطرات الماء البارد وجع رأسها ولو قليل……..
تعبت…….ومزالت الحياة تستنزف كل طاقة داخلها
في سبيل النجاة بعيداً عن براثن عثمان الدسوقي
جففت وجهها بالمنديل الورقي….ثم وضعت السماعة
مجدداً بحرص……..
خرجت من الحمام متجهة الى صالة المطعم حيثُ الزبائن فاوقفتها خلود وهي تمسك يدها وتتنحى
بها جانباً…..
“شهد………ياشهد…….”
نظرت لها شهد بتعجب… “اي ياخلود في حاجة……”
ابتسمت خلود وهي تشير للمرأة التي وصلوا
إليها……
“ستهم جايه تباركلك……ست أحلام…..صاحبة المكتبة اللي جمبك ……”
تأملت شهد المرأة فكانت أمرأه ترتدي عباءة سوداء وغطاء رأس يماثلها يبدوا انها في الاربعون من عمرها ملامحها عادية لكنها تشع قوة وكبرياء
…وعينيها خبيرتين قويتين…….وكانها تعرف كل شيء دون حديث ؟!….
ابتسمت شهد مرحبة بها وهي تمد لها
يدها….
“آآه خدت بالي منها…فيه كام رواية شدتني…شكلي
هبقا اجي ازورك قريب…..”
بادلتها أحلام سلام يدها وهي تخبرها بابتسامة
رزينة…….
“تنوري ياقلبي…….انا حبيت أتعرف عليكي بعد كلام خلود عنك……اصل انا احب الست الجدعة اللي تفوت
في الحديد وهو سُخن ومتقولش آآي……”
قالت خلود معتذرة…..
“طب هسبكم انا تكملوا كلامكم….واروح اشوف البنات في المطبخ……”
عندما ابتعدت خلود قالت شهد بحيادية…..
“مش لدرجادي…..الشغل مش للرجالة بس…..احنا
كمان يحقلنا نشتغل… ونعتمد على نفسنا….. ”
اكدت احلام بمزاح مُر…….
“عندك حق….. دانا بعتمد على نفسي من وانا قد كده……..”
رحبت بها شهد مجدداً بلباقة……
“ربنا يقويكي….طب اتفضلي اشربي حاجة….او اجبلك حاجة تكليها… دوقي اكلنا ان شآء الله
يعجبك…..”
رفضت أحلام قائلة وهي تعدل غطاء
رأسها…..
“بكرة ناكل ياست شهد هنروح من بعض فين….يلا افوتك بعافية….” ثم مالت قليلاً عليها هامسة
بنبرة مبهمة……..
“بقولك صحيح….. خدي بالك من نفسك……”
قالت شهد سريعاً….. “قصدك مين….. مرعي ……”
هزت أحلام رأسها وقالت بخفوت….
“ياريت هنقول مقدور عليه هيسكت بقرشين….
انا قصدي على اللي هتنفسيهم قريب في اكل عيشهم……… فتك بعافية…. ”
لحقت بها شهد خطوتين ونادتها….
“استني يامدام أحلام…….”
استدارت احلام لها قائلة بجدية وصدق….
“انا معرفش حاجة…. لكن دي نصيحة جدعانه مني
ليكي لاني على قديمو هنا… وعارفة شارع الصاوي على إيه………”
عندما ذهبت أحلام….تاففت شهد بصوتٍ
عالٍ وتمتمت…….
“هو انا لحقت أتنفس……وبعدين الرزق ده بتاع ربنا….. ” اغمضت عينيها بقوة وهي ترفع رأسها
للأعلى وغمغمت……..
“يارب هلاقيها من مرعي…. ولا من عاصم….. ولا من
اللي بتقول عليهم دول……. يارب دانا حتى ملحقتش أفرح…….وبعدين بقا…… ”
“انتي بتكلمي نفسك ياشهد……”
إدارة شهد وجهها لاختها مجيبة ببساطه…
“شكلي كده…..”
اقتربت منها كيان بقلق…..
“ليه…. اي اللي حصل…..”
قالت شهد باستياء…..
“تقريباً مش مكتوبلي أفرح ياكيان….”
عانقتها كيان من خصرها ومالت على كتفها
قائلة بمحبة…….
“ليه ياشوشو… دا انتي المفروض تكوني طايرة
من الفرحة مشروعك بدأ يطرح……وبكرة تلعب
معاكي وتفتحي بدل الفرع اتنين وتلاته…..اتفائلي
انتي بس….. ”
اخرجت شهد نفساً ثقيلاً على قلبها
وقالت….
“مفيش حاجة سهلة ياكيان بذات في المكان
ده…..”
ابتعدت عنها كيان ونظر لعينيها مجدداً بقلق
أكبر….
“اي اللي حصل ياشهد….اتكلمي علطول…. ”
لوت شهد شفتيها واجاباتها بقلة
حيلة……
“لو عارفه هقولك انا ذات نفسي مش فاهمه….”
هزت كيان رأسها بجزع……
“لا دا شكل قلة النوم اثرت على مخك…. ارتاحي شوية لحد ما شوف الطواجن اللي في الفرن…..”
سالتها شهد بتردد…..
“كيان هو حمزة لسه مجاش….
” لسه……”
لحقت بها شهد قائلة…. “طب انا جايه معاكي…….”
عندما دخلت كيان المطبخ وسط الطاهيات الجدد
بدأت بسكب بعض الوصفات في علب
التقديم……فسالتها كيان بحيرة……
“في إيه ياشهد… الأكل ده لمين…….”
ردت شهد بهدوء وهي تغلق العلب
بحرص…
“دا…… دا اوردر…..”
تساءلت كيان مجدداً……
“واخده بالي…. بس لمين بقا…..”
قالت وهي تتحاشى النظر اليها….
“عاصم الصاوي…….”
نظر الجميع لها بتعجب من ضمنهن خلود التي ابتسمت في الخفاء بخبث…
“إااايه…..”
رفعت شهد عينيها الى أختها وقالت بثبات
وهي تضع العلب في الاكياس على مهل……
“عاصم الصاوي اللي ماجرة منه المطعم طالب
اوردر هوصله ليه…..”
قالت خلود بلؤم……
“بنفسك ؟!…..ما حد من البنات يبعته ليه…..او
ينادي حد من صبيانة ياخده منك……”
بلعت شهد ريقها وهي تقول…..
“لا انا هبعته……عشان هتكلم معاه في موضوع مهم…….”
سالتها كيان بفضول…… “موضوع إيه…….”
“بعدين ياكيان…..شوية وجاية……”ثم نظرة
لخلود قبل ان ترحل قائلة…….
“خلود خدي بالك ها……”
ردت خلود مبتسمة برفق….
“متقلقيش….. كانك موجودة………”
وبعد ان خطت خطوتين تذكرت شيءٍ هام…..
لذا وضعت الاكياس على الرخامة وقالت بعجلة
“شكلي نسيت السماعة في الحمام….”
اتجهت الى الحمام سريعاً واغلقت الباب عليها تختبأ
من العيون المتربصة بها……اخذت نفساً عميقاً طويلاً
مرتجفاً خلف الباب المغلق….. ثم اتجهت الى المرآة المعلقة في الحائط………وبدأت تمرر يدها على شعرها…وعلى الخصلات القصيرة التي تغطي
جبهتها البيضاء…..
تتأمل عينيها العسلية… قسمات وجهها….شفتيها الوردية…..تكتشف جانباً من جمالها الآن……جانب
اهملت النظر إليه……منذ ان فقدت اذنها
اليمنى !……
مالذي تغير اليوم ؟! ……
لم تكن تنظر للمرآة هكذا يوماً…..كانت النظرة دوماً
عابرة….وأحياناً مؤلمة….عندما تنفرد بنفسها داخل
الحمام….. وتبكي………
ابتعدت سريعاً عن المرآة وكان افعى سامة لدغتها
ماذا اصابها لماذا تتصرف كالفتيات المدللات…..
فالتذهب إليه وتعتذر….ثم ترحل….وتريح ضميرها
وينتهي التفكير به…..
………………………………………………………….
لأول مرة تخطو بقدميها مكان عمله…..محل المصوغات والمجوهرات الباهظة…….
تحركت حدقتاها العسلية على المكان الفخم الانيق
من حولها…… المرصع بالذهب في كل مكان….باشكال
والوان مختلفة……كان للمكان عطر مختلف…غريب
وكأن للثراء رائحة لا يكتشفها إلا المحروم ؟!….
أسبلت اهدابها بحرج عندما سألها أحد العمال
الواقفين خلف الطاولة الزجاجية الممتدة
الفاصلة بينهم وبين الزبائن…….
“اومرك يانسة…..عايزة حاجة معينة اجبهالك…..”
خانتها الإبتسامة عنوة عنها فابتسمت…..بعد سؤال الصبي….فهي لا تمتلك في جيبها حتى ثمن جرام واحد من الذهب ؟!….
بللت شفتيها وازدردت ريقها قائلة بهدوء….
“انا مش جايه أشتري….انا جاية أشوف صاحب المحل…..عاصم الصاوي…….”
انعقد حاجبي الصبي في تعجب لكن سريعاً
خرج من مكانه…..قائلاً بترحيب….
“المعلم عاصم الصاوي….هو فوق…….إتفضلي…..”
رفعت شهد عينيها على السلم الحديدي الأنيق الموصل للدور الثاني الخاص بمكتب عاصم
وورشة عملة الصغيرة…….
صعدت شهد خلف الصبي تلامس السور الحديدي
الأسود المنقوش بورود باللون الذهبي….المكان
ينطق فخامة وثراء…….وكل شيء مختار
بعناية ومتناسق……حتى المجوهرات فاخرة
لم ترى يوماً في جمالها ولو بالصدفة……..
لهذا دوماً يتردد على هذا المكان أناس من مستويات
تنطق ثراء ورقي…..فمن يقدر على ثمن قطعة من هنا تسواي آلاف الجنيهات وأكثر …….
بلعت ريقها عند الوصول اليه في الدور الثاني
كان يجلس خلف مكتبة الخشبي الامع على
مقعده الوثير…
جالسا بمنتهى الراحة يضع امامه ميزان صغير
يوزن قطع من الذهب عليه….ويسجل في
دفتره……..
عندما أنتبه لهما رفع عيناه عليها…ورغم ذلك لم تتحرك عضلة في ملامحه الحجرية بل عيناه
اندهشتا قليلاً ثم عادتا لطبيعتهما القاسية…
ظلت واقفه مكانها وبين يدها كيس الطعام الذي التقطُ بعيناه الحادة اثناء نظراته القوية المقيمة
لها من أول رأسها حتى اخمص قدميها في بضع
ثواني………
كانت ترتدي تنورة طويلة كحلية اللون ضيقه
قليلاً واعلاها كنزة صيفيه باكمام طويلة من
اللون الهافان……تربط شعرها الاسود الناعم
بربطة أنيقة للخلف…..وتخفي جبهتها كالعادة
بخصلاتها الناعمة القصيرة……….
داهم انفه رائحة عطرها المسكر……فتضخم صدره بمشاعر مبهمة….وذابت عيناه…وخفق قلبه…….
ومجدداً عيناها العسلية سلبتا عقله !….
تسمرا الإثنين معاً وتعانقت العيون بألق
مستجد……
حتى قطع الصمت والنظرات الصبي الذي
وجه الحديث الى عاصم…….
“الانسة طلبت تشوفك يامعلم عاصم…وانا طلعتها……”
“انزل على شغلك……..”قالها عاصم وهي يدير وجهه الى الخزنة ليضع قطع الذهب بها ويغلقها…..ثم
اغلق الدفتر ووضعه جانباً….. والقى الميزان في الدرج…..
مشيراً بعدها إليها بان تقترب وهو ينهض
ويشرف عليها بقامة طولة المربكة…. والهيبة
التي تتجلى منه بالفطرة فتتعب اعصابها
المشدودة الان في حضوره…..
لهُ هيبة تتعب……. ونظرة كصقر تشقي……وصوت
يرتجف معهُ قلبها……….
“نورتي المكان…….”قالها وعيناه القوية تنهال من مرآى عينيها…….وكأنه أشتاق ؟!…….
مجدداً ازدردت ريقها وبدون تراجع تقدمت لعند مكتبه ووقفت…فمد يده لها وعيناه تأسرها بقوة…..بدت أمامه كأرنب مزعور…….يبدو انها
ندمت بعد فوات الأوان……
أنتظر لحظات اكثر من المعتاد حتى شك….انها لن تسلم عليه…..لكنها فعلت بيد ترتجف……
اختفت يدها الصغير في كفه الكبير…..
وعند الملامسة شعر عاصم برجفة جميلة تسري
على بشرة يده……لأول مرة يسلم على أمرأه
فترتجف بين يده بخجل أعجبه….
اتضح خجلها اكثر عندما سارت الحمرة لوجنتيها حتى أصبحت كالطماطم الناضجة..ومن شدة الارتباك قد سحبت يدها سريعاً من بين كفه الكبير ومسحتها في يدها الأخرى !!……..
لم يعقب رغم تعجبه من حركتها بل ايضاً لانت
شفتيه الصلبة قليلاً وهو يشير لها بالجلوس
قائلاً……
“اقعدي ياشهد………وقفه ليه…….”
جلست وهي مطرقة براسها قليلاً….عابسة بشدة…..
رفع حاجباه قليلاً وهو يرمقها باستفهام….وحتى
يقطع الصمت سألها بلؤم……
“في حاجة عجباكي في المحل…تحبي تشتريها…”
هل يسخر منها ؟!……
رفعت راسها وزاد العبوس….فازداد تأمله حتى اربكها
فهربت من عيناه قائلة بفتور……
“صعب…….صعب اشتري من هنا……”
ارتفع حاجباه…… ثم سالها حائراً…….
“ليه…. البضاعة اللي في المحل مش عجباكي……”
عضت على شفتيها لثانيتين فقط مرتبة الحديث
في رأسها ثم تركتها وقالت بصعوبة ………
“بالعكس……كل حاجة جميلة….ربنا يزيدك…..بس
انا مش جايه عشان كده……”
نظرت اليه فوجدته ينظر اليها بصمت
ودون تعبير سألها…….
“امال جاية عشان إيه…..”
رمشت عدت مرات ثم عادت لعيناه المتراقبة
وقالت……
“جاية اعتذر……..يعني انا اسفة على اللي
حصل…..في اخر مرة…..انا كانت اعصابي
تعبانه وللأسف مقدرتش اسيطر على
نفسي وتعصبت عليك…….”
سالها سؤال محدد وعيناه تلاحقها بتوهج
مستجد…. “وليه كانت اعصابك تعبانه……”
رفعت وجهها مشدوهة…….. “نعم……..”
لم تجد منه إلا صمت ونظرات تحاول اختراق خصوصيتها…….فقالت هاربة من عيناه……..
“ضغط في الشغل………”
لم تجد أيضاً رداً فقالت بتلعثم…….
“النهاردة الافتتاح…….و……..”
قاطعها بـ…… “مبروك………”
اومات براسها بحرج…… “الله يبارك فيك…….”
ثم سالته بعسليتاها الصافية……..
“لسه زعلان……..”
أذأبت قلبه بعينيها……فرد بخشونة…..
“حصل خير………اي اللي انت جيباه ده…..”
نظر للاكياس الموضوعه على المكتب والتي
تفوح منها رائحة الطعام الشهي……سمفونية
البهارات الخاصة بها تتلاعب الان بأنفه تغريه
كما تغريه صاحبة العيون العسلية بنقاءها
الفطري……… ورجفتها العذراء……
ردت شهد سريعاً بصوتها الموسيقي…..
“دا…..دا اكل من المطعم عملاه بأيدي…وحبيت ادوقك…….يمكن تغير فكرتك عن المطاعم وتبقى زبونا…….”
عندما ابتسمت اليه بادلها البسمة بمشاكسة
وعلق……… “رشوة يعني……”
اتسعت ابتسامتها الحلوة…… فظهر صفاء اسنانها البيضاء وهي تجيب……”سميها عربون محبة…….”
بمناغشة سألها……
“على ضمنتك……..ولا هبات في المستشفى النهاردة……..”
ارتسمت الصدمة على محياها فضحكة بعدم
تصديق وقالت….
“بعد الشر…….متقلقش….انا براعي ضميري اوي
في شغلي……..وكل حاجة معموله بنضافة وبما
يرضي الله…….”
اوما عاصم وهو ينهال من جمال
عينيها البراقة…..
“تمام……..يبقا تاكلي معايا…….”
ضمت حاجباها معاً بدهشة…… “اكل معاك……”
اكتفى بهز رأسه….فقالت شهد بامتناع……
“يعني……المطعم وكده…..وانا لازم أمشي…….”
قال عاصم بغلاظة……
“مانتي هتاكلي معايا….عشان لو في اي حاجة نبقا في الهوا سوا….ولا إيه…….”
برمت شهد شفتيها بعد جملته وقالت…..
“تعرف اني مش بحب الناس الموسوسه……”
رد عليها بجدية فظة……. “بكرة تحبيهم……..”
فغرت شفتيها بتعجب…… “هااا……”
تافف بانزعاج مهدداً اياها……..
“هتاكلي ولا تاخدي الكياس زي ما جبتيها…..”
لاح الذهول في عينيها فقالت بعدم
تصديق……
“اي ده……….انا حسى انك بتهددني……”
رد عاصم بتبجح…….
“وليه الاحساس…..انا فعلاً بهددك…..عايزني
اكون زبونك بساهل كده…”
نهضت من مكانها بعنفوان والاستياء يطل من عسليتاها الجميلة………
“واضح انك هتكون زبون صعب اوي وهتتعبنا
معاك…….بس ماشي انا هاكل من الأكل عشان
اثبتلك انُ مفهوش اي حاجة……”
“ممكن تفضي المكان ده…….وتساعدني…..”قالتها
وهي تنظر للاشياء الموجوده على سطح المكتب….
فنهض عاصم عن مقعده كذلك….وساعد في إفصاح
مكاناً لطعامها…..فبدات بمنتهى الهمه والنشاط باخراج علب الطعام ورصها امامهما….
ففاحت رائحة الأكل في المكان……وكانت شهية لدرجة سالت لعابة…..وشعر بالجوع بعد رؤية
الطعام………
قالت شهد مبتسمة…..
“يلا….اتفضل دوق…..وبلاش تجملني اتفقنا……”
ثم غمغمت بسخرية…..
( مع اني عارفه ان اللي زيك…صعب يجملوا…..)
سألها عاصم وهو يعود لمقعده جالساً
“بتقولي حاجة……”
هزت راسها بحرج…… “لا بالف هنا…….”
أشار لها بان تجلس قبل ان يمد يده في اي
شيء……
“طب يلا قعدي……..عشان يبقا أول عيش وملح بينا………”
“ان شاءلله ميبقاش الأخير…….”قالتها وهي تقصد
شيءٍ معين…….وهو فهم شيءٍ آخر…..لذا ابتسم
وهو يسمي الله ويبدأ بالاكل……..
وهي معه…تأكل لكن بحرج…فالاول مرة تشارك
الاكل مع اغراب……..
ذأب الطعام في فمه بحلاوة وكانه صنع من الشهد كما سمته…..كان لذيذ شهي…..تتراقص الاطعمة
على لسانه والبهارات تعزف لحناً موحداً….
وبمجرد ان تناول معلقة واحده رغبا في أخذ معلقتين وثلاثة حتى يعرف خباياها…
وكلما اكل يكتشف لحناً اشد جمالاً من سابقة
فيضيع في سمفونية متعددة الاتجاهات….
فلا يعرف خباياها ولا تكتفي معدته بل تطلب
المزيد بنهم……
راقبته شهد من أسفل رموشها……يتناول الطعام بشهية مفتوحة…….ويظهر بوضوح استمتاعه..
وتلذذه من مذاق الأكل……..ويبدو انه نال
اعجابه…..أخيراً……
لم تعقب شهد بل بدأت تاكل بصمت او تتظاهر
بذلك وهي تراقبه بسعادة وقد توغل لجسدها
شعور جميل دافئاً…. لأول مرة يستقر و يستوطن قلبها ؟!…..
…………………………………………………………
يرى في عينيها العسلية البراقة حياةٍ كاملة…لكن للحياة خبايا مظلمة لا تُرى بالعين المجردة…..
جميلة هي في كل حالتها فعندما تصمت…..تصمت بكبرياء مشبع بالرقي…….وعندما تتبسم…..تشرق الحياة فجأة دون مقدمات…..وعندما تنظر اليه يذوب القلب دون همسات…..وعند الحديث تتسابق الكلمات على اللسان……..ويكن للحديث مذاق كالشهد مابين الاندماج والاستمتاع…….
“تسلم إيدك ياشهد…….”
قالها عاصم وهو يرتشف القليل من الماء
بعد ان انهى طعامه واكل اكثر من المعتاد
قالت شهد وهي تغلق العلب الشبه فارغة
وتضعها في الاكياس……ثم سحبت منديلا
معطراً وجففت يدها قائلة…….
“بالف هنا….. الحمدلله انه عجبك….”
رد عاصم مشاكساً…..
“شكلي هكون زبون عندك……”
ادعت السعادة قائلة…. “يامساهل……..أخيراً….. ”
ضحك وهو يراقبها تضع الاكياس في سلة
المهملات جانباً…ثم عادت اليه وقالت
بحرج….
“انا لازم امشي عشان اتأخرت…….”
قال عاصم بلهفة لم يقدر على
اخفاؤها…..
“طب قبل ماتمشي…..سبيلي رقمك……”
سالته مشدوهة النظرات…… “نعم…..”
اخبرها عاصم بخشونة جادة…..
“نعم اي ياشهد افرضي حصلي حاجة بليل….استنجد بمين غيرك….مش انتي اللي عملا الاكل ده…..”
فغرت شفتاها للحظات ثم عقبت بتبرم…..
“على فكرة انا سياحة وفنادق مش طب……وبعدين
الأكل مفهوش حاجه……انت لسه واكل…..”
هز عاصم كتفه ببراءة…..
“اديكي قولتي لسه واكل….يعني الله اعلم كمان ساعة هكون فين………”
ضربت شهد كف باخر متاففة بجزع…..
“لا حول ولا قوة إلا بالله…..حقيقي انا مبحبش اتعامل مع الناس الموسوسه…….”
رد عاصم بصلابة امراً……
“بكرة تتعودي……هاتي الرقم عشان لو حصل حاجة أكلمك……”
قالت بوجوم…..
“مع ان مش هيحصل حاجة باذن الله…بس
ماشي…. ”
اخرجت من جيب سترتها ورقة صغيرة…….
“دا الكارت بتاع المطعم…رقمي اهوه
لو حصلك أي حاجة كلمني…..”
سألها بتعجب……. “كارت…….”
اومات ببساطه…… “ااه كارت……”
سالها بحماقة وهو ياخذه
منها…..
“اي حد بيطلب الرقم بتديلوا الكارت…….”
بنفس السلاسة اجابت….
“آه عادي…… مش شغل……”
اوما بوجوم…… “آآه…… شغل………”
قالت شهد مبتسمة…… “طب عن إذنك…….”
“استني……”تسمرت مكانها منتظرة لتجده يخرج
مبلغ مالي من جيبه ويقدمه لها بصمت……
فسالته بحيرة……
“اي ده…….”
رد عاصم بهدوء….. “تمن الاكل اللي كلته……”
صححت بحنق مكتوم….. “قصدك اللي كلناه……”
بعينين قويتين في النظر وبالهجة جادة
قال…….
“وانتي هتسمي المعلقتين اللي كلتيهم دول أكل…
محدش كل الاكل دا غيري… ”
سالته بانزعج أمتزج بالعتاب….
“عشان كده هتدفع…….”
“لو كنا اكلنا سوا….برضو كنت هدفع……”
“ليه…..”
رد بجدية…… “عشان دا الصح…..”
تاففت شهد وهي تخبره بحزن…..
“انت كده بتشتمني…..انا مش جايه لحد هنا عشان اخد فلوس….وبعدين مفيش حد بيتعزم على الأكل
بيدفع…….مش قولتلك قبل اي حاجة اعتبره عربون محبة….”
لم تتهاون عيناه وهو يخبرها بأمر….
“خدي الفلوس ياشهد…..”
“لا….عن إذنك……….اتاخرت عليهم…….”اطرقت
براسها ثم ابتعدت بخطوات مستقيمة…..هابطه درجات السلم ثم اختفت عن مرمى عيناه……..
فمسك عاصم البطاقة مجدداً ونظر اليها قليلاً…….ثم
بعد لحظات تناول هاتفه وسجل الرقم بأسم كتبته
أصابعه قبل ان يلفظه لسانه….
“ست الحُسن……….”

متنساش ان الرواية موجودة كاملة في قناة التلجرام والواتساب

للانضمام لجروب الواتساب اضغط هنا


جفاها النوم رغم التعب الذي يسري في جسدها
الآن……..
كانت ممدده على الفراش في الظلام الدامس….
تفتح جفنيها على وسعهما…. تضحك تارة وتخجل تارة…….
ماذا حدث لها هل جنت ؟…. وجن قلبها معها ؟…. منذ متى تهتم للغرباء !!… منذ متى تُسهرها كلمة…. وتشغلها نظرة……. منذ متى وهي تنجذب لجنس آدم ؟!…
كانت ومزالت مبتعدة….. مكتفية بنفسها واحلامها..
من اين اتى… ولماذا يتسلل اليها بكل هذه
السرعة….
ارخت جفنيها بتعب وبدأت تتثاءب…. فوجدت عقلها
يعيد عليها ما حدث….
كلمست يدهُ ، وكانها تستسعرها على كفها من
جديد فترتجف بحياء !……
كصوته الرجولي، وكانها الآن تسمع نبرته الخشنة
ذات البحة المهيبة تهمس في اذنيها فيذوب
جزءاً منها معه….
كرؤيته عن قرب ، وكانها ترى طلته الوقورة المشعة
بالوسامة والهيبة……….
وسيم بدرجة تفجر داخلها مشاعر متعددة لم
تختبرها قط…. لمجرد النظر اليه والتحدث
عن قرب ……
ماذا يحدث لها هل جنت……. مالذي تعرفه عن عاصم الصاوي لتفكر فيه بهذا الشكل الخاص……
انبعث الضوء من هاتفها جعلها تفتح عينيها وتميل لاخذه…….وعندما نظرت اليه وجدته رقم غير
مسجل…..
حانت منها نظرة للساعة التي تشير للثانية صباحاً….مطت شفتيها باستياء……وهي تفتح الخط معتقدة انه طلب يتم حجزه من الآن حتى يصل ظهراً………
استوت جالسة وهي تضع الهاتف على اذنها……
قائلة وهي تتثاءب عنوة عنها…..
“الو سلام عليكم……”
انبعث صوتٍ خشن ذو هيبة قائلاً…….
(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…..شكلي صاحيتك من النوم…….)
انتفضت في جلستها أكثر واضاءة المصباح
المجاور لها……. وقد ابتلعت ريقها هاتفة
بتوجس……
“استاذ عاصم……. خير حصلك حاجة……”
على الناحية الأخرى اوما براسه
بوجوم…..
(آآه انا استاذ عاصم….مفيش فايدة…….)
سالته شهد بقلق……. “انت كويس…..”
ئن عاصم متألماً…….(لا بطني وجعاني أوي…….)
وقع قلبها في قدميها وهتفت
برعب…..
“إيه بطنك وجعاك….. طب ماتروح لدكتور……”
تنهد بأسى وهو يتلذذ بنطق حروف
إسمها…….(هيعملي اي الدكتور ياشهد……)
قالت بقلق…… “هيكشف عليك……..”
لاحت التسلية على محياه فقال
بخبث….
(ولما يسالني كلت إيه…. أجيب سيرتك عادي…)
قالت شهد بحمائية….
“على فكرة انا وكله معاك من نفس الأكل…..”
صدرت من عاصم ضحكة خافته…..جعلتها تضيق
مابين حاجبيها بشكٍ سائلة……
“بجد انت تعبان ولا بتهزر…….”
تنحنح عاصم بخشونة قائلاً…..
(ههزر معاكي في ساعة زي دي……. بجد تعبان….)
سالته بارتياع…… “طب عندك إيه…….”
سحب نفساً طويلاً ثم قال بانتشاء….
(انا معرفش بس ممكن اقولك اللي بحس بيه….)
ارجعت خصلة من شعرها للخلف وهي تقول
ببراءة……
“قول يمكن شوية برد في معدتك….هقولك تشرب
إيه عشان ترتاح…….”
تحدث عاصم هائماً في جمالها المرسوم امام
عيناه……..
(هقولك….. لما بشوف حد معين……بحس كده انه وحشني… وعايز اتكلم معاه في اي حاجة المهم نتكلم وشرط اساسي أسمعه….. ولم بيغيب
عني……لا بعرف اكل ولا أشرب….ولا حتى انام…..وقلبي… قلبي مش مظبوط…….بيوجعني
اوي ملقيش عندك علاج لوجع القلب……)
بعد الاستماع إليه عقبت عابسة…..
“هو انت مش قولت ان بطنك هي اللي وجعاك……”
اجاب عاصم ببراءة……
(ما كل موصل ببعضو…. مفرقتش كتير……)
مطت شفتيها ممتعضة لتقول….
“لا فرقت كتير………انا معرفش اعالج القلوب….”
رد عاصم بتهكم…..
(ليه انتي تخصص بطنه بس…….)
رغم حنقها فلتت ضحكة رقيقة خائنة من بين
شفتيها الممعتضة……فعقب وهو يبتسم لأجل ضحكتها الناعمة……
“ماحنا بنعرف نضحك أهوه……”
تلاشت ضحكتها وهي تساله بصرامة….
“برضو مش فاهمه متصل ليه…..”
اخرج تنهيدة ثقيلة….وهو يختلق مبرراً……
(حبيت اطمن عليكي…..وباركلك مرة تانيه…على الافتتاح……..)
تمتمت بعدم اقتناع…. “شكراً…..على السؤال…. ”
رد عاصم بتسلية…….
(دي أقل حاجة عندنا….مقولتليش برضو…..اعالج وجع قلبي بأيه……)
قالت شهد بجدية شديدة….
“أقولك…..اشرب بوء ميه قبل ماتنام……”
مط شفتيه هازئاً وسالها عبر الهاتف…
(والله ؟!….. وبيجيب مفعول على كده……)
اومات بتأكيد….. “طبعاً……..”
ازداد سخريته……..(مجرباه يعني…..)
كتمت الضحكة بصعوبة وهي تخبره
بجدية…. “امم……..على ضمنتي……..”
(ماشي ياشهد…..اشوفك بكرة…….الساعة عشرة…….)تذوق اسمها مجدداً بتلذذ تستشعره
بشدة فيخفق قلبها معه…….لتقول هاربة منه….
“تصبح على خير يا استاذ عاصم…….”
مط شفتيه باستياء واجابها وهو يتكأ
على لقبها السخيف….
(وانتي من أهل الخير يـا اسـتـاذة شــهــد…….)
اغلقت الهاتف وضمته الى صدرها وهي تكبح
ضحكة صادرة من أعماق قلبها… شاعره بقلبها
يقفز في سعادة وسرور……
على الناحية الأخرى ارتشف القليل من الماء ثم وضع الكوب جانباً …. وبعدها وضع راسه على الوسادة مبتسماً بانتشاء مُتمتماً …..
“ماشي ام اشوف اخرتها معاكي… ياست الحُسن….”
……………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي……
دلف عاصم الى غرفة الطعام… فوجد الجميع هناك يأكلوا وجبة الفطور بصمت….. حتى رأته جدته (نصرة..) فتهلل وجهها فرحاً وهي تدعوه بأن
يتقدم…..
“صباح الخير صاحي متأخر النهاردة…..مش
عادتك….. ”
ابتسم عاصم وهو يتقدم منها ومال على رأسها
يقبلها قائلاً…….
“صباح آلورد….. راحت عليا نومه…..عاملة أي ياست الكل…….”
“الحمدلله ياحبيبي…قعد بقا كُل لقمه….” ثم نظرت نحو يزن الذي يأكل بنهم غير مبالي بأحد
وقالت ضاحكة….
“قبل مايزن يخلص على الفطار…….”
قال يزن وهو يمضغ الطعام الذي تكون في
وجنتاه ككورتين صغيرتين……..
“الله ياتيته…..انتوا هتحسدوني ولا إيه…….ما كل
من الچم….مانتي عارفه….وبعدين انا بقالي يومين
اكلتي ضعيفة……وحاسس اني هفتان……..”
ضحك عاصم وهو يجلس جوار
جدته….
“الحمدلله انك حاسس مش متأكد…….”
رمقت إلهام عاصم بضيق ثم ربتت على ظهر
ابنها وهي تقول بنبرة ذات معنى……
“بالف هنا ياحبيبي….هو انت بتاكل فين يعني…ما
كل من خير أبوك……..”
تمتمت عاصم بصوتٍ عالٍ متغاضياً عن
الرد…..
“بسم الله الرحمن الرحيم……..”ثم وضع أول لقمة
بفمه…..
فقالت نصرة وهي تمضغ الطعام على
مهل….
“قولي ياعاصم حكيم مجبش بضاعة جديدة…غير الحاجات اللي ورتهاني في تلفونك…….”
اجابها عاصم بنفي……
“لا لسه……أول مايجيب حاجة جديدة… هيكون
أول واحد يبلغك……دانتي زبونته……..”ثم أدار
عاصم وجهه لمسعد (عمه.)وساله بفتور…..
“واي اخبار المعرض ياعمي….. ”
رفع مسعد عيناه على ابن أخيه قائلاً….
“كله تمام والشغل شغال كويس….مش ناوي تزرني في مرة وتاخد فكرة عن تجارة العربيات…..”
امتقع وجه نصرة فعقبت باستهجان….
“خليه في تجارة الدهب….هي دي التجارة اللي تنفعه….”
تافف مسعد بضيق…..
“جرالك اي يامي…..هو كل ماتيجي سيرة شغلي
ميعجبكيش كلامي…….”
قالت نصرة مقتضبة….
“انت عارف مش عاجبني ليه….”
تافف مجدداً…… “لا حول ولا قوة إلا بالله……..”
ربتت الهام على كتفه بلؤم على مرأى اعينهم
وقالت……
“كُل ياخويا متفورش دمك احنا لسه على الصبح….”
نادتها نصرة بغضب…. “إلهام…….”
نظرة لها الهام بملل…… “نعم ياماما……”
قالت نصرة بحدة…..
“متدخليش بيني وبين ابني…..سامعة……”
عضت الهام على باطن وجنتيها قائلة
بصعوبة….
“اللي تشوفيه……اتكتمت……..”
بينما نظرت نصرة الى ابنها قائلة
بحسرة….
“كُل يامسعد عشان مفورش دمك زي مراتك مابتقول…….”
لم يرد مسعد بل اكتفى بالصمت….لتتحدث نصرة
مع حفيدها الأكبر قائلة بتذكر وبنبرة حزينة
“صحيح ياعاصم…..سنوية جدك قربت….وعايزين نعمل وليمة كل سنة…….”
ابتسم عاصم بحنو قائلاً…..
“تعيشي وتفتكري ياحاجة…..قوليلي عايزة إيه
وانا انفذة……..أأمُريني…. ”
قالت نصرة وهي توزع نظراتها على
الجميع….
“الامر لله واحدة يابني….. زي كل سنة هنجيب
طباخ وناس تخدم على الناس الغلابة اللي هتكون
موجوده هنا……اهوه نكسب دعوة حلوة…..وتبقى صدقة على روح جدك الله يرحمه…….”
اوما عاصم براسه بانصياع…..
“تمام…..هشوف هعمل اي وكلامك……”
قالت نصرة بامتناع…..
“اسمع ياعاصم بلاش الطباخ اللي جه السنة
اللي فاتت…..”
سالها عاصم باستفهام….
“ليه ياحاجة……..هو اكله معجبكيش…….”
قالت نصرة بعدم رضا…….
“هو ده اكل ياعاصم…..دا زينة يابني…..لا ليه طعم
ولا ريحة….شكل حلو وخلاص……..شوف غيره حد يكون مضمون…….”
قفزت في رأسه صورتها فلانت شفتيه بابتسام
مغزية تخص صاحبة العيون العسلية…….فاجابها….
“حاضر هجبلك حد مضمون…….”
تدخلت إلهام كالعادة بنظرات مزدرية تقول
بتكبر……
“انا شايفه ان ملهاش لازمه التكاليف دي كلها
ياماما….يعني لو طلعنا حاجة لله أحسن….من
الزحمة والهيسة بتاعت كل سنة…….بصراحة
البيت بيبقا مليان ناس غريبة منعرفهاش أصلا والواحد خايف حاجة تتلطش كده ولكده….”
سالتها نصرة بصلابة…..
“ومن امتى في حاجة بتتسرق من بيت
صابر الصاوي…. من امتى يامرات ابني……”
تلعثمت إلهام في الرد بعد نظرات الجميع
المصوبة عليها…….
“انا بقول ممكن….مقولتش اني في حاجة اتسرقت……..”
ضربت نصرة بقبضة يدها المرتجفة سطح المكتب قائلة بسطوة تضاهي عشر رجال معاً…….
“وليمة كل سنة هتتعمل في معادها…. رحمة ونور على روح المرحوم صابر الصاوي جوزي……ولي مش عاجبه….يلزم اوضته لحد ماليلة تعدي على خير………..”
تدخل عاصم قائلا برفق….
“اهدي ياحاجه……ضغطك هيوطى…..”
وكذلك برر مسعد افعال زوجته بحرج بالغ
وهو يرمقها بعتاب……
“الهام متقصدش يامي……..هي قصدها تريحك….”
وامات نصرة براسها مستهجنة…..
“بجد ؟!…. كتر خيرك يالهام…..بس انا بقا بحب
التعب….بذات لو هاخد صواب واجر عليه
هعمله………”
تدخل يزن في الحديث قائلاً بملاطفة…حتى
تهدأ الأجواء المتوترة قليلاً……
“حصل خير ياتيته……كلنا هنحضر للوليمة….وانا بنفسي هخدم على الناس……”
انعقد حاجبي عاصم بتعجب ليقول بلؤم
مرح………
“انت اللي حكمت على نفسك ياحلو…..مترجعش تعيط وتقول اه يارجلي واه ياضهري……”
سحب يزن نفساً عميقاً حتى تضخم صدره وهو
يقول بزهوٍ….
“ضهري ورجلي إيه….أمال انا بروح الچم ليه مش عشان استعد للحاجات اللي زي دي…..ابن عمك وحش…..اتقل….. ”
ابتسم عاصم غامزاً…..
“ماشي ياعم الوحش اما نشوف….”
نظرة لهم نصرة بحب….وقالت
بمحبة….
“ربنا يحميكم ياحبايبي ويخليكم ليا…….”
هتف يزن ناغشاً إياها…..
“ويخليكي ليا يانصرة قلبي……”
هتف عاصم ساخراً……
“افطر يانحنوح………خليك تلحق جامعتك……”
مالى يزن على الجدة هامساً بشقاوة….
“غيور أوي….”
ضحكت نصرة وهي تندمج معه أكثر….
“من يومه……”
برمت إلهام شفتيها بغضب وهي ترمق زوجها بحنق
ليهز كتفه بقلة حيلة……..فنهضت من مكانها سريعاً
دون استئذان……….وقد لحق بها مسعد سريعاً…..
وعندما دلفت للغرفة صرخت بهجوم….
“انا مليش لازمة في البيت ده يامسعد….مليش لازمة……..”
اغلق مسعد الباب وتقدم منها محاول ان
يهدأها…….
“أهدي يالهام….دي مهم كان أمي….مقدرش اعترض
على حاجة عيزاها…….”
غلت دمائها كمرجل ناري وهي تصيح
هائجة……
“يعني انت موافق على الهبل ده……وليمة ولمه…
ما طلع حاجة لله وتخلصنا….لازم تعمل فرح
حوليها……..”
زفر مسعد بقلة صبر…….
“يالهام….دي سنوية ابويا……وهي متعوده تعمل كده
كله سنة……..”
اشارت الهام على نفسها بغيظٍ محتقن…..
“وكله سنة بعترض…..ومفيش حد بيسمعلي كلمة…
انا مش حسى اني في بيتي….انا حسى ان زي
زي الكرسي ده…….”خبطت على المقعد
بهيجان…….
تحدث مسعد بصبر…..
“ياحبيبتي احترام الكبير واجب……”
نزلت دموع الهام وهي تقول بحرقة…..
“وانت شايفني قللت منها……..انا بتكلم في الصح يامسعد……..اللي هي عايزة تعمله ده بيخنقني….
بحس انه مش بيتي…..مينفعش اعترض على
حاجة مش عيزاها ياناس…….”
تافف مسعد هذه المرة بقلة صبر…..
“مش هقولهالك تاني يالهام…. امي كبيرتنا
….ومينفعش نعترض على حاجة هي عيزاها……”
سالته بعينين تشتعل…… “يعني اي يامسعد……”
اتجه مسعد لباب الغرفة قائلاً بصرامة……
“يعني اللي هي عيزاه تعملو…..ملكيش دعوة …
حطي لسانك جوا بوك وبلاش تعمليلي مشاكل معاها….انا مش ناقص مشاكل……مش هتكون
مشاكل برا وجوا…انا زهقت……..”
فتح الباب امام عينيها الحاقدة…….واغلقه
فنادت عليه بتشنج……
“مسعد………..مسعد……..”
لكنه لم يعود…..فتمتمت بعصبية……
“هرب زي كل مرة……جبان…….ابن أمه……..”
مسكت الهاتف وهي تبكي ثم رفعته على اذنها
قائلة بانفاس متهدجة من شدة الغضب…….
“روفيدة شوفتي الهم اللي انا فيه……..هتعمل
السنوية زي كل سنة………….”
……………………………………………………………..
جالسة امام التلفاز بملل… تتافف كل دقيقة متقلبة
في جلستها بعدم ارتياح…..تشعر بضيق بالانزعاج من هذا التجاهل والمعاملة الشبة منعدمة بينهما…. والنظرات التي تكاد تحرقها كلما رآها……
ماذا حدث ؟!..لماذا تغير هكذا….. لم يكن هكذا قبل أيام… كان لطيف حاني…. هادئ….. ويعاملها بانسانية…….
لماذا تحول الا لوحة ثلج باردة….ونظراته تشع
بغضاً وغضب……..هل يكرهها فعلاً…..ام انها
تتوهم……..
لماذا يبيت في الورشة أحياناً….وان تصادفت معه يكن لمدة ساعتين ثم يرحل…….وكأنه يصعد إليها
فقط حتى لا يشك والديه في شيء……
ترقرقت الدموع بعينيها…..وهي تشعر بالاختناق من هذا السجن………
الباب مغلق بالمفتاح… لا تخرج….. لا ترى أحد…كل
ما تفعله الجلوس هنا كما يريد….وكما يريد
الجميع منها…….
خذلت ثقة الجميع فأصبحت بنسبة لهم وصمة عار
ممكن ان تصيبهما وتنكس رؤوسهم في الوحل…
لذا بكل شهامة تزوجها ابن عمها…..الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً…..تزوجها ليكن واصي عليها
حتى يأخذ كل الصلاحيات لردعها وحبسها هنا
في سجناً……هو امام الجميع العش الزوجي
لهما…….
كل شيءٍ كاذب من حولها مزيف…..مجرد عروسة
بالحبال تتحرك يمينا ويساراً بايديهما…….
لكن من تلوم……..هي من فعلت في نفسها كل هذآ
لقد وقفت أمام الجميع يوماً وقالت الحب أولاً…ولم
تعرف ان الحب عملة لا تباع ولا تُشترى……..
نزلت دموعها وهي تتذكر هذا اليوم المشئوم والتي قررت به ان تلقي كل شيءٍ خلف ظهرها و تهرب
مع من تحب……..كما أخبرها….وكما وافقت دون
ان تفكر مرتين في عواقب الهروب من أهلها
وسلطان عبد القادر !!……
في يوماً شتوي بارد ليلاً وفي منتصف الليل كانت السماء تمطر والجو سيء من شدة الطقس المنقلب…..
خرجت من غرفتها ببطئ شديد وحرص….وبدأت تدور حول نفسها بخوف وبقلبٍ يخفق بهلع
كالصوص في الظلام…….
كانت تشبههم وهي تدور حول نفسها برعب يميناً
ويساراً…….تنظر لباب الشقة البعيد بلهفة…
فهي ترى خلف هذا الباب المغلق….حريتها وحبها
الوحيد……ستنال كل هذا ان خرجت من هنا…
ستثبت للجميع واولهم سلطان أنها فعلت الصواب
وان عادل أحبها بصدق…..ولن يُحبها أحد كما فعل
عادل……..
وصلت أخيراً الى باب الشقة ولحسن الحظ ان والدها
لم يوصده ككل يوم….ربما نسى….وربما القدر يتعاون معها…..
بلعت ريقها وهي تخطو للخارح مغلقة الباب خلفها
على مهل…حتى لا يسبب ضجيج……
ثم أخذت السلالم ركضاً وهي ترفع طرف عباءتها السوداء قليلاً وتحاول عدل وشاح رأسها الأسود
عندما وصلت لباب العمارة لفح الهواء البارد
وجهها ورذاذ المطر بللها….
لحسن حظها ان اليوم كان ممطر….فكان الشارع خالي من البشر والظلام والمطر يخفي الوجوه..
ركضت جوار الرصيف وهي تحمل حقيبة اغراضها بين يداها…
حتى تجاوزت الشارع التي تقطن به….فوصلت للطريق العام والقت نفسها في سيارة سوداء
صغيرة…..
بدأت تأخذ انفاسها وهي تهتف
برعب……
(انا مش عارفه طوعتك إزاي…….)
سمعته يهمس جوارها ببحة خاصة وبكلامه
المعسول الذي اوقعها في الهوى……
“يمكن عشان بتحبيني…..واننا لو بعدنا عن بعض ممكن حد فينا يموت من غير التاني……”
لانت شفتيها وابتسمت بعذاب وهي تدير رأسها
اليه ومزالت تسند راسها على ظهر المقعد بتعب
ومزالت انفاسها عالية من كثرة الركض
والخوف… ومزال وجهها مبلل من الشتاء….
ومزالت مرعوبة من عواقب ماحدث…. ومزال
كل شيءٍ معقد وغير متوزان أمامها… ورغم
ذلك وذاك……. قالت بدلال اليه……
(أتكلم عن نفسك…. انا اقدر اعيش من غيرك عادي……..)
اعتدل الشاب قليلاً في جلسته….وكان شابٍ في منتصف العشرينات من عمرة…..كان عادياً
الملامح عابث النظرات…..يظهر بوضوح
ادمانة للممنوعات….مما يعطي انطباع سيء
عنه وهذا سبب رفض اهلها له….واعتراض
سلطان على الزيجة بعد ان سأل عنه وتأكد
انه غير جدير بها……قال بابتسامة لعوبة…
(كذابة يادوللي…. انا أول ماقولتلك نهرب عشان
نتجوز ونحطهم قدام الأمر الواقع… مكدبتيش
خبر ووفقتي علطول… من غير حتى ما تفكري……)
قالت داليدا بهيام…..(يمكن لاني بحبك……)
تعمد النظر اليها بتأثر وهو يخبرها…..
(وانا بموت فيكي…….محضرلك مفاجأه جامده لما نوصل…….)
راقبته وهو يحرك المحرك ثم انطلق بسيارة
فسالت بهدوء…….(على فين…..)
اجاباها…..(على شقتي……)
كشرت عن انيابها……..(شقتك؟!….)
اجاب بثبات وهو يشغل مساحات الزجاج
حتى يرى الطريق…..
(شقة مفروشة…. اجرتها عشان نقعد فيها سوا….
أمال عايزاني اخدك ونقعد مع امي واخواتي…
دول كانوا سلموني لاهلك تسليم اهالي من قبل
حتى ما اكتب عليكي……)
قالت داليدا بحنق مكتوم….
( بس احنا متفقناش على كده ياعادل…. احنا اتفقنا اننا هنطلع على المأذون الأول نكتب
ونروح نعرف اهلي اننا اتجوزنا…..)
قال عادل بتعجب…..
(وانتي فكرك حتى لو كتبنا دلوقتي… القسيمة هتطلع في ساعتها……)
سالت ببلاها….(امال إيه…..)
رد عادل بجدية شديدة…..
(امال إيه !!….. بتاخد وقت طبعاً يادليدا…مش أقل من شهر….)
هتفت بدهشة…..(شهر !!…..)
اوما مؤكداً……(آآه شهر…….)
سالته بتعجب……(طب هنعمل إيه……)
نظر عادل لها قائلاً بتوضيح……
(هنكتب الكتاب طبعاً….. الماذون والشهود جايين ورايا….. وهنقعد كام يوم فيها لحد ما ناخد القسيمة ونوريها لاهلك زي ماتفقنا…….. ساعتها
غصب عنهم هيرضوا بيا….. ومش هيقدورا يحرمونا من بعض….. اي رأيك…. موافقة…)
اومات برأسها بالموافقة كالمنوم
مغناطيسين……
(موافقة…. طالما هتنجوز رسمي…. على ايد
مأذون وشهود……)
قال عادل بتأكيد…..(طبعاً جبتي اوراقك انتي……)
اشارت على الحقيبة الموجوده على ساقيها…
(جبت كل حاجة هنا……)
اشار لها بعبث……
(وشنطه دي فيها اي غير الأوراق……)
قالت ببراءة……(هدومي……)
سالها بلؤم….(بجد…… حلوة الهدوم دي……)
رمقته بتحذير…….(عااااااادل…..)
رقص حاجباه بشقاوة…..
(عادل اي بقا….. دا الليله ليلتك يادوللي…..)
جزت على اسنانها تخفي ابتسامتها قائلة…
(اتلم……)
(بحبك……….ووصلنا على فكرة…..)قالها وهو يوقف السيارة……
فنظرت داليدا من خلال النافذة الى العمارة
المجاورة التي تبدو أنها من المباني القديمة
جداً في هذا الحي الشعبي……
(الشقة هنا……)
خرج عادل مجيباً…….(آآه الدور الأخير……)
خرجت خلفه قائلة بدلال….(هطلع كل ده……)
سالها عادل غامزاً……(تحبي اشيلك……..)
(بس بقا……)لكزته في كتفه وهي تصعد معه ضاحكة…
صعدا معاً حتى الطابق الأخير….فاخرج
عادل المفتاح وفتح الباب مشيراً لها
بدخول…….


بحث عن
بحث بلعت داليدا ريقها وهي تدلف للمكان بتوجس
شعرت بخطٍ من الصقيع يتخلل جسدها المنكمش من شدة البرد والمطر الذي غرق عباءتها…..
دارت عيناها بتأني في الشقة الشبه فارغة…..خالية من الاثاث مجرد غرفة وصالة وحمام ومطبخ…ترى
الغرفة بوضوح تحتوي على سرير فقط !!…
اما باقي الفرش فمنعدم…….
شعرت بعدم الارتياح بعد ان أغلق عادل
الباب خلفه…….لم يكن لديها خيار للتراجع…فقد اختارت بكامل اردتها….ولم يجبرها عادل على ذلك……
رن جرس الانذار في أذنيها عندما سمعت
عادل يقترح بنبرة غريبة….
(مش هتغيري هدومك…….)
استدارت داليدا اليه بوجهٍ شاحب تسأله….
(اغير هدومي !!……)
اهتزت حدقتاه سريعاً لكنه أجاب بنبرة هادئة
(هدومك مبلوله يادوللي…من الشتا…ادخلي الحمام غيريها عشان متبرديش……مش قولتي الشنطة دي فيها هدوم….خديها معاكي…ولبسي حاجة كويسة
عشان الماذون زمانه جاي هو والشهود….)
حمل الحقيبة و تقدم منها واعطاها اليها
قائلاً بحرارة….
“اوعي تتاخري الماذون على وصول……”
اخرجت داليدا تنهيدة ارتياح وهي توما براسها
بخجل…..فقال عادل بنظرة عاشق….
(بحبك……)
احتضنت الحقيبة قائلة بخجل…(وانا كمان…..)
مالى عادل عليها حتى يقبلها لكنها هربت
سريعاً الى الحمام الذي أشار عليه….
بعد حوالي نصف ساعة من تواجدها بداخل سمعت
الباب يطرق بقوة….فوقع قلبها وهي تخرج من الحمام بعباءة بيتي محتشمة ولكن شعرها مكشوف
ومنسدل على ظهرها فمن شدة الخوف نست
غطاء رأسها….
وقتها خرجت لترى الطارق الغاضب والذي اتى في هذا الوقت…..لتجد شخصٍ لم تتوقع وجوده الآن
(سلطان عبدالقادر) ابن عمها….يمسك عادل من ياقة ملابسه وهو يصرخ فيه بوحشية سائلاً عنها….
وقتها صرخت بعزم ما فيها وهي تقترب منهم
لتبعد عادل من تحت يداه الشبية بالمطرقة الحديدية…….
حينها نظر لها نظر المتها….وحزنت لأجله…..فقد
رأت في عيناه نظرة المطعون في شرفه….نظرة
المكسور……لدرجة انها رأت دمعت وهمية في عيناه وهو ينظر اليها بعدم تصديق…..وفجأه انتشرت الصدمة لغضب أسود على محياه…ونزل على صدغها سريعاً بصفعه اوقعتها أرضاً اسفل قدماه………
أغلق الباب بقوة وصوت المفاتيح جعلاها تفيق
من شرودها بل و تنهض من مكانها وتذهب
إليها…..حتى تلحق به وتسأله قبل ان يغلق باب
غرفته على نفسه كالعادة ويتركها لوحشة اليل
تنهش عقلها وقلبها…….
“سلطان………احضرلك العشا…….”
لم يعرها إهتمام بل تابع السير لغرفته بمنتهى البرود
المستفز لاعصابها مما جعلها تلحق به قائلة بصيحة
غضب…….
“سلطان انا بكلمك…….”
“مش عايز أطفح……”استدار اليها سريعاً صارخاً بتلك
الكلمات وعيناه الحمراء ترمقها بازدراء كريهاً……
المها قلبها بشدة مما جعلها تغمض عينيها خوفاً منه…
بينما هو نظر الى خوفها بقرف…ثم للسلسال المعلق في عنقها…والذي تخفيه أسفل ملابسها…..فلو كانت تهابه فعلاً ما كانت احتفظت بسلسالا يحمل صورة حبيبها….
وكانها تتحداه…..وتستهزء به……..لا يملئ عيناها
إذاً…..
” شايفاني بقرون صح…….. ”
فتحت عينيها بخوف وهي تسمع هذه الكلمات.. التي لفظها وهو يقف امامها بمنتهى العصبية والغضب والازدراء الذي يأبى ان يمحى من عيناه…….
قالت بغصة مختنقة بالبكاء……
“انا مش فاهمه حاجه……. هو انت اتغيرت كدا ليه
انا عملت إيه…….”
“عملتي ده…… “وقبل ان تترجم ماذا يقصد وجدته يسحب السلسال الذهبي من عنقها بمنتهى العنف
لدرجة انهُ جرحها بشكلاً غير ادامي….. حتى انقطع
قفل السلسال ورحمها من العذاب………
تاوهت متألمه وهي تلامس الخط الرفيع الأحمر في عنقها………. ناظرة اليه بخوف ممزوج بالغضب…. بالكره بكونها اصبحت تحت رحمة رجلاً مثله !….
اغمضت عينيها بزعر وارتجفت عندما تقدم منها ومسكها من ذراعها بقوة مشيراً الى السلسال بغضب……..
“شايفاني بقرون ها…. مش مالي عينك….معلقه صورة حبيب القلب في رقبتك وانتي على ذمتي….. شايفاني****……… ها متنطقي شايفاني إيه…..
مسك حفنة من شعرها بقبضة من فولاذ وبدا
يهزها بمنتهى الهمجية قائلاً بضراوة…..
” ولا تكوني افتكرتي اني عشان بعملك كويس هكون نسيت عملتك السودة……لا وهتعرفي تستهيفيني زي
مانتي عايزة……. فوقي يابت…… دا انا اللف عشرة من عينتك بصباع واحد……….فاهمه…… بتشتغليني… عملالي فيها حبيبا ومعلقه صورته في رقبتك…
مفيش اي احترام للنطع اللى سلمك اسمه
وشرفه…..”
حاولت داليدا التملص من بين يداه وهي
تبكي متالمة…….
“سبني ياسلطان حرام عليك شعري هيتخلع في إيدك……..آآه ارحمني أبوس إيدك…. ”
تركها سلطان دافعاً اياها للحائط ليقول
مشمئزاً…
“ابعدي عني مش عايز اشوف وشك… سامعه… انا قرفان منك ومن نفسي………قرفان على الخطوة
المهببه اللي خدتها وسلمت نفسي واسمي لواحده
جايبها من شقة واحد هربت من اهلها عشانه…..”
مسحت دموعها هاتفة بكبرياء محطم…..
“محدش قالك اتجوزني…….. محدش قالك أعمل كده
ياريتكم كنتم موتوني وريحتوني من القرف ده….”
لم يعلق سلطان بل ظلت نظرة الاحتقار الساخرة
تشع من عيناه الغاضبة……لذا قالت داليدا
بكراهية……..
“انت فاكر انك عملت فيا معروف….. انت
دبحتني….. دبحتني………
لم يعقب فتابعت بغضب أكبر وهي تذرف الدموع
دون توقف……..
” بص حوليك كويس…. انا في سجن وانت على بابه……… ”
قال سلطان بقساوة……
“وهفضل على بابه…… لحد ماربنا ياخد واحد فينا
ساعتها واحد فينا هيرتاح من التاني……”
صمتت وازداد سيل الدموع من عينيها وهي تنظر
اليه بوجع ممزوج بندم……..فحذرها بتوعد وبملامح
خطِرة……….
“متقربيش مني تاني يادليدا…. اياكي…. المرة الجايه
مش هسمي عليكي…. وانتي عرفاني لما بقلب….”
أغلق الباب خلفه بقوة…. فانتفض جسدها من
مكانه برعب……ثم لم تلبث الا ودلفت لغرفتها
مغلق الباب عليها….والقت جسدها على الفراش
دافنة وجهها في الوسادة تاركة العنان لشهقاتها
العالية وعينيها في ذرف الدموع والندم على
فعلتها الغبية معه……
بداخل الغرفة……تخلص سلطان من قميصه والقى جسده الضخم على الفراش بزفرة تعب……
ثم اغمض عيناه وهو يحاول تهدأت انفاسه العالية
غضباً…..محاولا نسيان صوت بكاؤها الذي يسمعه
بوضوح حتى ان كانت تكتمه في الوسادة !……
لماذا فعلت هذا به…افسدت حياتها بيدها…كانت
من الممكن ان تتزوج شخصاً آخر يناسبها سناً وعنفوان……مرِح…… معسول الكلام… جيد في التعبير…….يعشق الحياة….ويعرف كيف
يُحب………وكيف يسعد من يحب………
وقعت معه هو…….بسبب غباؤها….وتصرفاتها المتهور
ابتلتها الحياة به…فهو بنسبة لاية أمرأه ابتلاء
كبير !!…..
ليس جيد في التعبير…..لا يعرف كيف تكون لغة
الحب……..ليس بحنون…….لم يكن مرحٍ يوماً…..لا
يجيد الكلام المعسول…….لا يعرف من اي باب
يدخل لاثنى ويوقعها في غرامة ؟!…..
الحياة تتشكل بنسبة له عملاً في النهار ،
نوماً في الليل……..
ام الحب والارتباط بهذا الجنس الناعم…. فهو جرب
مرتين وفشل….لمجرد انه خشن في التعامل…لا يتهاون مع إمرأة تخصه……..لذا كلا منهن لاذت
بالفرار منه……..
ويشاء القدر بعد ان يغلق هذا الباب لصعوبة طباعه
الخشنة معهن………تفتح داليدا الباب خُلسة وتدلف منه………وتتحداه دون ان تدري لذا قادة الجنون يومها وطلب يداها في لحظة غضب وتهور
من والدها……
ولأن خلف كل خطأ قراراً مُتسرع…..كان أكبر خطأ الزواج منها……فكما يُقال قد أصلح الخطأ بخطأ
أكبر……..
فهو لا يستحقها وهي لا تستحقه…..وهما غير مناسبين لبعضهما….. لكن بسبب فعلتها الفادحة
اصبحا هنا…….يمثلا الحب….وهم ليسوا
بمحبين ؟!!…..
شرد ذهنه قليلاً متذكراً اليوم الذي أخبره به عمه
(ناصف) ان داليدا هربت من البيت وهذا قد
اكتشفه عندما ذهب ليصلي الفجر……..
وقتها جن جنونه وهو يذهب اليهما في وقتٍ قياسي يدعي الله ان لا تكون خذلت الجميع وفعلتها….
لكنه انصدم حينما وجدهما يبكون بخوف عليها
مترجين اياه كالاطفال بأن يرجعها قبل ان يمسسها هذا الشاب بأذى…….فمن يعلم ماذا فعل
بها الآن….
وقتها وعدهما انها في عُهدته وستعود كما خرجت
دون ان يمسها آذى……..
وبالفعل بعد عدت مكالمات لأشخاص مقربين من المدعو (عادل) عرف المكان دون ان ياتي إسمها في
شيء…..
وعندما وصل اليه تهجم عليه سائلاً عنها بقلب يخفق
برعب عليها….وقتها لم يتوقع أبداً ان تخرج امامه بمنتهى البرود بعباءة بيتي وبشعر مكشوف
تدافع عن حبيبها وتتبجح أمامه….
لذا لم يسيطر على نفسه وهو يرفع كفه ويصفعها بمنتهى القسوة والقوة التي اوقعتها أرضاً أسفل
قدميه…….
……………………………………………………………
وقعت داليدا أرضاً بعد صفعة قوية جعلت اذنيها تصفر بقوة وصدغها يلتهب احمراراً…….
بلعت ريقها وهي تتراجع للخلف زحفٍ بساقيها
وهي ترى سلطان يضرب عادل بمنتهى الوحشية
فصرخ عادل يسبه بقسوة….
“انت جاي ليه….. مالك ومالنا…… كنت واصي عليها بتحبني وبحبها ياخي وهنتجوز…. انت مال أهلك…….”
لكمه سلطان عدت مرات وركله اسفل
الحزام…هاتفاً بانفاس متهدجة من شدة
الغضب………
(تجوزوا !!…….مش لما نقرأ الفاتحة على
روحكم الأول……انت عارف ان انا ممكن اوديك
في ستين داهيه….انت خاطف قاصر يالا…..لا وعايز تتجوزها من ورا اهلها كمان….عارف دي عقوبتها إيه…..)
ارتعد عادل ونظر لداليدا الجالسة أرضا تبكي وترتجف بخوف……
(داليدا جايه بمزاجها…. انا مخطفتهاش…. قوليلوا يادليدا……. قوليلوا……)
نظر لها سلطان بحدقتاه المشتعلة وحرك
شفتيه بعنف سائلا…..
(ايوا قوليلي يامحترمة…. انك هربتي من بيت أهلك لشقة واحد عازب…… كنت بتعملوا اي بظبط….. ومغيره هدومك وكشفه شعرك…..
كنتوا بتعملوا اااايه…. انطقي……..)
قالت داليدا بشفاة ترتجف…وجسد
مزعور…..
(محصلش حاجة ياسلطان…. اقسم بالله
ماحصل حاجة……..)
رد سلطان بقرف….
(دا عشان انا جيت بس…….مش كده….)
قالت بدفاع وهو تحاول النهوض…..
(عادل كان هيتجوزني…. احنا مستنيين المأذون….)
بصق الكلمة بقرف وهو يهتف بعدم تصديق….
(مأذون !!….مش مصدق؟!…انتي هبلة لدرجادي
مفكيش مخ….. بيضحك عليكي من حتة عيل
حشاش زي ده…….)
ثم سحبه سلطان من ياقة قميصه هاتفاً بشراسة…..(وفين المأذون يلا…فين.)
قال عادل باعياء من كثرة الضرب الذي
تلقاها من هذا الضخم…..الذي يفوقه
جسداً وقوة…….
(جاي…. جاي دلوقتي…….)
(كداب…..كداب ياروح أمك…..عشان اللي زيك
سككه كلها شمال اليمين يتعبو… مش كده….)
خبط سلطان جبهته بجبهة عادل الذي لم يتحمل
الضربه ووقع أرضا فاقد الوعي……تسيل الدماء
من رأسه……..
صرخت داليدا بخوف وهي تركض لعنده لكن سلطان مسكها من شعرها وجرها لأحد الغرف
واغلق الباب عليهما……وبدأت تاخذ هي أيضاً
عقابها……..من صفعات….لسب…….لضرب
بشكلاً غير ادامي……….
وقد افرغ كل غضبه عليها……وخرجت من الغرفة تجر قدميها بصعوبة وهي تذهب معه من الشقة
تاركة عادل ملقي أرضاً في دماؤه……
وعندما وصلت الى شقة والديها أستقبلها والدها
بصفعة قوية اوقعتها أرضا فاشفقت أمها عليها فاخذتها بين احضانها باكية معها ارضاً وهي
تعاتبها بحسرة….
(ليه عملتي كده فينا ياداليدا….ليه يابنتي…..ليه
عايزة تحطي راس ابوكي واهلك في الطين…
…ليه يابنتي…..)
ظلت تبكي في احضان امها وتخفي وجهها في صدرها….حتى سمعت والدها يخرج من المطبخ
حاملاً السكين بين يده ينوي قتلها…..
لولا سلطان الذي وقف امامه ومنعه….
(بتعمل اي ياعمي…..)
صرخ ناصف بحرقة وهو يحاول ابعد سلطان
من أمامه….
(سبني….سبني ياسلطان…هقتلها وشرب من دمها…..اللي زي دي لازم تموت قبل ما تجبلي
العار…….سبني……)
لم يتزحزح سلطان من أمامه بل اخبره
بخشونة……
(داليدا في حمايتي…..محدش هيقربلها طول
ماهي معايا…….)
صرخ ناصف بغضب…..
(يعني إيه…. عايزني اسبها تدور على حل شعرها…….)
رد سلطان بالهجة عنيدة……
(مش هيحصل…. بنتك صاغ سليم…. والغلطه اللي عملتها هتتحاسب عليها…..ومفيش حد هيربيها غيري….)
تساءل ناصف بوجوم…..(تقصد اي ياسلطان….)
سحب سلطان نفساً طويلاً….ثم أخبره
بصلابة……
(اقصد ان داليدا بقت ملزمه مني من النهاردة…
انا عايز اتجوز بنتك ياعمي على سنة الله
ورسولة…… قولت إيه….)
اتسعت عينا داليدا وصرخت في احضان أمها
برفض…
(لا مش هيحصل…. لا….. لا حرام عليكم…..)
اتسعت عينا ناصف بغضب…وتجاوز سلطان
وهو يميل عليها أرضاً ويجذبها من شعرها…..
(اخرسي يا فاجرة…. ليكي عين تتكلمي بعد
عملتك السودة……)
خلصها سلطان من بين يدي
والدها…وهتف بسرعة….
(عمي……عمي اهدى خلينا نتكلم…..)
وضع ناصف يده على صدره متألماً ثم لفظ
بصعوبة له…….
(انا موافق… موافق ياسلطان…. والفرح هيكون اخر الشهر ده……)
هز سلطان راسه بالموافقة
(وانا جاهز…… وشقتي جاهزة……)
قال ناصف بصعوبة…..(يبقا على بركة الله……)
ام داليدا فمن بين دموعها بدات تمتمت
بقهر……
(لا….. حرام عليكم…… لا……)ربتت والدتها على
ظهرها وهي تبكي معها…..فتابعت داليدا
بحرقة….
(مش عايزة اتجوزه لا….مش عايزة اتجوزه….)
أغمض سلطان عيناه بتعب ومزال صوت رفضها يدوي في أذانه كصاعقة الرعد…….
………………………………………………….
في اليوم الثاني مساءاً…..
قد عاد من العمل في الورشة باكراً…..وعد لنفسه بعض الشطائر وكوب من الشاي…….وبدأ يتناولهم امام التلفاز بينما هي تلتزم بالجلوس في غرفتها
ولا تخرج منها….
أثناء تناوله للطعام ومتابعة الأخبار….صدح جرس الباب…..فعقد حاجباه وهو ينظر لساعة الحائط
التي تشير للتاسعة مساءاً……
فاتجه الى غرفة الأطفال المقيمة فيها داليدا
واقتحم الباب دون استئذان قائلاً……
“اي مش سامعة جرس الباب……”
احتدت نظراتها وهي جالسة على الفراش بشعراً
مشعث وبشفاه مقلوبة…..ضامة ساقاها الى
صدرها بذراعيها…… جالسة جلست البؤساء !!…..
قالت داليدا باقتضاب…..
“هو مش المفروض تتسئذن قبل ماتدخل …”
نظر لها بعدم رضا ثم اجاب بمنتهى البرود……
“انا مبستئذنش في بيتي….. قومي سرحي شعرك
الواقف ده…… وغسلي وشك…. على ماشوف مين على الباب…. وياريت نفرد وشنا شويه… لحد
مالضيف اللي على الباب يمشي…….”
عندما اغلق الباب خلفه تاففت بغضب بل وجذبت الوسادة وصرخت داخلها ثم القتها على الباب المغلق……..
بالخارج فتح سلطان الباب فوجد أخته الكبرى
(أميرة….)تقف امامه بإبتسامة حانية تحمل بين
يداها طبق من الحلوى الشرقية المفضلة لديه
فقالت أميرة وهي تحرك الطبق امامه بشقاوة…
“قولك مينفعش اكون عامله بسبوسة ومطلعش لسلطان حبيبي طبق……”
اخذ الطبق منها وهو يبتعد عن الباب مرحباً بحفاوة….
“تسلم الايدي يام جنة…..تعالي ادخلي انتي عايزة حد يعزم عليكي ولا إيه…….”
دخلت أميرة وهي تبحث بعيناها عن داليدا
سائلة….
“حبيبي مش محتاجة عزومة دا بيت أخويا…….
فين ديدا صحيح…….”
“في الأوضة زمانها جايه….تعالي نقعد جوا….”أشار
لها سلطان على غرفة الصالون….
جالسا الإثنين على الاريكة….وضع سلطان طبق الحلويات جوار صنية الشطائر…..فعقبت أميرة
مبتسمة…..
“يااااه فكرتني بالذي مضى..لسه بتاكل السندوتشات
دي ياسلطان……”
ضيق سلطان عيناه بلؤم……
“من فات قديمة تاااه…….بذمتك جوزك بيعملهالك
في البيت…….”
ابتسمت بسخرية مجيبة….
“جوزي مبيعرفش يعمل كوباية شاي حتى..مش سندوتشات ”
قدم سلطان لها شطيرة ليقول بود….
“يبقا حماتك بتحبك….خديها بقا من ايد أخوكي…
لسه سخنه والجبنة جواها سايحة…….”
اخذتها منه أميرة وهي تضحك ثم قضمت لقمة
منها… لتجد الجبنة تذوب في فمها والعيش
مقرمش قليلاً……..فعلت باعجاب…..
“لا حلوة تسلم إيدك…….”
“تعالي كل يوم وهاكلك سندوتشات جبنة تركي
على الطاسة…….”قالها سلطان وهو يمسك جهاز
التحكم ويخفض ضوضاء التلفاز…..
فقالت أميرة وهي تشير على طبق
الحلويات….
“موافقة…دوق بقا البسبوسة…..انا عملاها بسمنة البلدي زي مابتحبها……..”
“ريحتها باينه وبعدين انا أول مرة أكل من ايدك بسبوسة…….”مسك سلطان الطبق وبدا يتناول
قطعة بيده…..
فقالت أميرة بمحبة…..
“بالف هنا ياحبيبي….” ثم نظرت باتجاه الباب لتجد داليدا تدلف اليهما بكامل اناقتها كعروس…. بعباءة استقبال مطرزة…. وشعر منسدل على الظهر
بنعومة ، وبزينة وجه متقنة ورقيقة……..
“واهي داليدا جت اهيه أخيراً….ماشاء الله… اي الحلاوة دي…. ”
اشتم رائحة آلورد الجوري قبل حتى ان يسمع تصريح أخته…..لذا رفع عيناه عليها سريعاً…ثم
انزلهم ببغض…….مدعي انشغالة في طبق
الحلوى….
عانقتها أميرة بمحبة…..
“اي ياديدا……عامله اي ياقلبي…..”
بادلتها داليدا العناق بشوق…..
“الحمدلله يأميرة….انتي اي أخبارك…..”
“الحمدلله تعالي قعدي جمبي…ودوقي من البسبوسة
دي قبل ما سلطان يخلصها…….”قالتها أميرة ضاحكة وهي تسحبها جوارها…..لتجلس داليدا بينهما على نفس الاريكة……..
فقالت داليدا بحرج…..
“بالف هنا……..خلي ياكلها…. كاني كلت……”
لكزتها أميرة في كتفها غامزة…..
“يسلام على الحب…….”
فمد سلطان يده بقطعة من (البسبوسة..)
قائلاً وهو يجز على اسنانه مغتصب
البسمة…..
“لا وانا ميخلصنيش برضو….. دوقي ……”
إدارت وجهها اليه وقالت ببرود ممتنعة
“مش عايزة…….”
جز على اسنانه مقرب قطعة الحلوى من
فمها أكثر….. “دوقي…..”
رفضت داليدا بعناد……فنظرت اميرة بتعجب….
صك على اسنانه أكثر… رامقها بقوة نارية…..
وهو يتكأ على الاحرف بشدة…….
“دوقي يادودا……… دوقي ياروحي…..”
ففتحت فمها مقتضبة…واخذتها منه بحنق
شديد……امام نظرات أميرة المراقبة لهما….
“حلوة أوي…..لازم تعلميني الوصفة يأميرة….”
اشارت أميرة على عيناها…. “من عنيا ياديدا……”
ثم نظرة داليدا الى صنية الشطائر فقالت…
“دا جيباه معاكي برضو….”
نظرة أميرة للصنية بتعجب أكبر….فتدخل سلطان
سريعاً…..
“لا يادليدا……. دا انا عملت السندوتشات دي عشان
ناكلها سوا…. بس انتي اتاخرتي في الحمام….”
ارجعت داليدا راسها للخلف قائلة
بارتجال…
“آآه…. دي أكيد سندوتشات المربى اللي بحبها…”
مط سلطان شفتاه بجزع……
“لا دي عيش شامي بالجبنة التركي….”
قضمت منه داليدا وهي تخفي حرجها……
“آآه افتكرت….. بس طعمه حلو اوي تسلم إيدك
ياحبيبي…”
ثم نظرت الى أميرة قائلة…..
“وانتي عامله اي يأميرة… وجنة… مطلعتش ليه
معاكي…..”
قالت أميرة بجذل……
“قعده تحت مع ستها….. صحيح انا كنت طالعة عشان اقولك ان انا وجنة بكرة هننزل نشتري شوية
حاجات من المول اللي فاتح على أول شارع
الساحة…. تيجي معانا……. اهو نتمشى شوية
ونغير جوا…. بدل قعدت البيت…….”
هتفت داليدا بلهفة…… “ياريت…….”
ثم أدارت راسها لسلطان الذي ألقى عليها نظرة
حادة اخرستها…….فتدخلت أميرة بضيق بعد ان
رأت نظرته……
“بتبصلها كدا ليه ياسلطان… ماتسيبها تفك عن
نفسها هتفضل حبسها بين أربع حيطان…….”
نظر سلطان الى داليدا بصدمة فاشاحت داليدا
عينيها عنه بخوف…..فسال سلطان أخته……….
“مين قالك اني حبسها…..”
فهزت أميرة كتفيها قائلة بحنق……
“باينه اهيه لا بتطلع ولا بتنزل من ساعة ما اتجوزتها……. حتى امي لاحظت انك بتقفل الباب عليها قبل ماتنزل الورشة…. ليه بتقفل عليها…..”
بلعت داليدا غصة مختنقة في حلقها
قائلة قبل ان تستئذن……
“انا هقوم اعملك حاجة تشربيها يأميرة…..”
قالت أميرة بحرج….. “مش عايز اتعبك……”
“تعبك راحة….مفيش تعب ولا حاجة….”ابتعدت
داليدا عنهما بعد تلك الكلمات…..
فمالت أميرة على أخوها قائلة بعتاب….
“ساكت ليه ياسلطان…. اللي مترضهوش على اخواتك مترضهوش عليها…… دي مش غريبة دي بنت عمنا.. يعني من لحمنا ودمنا….. متربية قصاد عنينا…. وعرفينها كويس يبقا لازمتها اي بقا الحركات
دي…..”
انتفض رأس سلطان هاتفاً بصدمة…..
“انتي بتقولي اي يأميرة….دماغك راحت فين… امك
فهمت غلط……انـ”
قاطعته أميرة بجدية شديدة……
“فاهمة الصح…. وبلاش تقفل الباب على مراتك… وسبها تنزل تقعد مع امي بنهار تونسها وتاخد
بحسها طالما انت مبترجعش من الورشة غير
بليل……..”
تافف سلطان وهو يبعد عيناه عن أخته معقباً
بوجوم…….
“واضح ان الموضوع ملهوش علاقة بطبق البسبوسة
وانك طالعة تعاتبيني……”
ربتت أميرة على ركبة اخيها قائلة بحنان…..
“اسمع ياسلطان…. انا أختك وعرفاك كويس.. وواثقة
ان في حاجة كبيرة حصلت انت مش عايز تقولهالي…..”
زفر سلطان بنفاذ صبر….
“برضو يأميرة دماغك راحت لبعيد….قولتلك
مفيش حاجة……..”
اومات أميرة برأسها تقول بيقين….
“مفيش حاجة من ناحيتها آه… لكن من ناحيتك انت فيه….. تكونش مبتحبهاش…. وابوك اللي غصبك
عشان بنت عمنا وكده……”
نادها سلطان بجزع……. “يا اميرة……”
تجاهلت أميرة نداءه وقالت بحنو……
“ياخويا حتى لو الموضوع كده… صدقني بكرة تحبها
داليدا زي القمر وروحها حلوة وتتحب… دا كفاية انها متربية على إيدك… وطول عمرها تحت عنيك…..”
صمت سلطان ولم يعقب…فربتت أميرة على ركبته
مجدداً قائلة برفق……
“روق كده ياسلطان وتقي الله فيها… وعمِلها بما يرضي الله…. ربنا يرضا عليك……”
اوما براسه واجماً…… “حاضر…….”
قالت أميرة برجاء….
“ووافق انها تنزل معانا المول وتفك عن نفسها
شوية…….عشان خاطري…. ”
تململ بضيق…….”حاضر…. اي اوامر تانيه…..”
ضحكت أميرة قائلة….
“لا ياقلب أختك…. لو في جديد هبلغك…..”
قبل ان ينهض مد يده في صنية الشطائر
واعطاها واحداً قائلاً……..
“شوية وجايلك……اتسلي في دا على ما اجي…”
ضيقت عينيها بخبث…..
“ماشي…. براحتك خالص……”
اتجه سلطان الى المطبخ فوجد داليدا تقف امام رخامة المطبخ وتولي ظهرها له منشغلة بما
تفعله….
فاقترب سلطان منها حتى شعرت بانفاسه الساخنة تلفح جانب عنقها فاهتزت يداها وهي تسكب المشروب الغازي في الكاسات……….
ملأ رئتيه من عبير عطرها المغوي…..بينما همس
جوار أذنيها بخشونة……
“انتي حاكيه ايه لاميرة……..”
تركت مابيداها واغمضت عينيها بقلب يرتجف
بخجل متاثراً من هذا القرب الشبه حميمي
بينهما…..
فقد حاصرها وهو يسند كفيه الاثنين على حافة الرخامة جوارها من الناحيتين……
حينما طال صمتها ادارها إليه…..وظل الحصار كما
هو الفرق الآن بانها تنظر لعيناه وانفاسه الرجولية الدافئة تضرب صفحة وجهها بقوة…….
“ساكته ليه….انتي قولتلهم اني بقفل عليكي
الباب……راحه تشتكي مني…….”
هتفت داليدا سريعاً…..
“والله ما حصل…..انا متكلمتش خالص…..”
احتدت نظراته عليها شاعراً بجزء منه يتأثر بقربها بجمالها…. بعينيها الجميلة المشعة بالشقاوة والحياة…… “امال هي عرفت منين.؟……”
وبقلة حيلة قالت…..
“معرفش………والله ما أعرف…….”
سحب سلطان نفساً متهدج وهو ينظر الى شفتيها الشهية التي تتحرك ببطء شديد خدر حواسه