رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول بقلم نسمة مالك
رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول هي رواية من كتابة نسمة مالك رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول
رواية اجمل ما في حياتي كاملة جميع الفصول
هناك أبواب نظن أنها مغلقة ثم نكتشف أنها المدخل لحياة جديدة تحمل في طياتها الكثير من الأقدار، حلم يتعثر و أخر يتحقق، فراق بلا سبب، و لقاء بلا موعد مثل لقاء "مالك" ب جميلته "إسراء"..
أمرأته التي لا تلتفت و طفلته التي لا تكف عن الفضول ...
تنهيه إذا أحببها وتنجيه إذا رد الحب بالعشق، وتشقيه إن خذلها، و تخسره عن قصد إن كان ربحه من عزتها تقليل ...
امرأة كطيف لم يراها و هي تنبت بجذورها في أعماقه، بطلة كل أحلامه، توزع القبلات على ثغره و تتركه في غمرة العشق دون وداع، يتحسس الوحدة ليجد نفسه عاريًا منها، وقوافل النساء حينها يمكن أن تلهيه لكن.... لن تغنيه عنها ..
هو "مالك المصري" إبن وزير الداخلية "غفران المصري" ذئب المخابرات المصرية كما يلقبونه بعدما تمكن من الوصول لأخطر البؤر الإرهابية و القبض على الكثير من العناصر الإجرامية بعمليات شديدة الخطورة نجي منها بأعجوبة، و برغم لكل ما وصل إليه إلا أنه مازال بأول الطريق نحو هدفه الأسمى و الأوحد و هو قلب "إسراء " أبنة فارس الدمنهوري..
........................... صل على محمد........
أشرقت شمس صباح يوم الجمعة، داعبت أهداب بطلنا الذي استيقظ بنشاط و فرحة غامرة تظهر على قسماته، و إبتسامة تُنير وجهه على غير عادته،
"نهض من فراشه و انتصب واقفًا بطوله المُهيب لتظهر ضخامة و قوة جسده المعضل، سار تجاه الحمام اختفى بداخله لدقائق، و خرج منه ممسك بيده منشفة قطنية يجفف بها شعره الفاحم..
وقف داخل غرفة ثيابه و انتقي قميص من اللون الأبيض و سروال من الجينز، و حذاء رياضي أبيض، و ارتداهم على عجل، مشط شعره بعناية قبل أن ينثر عطره المميز بغزارة، ارتدي ساعته و أخذ أغراضه المكونه من هواتفه و جزدانه الجلدي سلاحه الناري و مفتاح سيارته و غادر للخارج بخطي واسعة..
"صباح الخير يا جدتي"..
قالها "مالك" و هو يميل على يدها و يقبلها،مسدت "فاتن" على شعره بحب و هي تهمس بسرها بآيات قرآنية تحصنه بها من عين كل حاسد و حاقد، فهو يمتلك حضور أسطوري و هيئة تخطف القلب و العين..
زينت ملامح "فاتن" الطيبة إبتسامة بشوشة و هي تقول..
"صباح الخير يا حبيبي..على فين بدري كده يا حضرة الظابط؟! "..
أجابها "مالك" بابتسامة متسعة تدل على مدى سعادته البالغة..
"رايح المقابر"..
تطلعت له "فاتن" مشدوهة من ما تفوه به، مرددة بتعجب..
"مقابر! رايح تعمل أيه هناك بدري كده يا أبني؟"..
قبل رأسها قبلة خاطفة و غمز لها بشقاوة مدمدمًا..
" اممم.. رايح ل إسراء ".. قالها قبل أن يغادر المنزل و يختفي من أمامها تركها تحرك رأسها بيأس و هي تحدث نفسها قائلة.."إسراء اللي مطلعة عينك هي و أبوها تاني يا ابن غفران.. صحيح القط ميجبش إلا خناقه المثل ده مكدبش أبدًا "..
............................... لا إله إلا الله........
بقصر الدمنهوري..
هذا القصر الذي كان يمتاز بالهدوء الشديد لدرجة توحي بأنه مهجور و لا يوجد به حياة قبل أن تدخله" إسراء "غرام المغرور التي قلبت كل شيء رأساً على عقب، ملئت القصر بهجة و فرحة و أصوات ضحكات تشق سكون المكان...
برغم مرور أكثر من خمسة عشر عام على زواجهم إلا أن نيران عشقهم لم و لن تخمد أبدًا، بل تتضاعف و يزيد جمرها و تتناثر شظاياه خاصةً عشق "إسراء" لزوجها الذي ازدات وسامته بمرور السنوات..
"صباح الخير يا ساحرة".. همس بها "فارس" و هو يمرمغ وجهه بشعر و عنق زوجته النائمة، أخذ نفس عميق يملأ به رئتيه بأكبر قدر ممكن من رائحتها، الأمر تخطي كَونه حُب، أصبح يتنفسها لذا هو على قيد الحياة ..
رمشت بأهدابها الكثيفة متأوه بأسمه بصوتها الناعم المبحوح أطارت اللُب من عقله..
" فارس"..
بلمح البصر كان خطفها داخل صدره بعناق حار مرددًا بلهفة..
"يا عيون فارس"..
فتحت "إسراء" عينيها التى تُشع منها نظرات العشق و الغضب معًا، و رمقة زوجها نظرة عاتبة و هي تحاول الإبتعاد عن حضنه بضراوة..
"أوعى يا فارس سبني عشان أجهز الفطار"..
لم يتركها تبتعد عنه و لو أنش واحد، كانت تتهرب هي بعينيها منه، تتلاشى النظر لعينيه، ليمد يده و يمسك ذقتها بأنامله يجبرها على النظر له و تحدث بكل ما يملك من لطفٍ قائلاً..
"أنتي في حاجة مزعلاكي مني يا إسراء؟!"..
ترقرقت الدموع بعينيها و هي تقول بصوتٍ اختنق بالبكاء..
"تغيرك معايا هو اللي قهرني مش بس مزعلني يا فارس"..
"تغيري معاكي! حبيبتي أنا زي ما أنا كل الحكاية إنك لسه والدة من كام شهر عشان كده أنا ببقي حريص معاكي على ما تشوفي وسيلة تكون أمان لمنع الحمل"..
صرخت صرخة مكتومة تدل على شدة غيظها مرددة بتحدي..
" وأنا مش همنع الحمل يا فارس و هفضل أحمل منك كده لحد ما ربنا يرزقنا و اجبلك الولد اللي نفسك و نفسي فيه"..
لكمته بقبضة يدها الصغيرة في كتفه قبل أن تنهض بغضب..
" أما أشوف هتفضل أنت مانع نفسك عني كده لحد أمتي "..
تركها "فارس" تنهض على مضض، فهو بالكاد يلجم نفسه عنها خوفًا عليها و على صحتها ، ارتمي على الفراش خلفه و زفر بضيق مردفًا..
" أجمد يا فارس أوعى تضعف"..
أختفي الضيق من علي وجهه و ظهرت إبتسامة مشرقة حين وصل لسمعه صوت ضحكات بناته التى تمحي عنه أي زعل أو ضيق..
بغرفة السيدة العجوز "إلهام" تجلس برفقة "خديجة" عمة "فارس" و أحفادها "إسراء، زهراء، رواء، خديخة، إلهام" على إسمها و أخيراً الصغيرة"غرام" بنات "فارس الدمنهوري" من زوجته، ساحرته"إسراء" ..
صوت ضحكاتهم تدخل على القلب السرور، تجعل كل من يستمع إليها يضحك على ضحكاتهم إجباري..
نهضت" إسراء" الابنة الكبرى و سارت تجاه الباب لتوقفها جدتها تقول بلهفة..
" رايحة فين يا إسراء؟!"
وقفت مكانها و استدارت لها ببطء، و نظرت لها بابتسامة و هي تقول...
"رايحة أصحى بابي فارس"..
صمتت لبرهةً و تابعت بجملة جعلت الجميع في حالة صدمة حين قالت ..
"عشان يوديني أزور بابي رامي الله يرحمه و أودعه قبل ما أسافر "..
"تسافري!! تسافري فين إن شاء الله؟"..
كان هذا صوت والدتها "إسراء" التي دلفت من الباب للتو، و علامات الغضب و الصدمة اعتلت وجهها حين اجابتها ابنتها ببرود لا يخلو من غرورها التي ورثته من والدها..
" هكمل تعليمي برة مصر يا مامي "..
جحظت أعين" إسراء " على أخرها وتحدثت بأنفاس متقطعة قائلة..
" تعليم أيه اللي تكمليه بره مصر! مين قالك أننا ممكن نوافق إنك تبعدي عننا؟ .. أنتي بتفكري و تقرري لوحدك كده من غير ما تقولي لحد؟"..
أردفت ابنتها بجملة كانت بمثابة سكب الزيت على النيران حين قالت..
"بابي عارف كل حاجة يا مامي و انهارده هنجهز ورق السفر "..
" فارس عارف!!!"..
↚
سمعت مقولة ذات مرة تقول:
“إنَّ العقلَ أبُ القلب، وإنّ القلبَ ابنٌ عاق، دع الأب يأدّب إبنه دائماً، حتى لا يضلّ!”..
و هذا ما ينوي “مالك” فعله مع حبيبته العنيدة التي لا تُبالي لعشقه لها على الإطلاق ..
تأهب جميع الحراس و سارعوا نحوا باب الفيلا الخارجي و قاموا بفتحه على مصراعيه لتدلف منه سيارة الوزير” غفران المصري ” الذي وصل للتو من السفر، كان” مالك” بطريقه للخروج سيارته لكنه توقف بمكانه، غادر سيارته و وقف باستقبال والده فور وصوله..
“حمد لله على السلامة يا معالي الوزير”..
قالها و هو يفتح له باب السيارة بنفسه، و عانقه فور خروجه منها، بادله “غفران” عناقه هذا بحب شديد ربطًا على ظهره ببعض القوة، أبتعد عنه و نظر له بأعين يملؤها الفخر مغمغمًا..
“الله يسلمك يا حضرة الظابط”..
رمقه بنظرة متفحصة و تابع بتسأل قائلاً..
” على فين العزم بدري كده إن شاء الله يا مالك باشا ؟!”..
حك “مالك” لحيته و هو يجيبه بابتسامة مشاغبة..
“عندي مشوار سريع كده هخلصه و هرجع على طول” ..
“أوعى تقول إنك رايح عند فارس؟”..
اتسعت إبتسامة” مالك” و حرك رأسه بالإيجاب و هو يقول ..
“حمايا حبيبي لازم أروح أصبح عليه “..
فتح” غفران” فمه ليتحدث لكنه أغلقه ثانيةً و اعتلت الدهشة ملامحه حين قالوا أبناءه “زين، فهد”طلاب بكلية الشرطة و” فارس” ثانوية عامة ..
“جاين معاك يا مالك”..
جاءوا يركضون نحوهما بخطوات مهرولة، وقفوا جميعهم أمام والدهم الذي يتطلع لهم بغضب مصطنع يخفي خلفه فرحته الغامرة بهم، و بهيئتهم التي تدخل على قلبه السرور، أطفاله الصغار أصبحوا رجال اشداء.. أقوياء يخطفون القلب قبل العين..
“حمد لله على السلامة يا وزيرنا يا غالي”..
نطقوا بها و هم يعانقونه واحد تلو الأخر، تنقل “غفران” بينهم بأعين متسعة مرددًا بذهول..
“كلكم صاحين بدري عشان تروحوا عند فارس!!”..
ضحك بتهكم مكملاً.. “ده على أساس أنه هيسمح لكم تعدوا من باب القصر الخارجي حتى!”..
نظر” مالك” لأشقائه بغيظ و تحدث بهدوء عكس غضبه المشحون قائلاً..
“أنا بس اللي هروح.. زين و فهد لسه راجعين من الكلية و محتاجين يرتاحوا و فارس هيقعد يذاكر “..
قاطعه”غفران”حديثه مردفًا بنفاذ صبر..
” لا أنت و لا هما هتروحوا.. فارس مش عايز يشوف حد منكم و أدى أوامر للحرس عنده لو لمحوا واحد فيكم ناحية القصر يطخوه بالنار”..
انبلجت إبتسامة شريرة على وجوه أبناءه الذين نظروا لبعضهم البعض و تحدثوا بنفس واحد قائلين..
“و مين قالك إن الحرس هيلمحنا! “..
أنهوا جملتهم و اختفوا من أمامه قبل أن يمنعهم عن تنفيذ مخططهم كعادته، ارتجل كلاً منهم سيارته، و انطلقوا خلف بعضهم نحو قصر الدمنهوري..
لم يستطيع” غفران ” كبح ضحكته حين قرأ ما يدور بذهن أشباله، وقف يُتابعهم حتى اختفت سيارتهم عن عينيه، مد يده لإحدى حراسه، ليُسرع الأخر و يعطيه هاتفه، أخذه منه و طلب رقم صديقه ليأتيه صوته على الفور يقول بتفهم..
“خير يا معالي الوزير؟ .. اشجيني!”..
قهقه “غفران” وهو يقول بأسف مصطنع.. “العصابة في الطريق إليك يا صاحبي”..
“و أنت صدقت أنهم جاين ليا أنا يا غفران!”..
تلفظ “فارس” بوابل من السباب بصوتٍ مكتوم حتى لا تصل تلك الكلمات البيئة لسمع بناته، ليرد “غفران” ببرود قائلاً..
“تربيتك يا حبيبي.. أنت كنت قدوتهم و مثالهم الأعلى في السفالة ولا نسيت و أديك بتحصد نتيجة تربيتك ليهم”..
اصطك” فارس “على أسنانه بغيظ كاد أن يهشمهم، و تحدث بغضب قائلا..”عندك حق و أنا بقي هعيد تربيتهم من أول و جديد”..
“هما جاين لك برجليهم أعمل فيهم اللي يريحك، و أنا هبقي أجي لك أخر النهار أشرب معاك القهوة و استلمهم منك”..
قالها” غفران “قبل أن يغلق الخط، و سار بخطي ثابته لداخل فيلته، لتقابله ابنته الوحيده “جنة” طالبة بكلية الطب، ركضت داخل حضنه، و تعلقت برقبته مرددة بصوتها الهامس الرقيق..”واحشتني أوي يا بابي”..
ضمها” غفران ” مقبلًا جبهتها بحب..
” حبيبتي أنتي اللي واحشتيني يا أجمل دكتورة”..
عقد حاجبيه و هو يتطلع لها، كانت ترتدي ترنج رياضي واسع من اللون الرمادي، و حذاء رياضي أبيض، رفعة شعرها الأشقر ذيل حصان لتتمرد بعض الخصلات على جبهتها و عينيها السوداء الواسعة التي تشبه أعين والدها..
“رايحة فين أنتي كمان بدري كده؟! “..
“رايحة النادي.. عندي تمرين “..
قبل “غفران” وجنتيها و هو يقول.. “طيب يا حبيبتي خلي بالك من نفسك و ارجعي على معاد الغدا عشان نتغدا سوا”..
أومات له و سارت من أمامه، ليُشير “غفران” لرئيس الحرس بعينيه أن يذهب هو معاها بنفسه، فنصاع لأمره في الحال، و أسرع بفتح باب السيارة لها، لتصعد “جنة” بالمقعد الخلفي، أغلق الباب خلفها و دار حول السيارة و جلس بمقعد السائق و انطلق بطريقه متجنبًا النظر بالمرآة حتى لا تتقابل عينيه بأعين تلك ال “جنة”..
“حمد لله على السلامة يا حسن”.. همست بها “جنة” بصوتها الذي يُزلزل كيانه، قبض على المقود بقبضة يده كاد أن يحطمها، و رسم الجمود على ملامحه و تحدث بلهجة جادة. قائلاً..
“الله يسلمك يا فندم”..
قالت “جنة”بعتاب ..
“أيه فندم دي!!.. قولتلك قبل كده قولي يا جنة زي ما أنا بقولك يا حسن و لا تحب أقولك يا حضرة الظابط؟ “..
“سيادتك تقولي اللي أنتي عايزة”..
نفخت بضيق من طريقته الجافة معاها كلما حاولت إظهار إعجابها به، خطر على بالها فكرة جعلتها تبتسم بخبث، واعتدلت بمقعدها حتى أصبحت خلفه مباشرةً، أنفاسها تلفح ظهره من شدة قربها منه، تطلع له بالنعاس الذائب على أهدابها، و همست اسمه بدلالها المُسكر ضاغطة على كل حرف و كأنها تتذوق حروفه..
” حسن!”..
رفع يده و مسح بها على شعره بحركة خاطفة كانت كفيلة لترى “جنة” تلك الحلقة المعدنية الجديدة الموضوعة حول أصبعه، حينها شعرت بصدمة شلت كل أطرافها، جف حلقها و بهتت ملامحها وكأن الدماء انسحبت من عروقها..
“أنت خطبت!!”..
ساد الصمت بينهما قليلاً، كان قد توقف” حسن”داخل النادي، و مثل انشغاله بصف السيارة مردفًا بابتسامة زائفة..
“أيوه سيادتك.. عقبالك”..
جملته هذه كانت بمثابة صفعة دامية هبطت على وجهها، تبدلت ملامحها للنقيض و كأنها قد استعادة وعيها و أدركت أنها كانت مخطئة بحق نفسها حين وقعت في شباك حب من طرف واحد..
↚
كانت شاردة بذهنها و لم تنتبه لباب السيارة الذي فتحه لها “حسن”، لم تفق من شرودها سوي على صوته الأجش يقول بعملية باحته..
“وصلنا سيادتك”..
استعادة شتات نفسها، و هبطت من السيارة وقفت أمامه تطلع له بنظرات خاوية، و تحدثت بلهجة جديدة كليًا قائلة..
” مبروك.. يا حضرة الظابط”..
………………………. صلِ على محمد…………..
بقصر الدمنهوري..
كانت “إسراء” في قمة غضبها بعد ما تفوهت به ابنتها الكبرى، لكنها تحدثت بهدوء تُحسد عليه قائلة..
“يعني أنتي مقدمتيش في الكلية اللي أمك دكتورة فيها ولا أي كلية هنا في مصر و قدمتي في كليات كلها برة مصر و اختارتي الكلية في البلد اللي عجبتك و المفروض هتجهزي ورقك عشان لازم تسافري خلال أيام و فارس عارف بكل ده و كان معاكي خطوة بخطوة و أنا أخر من يعلم ! “..
عضت “إسراء” على شفتيها السفلية بأسنانها بعدما أدركت أن غضب والدتها وصل لذروته و ما تراه منها الآن ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة..
“مامي إحنا مكنش قصدنا نخبي على حضرتك بس كنا متأكدين إنك مش هتوافقي “..
“اممم.. فبتحطوني قدام الأمر الواقع.. اللي هو يا أوافق على سفرك يا إما هتروح عليكي السنة مش كده؟”..
أومات لها “إسراء”، لتصرخ “إسراء” فجأة بوجهها أفزعتها هي و جميع من بالغرفة حين قالت..
” على جثتي.. سفرك برة مصر ده مش هيحصل إلا على جثتي يا بنت فارس”..
“استهدي بالله يا إسراء يا بنتي و بلاش تصرخي في وش البنت كده”.. قالتها” إلهام ” بنبرة راجية، لتنظر لها “إسراء” وقد تحول وجهها لكتلة حمراء من شدة غضبها، و تحدثت بذهول قائلة..
“سمعتي يا ماما.. سمعتي بنتي و أبوها عملوا أيه من ورايا..و أنا اللي قايمة نايمة بحلم باليوم اللي بنتي تدخل فيه الجامعة عشان تبقي معايا في الكلية قدام عنيا.. و لما يجي اليوم ده يبقى أسود يوم في عمري! “..
“ليه بتقولي كده بس يا ماما.. الكلية اللي قبلتني دي تعتبر من أكبر و أهم الجامعات في العالم و مبتخدش أي حد “..
رمقتها” إسراء ” بنظرة يملؤها الخذلان..
” جالك قلب تعملي كده من ورايا.. قلبك جامد أوي للدرجة دي و عايزة تسافري و تبعدي عني و عن أخواتك!! و بعدين مالها الجامعات في مصر.. ما أنا قدامك أهو كملت تعليمي و خت الشهادة و اتوظفت كمان بعد ما اتجوزت و خلفتك و خلفت أخواتك”..
نظرت لها ابنتها بنظرة يملؤها الغرور، تلك النظرة التى تُشبه نظرة زوجها..
” و حضرتك عايزاني أعمل زيك و اتجوز و أخلف الأول و بعدين أبقى أكمل تعليمي؟! “..
عقدت” إسراء “ذراعيها أمام صدرها و نظرت لها نظرة أم خائفة على ابنتها و هي تقول..” الواحدة مننا يا بنتي ملهاش إلا بيتها و جوزها مهما اتعلمت و خدت في شهادات بالذات لو ربنا رزقها براجل بيحبها و هيصونها و أنا و أنتي و كلنا عارفين إن مالك بيعشق تراب رجليكي و بيتمني رضاكي و مش هيمنعك إنك تكملي تعليمك و هبقي مطمنة عليكي و أنتي هنا جنبي”..
صاحت “إسراء “بانفعال بنبرة جادة لا تحمل الجدال قائلة..
“الجواز ده أخر حاجة ممكن أفكر فيها و يوم ما تيجي على بالي مش هيكون مالك الراجل اللي هرتبط بيه لأنه بنسبالي ابن صديق بابي و بس و عمره ما هيبقي أكتر من كده.. هو بقي مش راضي يقتنع بكده و مصمم يحبني هو حر لكن أنا عمري ما هحبه و هقوله الكلام ده في وشه عشان يشيلني من دماغه”..
كان ” فارس ” يقف مع رجال الحراسة المسؤلون عن بوابة القصر يتحدث بصرامة قائلاً..
” ولاد غفران ميدخلوش من باب القصر.. الباب ميتفتحش ليهم أصلاً و لو حد منهم حاول الدخول بأي طريقة امسكوه و كتفوه و ارموه في الاسطبل.. مفهوم؟ “..
“مفهوم يا فارس باشا”..
وصل صوت شجار زوجته و ابنته لسمعه فهرول بالسير لداخل القصر بخطي متسعة حتي وصل لهم و تحدث بقلق قائلاً..”صوتكم عالي أوي ليه كده! أيه اللي حصل لكل ده؟ “..
” أهلاً أهلاً بالراس الكبيرة “.. قالتها زوجته و هي تقترب منه و تدور حوله كالاسد الذي يستعد الانقضاض على فريسته، خبطت على ظهره بكف يدها ببعض العنف مكملة..
“كنت بتنيمني ننة و بتاخدني على قد عقلي لما قولتلك أني هقدم ل إسراء في الكلية عندي.. قولتلي أنا هقدم لها و متشغليش نفسك أنتي على وش ولادة و تروح مطواعها و تسيبها تقدم في جامعة برة مصر!”..
ترقرقت العبرات بعينيها و تابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة.. “عايز بنتنا تسافر و تبعد عننا يا فارس؟ “..
جذبها” فارس ” لداخل حضنه بلهفة رغم اعتراضها مغمغمًا..
” حبيبتي مين قالك أنها هتبقي بعيد عننا.. وقت ما تحبي تشوفيها هجهز لك الطيارة و نسافر لها كلنا سوا”..
رفعت رأسها و نظرت له نظرة يملؤها التحدي..
“بنتي مكانها هنا جوه حضني.. إسراء مش هتسافر يا فارس”..
“و أنا كمان مش هسيبها تسافر يا حماتي”..
كان هذا صوت “مالك” الذي اقتحم الغرفة عبر النافذة جعل الجميع يصرخون ويقفزون بفزع، بينما” فارس” جن جنونه و ركض كالخيل الجامح نحو البندقية المعلقة على إحدي الجدران و هو يُصيح بصوته الجوهري..
” أنت بتطلع لي منين؟! نهار أبوك مش فايت يا مالك يا مصري!!! “..
سيطر “فارس” على غضبه سريعًا حين لمح الخوف على ملامح بناته، خاصةً التوأم “إلهام، و خديجة” ذوات الخمسة سنوات..
..”Don’t kill Malik Belize, Babi, we love him “..
“لا تقتل مالك بليز بابي إحنا بنحبه”..
نطقا بها و هما يركضان نحو “مالك” الذي جثي على ركبتيه، و فتح ذراعيه لهما، و ضمهما بحب مرددًا.
“أهلاً بحبايب مالك”..
أخفي “فارس” السلاح خلف ظهره، و رسم إبتسامة زائفة على قسمات وجهه المتشنجة مغمغمًا..
..”Come here, don’t be afraid, baby”
“تعالي إلى هنا لا تخافي حبيبتي”..
ظل “مالك” محتضنهما، بل حملهما و انتصب واقفًا بهما مردفًا بمكر و هو يرمق “إسراء” بنظرة يملؤها الشوق..
“سيبهم معايا شوية يا فارس.. أصلهم واحشوني أوي”..
“والله أنت اللي وحشتنا يا واد يا مالك”..
كان هذا صوت “إلهام” والدة “إسراء “، ليبتعد أخيرًا بعينيه عن “إسراء ” و قام بإنزال الصغيرتان، و سار تجاه “إلهام” و مال عليها قبلها، و عانقها بودٍ و هو يقول..
“حبيبتي يا لوما أنتي اللي وحشاني “..
أبتعد عنها و ذهب ل “خديجة ” عمة” فارس ” و قام بتقبيلها هي الأخرى..
“أحلى تاني ديجا في الدنيا “..
“أنت ولد بكاش”.. قالتها” خديجة” و هي تقرصه بخفة من وجنته بأصابعها ..
تحرك تجاه “زهراء و رواء” و مد ذراعيه على حاوطهما من اكتافهم و عانقهما لصدره مقبلًا جبهة كل واحدة على حدا..
و من ثم سار تجاه “إسراء” زوجة “فارس” التي كانت تقف بجوار زوجها ممسكه بذراعه بكلتا يديها حتى لا يهجم على “مالك” الذي أقترب منها و هم بتقبيلها هي الأخرى ،ليخطفها زوجها من خصرها بلمح البصر أخفاها وراء ظهره و وقف أمامها كالسد المنيع يتطلع له بأعين يتطاير منها الشرر..
“أوعى يا فارس خليني أسلم على ملوكة”..
↚
قالتها زوجته و هي تُزيحه من أمامها لكنه كان ثابت كالصخر لم يتزحزح و لو أنش واحد..
حانت منه التفاته صغيرة نظر لزوجته من فوق كتفه بابتسامة مصطنعة تظهر جميع أسنانه مدمدمًا بهمس بالكاد يُسمع..
“اممم.. بقي البغل ده كله ملوكة!!!!”..
نظر ل “مالك” نظرة نارية و تابع من بين أسنانه..
“و أنت داخل عمال تسلم و تبوس و لا كأنه بيت اللي خلفوك!!”..
“و هبوسك أنت كمان يا جدع”..قالها “مالك” و هو يقترب يعانقه و يقبله رغم إعتراضه و ضيقه..
أبتعد عنه و صوب نظره تجاه جميلته” إسراء ” الواقفة تعبث بهاتفها دون إكتراث لأمره..
” إسراء”.. غرد بها بصوته المُدمر و هو يرنو إليها بخطي متلهفة أمام أعين الجميع الذين ينظرون لهم بابتسامة بلهاء حالمة، إلا” فارس” يرمقه بنظرات لو كانت أسهم لأصابته بمقتل..
“هاي مالك”.. قالتها و هي تمد وجهها له ليقبلها بوجنتيها، ليستغل هو الفرصة و أغمض عينيه، و مال عليها كثيرًا بسبب فرق الطول بينهما و طبع قبله على لحية جعلته يفتح عينيه على أخرها بصدمة، ليجد وجهه “فارس” بوجهه مباشرةً..
انفجروا الجميع بالضحك على نظرتهما لبعضهما، خاصةً حين قال “فارس” بلهجة حادة لا تقبل الجدال..
“شطبنا يا حضرة الظابط.. الكلام ده كان و أنت ملوكة صغير لكن دلوقتي أنت ماشاء الله شحط كبير خلاص بح”..
“هو مالك غريب يا بابي؟ “.. قالتها “إسراء ” بصوتها الناعم، تهللت أسارير “مالك” و نظر ل “فارس ” بإنتصار، لتتابع “إسراء” بجملة جعلت فكه يسقط أرضًا حين قالت ببرود ثلجي..” أنا بعتبره زي أخويا بالظبط”..
هم” مالك” بالصياح في وجهها بكلمة بذيئة ليُسرع” فارس ” بوضع كف يده على فمه أغلقه تمامًا..
ساد الصمت المكان للحظات قطعه صوت إحدي الحرس يتحدث عبر جهاز اللاسلكي الموضوع بجيب” فارس”..
“فارس باشا إحنا مسكنا زين و فهد و فارس ولاد غفران باشا”..
كانت عروق “فارس” بارزة من شدة غضبه و غيظه من أفعال أبناء صديق عمره التي تُثير جنونه ، و برغم قمة غضبه منهم إلا أنه تحدث بهدوء يُحسد عليه قائلاً..
“خلينا ننزل مع بعض نروح الاسطبل يا مالك أوريك المهرة الجديدة و نتكلم بالعقل و راجل لراجل “..
“بتقولي زي أخوها يا فارس !!!”.. قالها “مالك” بذهول من برود تلك العنيدة..
صاحت “إسراء” زوجة “فارس” بغضب قائلة..
“و عايزة تسافر تكمل تعليمها برة كمان يا واد يا مالك”..
“اطمني متقدرتش تسافر من غير موافقة جوزها اللي هو أنا طبعًا يا حماتي “.. نطق بها” مالك” بجدية جعل” إسراء “تنظر له و تضحك بسخرية ..
بينما مال “فارس” على أذنه و همس بوعيد قائلاً..
“أنت لو منزلتش معايا دلوقتي حالاً مش هخليك زي أخوها و بس.. لا ده أنا هخليك زي أختها”..
نظر له “مالك” بحاجبين مرفوعين، ليبتسم له” فارس ” إبتسامة مخيفة جعلته يتنحنح بخوف مصطنع و يسير معه للخارج و هو يقول باستفزاز مقصود ..
“أخواتي لسه عضمهم طري و بيتمسكوا من الحرس بسرعة .. محتاجين يتمرنوا زيادة شوية”..
نظر” فارس ” ل” إسراء ” ابنته و تحدث وهو يغادر الغرفة برفقة” مالك”..
” اجهزي يالا حبيبتي عشان نروح مشوارنا و منتأخرش أكتر من كده “..
قبض” فارس ” على ياقة قميص” مالك” فور وصولهم لحديقة الاسطبل، و دفعه على التبن المتناثر أرضًا بجوار أشقائه المتقيدين، و أمسك سوط من الجلد و لفه على كف يده و هو يقول..
“حصلت تدخل على بناتي الأوضة من الشباك يا مالك يا إبن غفران!! “..
تنقل بعينيه بينهم و تابع بعصبية مفرطة..
“و أنتو بقي مش ناوين تحلوا عني أنا و بناتي يا *** منك ليه”..
تعمد” مالك” السقوط فوق أشقائه، و بمنتهي الخفة قام بفك قيودهم، فنهضوا من مكانهم و ركضوا بسرعة الخيل بعيدًا عن “فارس” قبل أن يطولهم غضبه..
“أهدي يا فارس يا دمنهوري و فهمني أيه حكاية سفر مراتي بدون علمي دي إن شاء الله “..
قالها “مالك” و هو يتفادي ضربة مبرحة من السوط قبل أن تهبط على جسده، و صوت “فارس” يقول بتهكم..
“مراتك منين ياض.. أنت و الصيع أخواتك نجوم السما أقرب لكم من ضافر بنت من بنات الدمنهوري يا***”..
……………………………… صلِ على محمد………..
“مكة”..
لم تبرح غرفة تبديل الثياب، جلست تبكي داخلها حتى تورمت عينيها من شدة بكائها، أحبت رجل لم يكن لها أي مشاعر، منذ الوهلة الأولى التي رأت بها هذا ال ” حسن” و هي بحالة يرثي لها، فما أصعب الحب من طرف واحد، كالطعن بالسكين بارد في منتصف القلب..
لا تستطيع أن تلوم عليه فهو كان دومًا يقابل كل اهتمامها به و لهفتها عليه بلا إكتراث، لكنها أوهمت نفسها بأنه ربما محرج من وضعهما لعمله برفقة والدها..
نهضت من مكانها بعد وصلة بكاء طويلة، محدثة نفسها بأسف..
“محدش يستاهل دمعة واحدة من عيني”.. نظرت لنفسها بالمرآة، و توقفت عن البكاء، و رفعت يدها جففت وجهها بعنف، و رسمت الجمود و اللامبالاة على ملامحها الرقيقة، و أخفت عينيها بنظارة شمسية، و سارت للخارج بخطي واثقة..
كان “حسن” يقف مستند على السيارة منتظرها، لمحها تأتي عليه في غير موعدها،فاسرع بفتح باب السيارة لها، كان القلق و التوتر ظاهران عليه بسببها، لكنها تجاهلته و صعدت بالسيارة دون النطق بكلمة..
ليقطع هو الصمت و تحدث بتسأل قائلاً..
“هنروح فين دلوقتي سيادتك؟”..
لم تنظر له “مكة” اكتفت بالنظر من النافذة على الطريق حتى لا يلاحظ هيئتها الباكية، لكنها همست بصوتٍ مختنق بالبكاء قائلة.. “وديني المقابر.. عند ماما شهد”.
↚
"من أجمل الوصايا التي قرأتها هي وصية جبران خليل جبران عندما قال "صدِّقني؛ لو فقدت ما فقدت، لو كسر الحرمان أضلاعك، ستجتاز هذه الحياة كما يجتازها كل أحد، فأختر الرضا يهُن عليك العبور"..
مّر أكثر من أسبوع، أنشغل" مالك" خلاله في مأمورية هامة عاد منها منتصر كعادته، و لكن حالته حقًا مزرية، أُصيب كتفه الأيسر بطلق ناري، و العديد من الكدمات و الجروح متفرقة على كامل جسده، و برغم كل هذا كانت ملامحه تُشع منها الفرحة الغامرة بعدما حقق مراده و تمكن بعلاقاته من إيقاف سفر جميلته العنيدة و هذا أكبر إنتصار بالنسبة له..
كان الوقت فجرًا لحظات ظلام الليل الأخيرة، صف سيارته بعيدًا عن منزله حتى لا يُقظ عائلته و ينصدموا بما حدث له، و خاصةً جدته، شقيقته، و زوجة والده التي تعتبره بمثابة إبنها الأكبر..
سار عدة خطوات بخطي مجهدة حتى وصل لباب الفيلا الخارجي، فأنتصبوا أمامه أفراد الأمن، أسرعوا بفتح الباب له، دلف هو بصمت كالمعتاد ليقابله "حسن" رئيس حرس والده و صديقه المقرب، وقف أمامه و تطلع لهيئته بنظرة يملؤها الغيظ مردفًا بمزاح ..
"تاني يا ذكي! .. قصدي تاني يا مالك روحت للي بيضربوك و خلتهم يعلموا عليك تاني يا أبني!"..
نظر له "مالك" بحاجب مرفوع و هو يقول..
"يعلموا على مين يا حسن .. بفضل الله محدش قدر و لا هيقدر يعملها معايا..صاحبك عمل معاهم السليمة و عباهم كلهم في بوكس واحد"..
تطلع له "حسن" مضيقًا عينيه و تحدث بجدية مصطنعة قائلاً..
" اه فعلاً ما بين على وشك أهو "..
رفع يده وبدأ يُشير على جروحه الظاهرة واحد تلو الأخر مكملاً..
"و على كتفك، و عينك! .. دول بوظوا ملامحك خالص يا أبني.. بس الحمد لله رموشك و شفايفك كويسين.. و الباقي بقي كله بايظ"..
ظهر الأسف على وجهه مكملاً..
"يا عيني عليك يا صاحبي كنا عايزين نفرح بيك أنت و بنت الدمنهوري اللي مطلعة عينك و منشفة ريقك بس خلاص أنت كده بقيت غير صالح للجواز" .
أبتسم" مالك" له إبتسامة خبيثة مغمغمًا..
"تصدق أنت عندك حق يا حسن.. أنا فعلاً غير صالح إلا لجواز بنت الدمنهوري اللي هتجوزها بمزاجها أو حتي غصب عنها مش هتكون لراجل غيري"..
رفع يده و خبط على كتفه و تابع بأسف حقيقي..
" الدور و الباقي عليك أنت "..
تبدلت ملامح "حسن" للنقيض،رفع يده أمام عينيه و نظر للحلقة المعدنية الملتفة حول أصبعه، تنهيد بحزن و هو يقول.." مقدرتش أرفض طلب أبويا يا مالك ..و طلبه ده بالذات لانه بيعتبر بنت خالي دي بنته اللي مخلفهاش بعد
موت أبوها اللي كان عميد و اغتاله هو و مراته و ساب بنته "فجر" صغيرة مكملتش 7 سنين ..أتربت في وسطنا لحد ما بقت عروسة دلوقتي " ..
صمت لبرهةً يلتقط أنفاسه و تابع بغصة مريرة قائلاً..
"أنا حب عمرها و هي بالنسبالي زي أختي يا مالك ..خلت أبويا قالهالي صريحة هيقاطعني لو جرحت قلبها و رفضت جوازي منها"..
أستند " مالك" عليه و صعد الدرج واحدة تلو الأخرى مدمدمًا.." اممم.. واضح كده إن خيبتنا واحدة يا حسن.. إسراء برضوا حب عمري لسه مفرتكة جبهتي بواحدة أنت زي أخويا خلتني كنت هثبتلها عملي قدام اللي خلفوها إني أجوزلها و مجوزش لوحدة غيرها"..
أخرج مفتاح الباب الداخلي للفيلا من جيب سرواله، و فتح الباب بحذر و طل برأسه يتأكد من عدم وجود أحد، و من ثم أستند مجددًا على" حسن" و همس بتعب ..
"كلو نايم.. وصلني أوضتي بقي في السريع كده قبل ما حد يصحى آآه "..
قطع حديثه متأوهًا بصوتٍ خفيض حين حمله" حسن" على كتفه على حين غره، و دلف به للداخل بخطي متسارعة..
"مااالك"..صرخت بها "عهد" زوجة والده التي خرجت للتو من غرفتها و اقتربت عليهما و نظرت ل "حسن" بأعين دامعة، و ملامح مرتعدة و صاحت بوجهه بصراخ قائلة ..
" أنت شايله كده ليه!" ..
لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد..
"انطق عملت في أبني أيه؟ "..
قفز "مالك" من فوق كتف" حسن" و نظر لها نظرة راجية ومردفًا "عهد.. أهدي أنا كويس قدامك أهو .. مافيش داعي لصريخك اللي هيصحي البيت كله"..
جحظت أعين "عهد" بصدمة حين رأت هيئته المفجعة، و انفجرت فجأة في نوبة صراخ و بكاء مرردة إسم زوجها دون توقف.." غفرااان"..
ايقظت الجميع بصرخاتها، خرج" غفران" أول واحد راكضًا نحوها احتواها بين ذراعيه و ضمها لصدره بلهفة..
" هششش.. أهدي يا عهد متخفيش حبيبتي"..
"مالك.. مالك أبني مضروب بالنار يا غفران".. همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، ليصطك "غفران" على أسنانه بغيظ، و رمق" مالك" بنظرة غاضبه و هو يقول.. "و هي يعني أول مرة يا عهودة.. ده حتى المرادي أخف من المرة اللي فاتت و جاية في كتفه"..
" مالك.. يا حبيبي يا أبني أيه اللي جرالك"..
كان هذا صوت" فاتن" التي فتحت باب غرفتها و خرجت منه مندفعة بخطي مرتجفه فاتحة ذراعيها لحفيدها تحثه على الاقتراب منها، فنصاع "مالك" على الفور و ارتمي داخل حضنها الذي استقبله بلهفة..
غادر" حسن" المكان بعدما أخذ الأذن من" غفران" بإشارة من عينيه، كان بطريقه للدرج المؤدي للأسفل، لينصدم ب "مكة" التى خرجت راكضة من غرفتها بملامح بدي عليها الذعر،اصتدمت بصدره الصلب كاد أن يسقطها على ظهرها،بلمح البصر كان ألتف بذراعه حول خصرها خطفها كالخطاف منعها من السقوط..
تفاجأت بوجوده هنا أمامها الآن، كتمت شهقة خافتة حين وجدت نفسها، بل كلها داخل حضنه، رفعت عينيها الزائغة و نظرت له نظرة يملؤها الحزن و الخذلان مزقت قلبه،لحسن حظهما أنهم بإحدى جوانب المنزل، لو تحرك بها خطوة واحدة سيراهم الجميع، فظل ثابتًا مكانه يسترق لحظات قليلة في قربها الذي أطاح بعقله..
كان شعرها الحريري مشعث بفيضوية أثر نومها، وجهها الأبيض المستدير تُزينة حمرة الخجل جعلتها قابلة للألتهام، هبط بنظره قليلاً لمنامتها الوردية التي تظهر جمال و فتنة عنقها و كتفها المرمري..
انفجر بركان شوقه و عشقه لها بأوردته،أسبوع كامل لم تخرج من المنزل مطلقًا تجنبًا لرؤيته ،فقد كل ذرة تعقل يملكها و ضغط على خصرها بكف يده ضغطه خفيفة كانت بمثابة ضغطه على قلبها و حرك شفتيه دون إصدار صوت قائلاً..
"واحشتيني يا مكة"..
ربااااه!!!
↚
أخيراً نطق من كانت تظنه حجرًا! ، اتسعت عينيها على أخرها و تطلعت له بذهول و قد تهللت أساريرها و غمرتها سعادة بالغة جعلتها تطير لفوق السحاب، لكن اختفت تلك السعادة سريعًا و هوت بجناحيها مصطدمة بأرض الواقع حين تذكرت أنه أصبح رجل مرتبط، توحشت نظرتها و رمقته بنظرة نارية قبل أن ترفع يدها و تدفعه بعيدًا عنها بعنف و هي تقول بصوتٍ هامس..
"روح قولها لخطبتك يا حسن"..
أنهت جملتها و فرت راكضة من أمامه قبل أن تطولها يده ثانيةً..
................................... صلِ على الحبيب.........
أشرقت شمس يومًا جديد، استيقظت "إسراء" على نثر وابل من القبلات الحارة يوزعها زوجها على كامل وجهها، انبلجت إبتسامة على ملامحها الفاتنة قبل أن ترمش بأهدابها و من ثم فتحت عينيها ببطء..
"يا صباح الجمال .. يا ساحرتي"..
قالها "فارس" و هو يتأمل عينيها بافتنان، فتحت "إسراء" فمها لترد عليه إلا أنها أغلقته ثانيةً، و قد تحولت ملامحها الحالمة لأخرى غاضبة، و دفعته فجأة بعيدًا عنها لكنه لم يتزحزح عنها و لو أنش واحد، بل إلتصق بها أكثر، لتتحدث هي بغضب عارم قائلة..
" أنت دخلت هنا إزاي؟!.. أنا قافله الباب بالمفتاح من جوه و قولت مش عايزه أشوف حد فيكم لا أنت و لا بناتك.. عايز مني أيه بعد ما نفذت اللي في دماغك أنت و بنتك و رضيتم غروركم؟ "..
حاصر جسدها بجسده سيطر على حركاتها المنفعله، سار بكف يده على طول ذراعها العاري صعودًا و هبوطًا، تطلعت له و هي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته..
"عايزك أنتي .. و لا ألف باب يمنعني عنك يا إسراء يا غرام المغرور .. "..قالها بلهجة أكثر خشونة و كأنه يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده..
لثم شفتيها بقبلة رقيقة و أبتعد عنها على مضض مكملاً..
"و عايز رضاكي علينا أنا و بنتك عشان السفرية تبقي سهلة و الورق اللي متعطل ده يخلص "..
" عمري ما هرضي و لا هوافق على غربة البت يا فارس و طول ما أنا مش راضية مافيش حاجة هتم و لا هتكمل"..
تحلى "فارس" بالصبر و أردف بهدوء قائلاً..
"عايزة تفهميني إنك مش عايزه تشوفي بنتك دكتورة كبيرة تشرفنا و تشرف بلدها؟ "..
التمعت أعين" إسراء " بالدموع و تحدثت بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلة..
" كل أم بتتمنى تشوف ولادها أحسن الناس.. و أنا نفسي تكون بنتي هنا جنبي و قلبي مطمن عليها أكتر من إنها تبقي ناجحة و هي بعيد عن حضني "..
" بس لو بنتك فضلت هنا جنبك هتفضل و هي مجبورة و هتبقي مهمومة و حزينة طول الوقت لأننا وقفنا في طريق حلمها.. أنتي عارفة إن الكلية اللي قبلتها دي كانت حلم حياتها اللي فضلت تجتهد عشانه طول السنين اللي فاتت، و لما توصله بعد كل التعب و المجهود اللي بذلته نيجي إحنا و نمنعها عنه! عمرها ما هتسمحنا و مش بعيد تكرهنا و تكره اليوم اللي اتولدت فيه لقيتني أنا أبوها و أنتي أمها "..
ظهر التأثر على ملامح" إسراء " جعلته يظن أنه أقنعها بحديثه هذا، لتصدمه حين صفقت بكلتا يديها فجأة و صاحت في وجهه بصوتها الناعم قائلة..
" يا أخويا أنا عايزاها تكرهني بس تتنيل و تقعد قدام عيني هنا و لا تحبني و هي متغربة و بيني وبينها بلاد"..
" أخويا!! بقي أنا أخوكي؟".. قالها بعبث و هو يجذها عليه و أجلسها على قدمه مكملاً بوقاحة..
"ده أنتي عماله تغريني بكل الطرق عشان تحملي مني و تجيبي الواد اللي نفسك فيه"..
توهجت وجنتيها بحمرة الخجل، و لكزته بخفه في كتفه بقبضة يدها مردفة بعتاب.." و أنت يعني في حاجة قصرت فيك.. قلبك طاوعك و قساك عليا و بعدك عني"..
لثم عنقها هامسًا بحميمية..
"أنا قلبي ده محنش إلا ليكِ أنتي و بعدي عنك على عيني بس من خوفي عليكي يا إسراء "..
مالت برأسها على صدره، و همست بدلال قائلة..
"يبقي عشان خاطري أقنع إسراء تشيل فكرة السفر دي من دماغها خالص "..
أستمر في تقبيلها و هو يقول.." مينفعش يا بيبي.. أحنا خلاص جهزنا كل حاجة و فاضل ورقة واحدة بس هي اللي موقفة سفر البنت أدعي لينا نلاقيها الورقة دي عشان بنتنا تسافر و تشوف مستقبلها"..
"مش هتلاقوها الورقة دي يا فارس ".. أردفت بها بعصبية مفرطة، و هي تنهض بغضب مبتعدة عنه و تابعت باندفاع قائلة.." مالك خفي الورقة و مش هتعرفوا توصلوا ليها "..
توقفت عن الحديث حين رأت الغضب ظهر على ملامح زوجها الذي نهض من مكانه بهدوء مريب و على وجهه إبتسامة مخيفة، و اقترب منها و تحدث بنبرة دبت الرعب بأوصالها قائلاً..
"قولتي مالك؟ .. مالك ابن غفران هو السبب في تعطيل سفر بنتي"..
حركت" إسراء " رأسها بالايجاب و السلب في نفس الوقت مدمدمة بشجاعة زائفة.. "اممم.. لا.. آه هو.. مش خطيبها و من حقه يمنعها لحد ما يتجوزها و بعد كده لو عايزه تسافر تبقي تسافر مع جوزها على الأقل متبقاش لوحدها و نبقي مطمنين عليها"..
" افهميني.. أنا مش هغصب بنتي على حاجة هي مش عايزاها.. و مالك ال **** أنا هروح أطلع ***** هو وأخواته كمان عشان يحلوا عني أنا و بناتي"..
قالها و تركها و خرج كالقذيفة المشتعلة، لتقابله ابنته" إسراء " التي تحدثت بغضب يُشبه غضبه تمامًا قائله..
" مالك هو اللي معطل سافري يا بابي مش كده؟ "..
حاول" فارس " السيطرة على ذروة غضبه حتى لا يتفوه بألفاظه البذيئة أمام صغيرته، صك على أسنانه كاد أن يهشمها و هو يجيبها..
"هو.. مالك ابن.... غفران.. أنا رايح له بنفسي"..
"أنا كنت واثقة إن هو" ..قالتها "إسراء" بابتسامة مصطنعة، و صمتت لوهلة و تابعت بنبرة تحدي قائلة..
" استني أنت من فضلك يا بابي.. أنا اللي هروح له.... "..
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
بعض العلاقات ليس لها مسمى ولا تتحدد ببداية ونهاية ورغم ذلك تحمل الكثير من التفاصيل مبهمة، مبهرة، و غريبة تمر كالبرق الخاطف وصوت الرعد القوي ...
بإختصار تنتبه لها بكل حواسك حتي أن حواسك تحملك فلا تشعر للأرض بجاذبية..
"مالك"..
تملك منه التعب و الإرهاق حتى أصبح في حالة يرثي لها، يرتمي على الفراش بزيه العسكري لا يقوي حتى على خلعه من شدة تعبه..
"اااه.. مش قادر.. سبوني أناااام و محدش يفكر يصحيني السنادي.. اللي هيصحيني هزعله "..
قالها بصوتٍ مرهق بدي كالمخمور تمامًا قبل أن يغلق عينيه فور سقوطه على الفراش و غرق بنومٍ عميق أشبه بالغيبوبة، تجمع حوله جميع عائلته، و قاموا أشقائه بمساعدته على تغير ثيابه، عدلوا وضعه بالفراش لوضع أكثر راحة..
"إبنك متفشفش المرادي أكتر من المرة اللي فاتت يا بوب"..
قالها "زين" و هو ينظر ل"مالك" نظرة يملؤها الأسف، ليجيبه "غفران" و هو يدثر إبنه بالغطاء جيدًا..
"لا المرادي أقل من المرة اللي فاتت بس قلة النوم اللي عاملة فيه كل ده.. الباشا مطبق بقاله كام يوم و هلك روحه في المهمة دي لحد ما كانت هتخلص عليه "..
" ممكن تطلعوا تتكلموا برة و تسبوه يرتاح شوية على ما نحضر له حاجة يأكلها و نصحيه عشان ياخذ علاجه"..
قالتها "عهد" و هي تدفع زوجها و أبنائها لخارج الغرفة برفق حتى اخرجهم منها، و قامت بإغلاق الباب خلفها بعدما نظرت نظرة أخيرة تطمئن بها على ذلك النائم..
↚
مّر أكثر من ساعة عادت" عهد" تدفع عربة مخصصة للطعام، كانت" فاتن"برفقتها دلفوا سويًا لغرفة" مالك" الغارقة في الظلام، و قاموا بإزاحة الستائر ليعم نور الشمس المكان بأكمله..
"ياااا عهد.. يااااا جدتي أبوس أيديكم سبوني أناااام"..
صاح بها بنبرة راجية دون أن يفتح عينيه، اقتربت منه "فاتن" وجلست بجواره على الفراش و تحدثت بحنو قائلة..
"يا حبيبي قوم كل حاجة بسيطة و خد علاجك عشان جروحك دي تلم بسرعة و نام تاني"..
جاءت "عهد" من الجهة الأخرى و جلست بجواره أيضًا و أخذت تربت على كتفه برفق و هي تقول بتأيد لحديث حماتها..
"أسمع كلام جدتك يا مالك" ..
وضعت كف يدها على جبهته تجس درجة حرارته مكملة ببوادر بكاء..
" حرارتك بدأت تعلي و ده غلط أوي على جروحك يا أبني.. قوم عشان خاطرنا كل أي حاجة و خد العلاج خليه ينزل حرارتك دي شوية عشان تنام مرتاح"..
أردف "مالك" بنفاذ صبر قائلاً..
"مش هقدر أكل أي حاجة.. لو كلت مش هعرف أنام و أنا جعان نوووم يا جدعان..هتسبوني أنام و لا أروح أنام في القسم؟"..
حركت" فاتن " رأسها بيأس و هي تطلع ل" عهد" مردفة..
" سبيه يا عهد ينام.. يمكن يتحسن لو نام شوية و يقوم فايق وقتها هياكل"..
"يعني مش هتصحي حتى عشان خاطرنا و تشرب كوباية الحليب دي عشان تغذيك شوية يا مالك؟ "..
قالتها" عهد" بنبرة راجية،
بكى" مالك" بصطناع مدمدمًا..
" حليب يا عهد هو أنا بسنن !! خديها يا جدتي معاكي من فضلك و اقفلوا الباب وراكم، و مش عايز مخلوق يصحيني مهما كان.. سبوني لما أصحى أنا لوحدي"..
انصاعوا لرغبته على مضض و غادروا الغرفة بعدما أعادوا غلق الستائر من جديد، تركوا الطعام مغطي بجانب فراشه، لتستسلم أعين "مالك" للنوم ثانيةً بينما ذهنه حاضر كأنه في حالة بين الوعي و اللاوعي، مدرك و يستمع لكل ما يدور حوله..
" مالك و مكة أحوالهم مش عاجبني خالص يا ماما فاتن و بالذات مكة حاسة أن في حاجة بتحاول تخبيها و دايمًا بقت حزينة و بتسرح كتير أوي اليومين دول ".. قالتها" عهد" و هي تسير بجوارها و قامت بتوجيهها نحو غرفة "مكة" ..
تنهدت "فاتن" و هي تقول بأسف..
"أنا كمان لاحظت يا عهد.. و كمان عرفت أنها أخر مرة خرجت راحت المقابر زارت شهد الله يرحمها"..
لم تنعتها بوالدتها، الأم بنظرها هي" عهد" من قامت بتربيتها كما لو كانت ابنتها من دمائها بعدما تركتها والدتها منذ والدتها لجدتها و انشغلت بأفكارها السودوية التي كانت السبب الأساسي في طلاقها من زوجها ، حتى تزوجت" عهد" والدها و اهتمت هي بأولاده بنفسها، واصلت الليل بالنهار بجانب طفلة لم تتعدى الثلاث سنوات حتى أصبحت طالبة متفوقة بكلية الطب..
تيبست أقدام" عهد" محلها لبرهة، و تطلعت ل" فاتن" بأعين زائغة تدل على مدى قلقها و توترها و أردفت بتسأل قائلة..
"عرفتي منين يا ماما؟ و من أمتي مكة بتروح المقابر لوحدها! "..
اجابتها" فاتن " قائلة..
" هي اللي قالتلى.. و متخفيش هي مرحتش لوحدها كانت مع حسن رئيس حرس غفران "..
"اممم.. كانت مع حسن!! ".. دمدمت بها" عهد" و قد بدأ يُهاجمها شعور بالريبة تجاه هذا ال" حسن"..
" طيب خلينا ندخل نصحيها و نشوف مالها و ليه مخرجتش خالص من البيت بعد أخر مرة؟! "..
........................ صلِ على الحبيب.............
" فارس"..
كان يقود سيارته الفارهه بنفسه، يتوسط بها سيارات الحراسة الخاصة به، بجواره تجلس "إسراء" نسخته المصغرة التي تُشبهه في كل طباعه، حتى في نظراته المتكبرة و غروره المثير للأعصاب..
صف سيارته على جانب الطريق فجأة قبل أن يصل لفيلا صديق عمره "غفران المصري" ، عقدت "إسراء" جاجبيها و نظرت له بقلق مردفة بتسأل..
"وقفت هنا ليه يا بابي؟!"..
خلع "فارس" نظارته الشمسية و نظر لها نظرة مطوّلة، نظرة يملؤها لهفة، خوف، حب أبوي صادق و تحدث بهدوء قائلاً..
"إسراء أوعى تفتكري إني جاي معاكِ دلوقتي عند مالك عشان خايف عليكِ منه..أنا واثق أنه يفديكي بروحه "..
"وأنا كمان واثقة أن مالك عمره ما يأذيني.. إحنا متربين سوا و هو بالنسبالي أخ و صديق و رأيه بصراحة يهمني عشان كده طلبت من حضرتك إني أتكلم معاه و أقنعه برغبتي في السفر "..
أبتسم لها" فارس " و هو يقول بتعقل..
" بس هو مش اخوكى يا حبيبتي و أنتي بالنسبة له مش أخت ولا هتكوني في يوم من الأيام و كلنا عارفين كده و أنتي كمان عارفه حقيقة شعوره من نحيتك.. أنتي مش هتكوني غير حب حياته اللي مستحيل يتنازل عنه و بغض النظر عن الحرب العالمية اللي بيني و بينه بسببك.. بس مالك ده أنا بعتبره زى أبني و بتمني إنك تديله فرصة و توافقي على جوازك منه يا إسراء "..
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تتحدث"إسراء" بحكمة اذهلت" فارس " حين قالت..
" حضرتك علمتني إن كل حاجة في حياتنا ليها وقتها.. و لازم نرتب أولوياتنا و نشوف أيه الأهم و بعدين نشوف أيه المهم.. و أنا الأهم عندي حاليًا إني أحقق حلمي في التعليم.. حابة أخلص تعليمي و أخد شهادة تشرف أرفع رأسك أنت و مامي و أخواتي بيها"..
صمتت لوهلة و تابعت بابتسامة خجولة قائلة..
"أما بقي موضوع الحب و الجواز ده و ارتباطي ب مالك أو غيره فأنا بصراحة مش مستعجلة عليه خالص "..
ضيق" فارس " عينيه و رمقها بنظرة متفحصة مغمغمًا..
" عايزه تقنعيني إن في بنوته زي القمر كده زيك عارفه إن في واحد بيعشق الهوا اللي بيطير حواليها و مبتفكرش تعيش قصة حب جنونية معاه ؟!"..
أبتسمت له "إسراء" و تحدث بفخر قائلة..
" أنا بشوف أن البنت اللي بدور على الحب في راجل غريب بيبقي عندها احتياج للحب ده لأنها محرومة منه في حياتها .. لكن أنا ربنا رزقني بأب ربانى بحب الدنيا كله.. ملي عيني و قلبي و مسابش أي مكان لذرة احتياج جوايا.. ربنا ميحرمنيش منك أبداً يا بابي أنت و مامي"..
تطلع لها "فارس" بفرحة غامرة تسع الكون بأكمله، يرى أمامه الآن حصاد سنوات طويلة أجتهد كثيرًا ليكون خير الأب لها و لأخواتها، حديثها هذا الآن أثبت له أنه قد نجج بجدارة..
" تمام يا بنت فارس.. اقنعتيني بكلامك "..
أشعل محرك سيارته مجددًا و بدأ يقود مكملاً..
"خلينا نشوف هتقنعي الباشا اللي معطل سفرك ده إزاي؟.. عشان لو مقتنعش هخلصك منه مؤقتًا على ما أنتي تحققي حلمك و تخلصي تعليمك و بعدين تحققي حلمي أنا و أمك بجوازك من مالك يا إسراء "..
رفعت" إسراء " أنفها بكبر، و قد تشكلت على ملامحها نظرات الغرور مردفة ببرود ..
" إن شاء الله هتجوز و هحقق حلمك أنت و مامي يا بابي بس العريس مش هيكون مالك "..
................... لا إله إلا الله وحده لا شريك له.............
بقصر الدمنهوري..
هبطت" إسراء" الدرج راكضة حين استمعت لصوت صراخات بأسمها..
"يا خالتو إسرااااء.. الحقيني ماما هتموتني".. كان هذا صوت" فاطمة" ابنة" إيمان " صديقة" إسراء " و كانت زوجة شقيق زوجها المتوفي..
"أيه ده.. في أيه يا إيمان؟!"..
نطقت بها "إسراء" بهلع و هي تهرول تجاه "إيمان " التي تركض خلف ابنتها ممسكة بيدها قطعة من التحف المعدن، بملامح بدت مرعبة من شدة غضبها..
" أوعى يا إسراء سبيني أموتها "..
أحكمت "إسراء " سيطرتها عليها و صاحت بانفعال قائلة..
"تموتي بنتك بإيدك يا إيمان!.. أهدي و قوليلي أيه اللي حصل لكل ده بس"..
↚
حاولت" إيمان" الافلات منها بشتى الطرق و هي تقول بأنفاس لاهثة نتيجة غضبها العارم..
"البنت اللي ربنا رزقني بيها بعد سنين طويلة من الحرمان..البنت اللي اترملت عليها و عشت بيها و ليها هي و ربيتها بما يرضي الله لحد ما بقت عروسة في تانية ثانوي عام عايزه تسيب التعليم عشان تسافر برة مصر و تشتغل ممثلة!!.. عايزه تسيبني و تبعد عن حضني هي كمان زي ما أبوها و أخوها سبوني يا إسراء "..
كانت تتحدث و عينيها تذرف الدموع.،ضمتها "إسراء " لحضنها و قد امتلئت عينيها بالعبرات هي الأخرى من شدة تأثرها، ف" إيمان " كانت تكفلت هي و زوجها بطفل صغير إسمه" محمود" حين ظنت أنها لن تستطيع الإنجاب، قامت بأرضاعه و أصبح عزيز قلبها الذي عوضها به الله، ليكافئها الله علي صبرها و معاملتها الحسنة بالصغير بحملها للمرة الأولى لكنها أصبحت أم للمرة الثانية، ف "محمود" كان ابنها الأول، كانت حياتها مثالية تمامًا قبل أن يصفعها الزمن صفعة دامية حين توفي زوجها و أبنها بحادث سير منذ عشرة سنوات، جمعت شتات نفسها لأجل صغيرتها و دفنت حزنها بقاع قلبها راسمة القوة و الثبات من أجلها.. لكنها تحيا بقلبٍ محترق دمره فراق أغلى و أحب البشر بالنسبة لها..
تطلعت لها "إسراء" بصدمة و تحدثت بذهول قائلة..
"عايزه تسافري و تسيبي أمك يا فاطمة؟!"..
فتحت "فاطمة" فمها لترد عليها، لكنها أغلقته ثانيةً و ابتلعت صرخة مرتعدة حين صاحت "إيمان" بصراخ مقهور قائلة..
"يا ريتها عايزه تسيبني أنا بس.. بقولك عايزه تسيب التعليم كمان يا إسراء "..
"أنا مش هسيبه غير سنة واحدة و هرجع أكمل تاني يا ماما ".. قالتها "فاطمة" التى اقتربت و وقفت خلف ظهر "إسراء" ..
"و ليه تضيعي سنة من عمرك بس يا بنتي".. غمغمت بها "إسراء" و هي تجاهد لأبعاد يد " إيمان " عنها..
قالت" فاطمة" ببكاء مصطنع..
" معروض عليا فرصة بطولة فيلم في هوليوود متتعوضتش يا خالتو.. مستحيل اضيعها من أيدي لو فيها موتى.. و عماله اتحايل على ماما عشان توافق و تسافر معايا و هي مش راضية"..
تنهدت" إسراء" بنفاذ صبر قائلة..
"يا بنتي ما أنتي عاملة شغل حلو أوي و أنتي هنا في بلدك.. كفاية إنك جنب أمك و بتكملي تعليمك.. و بعدين متضمنيش شغل برة ده هيكون عبارة عن أيه.. خصوصاً دول أجانب و أكيد شغلهم هيبقي مختلف عن شغل التمثيل اللي عملتيه هنا في مصر "..
تحدثت" إيمان" بنبرة متوسلة قائلة..
"قوليلها يا إسراء.. فهميها أنتي أنا مش موافقة و لا هوافق على اللي هي عايزه تعمله ده ليه.. فهميها أنتي أيه اللي ممكن يجرالنا أنا و هي و إحنا لوحدنا في بلد غريبة و مع ناس أغراب منعرفهمش"..
نفخت" فاطمة" بضيق و هي تقول..
" لو أنتي خايفة على نفسك متسافريش معايا و خليكي هنا"..
" و تسافري أنتي لوحدك إزاي بس يا بنتي؟! "..
أردفت بها" إسراء " بتعجب من إصرارها، لتعقد" فاطمة" كلتا يديها أمام صدرها و رمقتها بنظرة ساخرة مرددة..
" طيب ما إسراء بنتك هتسافر تكمل تعليمها برة مصر و لوحدها يا خالتو! "..
" قولتلك سبيني أموتها يا إسراء".. هدرت بها" إيمان " و هي تهجم عليها على حين غرة و تجذبها من خصلات شعرها السوداء الفاحمة بمنتهي العنف، لتسرع "إسراء" بتخليصها من يدها، و تحدثت بنبرة راجية قائلة..
" يااا إيمان أهدي.. مش كده يا حبيبتي ليجرالك حاجة "..
نظرت ل" فاطمة" نظرة نارية، لتبادلها النظرة بأخرى جامدة، و تحدثت بغضب قائلة..
"و مين قالك أني موافقة و لا حتى هوافق على سفر بنتي؟.. و لو حصل و وافقت ف بنتي مبتخطيش خطوة واحدة هنا إلا و وراها حراسة مشددة و أكيد مش هتسافر من غيرهم يعني مش هتبقي لوحدها زي حضرتك يا فاطمة هانم"..
لم تعاير حديثها أي إهتمام، و نظرت لوالدتها نظرة خالية من المشاعر و تحدثت بلهجة حادة لا تقبل الجدال قائلة ..
" لو منعتيني من السفر يا ماما و الله لأموت لك نفسي و أحصل أخويا و أبويا "..
...................... سبحان الله وبحمده ........
بفيلا" غفران"..
دلف "فارس" برفقة ابنته، محاوط كتفيها بحماية،رفع حاجبيه بدهشة حين لمح "زين، فهد، فارس" أبناء "غفران" يأتون راكضين نحوه..
" يا مراحب بالغالي أبو الغوالي"..
نطقوا بها بنفس واحد و هم يبحثون بأعينهم عن باقية بناته..
"يا أهلاً بالبهوات".. قالها و هو يتنقل بنظره بينهم بحاجب مرفوع..
"أيه ده يا فارس يعني أنت يوم ما تحن علينا و تيجي عندنا تيجي أنت و إسراء بس؟!"..
قالها "زين" و هو يبتسم له ابتسامة مزيفة، و عض على شفتيه السفلية في الخفاء بحركة وقحة مكملاً..
"مجبتش معاك زهراء الفرسة حجي ليه بس يا جدع؟ "..
صاح "فهد" بغيظ قائلاً.. "و لا جبت فراستي.. قصدي رواء ليه بس يا كبير!! "..
بينما أبتسم" فارس " الصغير ابتسامة ماكرة تدل على أنه اكتسب صفاته أيضًا و ليس إسمه فقط حين قال بخبث..
"أنت نورتنا انهارده و بما إنك نورت هنا فأكيد ضلمت هناك عند البنات فأنا هروح لهم أنور بدالك على ما تاخد أنت قعدتك و ترجع بيتك"..
" خدنا ننور معاك عنده هناك ياض".. أردف بها "زين، فهد" و هموا بالركض من أمامه ليوقفهم هو بإشارة من يده، و ينظر لابنته "إسراء" و تحدث بهدوء مريب قائلاً..
" روحي أنتي ل عهد و مكة و اقفين مستنينك و أنا هحصلك"..
أومأت له و دلفت هي للداخل، لينتظر هو قليلاً حتى تأكد أنها ابتعدت بالقدر الكافي و تحدث بتحذير قائلاً..
"اللي هيروح هناك هيضرب.. أنا مدى أوامر للحرس لو لمح خيال حد فيكم أنتو التلاتة يضربه"..
دوت صوت ضحكاتهم و ساروا من أمامه بخطي واسعة مرددين..
" ضرب الحبيب أحلى من الزبيب يا دمنهوري"..
"بس دي مش أي ضربة.. دي هتبقي الضربة القاضية يا ولاد غفران ".. هكذا اوقفهم عن استكمال سيرهم، استداروا ببطء و نظروا له بتوجس ليبتسم هو لهم إبتسامة مصطنعة مكملاً..
"أيوة بالظبط زي ما فهتموا كده.. بعت جبت طقم نبل جديد لانج بيشتغل ديجيتال من هولندا مخصوص عشانكم و وزعتهم على الحرس و طبعاً أنتوا أكيد عارفين أنا وصيتهم ينشنوا فين"..
"أنا بقول ميصحش نسيبك و نمشي يا فارس باشا"..
قالها "زين" و هو يدفع أشقاءه بخوف مصطنع للداخل مرة أخرى و يصعدون معه الدرج المؤدي لداخل المنزل..
................................ سبحان الله العظيم.....
" إسراء "..
عانقت" عهد" و من بعدها" مكة" مردفة بصوتها الناعم..
" وحشتوني أوي أوي يا عهودة أنتي و مكة"..
"أنتي اللي وحشتينا يا إسراء".. قالتها "فاتن" التي انضمت لهم للتو، لتهرول "إسراء" نحوها و تعانقها هي الأخرى مرددة بودٍ..
"حبيبتي يا نانا فاتن"..
" أهلاً أهلاً بحبيبتي بنت حبيبي".. قالها "غفران" و هو يقترب منهم و وقف ينتظرها تنهي سلامها على والدته..
" انكل غفران.. واحشتني يا انكل"..
أردفت بها "إسراء" و هي تهم بعناقه هو الأخر، لكنها شهقت شهقة قوية حين وجدت "مالك" ظهر لها فجأة من العدم و وقف حائل بينها و بين والده بعدما خرج مندفع كالقذيفه المتوهجة من غرفته فور وصول صوتها لسمعه، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة،مكتفي بسروال قطني من اللون الأسود، عاري الصدر ليظهر الشاش الطبي الموضوع على جرح كتفه، و آثار الجروح الأخرى المتفرقة عل كامل جسده..
سار نحوها.. هدفه هي و مقصده، عينيه مصوبة عليها هي وحدها،
صدمة أصابت الجميع بالشلل المؤقت حين خطفها من بينهم، احتوي خصرها الصغير بذراعه السليم، و حملها لداخل حضنه حتى لم تعد قدميها لامسة الأرض و أختفي بها من أمامهم لداخل غرفته صافعًا الباب خلفه بالمفتاح في طرفة عين، كان يتحرك كالذئبق تركهم في حالة ذهول، يتطلعون لبعضهم البعض بفمٍ مفتوح ..
"خير يا جماعة مالكم واقفين كده ليه؟!"..
كان هذا صوت "فارس" الذي دار بعينيه يبحث عن ابنته بينهم، فلم يجد لها أثر، فنظر لصديقه و تحدث بنبرة مخيفة قائلاً..
"فين بنتي يا غفران؟!"..
هنا فاقوا من صدمتهم، و ركضوا جميعهم بلا استثناء حتى وصلوا لغرفة ذلك ال "مالك"..
" أفتح يااااا حيوااان"..
صاح بها "غفران" و هو يطرق على الباب بكل قوته، ليأتيه صوت "مالك" يقول بسعادة بالغة و هو يقترب بخطوات متلهفة من "إسراء" التي تقف أمام الخزانة الذي صنعها خصيصًا لأجلها، تشاهد ما بداخلها بأعين منبهرة، أقترب منها حاصرها بجسده ..
"ابعت هات فارس الدمنهوري"..
غمز لها بإحدى عينيه مكملاً..
"حمايا و قوله بنته جت لي لحد البيت تطلب أيدي للجواز و أنا وافقت.. خليه يجيب معاه المأذون و يلحقني قبل ما أدخل بها........... "..
↚
"أفعل يا إبن آدم ما شئت فكما تُدين تُدان"..
تردت بعقل "فارس" الواقف أمام باب غرفة "مالك" المغلق على ابنته، مّرت ذكريات بينه و بين والدتها لن تُمحي من ذاكرته للأبد..
"أفتح يا مالك الزفت ".. صاح بها بصوتٍ كالإعصار الغاضب، و من ثم نظر ل "غفران" و تحدثا في نفس واحد..
" اللي عملناه في الناس هيطلع علينا و لا أيه!!"..
ساد الصمت للحظات قبل أن ينفجر الجميع في نوبة ضحك معادا الصديقان "فارس، غفران" يتطاير الشرر من أعينهم يدل على مدى غضبهم..
" أفتح يالا..أفتح لكسر أم الباب على دماغك "..
قالها "غفران" و هو يلكم الباب بكل قوته، ليوقفه" فارس " الذي تحدث بنبرة هادئة لكنها كانت حقًا مرعبة حين قال..
"أهدي يا غفران.. إسراء هي اللى هتفتح الباب دلوقتي حالاً"..
جملته كانت موجهه لابنته التي كانت تقف تطلع بانبهار للخزانة المملؤة بأغراضها حين كانت طفلة صغيرة ، الكثير و الكثير من صورها بمراحل عمرها المختلفة معلقة على جدران الخزانة، فستانينها، ألعابها، خصلات من شعرها حتى ثيابها الداخلية الطفولية محتفظ بهم بعناية فائقة ..
صوت والدها الغاضب جعلها تنتبه على حالها لتجد نفسها محاصرة بين "مالك" و بين الخزانة، يقف خلفها مباشرةً المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان، تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح عنقها ..
"عجبتك؟".. غمغم بها بهمس متلهف داخل أذنها، أستدارت و نظرت له بعينيها نظرتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا، بل تُذيب عظامه أيضًا و رفعت يديها دفعته بكفيها بصدره بعيدًا عنها مردفة بتحذير..
"خليني أفتح الباب لبابي الأول لأن لو مفتحتش هيدخل هو و ساعتها اللي هيعمله فيك مش هيعجبنا إحنا الاتنين"..
إعترض طريقها و اقترب منها أكثر حتي التصق ظهرها بالخزانة خلفها، و مال برأسه على وجهها، تأمل ملامحها بافتنان مغمغمًا.. "وافقي على جوازنا يا إسراء"..
"أوعى من طريقي خليني أفتح الباب و بطل جنان يا مالك.. أنت مافيش فيك حتة سليمة يضربوك فيها! "..
قالتها و هي تدفعه ثانيةً و تهرول تجاه الباب بخطي راكضة..
"خد لك ساتر يا مجنون"..
نطقت بها قبل أن تفتح الباب، دون صوت اكتفت بتحريك شفتيها فقط..
ألقى لها قبلة بالهواء، و غمز لها بشقاوة مرددًا باهيام..
" بيكِ.. أنا مجنون بيكِ"..
"تعالالي يا عم المجنون.. أنا بقي هعقلك و هعلقك ".. كان هذا صوت "فارس " الذي اندفع لداخل الغرفة هو و"غفران " فور فتح الباب، و هموا بالهجوم عليه لتركض "إسراء" و تقف أمامهم تمنعهم من الوصول إليه مردفة بنبرة راجية..
"بابي.. انكل غفران أهدوا المرادي بليز.. أنتو مش شايفين هو متبهدل إزاي!! "..
" لدرجة دي خايفة عليا يا قلب مالك".. قالها و هو يلف ذراعه حول خصرها و جذبها بلهفة داخل حضنه ظهرها مقابل صدره و قام بطبع قبلة عميقة على وجنتها ، شهقت "إسراء" بقوة و قفزت مبتعده عنه لداخل حضن والدها و رمقته بنظرة نارية و هي تقول..
"تصدق أنا غلطانة إني بدافع عنك.. تستاهل كل اللي حصل لك و اللي هيحصل لك دلوقتي"..
"سبهولي".. نطق بها "غفران" و هو يسدد له لكمه قوية تفاداها "مالك" ببراعة، ليفاجئه "فارس" بلكمة من الجهه الأخرى تراجع على آثارها عدة خطوات للخلف..
"بتبوس بنتي قصاد عيني يا بجح!! "..
قالها و هو يهم بلكمه مرة أخرى لكن" مالك" تفاداها و ضحك بملئ فمه و هو يقول..
" تربيتك و تعليمك يا سيادة الدنجوان فارس باشا"..
صك "فارس" على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها من شدة غيظه، بينما "غفران" كان يستعد للهجوم عليه ليمنعه "فارس " بنظرة من عينيه حين رأي حالة "مالك"التي إزدادت سوء جعلته يترنجح في وقفته قليلاً..
"مالك أنت كويس؟"..
كان هذا صوت" إسراء " التي اقتربت منه بخطوات متلهفة
، نظر لها" مالك" بابتسامة دافئة، و تحدث بصوتٍ مُتعب قائلاً..
"بقيت كويس لما شوفتك"..
زاد ترنجح جسده حتى أوشك على السقوط لولا يدها هي التي التفت حول خصرة بطرفة عين و أسنتدته بجسدها الصغير، جاهد هو حتى يستعيد توازنه لكن شدة إرهاقه لم يمهله، فرتمي بثقل جسده عليها دون أرادته جعلها تصرخ بستغاثه قائلة..
"الحقنا يا بابي"..
ليسرع كلاً من "فارس، غفران" نحوهما و قاموا بمساندته و توجهوا به نحو فراشه، بقي "مالك" متمسكًا بها بذراعه السليم، ليبعد والدها يده عنها، فهمس "مالك" بنبرة متوسلة بين الوعي و اللاوعي..
"خليها معايا يا فارس.. متخدهاش مني"..
"أنت مالك ياض مدغدغ المرادي ليه كده؟!"..
قالها" فارس " بقلق جمٍ و هو يتنقل بنظره بينه و بين "غفران" الذي أجابه بهمس قائلاً..
"البيه مطبق بقاله كام يوم في مهمة انتحارية الحمد لله أنه رجع منها عايش"..
رمقه "فارس" بنظره غاضبه و همس من بين أسنانه قائلاً..
"و لما أنت عارف كل ده سبتني أضربه ليه بس يا جدع أنت !!.. و كمان كنت عايز تكمل عليه!!.. أنت عايز تموت جوز بنتي يا غفران؟! "..
" إسراء ".. تفوه بها" مالك " و هو يجاهد بيفتح عينيه ليبحث عنها..
جلست "إسراء" على طرف الفراش و تحدثت بصوتها الناعم قائلة..
"أنا هنا يا مالك "..
مدت يدها وضعتها على يده ليقبض هو على كفها بلهفة، نظر لها بأعين شبه مغلقة، و همس بضعف قائلاً..
"خليكي معايا.. أوعى تسبيني و تمشي"..
" مش همشي.. أطمن".. أردفت بها و هي تضع كف يدها الأخرى على جبهته ليغرق هو في نومًا عميق على الفور دون أن يترك كفها..
" يا نهار أبيض ده حرارته عالية جدًا.. مكة هاتي مية بسرعة.. و أنتي يا طنط عهد من فضلك تعالي ساعديني نعمله كمدات"..
انبلجت ابتسامة على قسمات " فارس " و هو يقول..
"تيجي نجيب المأذون و نجوزهم و نخلص"..
قال "غفران" ..
"بنتنا تقول موافقة بس و أنا أبعت أجيب المأذون وقتي"..
" أيه رأيك يا إسراء.. نبعت نجيب المأذون؟! "..أردف بها"فارس " بنبرة جادة و تمنى بداخله أن يلين قلبها و توافق على زواجها من هذا المجنون بعشقها..
لتنظر له نظرة عاتبة تُذكره بحديثها معه قبل مجيئهم إلى هنا، و ردت عليه بذكاء لتغير مجري الحديث قائلة..
" أبعت هات دكتور خلينا نطمن عليه الأول يا بابي "..
............................... صلِ على محمد.........
↚
"مكة"..
كانت داخل المطبخ تضع إناء أسفل الصنبور لتملئه بالمياة التي طلبتها منها "إسراء" حين رأت "حسن" يقف أمام النافذة المطلة على الحديقة يتحدث في هاتفه..
قادها فصولها و سارت تجاه النافذة التي لا تُتيح لمن بالخارج رؤية من بالداخل، فتحتها بحرص و وقفت تصتنت لحديثه..
"قولتلك قبل كده يا فجر متتصليش بيا و أنا في الشغل إلا لو في حاجة مهمة"..
أتاه صوتها الرقيق تقول بلهفة..
"واحشتني أوي يا حسن.. بقالى أسبوع بحاله مسمعتش صوتك"..
حاول السيطرة على انفعاله حتى لا يجرحها بأسلوبه الجاف ، فهي بالأخير لا ذنب لها سوي حبها له، فتنهد و هو يقول بلطفٍ..
"أنتى عارفة إني إجازة بكرة.. مش قادرة يعني تستني لبكرة و تكلميني عشان أعرف أكلمك" ..
ضحكت بغنج مدمدمة..
" اممم.. بصراحة مقدرتش أستنى.. قولت أكلمك أسمع صوتك و أقولك إنك واحشتني و أعرف إن كنت واحشتك أنا كمان و لا أنا مبوحشكش يا حسن؟"..
أطبق جفنيه و هو يتذكر" مكة" حين همس لها و هي داخل حضنه بتلك الكلمة، أسترجع احساسه وقتها و مدى إشتياقه و لهفة قلبه لقربها، تخيلها هي التي تحدثه الآن و تحدث بنبرة عاشق أرهق قلبه الإشتياق قائلاً..
" طبعاً بتوحشيني.. بتوحشيني أوي كمان"..
جملته هذه سقطت كالصاعقة على رأس و قلب "مكة" زلزلت كيانها كله دفعة واحدة، هبطت دموعها كالشلال على وجنتيها، قد شعرت بروحها تتمزق أشلاء من شدة تألمها، فما أصعب شعور الحب من طرف واحد، يضاهي شعور الموت بسهم حارق يُصيب القلب فيشعله بنيران لا تطفئ أبدًا ..
كان الاناء قد امتلأ حتى فاضت منه المياه، لتأتيها فكرة ربما تهدأ من غضبها، و غيظها لو قليلاً، خاصةً أنها تشعر بالغيرة الشديدة عليه تنهش قلبها، و إذا غارت المرأة على رجل تعشقه لا تتحكم في أفعالها حتى أنها لا تدري أعلى الوادي من أسفله..
"إما وريتك يا حسن مبقاش أنا مكة"..
أبتسمت إبتسامة شريرة و هي تحمل الاناء الممتلئ على أخره حملته و صعدت به على رخامة المطبخ، و همت بسكبه فوق رأس "حسن" لكنها فقدت توازنها فصرخت صرخة مرتعدة و هي تسقط من النافذة خلف الاناء..
"مكة!!!".. كان هذا صوت "غفران" الذي كان يقف برفقة"فارس" بشرفة غرفة "مالك" حين رأي ما فعلته أبنته التي سقطت بين ذراعي "حسن" الذي استقبلها بلهفة فشل في اخفائها، واضعًا يد حول خصرها و الثانية أسفل ركبتيها و قد سقط الهاتف من يده و سقط قلبه معه أرضًا ..
تطلع لها بأعين جاحظة، و تحدث بأنفاس لاهثة قائلاً..
"حصلك حاجة.. فيكي حاجة يا مكة؟!"..
تطلعت لعينيه بأعين دامعة، لتتعلق عينيه بعينيها مقربًا أيها من صدره يضمها بلهفة واضعًا جبهته على جبهتها..
هيئتهم هذه ذكرته هو الأخر بذكري بينه و بين زوجته" عهد" جعلتها تسقط بين ذراعيه هكذا تمامًا، خفق قلبه بخوفٍ مبهم حين شعر أن الزمن يُعاد بأحداثه أمام عينيه من جديد..
"يا أمنية القلب فليذهب هذا العالم بأجمعه إلى زوال، و تبقي ليِ أنتِ فقط أيتها الصديقة، الرفيقة، المحبوبة و العشيقة"..
مّر أسبوع كامل أستطاع خلاله "فارس" إنهاء الأوراق المطلوبة لسفر ابنته، حتى تلك الورقة التي اخفاها "مالك" عنهم لتصبح هي العقبة الوحيدة بالنسبة لهم حصل عليها رغمًا عن أنفه..
كل هذا من أجل تنفيذ رغبة صغيرته، و تحقيق حلمها و كل ما تريده حتى لو كان عكس أرادته هو و والدتها، كما تعودت جميع مطالبها أوامر واجب تنفيذها مهما كلف منه الأمر..
و اليوم هو أخر يوم لها ستقضيه برفقة عائلتها، و ستغادر المنزل بل البلد بأكملها في الصباح الباكر..
ظلت والدتها مستيقظة طيلة الليل، لم يغمض لها جفن رغم محاولات "فارس" معاها دون كلل أو ملل..
"سبني يا فارس أقوم أجهز الفطار.. أنا مش جيلي نوم خالص و كمان خديجة و جوزها و عهد و ولادها و إيمان و بنتها جاين يفطروا معانا و هنقضي اليوم كلنا سوا مع بنتك قبل ما تسافر"..
أردفت بها بصوتٍ مختنق بالبكاء و هي تكافح بضراوة لتبتعد عن ذراعيه التي تحتويها بلهفة..
لم يتركها" فارس " تبتعد أنش واحد عنه، ضمها لصدره مقبلًا جبهتها و خصلات شعرها المتمردة على وجهها مغمغمًا..
" حبيبتي الشمس لسه مطلعتش.. ارتاحي شوية و أنا هكلم المطبخ يجهزوا أفخم فطار و هتصحي تلاقي كل حاجة جاهزة"..
اعتدلت جالسة داخل حضنه، مدت يدها و التقطت عقدة شعرها و قامت برفعه على هيئة ذيل حصان مردفة بتنهيدة حزينة..
"أنت عارف إني بحب أعمل لكم الأكل بأيدي . و هخبز ل إسراء العيش و الفطير اللي بتحبهم عشان تاخد منهم معاها و هي مسافرة "..
كانت تتحدث بنبرة جامدة، متعمدة عدم النظر له، نهض هو مستند بجزعه على الفراش من خلفه، و مد يده أمسك ذقنها بين أصابعه يحثها على النظر له..
" بصيلي يا إسراء "..
رفعت عينيها ببطء و نظرت له بأعين دامعة نظرة يملؤها العتاب ..
" اتكلمي.. قولي لي اللي في قلبك.. متفضليش ساكته كده.. سكوتك ده بيدبحني"..
هبطت دموعها على وجنتيها بغزارة، التقطهم هو بأطراف أنامله، بل خطفها كلها لداخل حضنه بعناق محموم، لتجهش هي في البكاء و تهمس بصعوبة من بين شهقاتها الحادة قائلة..
" أنا مش عايزة بنتي تسافر و تبعد عن حضني يا فارس.. مش هقدر استحمل بعدها عني.. قلبي مش مطمن لسفرها و هيتخلع من مكانه من خوفي عليها"..
كان يستمع لها بقلبٍ ملتاع لا يقل عن خوفها بل أكثر منها، لكنه رسم القوة على محياة و نظر لها بابتسامة دافئة مرددًا.. "بنتنا ميتخفش عليها..احنا ربيناها أحسن تربية و هنفضل معاها و في ضهرها لحد ما تتعلم أحسن تعليم و ترجع لنا بألف سلامة و معاها شهادتها العالية اللي كانت بتتمناها"..
"أنا موافقة على كل كلمة قولتها.. نعلمها أحسن تعليم بس و هي هنا معانا.. في وسطنا و تحت عنينا"..
قال" فارس " بثقة.." و هناك برضوا هتبقي تحت عنينا و مش هتغيب عن عينك لحظة.. أنا مش عايزك تقلقي و لا تخافي عليها من أي حاجة.. بنتنا هتبقي متأمنة بحرس جمهوري.. عارفه يعني أيه؟! "..
حركت رأسها بالنفي ليكمل هو بغروره المعتاد..
" دي حراسة الرؤساء يا بيبي"..
داعب أرنبة انفها بأنفه و مسد بكلتا يديه على كامل ظهرها مدمدمًا..
" عايزك تفرحي بنجاح بنتنا و متفكريش في أي حاجة تضيقك.. عشان البنت فرحتها تكمل بدل ما هي زعلانة على زعلك و مش مبطلة عياط بسبب خصامك ليها.. هانت عليكِ متكلمهاش يومين بحالهم!! "..
بكت" إسراء" بكاء مرير و هي تقول بحسرة..
" زي ما أنا هونت عليها و هتسبني و تسافر أيام و شهور و يمكن سنين طويلة"..
" خلاص لو هيرضيكي أنها تفضل هنا و متسافرش و السنة تروح عليها أنا هلغي سافرها و حالاً "..
أنهى جملته و مد يده جلب هاتفه و طلب إحدي الأرقام، ضغط على زر الاتصال أمام عينيها المتسعة..
"اؤمرني يا فارس باشا".. أتاه هذا الصوت عبر الهاتف، لتسرع" إسراء " و تغلق الخط قبل أن يفتح زوجها فمه و يجيب عليه..
حاولت" إسراء " السيطرة على حدة بكائها، فدفنت نفسها بين حنايا صدره و هي تقول بقلة حيلة..
" مش هيرضيني يا فارس.. مش هيرضيني أضيع السنة على بنتنا"..
.......................... صل على محمد...........
بمنزل غفران ..
اقتحم "مالك" المنزل بملامح بدت مخيفة من شدة غضبه، لم يتفوه بكلمة واحدة و اندفع بخطي شبه راكضة تجاه غرفته ليوقفه صوت والده يتحدث بأمر قائلاً..
" أقف عندك يا سيادة الرائد"..
وقف مكانه دون أن يلتفت، ليكمل "غفران" بتعجب قائلاً..
"داخل كده من غير لا كلام و لا سلام.. أيه مش شايفني أنا و جدتك قاعدين؟!"..
استدار "مالك" و نظر له بأعين تقدح شررٍ مردفًا ..
"أنت يا بابا اللي خلصت ورق سفر إسراء!"..
↚
" أيوه أنا.. كنت عايزني اتأخر على صاحب عمري و أساعدك تدمر مستقبل بنته ولا أيه !!"..
قالها" غفران " بلهجة حادة، ليبتسم له" مالك" ابتسامة مزيفة مردفًا.." و جوازي منها كان هيدمر مستقبلها؟"..
صاح "غفران" بانفعال قائلاً..
" يا ابني أفهم.. البنت صريحة معاك و قالتلك أنها مبتفكرش في الجواز دلوقتي و لو فكرت مش هتفكر فيك أنت لأنك بالنسبة ليها زي أخوها.. أنت بقي اللي بتحبها دي مشكلتك أنت لوحدك مش مشكلتها هي عشان تعطلها عن دراستها"..
كل كلمة تفوه بها كانت بمثابة سوط غليظ يهبط على قلب" مالك" يدميه دون رحمة، و مع ذلك بقت ملامحه جامدة، و لم تختفي ابتسامته و هو يقول بثبات يُحسد عليه..
" عندك حق يا سيادة الوزير.. عن أذنك هدخل أنام لأن زي ما حضرتك عارف مطبق من إمبارح "..
أنهى جملته و سار من أمامه كالإعصار، لتنظر له "فاتن "و تتحدث بعتاب قائلة..
" ليه كده بس يا ابني.. أنت قسيت عليه و جرحت قلبه بكلامك ده"..
"يعني أنتي عجبك حاله و هو عمال يجري ورا سراب و البنت هو مش في دماغها أساسًا و مافيش أي حاجة شغلها غير تعليمها.. أنا قولت له كده عشان افوقه لنفسه.. يمكن يشيلها هو كمان من دماغه"..
"بس إسراء مش في دماغ إبنك يا غفران"... كان هذا صوت" عهد" التي خرجت للتو على صوت زوجها،جلست بجواره و واضعت يدها على موضع قلبه مكملة بأسف..
" إسراء في قلب مالك"..
ساد الصمت للحظات قطعه" غفران "بعدما ابتلع غصة بحلقه..
" الواد هو و أخته واقعين على بوزهم في حب ناس مشغولين بغيرهم.. واحدة بتعلمها.. و التاني خاطب بنت خاله و فرحه الأسبوع الجاي "..
"أيه.. حسن فرحه الأسبوع الجاي ده؟!"..
قالتها "عهد، فاتن" بنفس واحد، و بهمس بالكاد يُسمع حتى لا يصل لسمع" مكة"..
أومأ "غفران" لهما برأسه مغمغمًا..
" مكة لازم تعرف و هتحضر فرحه كمان "..
امتلئت أعين" عهد" بالعبرات و تحدثت بذهول قائلة..
" أنت بتقول أيه بس يا غفران!..بنتك بتحبه.. عايزها تحضر فرحه و تشوفه و هو عريس و بيتجوز واحدة غيرها!!.. أنت عايز البنت يجرالها حاجة؟!" ..
"بالعكس يا عهد.. أنا بقوى ولادي.. مش عايز أشوفهم ضعاف بالشكل ده و قلوبهم اللي ممشياهم.. لازم يفوقوا عشان يعرفوا يختاروا صح بعد كده"..
" و من أمتي الحب كان إختيار يا أبو مالك؟ "..
أردفت فاتن" و هي تتنقل بنظرها بينه و بين زوجته تذكرهم بقصة عشقهم الجنونية..
أطلق "غفران" زفرة نزقة من صدره مغمغمًا..
"مش عايزهم يعيشوا اللي عشناه.. مش عايز ولادي يتحرقوا بالنار اللي اتحرقنا بيها يا أمي"..
ربتت "فاتن" على كتفه بحنو و تحدثت بتعقل قائلة..
" مافيش حلاوة من غير نار يا حبيبي.. و أنت الحمد لله حاربت و انتصرت و فزت بحبيبتك و بقت في حضنك. سيب ولادك هما كمان يحاربوا يمكن يفوزا بحبهم هما كمان خصوصاً أن اللي بيحبوهم يستاهلوا "..
نظر لها" غفران " نظرة مليئة بالغضب و تحدث بلهجة لا تحمل الجدال..
"لو على مالك فأنا هسيبه يعمل اللي يعمله و يحارب براحته يمكن يوصل لقلب بنت فارس.. لكن مكة بنتي اللي هياخدها مني لازم يحارب هو و أهله كلهم عشان يوصل لها"..
نهضت" عهد" و اقتربت من حماتها ساعدتها على النهوض و هي تقول..
"طيب يالا بينا عشان إسراء اتصلت بيا كذا مرة تستعجلنا و قالتلي أنهم مستنينا و مش هيفطروا غير لما نروح لهم عشان نفطر سوا "..
أردف" غفران " قائلاً..
" طيب صحي مكة خليها تيجي معانا و الولاد يبقوا يحصلونا براحتهم"..
قالت "عهد" و هي تسير للخارج برفقة "فاتن"..
"دخلت صحتها كذا مرة مرضيتش تصحى.. خليها لما تقوم براحتها و أنا قولت ل زين ميجيش من غيرها"..
سار" غفران " خلفهما نحو الخارج بعدما راق له عدم مجيئها الآن خاصةً و أنه سيأخذ" حسن " رئيس الحرس الخاص به معه..
............................ لا إله إلا الله وحده لا شريك له.........
بقصر" فارس "..
تجمع الأهل و الأقارب و الأصدقاء على طاولة طعام تحتوي على كل ما لذ و طاب بحديقة القصر، جلس "فارس" يترأس الطاولة و على يمينه زوجته و على شماله "خديجة" عمته من يعتبرها بمكانة والدته، بينما جلست إيمان بجانب "إسراء" و عهد بجانب "خديجة" و بقت "الهام، فاتن" بجوار بعضهما و جلسوا بنات "فارس" "إسراء، زهراء، رواء، خديجة، إلهام، غرام تحملها"فاطمة" ابنة "إيمان " بجوارها تجلس" مكة"التي جائت برفقة أشقائها الثلاثة" زين، فهد، فارس، بينما جلس" غفران، هاشم" زوج خديجة بالجهة الأخرى من الطاولة ..
"منورنا والله يا جماعة".. قالتها "إسراء" بابتسامة بشوشة و من ثم نظرت ل" عهد " و تابعت بتسأل قائلة..
" مالك مجاش ليه يا عهد؟! "..
أبتسمت لها "عهد" ابتسامة تخفي بها توترها مدمدمة.
"اممم..ما أنتي عارفه يا إسراء..مالك شغله ملوش مواعيد"..
رمقت "إسراء" ابنتها بنظرة خاطفة تخبرها بها أنها مازالت غاضبة من قرارها و أردفت بعتاب قائلة..
"يعني ماكنش قادر بستأذن نص ساعة ويجي يفطر معانا انهارده"..ترقرقت العبرات بعينيها و تابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة..
" هو مش عارف إن إسراء مسافرة أصبح بدري"..
مد "فارس " يده و أمسك كف يدها ضغط عليه برفق و هو يقول.. "حبيبتي هو أكيد هيجي.. أنتي عارفة مالك ميقدرش يتأخر علينا "..
كانت" إسراء " تجلس بشرود مصوبة نظرها تجاه باب القصر تنتظر حضوره، وجوده بشعرها بالأمان و الاطمئنان، و هي لن تنكر أنها تشعر بقلق و خوف مبهم من سفرها بعيداً عن عائلتها..
تثق أنه سيأتي إليها، لكنه لأول مرة يتأخر عليها هكذا، لقد مر الوقت و هو لم يأتي، انقضى النهار بأكمله و خيم الليل بستائره دون مجيئه..
شعرت برغبة قوية في البكاء، استغلت انشغال الجميع في حفلة الشواء الذي أقامها والدها و ذهبت لغرفتها بخطي مهرولة كما لو كانت تريد التأكد من شيئًا ما..
فتحت الباب و دلفت للداخل و اغلفته خلفها و وقفت مستنده عليه بظهرها، دارت بعينيها بأرجاء الغرفة تبحث عنه، انبلجت ابتسامة على ملامحها الفاتنة حين استمعت لصوت يأتي من داخل غرفة ثيابها، كتمت أنفاسها و هي تسير نحوها بلهفة..
أطلقت أنفاسها المحبوسة حين رأته هو يقف بطوله المُهيب موليها ظهره..
"كنت عارفة إني هلاقيك هنا يا مالك..عمرك ما اتأخرت عليا "..
"و دايمًا هتلاقيني جنبك يا إسراء".. قالها دون الالتفات لها، و بقي منشغل بما يفعله، اقتربت هي منه و طلت برأسها من أسفل ذراعه مكملة بدهشة..
"أنت بتعمل أيه؟!"..
اجابها ببساطة قائلاً..
"بجهز لك الشنط.. عارف إنك مش هتعرفي تجهيزها و أنتي قلقانة و هتنسي حاجات كتير مش هتفتكر يها و لا تعرفي قيمتها إلا لما تسافري و تبعدي عنها "..
أبتسمت حين تفهمت مخزي حديثه، و مدت يدها وضعتها على كتفه تجذبه منه حتى يلتفت لها..
" بتحضر لي الشنط بنفسك و أنت رافض سافري اصلاً"..
التفت لها و نظر لها نظرة تفيض بالعشق مغمغمًا..
" مش معنى إني رافض حاجة انتي عايزاها يبقي هبعد عنك بسببها.. أنا هفضل جنبك و في ضهرك و مكمل في سكتي ليكِ لحد ما يجمعنا القدر و يبقي طريقنا واحد يا إسراء"..
نظرت له نظرة مشاكسة و تحدثت ببعض الغرور قائلة..
" بس أنا سكتي طويلة أوي.. هتوه منك و هيبقي صعب نتقابل أنا و أنت في طريق واحد"..
قطع المسافة بينه و بينها بخطوة واحدة، وقف أمامها مباشرةً،شهقت بخفوت حين مد يده حاوط خصرها و خطفها لداخل حضنه، رفعها بمنتهي الخفة بيد واحده حتى أصبحت قدميها لم تعد لامسة الأرض، نظر لعينيها بعمق و تحدث بإصرار شديد قائلاً..
"هدور عليكي و هلاقيكي.. مش هسمح لك تتوهي مني"..
رفعت يدها وضعت أناملها على لحيته، و همست بنبرة صادقة قائلة..
"كنت خايفة أوي أسافر من غير ما أشوفك يا مالك..من صغري و أنت دايماً حواليا في كل مكان و بصراحة دي كانت أكتر حاجة بتبقي مطمناني..وجودك أمان بالنسبالي.. بس جه الوقت اللي هكون في بعيدة عنك بمسافات لدرجة مش هتعرف تدخل اوضتي وقت ما تحب عشان تشوفني زي هنا يا حضرة الظابط"..
"اسافرلك بلاد "..قالها و هو يضمها لصدره أكثر، تأمل ملامحها بنظراته المُتيمة، لتحاوط هي عنقه بذراعيها و تعانقه بكل قوتها و تبكي بصوتٍ مكتوم حين استمعت لصوته المتلهف يقول..
" فلتعلمي يا أنيسة روحي و جليسة وحدتي أني رجوتك من الله و استودعته اياكِ، و دعوته مرارًا و تكرارًا في كل وقت و حين أن تطوي أطراف الأرض و ألتقي بكِ من جديد"..
تسمر محله متخشب الجسد حين قالت جملة كانت صادمة بالنسبة له..
"عايزاك تنساني و تشوف حياتك مع واحدة تانية غيري تبادلك حبك لأني مش ناوية أرجع يا مالك "..
يتبع.........
↚
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
مش ناوية أرجع ! تفوهت بها و أستمعها هو جيدًا لكنه لم يبدي أي إهتمام لحديثها،يعرفها أكثر من نفسها، يعلم ما يدور بخاطرها و ذهنها، كل ما تقوله الآن لا تفهم معناه لأنها مازالت هنا بوطنها داخل أحضان عائلتها محاوطها هو بذراعيه..
لكن حين تصبح في بلد غريبة بمفردها بعيدة عن كل ما تملك وقتها ستدرج حجم خطائها المهول، و برغم انها جرحته حين طلبت منه أن ينساها و يحب غيرها، إلا أنه تدرب جيدًا على الصبر، ابتلع العتاب ، توقف عن الجدال معاها مؤقتاً ، غصص كلماتها ابتلعها بابتسامة مغمغمًا..
"بما أنك ناوية تسافري و مش هترجعي تاني.. خلينا نسهر سوا الليلة في مكان عمرك ما هتنسيه"..
قالها و هو يخرج هاتفه من جيب سرواله، و قام بإرسال رسالة صوتية قائلاً..
"أتحرك حالاً يا ابني"..
أنهى جملته و قام بحملها لداخل حضنه كما يحملها دومًا منذ صغرها، جعل قدميها ملتفة حول خصره سار بها بخطي متسعة، عبست هي بملامحها الطفولية الفاتنة مردفة بتسأل..
"هنروح فين دلوقتي بس يا مالك؟ .. أنا لازم أنام بدري عندي طيارة أصبح"..
"هخطفك يا قلب مالك".. هكذا اجابها ببساطة و هو يهبط بها بها الدرج المؤدي لحديقة القصر..
"ماااااالك".. صاح بها "فارس" من أسفل أسنانه حين أستمع لصوت الطائرة الهليكوبتر التي استقرت بمكانها المخصص بإحدى جوانب الحديقة ، دار بعينيه يبحث عن ابنته رغم أنه على يقين أنها برفقته ليجده بالفعل يخرج بها من الداخل بخطي راكضة مندفع نحو الطائرة..
كتموا الجميع صوت ضحكاتهم بصعوبة بالغة على هيئة "فارس" الذي حمل إحدي أسياخ الشواء و ركض خلفه مرددًا بصوته الجوهري..
"واخد بنتي على فين يالا.. أقف عندك يا حيوووااااان"..
نجح في الوصول له قبل أن يصل للطائرة، قام بالإشارة للكابتن فأوقف محرك الطائرة في الحال، و وقف أمام "مالك" مباشرةً شاهرًا سيخ الشواء بوجهه مكملاً بغضب عارم..
"نزل البنت بدل ما اغرس السيخ ده في رقبتك أجيب أجلك يا ابن غفران المتحرش"..
نظر "غفران" لزوجته "عهد " التي أبتسمت له، ليغمز هو لها بعينيه و تحدث ببراءة مصطنعة و هو يلتهم قطعة من اللحم الشهي مدمدمًا..
"اممم..نسيت الوزير.. غفران الوزير" ..
"غفران الوزير المتحرش الكبير اللي مخلف متحرشين و طلقهم عليا أنا و بناتي".. قالها" فارس " و هو يهم بالهجوم على "مالك" بالسيخ الذي يحمله، عدل "مالك" وضع "إسراء" حملها على ظهره متمسكًا بها بكل قوته جعل فرارها منه مستحيلاً..
كان السيخ الذي يحمله "فارس " بينه و بين أعين" مالك" انش واحد فقط، تراجع برقبته للخلف قليلاً و نظر للطعام المعلق على السيخ بتقيم مردفًا بفرحة..
"الله كفتة مشوية دي يا فارس؟ "..
قالها و هو يميل بفمه و بدأ يتناول الطعام بشهية أمام أعين "فارس" التي يتطاير منها الشررٍ..
"هات حتة يا مالك".. غمغمت بها "إسراء " المعلقة بعنقه و هي تميل على كتفه بوجهها..
نظر لها نظرة خاطفة و تحدث و هو يلوك الطعام باستمتاع قائلاً..
" عيوني لعيون مالك.. بس خلي بالك لأنها سخنة ناااار"..
أنهى حديثه و من ثم مال على السيخ ثانيةً و قام بسحب قطعة كبيرة بأسنانه، حانت منه التفاته تجاهها، لتقوم هي بأخذ الطعام منه بأناملها و تناولته بتلذذ و هي تقول..
"اممم.. تسلم ايدك يا بابي.. الكفتة حلوة أوي "..
و من ثم أطعمت" مالك" بفمه من جديد ليقوم هو بالتهام أصابعها مع الطعام مدمدمًا ..
"اممم.. صوابعك أطعم من كفتة أبوكي"..
كاد " فارس " أن ينفجر فيه بأفظع الألفاظ لكنه لجم نفسه بشق الأنفس، و تحدث بصوتٍ مخيف قائلاً..
"ده أنت عدتني بمراحل في البجاحة يا أخي ! "..
صكت لبرهةً و تابع محذرًا إياه ..
" سيب إسراء يا مالك و مش هقولها لك تاني "..
وضعت" إسراء " كف يدها على وجه" مالك"أجبرته على النظر لها، رمشت باهدابها الكثيفة عدة مرات مردفة ببراءة مصطنعة..
" نزلني بليييز يا مالك عشان لو بابي ضربك بالسيخ ممكن يعدي من رقبتك يدخل في رقبتي يموتني أنا كمان و أنا عندي طيارة أصبح بدري و أحلام كتير لسه عاوزة احققها"..
أبتسم لها "مالك" و هو يقول.. " خليكي أنتي في الحتة الشمال ناحية قلبي".. نظر ل "فارس" مكملاً "و نشن أنت يا فارس في اليمين بعيد عنها عشان أنا مش هنزلها"..
فتح" فارس " فمه و كاد أن يسبه بوابل من الشتائم إلا أنه توقف بصدمة حين لمح" زين" يقوم بإطعام" زهراء" ابنته بفمها و يأكل من بعدها، و" فهد" يقوم بإطعام" رواء" هو الأخر، بينما شقيقهم الأصغر "فارس" فابنته" خديجة" هي التي تقوم بتقبيله أثناء إطعامه..
لهنا و جن جنون" فارس" و وصل غضبه لزروته فصاح بصوته الأجش قائلاً..
"غفررراااان خد ولادك و أمشي من هنا دلوقتي حالاً بدل ما ارتكب جنابة و أخلص لك عليهم"..
ضيق "غفران " عينيه و نظر له نظرة عاتبه مردفًا..
" بتطردني يا فارس!!"..
"لا يا جدع أنا مش بطردك لوحدك.. أنا بطردك أنت و المتحرشين اللي أنت مخلفهم"..
حرك "غفران" رأسه بالايجاب و تحدث بجدية قائلاً..
" حاضر يا صاحبي أنا هاخدهم و أمشي"..
تنقل بنظره بين أولاده و تابع بحدة قائلاً..
"يالا يا بيه منك له قدامي على البيت و هاتوا الشواية بالأكل اللي عليها معاكم "..
بلحظة كان " زين" حمل" زهراء " على ذراعيه جعلها تشهق بقوة، فصاح "غفران" فيه بغضب قائلاً..
"أنت بتهبب أيه يا زفت أنت؟! "..
أبتسم "زين" له هو و "فارس" إبتسامة متسعة تظهر جميع أسنانه مردفًا..
" حضرتك قولت لي هات الشواية"..
نظر ل" زهراء" نظرة هائمة مكملاً ..
"و زهراء هي شواية قلبي"..
"يا صبر أيووووب".. قالها "فارس" و هو يهرول بالسير تجاه "زين" لتقفز" زهراء " من فوق ذراعيه، فقام الأخر بالفرار من أمام" فارس" قبل أن يطوله غضبه..
استغل "مالك" الفرصة و ركض ب" إسراء " تجاه الطائرة، صعد بها لداخلها و أغلق الباب خلفه بإحكام، و تحدث بأمر للكابتن قائلاً..
"يالا أتحرك بسرعة "..
كاد "فارس" أن يفقد عقله من تصرفاتهم التي تثير جنونه و تذكره بأفعاله الشنعاء و ما كان عليه فيما سبق، ركضت "إسراء" زوجته عليه و ربطت على صدره بكف يدها تحاول تهدأته..
"خد البنت.. خد بنتي من غير حراسة".. قالها "فارس" بغضب هو يدور حول نفسه كالأسد الثائر..
وقفت" إسراء" بين ذراعيه على مقربة من حنايا صدره و تحدثت بصوتها المدمر الذي أخمد نيران غضبه على الفور قائلة..
"فارس حبيبي أهدي..أنت عارف إن مالك يفدي إسراء بروحه يعني متخفش عليها و هي معاه و شوية و هتلاقيه جيبها و جاي"..
........................... صلِ على محمد............
"مكة"..
كانت عينيها مثبتة على "حسن" طيلة الوقت، ترمقه بنظراتها المُتيمة، تتلهف لنظرة من عينيه التي تنظر نحوها من حين لأخر..
انسحبت بهدوء من بين جميع الحضور و سارت بجهة أخرى من الحديقة،بها حمام سباحة مغطي فدلفت للداخل و جلست أرضًا على حافة حمام السباحة، خلعت حذائها و وضعت قدميها في المياة عينيها مثبتة على الباب، تنتظر مجيئه خلفها..
مّرت دقائق معدودة قبل أن تراه يدلف من الباب بطوله الفارهه، لم يخُيب ظنها و لبي نداء قلبه الذي قاده لها..
"مدام عهد بتسأل على سيادتك يا فندم"..
قالها "حسن" بعملية متجنب النظر لها، أبتسمت "مكة" بخبث، و نظرت له بابتسامة ملائكية و مدت يدها تحثه على مساعدتها للنهوض..
ابتلع رمقه بتوتر قبل أن يعطيها يده لتضع هي قبضة يدها داخل راحة يده، و قبضت عليها و جذبته منها بكل قواتها تدفعه لداخل حمام السباحة..
ليذهلها بقوة بنيته حين ظل ثابت مكانه يتطلع لها بحاجبين مرفوعين، و بلمح البصر كان سحبها هو من يدها، شهقت بخفوت حين وجدت نفسها محمولة بين ذراعيه كما لو كانت لا تزن أي شيء..
"عايزة توقعيني في المية ليه يا مكة؟!".. قالها و يقبض على ذقنها بأصابعه اجبرها على النظر له..
رمقته "مكة" بنظرة نارية و صاحت بوجهه قائلة..
"عايزه افوقك لنفسك عشان تبطل نظراتك ليا اللي كلها حب دي و خليك فاكر إنك خاطب يا سيادة الظابط"..
"هفسخ الخطوبة "..قالها بنبرة جادة لا تحمل الجدال، تطلعت له بملامح مندهلة، ليكمل هو بتنهيدة حارة قائلاً..
"مش هقدر أتجوز واحدة و أنا قلبي معاكي أنتي "...
تعمق النظر داخل عينيها التي تجمعت بها العبرات، همس بحميمية أشعلت كل مشاعرها تجاهه أكثر..
"أنا بحبك يا مكة "..
شهقت بصوتٍ عالٍ كالغريق الذي حصل على نفس أعاده للحياة مرة أخرى..نظرت له نظرة يملؤها العتاب و تحدثت بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلة..
"و لما أنت بتحبني أنا روحت تخطب غيري ليه! .. عملت فيا و فيك و فيها هي كمان كده ليه بس يا حسن؟!"..
قال "حسن" بلهفة..
"غلطة و أوعدك إني هصلحها في أقرب وقت بإذن الله"..
نظر لعينيها نظرة يستجديها أن تبوح له بما تحمله بقلبها تجاهه، تفهمت هي نظرته جيدًا فعضت على شفتيها و همست بستحياء قائلة..
" أيوه..أنا كمان بحبك يا حسن"..
خطفها من خصرها في عناق محموم، دار بها عدة مرات و هي تضحك بغنج مرددة.." نزلني يا حسن.. نزلني يا مجنون لحد يشوفنا آهه "..
كانت تلك أخر ما تفوهت به قبل أن تنزلق قدم "حسن" و يسقط بها داخل حمام السباحة..
يتبع........
↚
سمعت مقولة ذات يوم تقول اللين باللّين و الود بالود، و الباديء باللطفِ تألفه الروح وتهواه..
و هذا تمامًا ما يفعله "مالك" مع جميلته العنيدة "إسراء"، سخر لها قلبه منذ أول وهلة وقعت عينيه عليها، كان عمرها وقتها أقل من عامان، و هو كان تخطي الثمانية أعوام، لم يتركها تغيب عن نظريه و لو لحظة واحدة، بقي معاها و حولها كظلها الظليل، حتى تعودت على وجوده ضامنة بقاءه معاها للأبد ..
" أيه المكان الحلو ده يا مالك؟"..
أردفت بها "إسراء" و هي تضع كف يدها داخل راحة يده و تهبط بحذر على درج الطائرة الواقفه على إحدي أجمل شواطئ الأسكندرية ..
شاطئ خاص تم تزينه بأروع الورود البيضاء و الشموع العائمة فوق مياه البحر الزرقاء، تتوسطهم أرجوحة معلقة مزينة بأكملها بورود اللافندر، فرقة عزف كاملة تجلس بأدواتها علي حافة الشاطئ، تغمر أقدامهم مياه البحر كلما دفعتها الأمواج..
بالجهة الأخرى طاولة عشاء موضوعة أيضًا على حافة الشاطئ عليها جميع الطعام المفضل لها..
"عجبك المكان؟"..
همس بها "مالك" و هو يلف يده حول خصرها و حملها بمنتهي الخفة أنزلها من فوق درج الطائرة..
تطلعت حولها بأعين منبهرة و هي تقول..
"عجبني بس!..ده يجنن.. بجد حلو أوي أوي"..
أهداها ابتسامته الجذابة التي خصها بها، و مد يده يُزيح خصلات شعرها التي تمنعه من رؤية عينيها مغمغمًا..
"مافيش حاجة أحلى منك يا إسراء"..
نظرت له نظرة مطّولة قبل أن تقول بتسأل..
"و بعدين معاك يا مالك؟ أيه أخر عمايلك معايا دي و أنت عارف كويس حقيقة شعوري من ناحيتك!"..
"أنا مش بس عارف حقيقة شعورك من ناحيتي..ده أنا فاهمك أكتر من نفسك و واثق أنك بتحبيني حتى لو أنتي مش معترفة بحبك ليا في الوقت الحالي"..
اقترب منها وقف أمامها مباشرةً، رفع يديه و احتضن وجهها بين كفيه مكملاً بهمس خرج من أعمق نقطة بقلبه..
"أما بقي اللي بعمله معاكِ ده ملوش أخر زي حبي ليكِ بالظبط و اتأكدي أننا لما نتجوز و يتقفل علينا باب واحد وقتها هتكتشفي إنك مش بس بتحبيني"..
غمز لها و تابع بجرائة و هو يصوب عينيه على شفتيها قائلاً..
"ده أنتي هتطلعي بتموتي فيا و بتعشقيني و هدوبي فيا دوب كمان "..
"اممم.. مالك أيه اللي بتقوله ده!! ".. دمدمت بها و هي تبتعد عنه بستحياء، لكنه لم يمهلها و قبض بلهفة على كفها جذبها عليه محاوطًا كتفيها بذراعه، صدحت صوت ضحكته، يضحك بسعادة بالغة حين رأي تأثيره عليها و تأثير كلماته بدي واضحًا على وجنتيها التي توهجت بحمرة الخجل، و لمعة عينيها التي لا تضوي و يُشع بريقها إلا معه..
"طيب تعالي غيري هدومك في الشالية الأول و ألبسي الفستان اللي جبتهولك عشان نكمل كلمنا و احنا بنتعشى سوا"..
تنهدت بقلة حيلة و هي تسير خلفه لداخل الشالية، عينيها تتأمله بنظرات لا تخلو من الإعجاب مستغله عدم رؤيته لها، زينت إبتسامة قسماته الوسيمة حين لمح نظرتها له بطرف عينيه جعلت قلبه يتراقص بفرحة غامرة..
وصل إلى غرفة بالطابق الثاني فتح بابها، و دفعها للداخل برفق و هو يقول..
" اجهزي براحتك.. خدي كل وقتك و أنا هفضل مستنيكِ يا إسراء "..
حديثه كان يحمل أكثر من معنى اهمهم أنه سيظل دومًا في إنتظار اعترافها له بحقيقة ما تحمله في قلبها تجاهه..
اكتفت بأماءه صغيرة برأسها، تهربت من عينيه قبل أن يغلق هو الباب عليها تاركًا لها بعض الخصوصية، و من ثم دلف هو للغرفة المجاورة لغرفتها و شرع في تبديل ثيابه هو الأخر..
.............................. صلِ على محمد...........
داخل قصر الدمنهوري..
تسللت بنات "فارس" واحدة تلو الأخرى للداخل خلف "عهد" التي شعرت بالقلق على " مكة" فذهبت خلفها لتطمئن عليها..
"أيه اللي بيحصل ده يا حسن!!"..
نطقت بها "عهد" بعدما شهقت بقوة حين رأت "حسن" يحمل "مكة" على ذراعيه و يخرج بها من حمام السباحة..
أجابتها "مكة" بصوتٍ مرتجف يظهر عليه الخوف قائلة..
"عهودة أهدي.. أنا وقعت غصب عني و حسن نزل يساعدني"..
وضعها "حسن" على أقرب مقعد و جثي على ركبتيه أرضًا أمامها يتفحصها بنظراته الثاقبة مغمغمًا بلهفة..
" أنتي كويسة يا مكة؟"..
تنهد بارتياح حين حركت "مكة" رأسها بالإيجاب، كان لا يرى لا يهتم بأحد سواها، تأكد أنها بخير و لم تُصاب بأي أذى أثناء سقوطهم، و أخيرًا انتبه لحاله عندما رآها تُشير له بعينيها على الحشد الذي يقف خلف ظهره..
أبتعد عنها ببطء و انتصب واقفًا للحظات يحاول استجماع شتات نفسه، خمن بخبرته من يقف خلفه الآن، أيقن أن جميعهم نساء من صوت همساتهم و ضحكاتهم المكتومة، عادت ملامحه الجامدة من جديد قبل أن يلتفت لهم..
"هتقول أيه ل غفران لما يشوفك بالمنظر ده؟!"..
أردفت بها "عهد" و هي تُشير على ثيابه الغارقة بالمياه..
تحدث "حسن" بشجاعة قائلاً..
"هقوله الحقيقة يا هانم.. عن إذن سيادتك"..
أنهى جملته و سار من أمامها بخطي ثابتة، بعدما ألقى نظرة خاطفة تجاه "مكة" التي أبتسمت له إبتسامة هائمة..
" واو واضح إن في هنا لاف استوري تجنن".. همست بها "فاطمة" داخل أذن "زهراء" لكنها وصلت لسمع والدتها " إيمان" فرمقتها بنظرة نارية أخرستها بها..
بينما اندفعت "إسراء" نحو "مكة" و حاوطت كتفيها ساعدتها على النهوض و هي تقول بقلق جمٍ..
"تعالي معايا يا مكة نطلع فوق عشان تغيري هدومك اللي اتبلت دي لتخدي برد يا حبيبتي"..
تهربت"مكة" بعينيها من نظرات "عهد" و جدتها" فاتن" التي مثلت انشغالها بالحديث مع"إلهام" والدة "إسراء "..
"أيه اللي وقعك يا مكة؟".. أردفت بها "عهد" بنبرة حادة لكنها هادئة..
لتقول" خديجة" بصوتها الحنون تحاول تشتيت انتباه البنات عن ما يحدث ..
"أيه رأيكم نشغل ميوزك و البنات ترقص شوية"..
قفزت" فاطمة" بفرحة و هي تقول بتأيد..
" فكرة واو يا ديچا.. و بما إني فنانة شاملة فأنا اللي هعلمكم الرقص بأنواعه."..
" ديل يا فطومة.. يالا شغلي الميوزك يا رواء على ما هما يرجعوا".. غمغمت بها "خديجة" و هي تتنقل بعينيها بين"عهد" و" إسراء " تحثهم على الذهاب ب "مكة" لتبدل ثيابها قبل أن يراها والدها هكذا..
بالفعل هرولت" إسراء " بهما لداخل القصر و من ثم لأقرب غرفة بعدما أرسلت إحدي العاملات لجلب كل ما تحتاج إليه " مكة"من ثياب..
" حفيدتك واقعة لشوشتها في الواد الحليوة المبلول اللي لسه معدي ده يا أم غفران".. قالتها" إلهام" بصوتٍ خفيض و هي تنظر لها نظرة شقاوة جعلتها بغاية اللطافة أجبرت "فاتن" على الضحك مدمدمة..
"اممم.. طيب والواد المبلول ده تفتكري واقع لشوشته فيها هو كمان يا أم إسراء؟ "..
قالت" إلهام" بابتسامة مشاكسة..
"ده واقع أكتر منها كمان.. و لو مش واقع مكنش اتبل! "..
ظهر الحزن على ملامح" فاتن" و تحدثت بأسف قائلة..
"ده خاطب يا إلهام "..
شهقت" إلهام " بخفوت و هي تقول..
" خاطب!!و لما هو متنيل خاطب بيشغل دماغ البت بيه ليه بس! "..
أجابتها" فاتن" بتنهيدة قائلة..
↚
"هو مش شاغل دماغها.. ده شاغل قلبها و مكة مالكة قلبه هي كمان "..
...................لا إله إلا الله وحده لا شريك له..............
" مكة"..
أجلستها" عهد" على مقعد أمام منضدة الزينة و بدأت تجفف لها خصلات شعرها و ترمقها بنظرات عاتبة عبر المرآة. مردفة بهدوء .
" و آخرة حبك ل حسن ده أيه يا مكة؟ "..
أبتسمت" مكة " إبتسامة متسعة و هي تقول بفرحة غامرة..
"أعترف لي بحبه يا عهد.. قالي أنه بيحبني زي ما أنا بحبه و مش هيقدر يتجوز واحدة غيري عشان كده هيفسخ خطوبته"..
نظرت "عهد" ل "إسراء" بأعين جاحظة و ملامح بدت عليها الصدمة، صدمة كانت كفيلة بفقدان" عهد" النطق حين توقعت القادم، لتتحدث "إسراء" مستفسرة ..
" هيسيب خطبته عشانك!! "..
أومأت لها" مكة" بستحياء، لتتابع" إسراء " بتسأل قائلة..
" و أنتي موافقة على اللي هيعمله ده؟"..
"هو مش بيحب خطبته يا طنط إسراء.. بيحبني أنا و لو اتجوزها هيظلمها لأن قلبه مش هيكون معاها"...
أردفت "عهد" بحدة قائلة ..
"و هتقدري تكملي معاه و أنتي عارفة أنه ساب خطبته اللي أكيد بتحبه و إلا مكنتش وافقت تتخطب له و جرح قلبها و ارتبط بيكِ أنتي.. هتقدري تعملي في بنت زيك كده يا مكة؟"..
ساد الصمت للحظات قبل أن ترد عليها" مكة" بابتسامة مزيفة قائلة..
"اه هقدر يا عهد" ..
نهضت واقفة و نظرت لها، خاصةً لعينيها و تابعت بنبرة مخيفة دبت الرعب بأوصال" عهد"..
" زي ما أنتي قدرتي تعمليها و ختي بابي من مامي و اتجوزتيه رغم أنه كان متجوز و مخلف طفلين كمان مش مجرد خطوبة!!"..
حديثها كان بمثابة فاجعة بالنسبة ل "عهد" التي شعرت في هذه اللحظة بالدنيا تومض من حولها، كأنها تلقت صفعة أطاحت برأسها أفقدتها توازنها..
.................. سبحان الله وبحمده.........
بحديقة القصر..
جلس" فارس " برفقة" غفران " يمسك كلاً منهما جهاز صغير ينطلق منه كرات مطاطية تندفع مثل طلقة الرصاص، يصوب "فارس" على أبناء "غفران" الذين جن جنونهم حين استمتعوا لصوت الموسيقى الراقصة ممزوجة بصوت ضحكات البنات المدللة..
كلما حاول أحدًا منهم الدخول من باب القصر الداخلي يصرخ بألم حاد حين يُصاب بإحدى الكرات..
"أقعد مكانك يا *** منك له أحسن لكم بدل ما ازعلكم على أعز ما تملكوا "..
قالها "فارس" بلهجة حادة لا تحمل الجدال جعلتهم ينصاعوا لحديث على الفور و يجلسون على مقاعدهم يتلون كما لو كانت تحتوي على أشواك جارحة..
نظر له "غفران" و أبتسم بشرود و هو يقول..
"كان عنده حق اللي قال البنت حبيبة أبوها.. وأنا مكة بنتي عندي بالدنيا كلها و مش عارف هعمل أيه
لما يجي اليوم اللي هتتجوز فيه و تروح لراجل غريب و تسبني!"..
"لا ما حسن مش غريب يا أبو مالك".. نطق بها "فارس" و هو يُشير له تجاه" حسن" الذي يسير نحوهما..
ضيق "غفران " عينيه و نظر له، ليرقص" فارس " حاجبيه له مغمغمًا بغروره المعتاد..
"ده أنا فارس الدمنهوري.. يعني قاري الليلة كلها و الداخلة اللي داخلها علينا حسن دي دلوقتي.. جاي يطلب إيد مكة منك و هتقول فارس قال"..
قال "غفران" بهمس دون تحريك شفتيه..
"الحق يتقال الواد ميترفضش يا فارس و مش هكدب عليك يا صاحبي أنا يتمناه لبنتي و نفسي أفرح بيها و أشوفها بالفستان الأبيض انهارده قبل بكرة.. أيه ده!! "..
نطق بالاخيرة حين إنتبه لثياب" حسن" التي تقطر مياه..
" أيه اللي عمل فيك كده يا حضرة الظابط؟!"..
وقف "حسن" أمامهما مباشرةً، رفع يده و خلل أصابعه داخل خصلات شعره الرطبة أبعدها عن جبهته مغمغمًا..
" دكتورة مكة بنت سيادتك يا فندم"..
نظر له" غفران " بحاجب مرفوع و تحدث بتسأل قائلاً..
"مالها بنتي؟!"..
هندم" حسن" ثيابه، تنحنح كمحاولة منه لإيجاد صوته و تحدث بلهفة قائلاً..
" أنا يشرفني ويسعدني أطلب أيد الآنسة مكة من حضرتك يا معالي الوزير"..
نظر كلاً من "فارس، غفران" لبعضهما البعض بملامح متفاجئة..
"أنت فاجئتني يا حسن بطلبك ده.. أنت عارف انك بالنسبة ليا زي مالك أبني من قبل حتى ما تتعين رئيس الحرس و يعز عليا أرفض طلبك ده ".. أردف بها" غفران " بجدية باحتة و من ثم نظر ل "فارس" و تابع بأسف..
"بس أنا لسه كنت بقول لفارس إن موضوع جواز مكة ده مرفوض نهائي في الوقت الحالي عشان البنت تقدر تركز في دراستها"..
تحدث" حسن " بأعين تفيض بالعشق قائلاً بنبرة متوسلة..
"عمي غفران أرجوك وافق على جوازي من مكة و أنا أوعدك إني مش هعطلها عن دراستها أبدًا.. بالعكس أنا هفضل معاها و في ضهرها لحد ما تتخرج و تبقي أحسن دكتورة في مصر كلها"..
التزم" غفران " الصمت و نظر ل" فارس" يحثه على الحديث، فنظر "فارس" ل "حسن" و أردف مستفسرًا و هو يُشير على يده الخالية من الحلقة المعدنية التي كانت تزين أحدي أصابعه..
" هو أنت مش خاطب يا حسن و فرحك المفروض يكون الأسبوع الجاي تقريبًا؟! "..
ظهر التوتر على ملامح" حسن" فشل في إخفاءه و هو يقول.." كنت خاطب و محصلش نصيب لأني مقدرتش أكمل معاها و أنا قلبي مع مكة"..
نظر ل"غفران" و تابع بنبرة راجية..
" بتمنى سيادتك توافق على طلبي و تحدد ليا ميعاد أجيب أهلي و نتقدم رسمي"..
ظل" غفران " على صمته مكتفي بالنظر له نظرة متفحصة أثارت الريبة بقلبه، ليقطع "فارس " الصمت قائلاً..
"طيب يا حسن روح أنت دلوقتي لحد من الحرس عندي خليه يجبلك هدوم تانيه غير المبلولة دي.. غير هدومك قبل ما تتعب و تعالي نكمل كلامنا"..
أنهى حديثه و نظر ل" حسن" نظرة ذات مخزي يخبره أن يتركه و هو سوف يتحدث مع "غفران..
أومأ له" حسن" و هو يقول..
"حاضر يا فارس باشا.. بعد إذنكم"..
انتظر "فارس" حتى أبتعد "حسن" عنهما بالقدر الكافي و تحدث بأسف قائلاً..
"الواد ده كان لابس دبلته من شوية و لسه قالعها قبل ما يجي يطلب منك مكة"..
تنهد" غفران " تنهيدة حزينة و هو يقول..
"عارف يا فارس عشان كده رفضته.. لو هو فعلاً بيحب بنتي و شاريها يبقي هيعمل المستحيل عشان يخليني أوافق عليه "..
صمت لوهلة و تابع بفزع ظهر على قسماته..
" تفتكر الزمن بيعيد نفسه تاني يا صاحبي؟! "..
اصطك" فارس " على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها و تحدث بغيظ قائلا..
" اللي عملناه بيترد لينا بالحرف بدليل إبنك البجح اللي خطف بنتي و بطيارتي يا جدع!! "..
أبتسم له" غفران" و هو يقول..
"متخفش على بنتنا من مالك.. أنت عارف انه يموت عشانها"..
" أنا مش خايف على إسراء بالعكس أنا خايف على مالك أبني منها.. البنت هتتعب قلبه معاها لأنها عنيدة جداً و دماغها جزمة قديمة و مغرورة أوي "..
نظر للفراغ بشرود مرددًا ..
" واخدة كل صفاتي المنيلة بستين نيلة"..
ظهر الخوف لمرآي تعابير و جههم و تحدثا بنفس واحد..
" يا ترى الزمن مخبي لولادنا أيه؟ "..
↚
....................... سبحان الله العظيم..........
" مالك"..
بعدما أنتهي من تبديل ثيابه لبدلة سوداء بغاية الفخامة،صفف شعره الفاحم بعناية فائقة، نثر عطره الفاخر بغزارة، و وقف أمام باب الغرفة المتواجده بها "إسراء" ينتظر خروجها بنفاذ صبر.
لجم نفسه بشق الأنفس حتى لا يقتحم عليها الغرفة و يأخذها في عناق محموم عسى أن تهدأ نيران قلبه المشتعلة بسبب عشقه لها..
سار ذهابًا و إيابًا بأنفاس متهدجة حتى استمع لصوت الباب يُفتح ببطء عكس خفقات قلبه الذي ينبض بجنون، كاد أن يغادر صدره من قوة خفقاته..
خرجت "إسراء" بخطي متمخترة على إيقاع نبضاته، كان يقف موليها ظهره، كتم أنفاسه قبل أن يلتفت بلهفة و يتطلع لكل أنش بها بأعين متوهجة..
تركت شعرها الكستنائي الطويل ينسدل على ظهرها فهبط محاوطًا وجهها الملائكي بهالة خطفت أنفاسه، وضعت لمسات لا تُذكر من مساحيق التجميل،زينت شفتيها التى تفقده صوابه بلون عنابي يشبه لون فستانها المحتشم الرقيق الذي يظهر جمال قوامها الممشوق دون أن يظهر مفاتنها ..
تطلعت له "إسراء" بابتسامتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا و همست بصوتها المُدمر لكل حصونه قائلة..
"شكلك حلو أوي فى البدلة يا مالك"..
دارت حول نفسها مكملة..
"و زوقك حلو كمان في الفستان رغم أنه متقفل أوي بس عجبني.. ميرسيي بجد يا مالك"..
اقترب منها وقف أمامها بطوله الفارهه، ألتهمها بعينيه متعمقًا النظر داخل عينيها ، و مد يده قبض على كفها جعل أصابعه تتخلل أصابعها و تشتبك بهم بقوة..
علقت أنفاسها بصدرها و هي تستشعر الذبذبات الحارة المنبعثة من جسده الآخذ بالاقتراب منها، لكنها بارعة في رسم الجمود و اللامبالاة على قسماتها خاصةً حين همس لها بلهجة خشنة كأنه يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده..
"أنتي اللي جميلتي يا إسراء"..
وضع يده الأخرى بجيب سرواله حب منه علبة مخملية صغيرة، و قام بفتحها أمام عينيها لاتظهر بها قلادة من الألماس البراق مدون عليها إسمه و بداخله أسمها"..
شهقت" إسراء " بصوتٍ خفيض مرددة بفرحة..
" الله.. دي عليها اسامينا!"..
حمل" مالك" القلادة بيديه و قام بوضعها حول عنق" إسراء " التي رفعت شعرها ليتمكن هو من أغلاقها..
مال بجسده عليها حتى أصبح وجهه مقابل عنقها تمامًا، أنفاسه الساخنة تلفح نعومة بشرتها و هو يقول..
" إسمك جوه أسمى.. زي ما انتي جوه قلبي يا روح و قلب مالك"..
ختم جملته و لثم عنقها بقبلات متلهفة جعلت أنفاسها تتلاشى شيئًا فشيئًا، ف قبلات العنق كافية لهزيمة أي جسد مهما كانت درجة تحكمه في مشاعره..
رفعت كف يدها و دفعته بصدره عنها و هي تقول..
"أنت كده هتزعلني منك و هتخليني أقولك روحني دلوقتي حالاً يا مالك"..
قربه منها يدفعه للإنهيار داخليًا، أطلق أنفاسه المحبوسة برئتيه، أطبق جفونها فورًا و هو يتنفس بعمق حتى يمنع نفسه عنها خشية أيّ خطوة قد يقدم عليها معاها تاليًا..
رسم إبتسامة مطمئنة على محياه الوسيم، و قبض على يدها من جديد ضغط على كف يدها برفق و سحبها خلفه مغمغمًا..
"لا يا حبيبتي متزعليش.. تعالي نتعشى سوا أكيد أنتي جعانة"..
سارت معه لخارج الشالية حتى وصلوا لطاولة الطعام، أجلسها على مقعد مقابل مقعده، تطلعت للطعام و للمكان من حولها بسعادة بالغة مدمدمة..
"اممم.. المكان هنا تحفة و هوا البحر يرد الروح و الأكل شكله يفتح النفس.. لا و كمان ده كل الأكل اللي أنا بحبه"..
نظرت له بابتسامة مكملة بامتنان..
" كان عندك حق لما قولت إننا هنسهر سهرة مش هنساها أبدًا"..
غمز لها و أشار بيده للفرقة الموسيقية التي بدأت بالعزف مغمغمًا..
" و هسمعك بقي أغنية بحبها أوي.. لما بسمعها بحس أنها بتوصفنا "..
لم تهتم" إسراء " بالاغنية في بادئ الأمر، و شرعت في تناول طعامها بشهية، في حين أن" مالك" ظل يتطلع لها بنظراته العاشقة، يثق أن كلمات تلك الأغنية ستلفت انتباهها و تشعل كل حواسها و قد حصل على ما يرده بالفعل و توقفت عن الأكل و رفعت رأسها نظرت له بخجل جعل وجنتيها يتوهجان بحمرة قانية ..
نهض هو من مكانه و وقف أمامها مباشرةً، مد يده لها لتضع هي يدها بين راحته و نهضت على مهلٍ، سارت معه حتى توقف بها على حافة الشاطيء، لف ذراعه حول خصرها، و بدأ يرقص معاها على كلمات أغنية تصف قصة عشقه لها..
"يهون السهر كرمال الحب، لو أنسى النوم عمري ما أنساك،
طبع الوفا بدمي سرى، لو تطلب روحي الروح تفداك،
أنا لو قلبي دق دوم تا تا تك دوم تك عيونك عند الحق بدمي أفديها،
لو تسمع قلبي رح تفهم حبي، و تنسى هالغربة
و منك تمحيها.
و حياتك عندي ما تفيد العندة ما بزرع وردة
و أنسى أسقيها،
وأنا لو روحي تروح لغيرك لا ما تروح
إنت سبب الجروح و أنت مداويها،
و يهون العمر فدوى للقلب و يهون السهر كرمال الحب،
تؤمر على قلبي والله تمون، تهواكِ عيوني لغيرك لا ما تميل،
قلبي مجنونك ويا محلى الجنون، و العين تصونك وحبي لك دليل،
اللي يهنيكي تفداه العيون و اللي يبكيكي يا ويله ويل،
أنت تغنيلي عليها عيون، و أنا أغنيلك إشهد يا ليل،
وانا لو قلبي دق دوم تا تا تك دوم تك
عيونك عند الحق بدمي أفديها،
لو تسمعي قلبي رح تفهمي حبي، وتنسي هالغربة
ومنك تمحيها.
خطفها في عناق محموم، ود لو يخفيها داخل ضلوعه، و همس بعشق تخطي كل الحدود قائلاً بنبرة راجية..
"أنا بحبك يا إسراء.. خليكي معايا هنا جوه حضني.. متسبنيش و تسافري"..
"آآآآآه يا ماااالك يا ريتني ما سفرت و سمعت كلامك و فضلت جوه حضنك"..
صرخت بها "إسراء" التي عادت للتو لواقعها المرير بعدما داهمتها إحدي ذكرياتها التي تحيا عليها،رفعت يدها و قبضت على القلادة التي تُزين عنقها بقبضة من حديد تخفيها عن انعكاس صورتها الواقفة أمامها، و صاحت في وجهها بصراخ مقهور قائلة..
" لن تتمكني من أخذها مني إلا بإزهاق روحي أولاً "..
" متتكلميش معايا بالإنجليزي.. أنا بتكلم عربي زيك بالظبط".. نطقت بها ببرود ثلجي مكملة بابتسامة خبيثة..
"ما أنا نسختك اللي هترجع مصر عشان أنتي هتفضلي هنا للأبد يا إسراء.... "..
يتبع.......
