رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول بقلم نسمة مالك
رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول هي رواية من كتابة نسمة مالك رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول
رواية فرحة مكتوبة كاملة جميع الفصول
.. اقتحمت شمس نهار جديد غرفة أبطالنا معلنه عن بدأ يوماً مليء بالأحداث..
“هبه”..
لم تغمض عينيها طيلة الليل..ملتزمه فراشها ،وملتزمه الصمت كعادتها..
تحدق بسقف الغرفه والكثير من الأسئله تدور بخاطرها..
لماذا أميل لمن جرحني وتسبب بألم حاد بقلبي لم ولن يتوقف نزيفه حتي بعد مرور سنوات طويله؟!..
بل و الأكثر من هذا إني أشتاق لذلك الألم!.. ربما لأنني تأقلمت عليه، وأصبح جزء كبير من حياتي البائسه؟!.. ام لأنني لم يمر بدربي شخص مشاعره صداقه، وخالص بحبه ليِ من قبل..
وبعدما شاء القدر ووهبني ذلك الشخص هل يستطيع ان يمحي تلك الوخزات المؤلمة التي تجعل قلبي يصرخ من شدة ألمه؟..
أطبقت جفنيها لتهبط دمعه حارقه على وجنتيها ببطء، وفتحت عينيها ليظهر مدي كسرة قلبها وحزنها الشديد، ورغم كل هذا اعتلت ملامحها شبه ابتسامه ساخره حين تردد بأذنها أسم “سيف” معذبها الذي منذ خروجه من سجنه لم يتوقف عن محاولاته حتي ترضي عنه وتعود له..
انتفض قلبها انتفاضه لم تستطيع تفسيرها هل هي خوف، كرهه..
أم مازال هناك بعض الحب تكنه له بقاع قلبها الذي لم تشفي جراحه بعد؟!..
غادرت فراشها بتكاسل، وسارت بخطوات متثاقله نحو المرآه وقفت أمامها تنظر لهيئتها المزريه..
فقد خسرت الكثير من الوزن، وجهها انطفئ رونقه وأصبح دائماً شاحب، والهالات السوداء ظاهره بوضوح أسفل عينيها الجميله رغم حزنها..
رفعت يدها وفكت عقدة شعرها الذي أصبح ضعيف،ومجهد ويتساقط بكثره حتي دون تمشيطه..
غزت عبراتها عينيها واغرقت وجهها وهي تحدث نفسها بدهشه..
“هتتجوز فيا ايه يا بدر؟!.. انا بقيت بقايا ست، ومعنديش حاجه اقدمهالك”..
صوت طرقات على باب الغرفه يليها صوت “نجوى” والدتها تقول بلهفه..
“هبه.. انتي لسه نايمه يا عروسه ولا ايه؟” ..
مسحت دموعها سريعاً، ورسمت ابتسامه على محياها، وقالت بصوت مرتجف..
“ادخلي يا ماما انا صاحيه”..
فتحت” نجوى” الباب، وخطت للداخل بفرحه ظاهره على وجهها، واقتربت من “هبه” وضمتها بحب متمتمه..
” مبروك يا بنتي.. ربنا يجعلك “بدر” اسم على مسمي، ويكون عوض ليكي عن كل اللي شوفتيه في حياتك”..
ابتعدت عنها قليلاً ونظرت لها، وتابعت ببوادر بكاء..
“ويعوضك حتي عني وعن قسوتي عليكي في يوم من الأيام يا هبه”..
“مافيش حاجه في الدنيا تعوضني عنك انتي وبابا وحبيبه اختي يا ماما”..
أردفت بها “هبه” بلهفه، وهي تقبل يدها بعمق مكمله..
” ربنا ميحرمنيش منك أبداً يا حبيبتي”..
رسمت “نجوي” الجديه على ملامحها، وتحدثت بغضب مصطنع قائله..
“يله يا بت أدخلي خدي دش وتعالي علشان افطرك قبل ما اختك تيجي توديكي الكوافير.. انا مش فاضيه للرغي دا، ورايا حاجات كتير عايزه أعملها”..
أنهت جملتها وسارت لخارج الغرفه ساحبه هبه بيدها حتي وصلت بها للحمام.. دفعتها برفق،واغلقت الباب مكمله..
“انا جهزتلك غيارك في الحمام خلصي واخرجي أوام على ما اصحي أبوكي علشان يفطر معاكي”..
استندت “هبه” بظهرها على الحائط، ونظرت للفراغ بشرود، وبذهول همست..
“معقول انا هتجوز تاني، وابقي لراجل غيرك يا سيف؟!”..
شهقت بقوه، وقفزت بفزع حين استمعت لرنين جرس الباب، وطرقات قويه بنفس الوقت، وصوت”سيف” المتحشرج بالبكاء يصرخ قائلاً بتوسل..
” افتحي يا هبه..افتحي كلميني..افتحي أبوس أيدك ما تسبيني”..
…………………………
“بدر”..
فتح عينيه التي تشع فرحه، وسعاده، وأمسك هاتفه وأرسل رسالته اليوميه لمن امتلكت قلبه منذ الوهله الأولى التي رآها بها..
“صباحك ورد وريحان ونسايم من جنه الرحمن يا أحلى وأجمل هبه في الدنيا”..
أنهى رسالته، وفتح صوره لها على هاتفه، وظل يتأملها بابتسامه هائمه غافلاً عن والده “احمد” الذي طرق على باب الغرفه وخطي للداخل ووقف يتابعه بنظرات منذهله..
“بقيت نحنوح أوي يا واد يا بدر من ساعة ما حبيت”..
قالها” أحمد” بنبره مرحه وهو يسير نحو باب الشرفه وفتحه على مصرعيه مكملاً ..
“صباح الخير ياواد يا عريس”..
قهقه “بدر” بصوته كله، وبعتاب قال..
“بقي انا نحنوح يا أبو بدر؟”..
اقترب منه “أحمد” وجلس بجواره على الفراش، ونظر له وتحدث بتساؤل قائلاً..
“انت حبيت ايه في هبه دي يا ابني؟.. أعذرني في سؤالي دا بس انا ليا غرض منه”..
أخذ “بدر” نفس عميق، ونظر لوالده وتحدث بابتسامه عاشقه تزين محياه..
“هتصدقني يا أبو بدر لو قولتلك أني حبيت كل حاجه فيها حتي حزنها.. اللي بتمني من ربنا انه يتحول لفرحه على أيدي، وتتخيل كمان أني لحد الآن مقولتلهاش انا بحبك يا هبه”..
ربت” احمد” على كتفه، وتحدث بتعقل قائلاً..
” انت فعلاً مقولتش.. بس بتعمل بيها.. لان الحب يا ابني مش مجرد كلمه بتتقال، وغرضي من سؤالي ليك دا علشان عايز أقولك ان البنت دي أنا سألت عليها وعرفت انها قاست وتعبت في حياتها كتير،وربنا رزقها بيك علشان تعوضها عن كل اللي شافته يا بدر يا خيرة الشباب”..
جذبه لصدره وضمه بقوه مكملاً ببكاء من شدة فرحته..
“الف مبروك يا ابني”..
بادله ” بدر” عناقه بحب شديده مغمغماً..
” الله يبارك فيك يا بابا.. ربنا ما يحرمني منك ويديمك فوق رأسي”..
ابتعد فجأه عن حضنه جعل” احمد” حين ارتعد قلبه على حبيبته دون معرفة السبب..وأسرع بمغادرة الفراش وركض نحو ثيابه يرتديها على عجل أمام أعين والده المتسعه بذهول..
“بسم الله الرحمن الرحيم..في يا ايه واد انت.. مالك نطيت من حضني مره واحده ليه كده؟!”..
تبدلت ملامحه لغضب عارم، وبأنفاس متهدجه من شده غضبه اجابه وهو يركض نحو الخارج بعدما انتهي من ارتداء ثيابه..
“رايح ل هبه.. قلبي بيقولي فيها حاجه”..
يتبع..
↚
هدوء مريب!..
“أيوب”..
أو كما يلقب ” الأسطي الدكتور أيوب”..
ذلك الرجل الذي بمتلك من الشهامه ألالاف الأطنان..
لم يستطع ترك عمله الشاق بالبناء والمهن الحره الذي يتقنها بمهاره حتي بعدما ذاع صيته واشتهر بمهارته العاليه في مجال جراحة القلب والأوعيه الدمويه.. مما جعل زملائه ومرضاه بالمستشفى العسكري الذي يعمل بها يطلقوا عليه
“طبيب القلوب”..
عاد إلى منزله بعد عمل شاق بإحدى البنايات الحديثه أستمر أكثر من ثمان ساعات..
وضع يده بجيب سرواله القديم للغايه والمملوء بالكثير من الغبار..
حاول فتح الباب بحرص ظناً منه أن “حبيبة” زوجته ووالدته “زينب” وصغاره “أحمد ، أيمن” ينعمون بنوم عميق..
سار للداخل بخطوات هادئه متجه نحو غرفتة والدته، وطرق الباب برفق مغمغماً بصوته الرجولي الرزين..
“أمه انتي صاحيه؟”..
“ادخل يا ضنايا انا صاحيه، ولو حتي نايمه أصحى مخصوص علشانك يا أيوب”..
هكذا اجابته “زينب” بصوتها الدافئ الحنون، وهي تعتدل جالسه بلهفه على الفراش..
خطي للداخل واقترب منها مال على يدها يقبلها بحب شديد وهو يقول بابتسامة..
“صباح الخير يا ست الكل”..
ربتت “زينب” على شعره الحريري بحنو مردده..
” صباحك صباح الهنا والرضا يا حبيبي”..
اعتدل “أيوب” بوقفته،ومد يده إلى جيبه الخلفي، سحب جزدانه الجلدي، أخرج منه حفنة سخية من الأوراق النقدية ذات الأرقام العالية.. ثم قدمهم إلى والدته قائلاً بابتسامة بشوشه..
” اتفضلي يا أم أيوب فاضلة خيرك.. هاتي كل اللي نفسك فيه،ولو احتاجتي اي حاجه تانيه قوليلي وانا اجبهالك لحد عندك”..
“زينب” بفرحة غامرة.. “اللهم زد وبارك..بس هعمل بيهم ايه دول.. دا كتير أوي عليا يا ابني، وانت مش مخليني عايزه حاجه”..
قبل جبهتها،وتحدث قائلاً..
مافيش حاجه في الدنيا تغلي عليكي يا أمي”..
قالت “زينب”.. بصوت تحشرج بالبكاء من شدة سعادتها..
“راضيه عنك، وقلبي دعيلك تتهني وتفرح في حياتك ويرزقك من وسع يا أيوب يا ابن زينب بحق لا اله إلا الله”..
أمن على دعائها، وهو يدثرها جيداً بالغطاء مكملاً بنبرة مرحه..
” أسيبك تكملي نومك، وأروح أنا أراضي مرات ابنك اللي مخصماني ومش راضيه تصالحني من إمبارح”..
اعتلت ملامح” زينب”غضب مصطنع فجأه ولكزته بكتفه برفق مردده..
” انت فكرتني يا واد انت صحيح.. مزعل حبيبة حبيبتي ليه يا أيوب؟”..
هم “أيوب” بالرد عليها.. لتستطرد هي دون إعطائه فرصه للرد..
” انت شكلك هتحصل أخواتك الحلوين، واقعد انا هنا مع بناتي واحفادي حبايبي”..
“دا انا أيوب ابن قلبك ههون عليكي يا زينبو”..
قالها “أيوب” بصعوبه من بين ضحكاته على عبوس والدته الطفولي..
زمت” زينب” شفاتيها، وبأسف قالت..
“لا متهونش عليا أبداً لا انت ولا واحد من اخواتك اللي كل واحد منهم نصيبته تقيله”..
عقد” أيوب” حاجبيه، وبقلق قال..
” عملو ايه المرادي يا أم أيوب؟”..
↚
تنهدت “زينب” بصوت مسموع وهي تقول..
“أيمن أخوك الحلو اللي معاه 3عيال اكتشف انه اتجوز بدري وملحقش يحب ولا يعيش سنه زي باقي الشباب، ورمي “ليان” مراته الجوهره بنت الأصول، ورايح يدور على واحده يحبها،والفالح أخوك أحمد الصغير هيتجنن على الخلفه،وبدأ يدور هو كمان على عروسه علشان يتجوزها على “هنا” ويكسر خاطرها، ونفسها أكتر ما هو مكسور يا حبة عين أمها “..
“يعني ليان وهنا قاعدين مع حبيبة علشان كده.. مش علشان فرح هبه زي ما بيقولوا؟ “..
قالها” أيوب” بدهشه، وقد بدأ الغضب يظهر على ملامحه الوسيمه الهادئه..
حركت” زينب” رأسها بالايجاب، وببكاء قالت..
“أخواتك هيخربو بيتوتهم بايدهم يا أيوب، وانت كمان بقيت مهمل في مراتك، وبقيت تفضل شغلك عليها والبت ساكته ومستحمله.. لكن كمان تنزل يوم اجازتك وتشتغل في الفاعل وتهد حيلك من قبل الفجر وترجع تعبان وهلكان وعايز تنام طبعاً وهتسبها تروح بعيالك فرح اختها لوحدها زي ما بتروح في كل مكان بيهم لوحدها”..
اعتلت ملامح” أيوب” الحزن، وخفض رأسه يخفي حزنه عن والدته مغمغماً..
“اطمني يا أمي انا هشد أخواتي وارجعهم لعقلهم، ومتشليش همي انتي عارفه أني هراضي حبيبه وهروح معها فرح أختها وعمري ما أكون قاصد ازعلها أبداً”..
رفع رأسه ونظر لها بأعين تلتمع بعشق حقيقي نادر الوجود مكملاً..
” دي حبيبة قلب أيوب يا أمه”..
” وأنت حبيب وحياة حبيبة يا أيوب”..
همست بها “حبيبة” التي خطت لداخل الغرفه بعدما استمعت لصوت زوجها برفقة والدته..
استدار ينظر لها بلهفه وقد تبخر حزنه واعتلت ملامحه الشوق الشديد وهو يتأملها بنظراته التي تبعثر مشاعرها..
انتفض قلبها انتفاضة اشتياق وارتجف بدنها وهي تقترب منه بابتسامتها التي تذيب قلبه، وتحدثت برقتها قائله..
“صباح الخير يا ماما زينب”..
“زينب” بحب.. “صباحك نادي يا ضنايا”.. ابتسمت بفرحه حين رأت ملامح “أيوب” اختفي منها الحزن والتعب وأصبحت مشرقه مليئه بالحب والشوق مما جعلها تتحدث بخجل قائله..
“يله يا بت يا حبيبة خدي جوزك وعلى اوضتكم، وانا هقوم أحضر الفطار واياكي تقوليلي أساعدك.. انا بعرف اعمل فطار وغدا وعشا كمان لوحدي”..
توردت وجنتي “حبيبة” بحمرة الخجل حين أمسك “أيوب” كف يدها بقبضة يده الخشنه جعلت قلبها يطرق كالطبول بين ضلوعها، وسحبها خلفه وسار لخارج الغرفه على عجل وهو يقول..
“خليكي مرتاحه يا أم أيوب مافيش حد هيحضرلكم الفطار غيري انهارده .. بس هاخد دش متين يضيع تعب اليوم وهعملكم أحلى فطار”..
أطبق جفنيه بعنف وتابع محدثاً نفسه..
“يا تري هتسبيلي البيت زي مرتات اخواتي، ولا هتعملي معايا ايه انا كمان يا حبيبة لما تعرفي اللي انا عملته”..
………………………………..
“بدر”..
صف سيارته أمام منزل “هبه” وارتجل منها بخطي مهروله،وملامحه لا تبشر بالخير أبداً بعدما رأي سياره يبغضها كثيراً تقف بالجهه الأخرى من الطريق..
تلك السياره التي دوماً تتابع “هبه” أينما ذهبت،وكم تمني أن يلحق بها ويلقن من يقودها درساً قاسي حتي يتوقف عن أفعاله الحمقاء التي تثير جنونه..
اندفع لداخل المنزل، وصعد الدرج كل درجتين معاً..
كانت “هبه” تقف داخل الحمام تختبئ به من “سيف” الذي عاد يعكر صفو حياتها.. لم تمتلك القدره على مواجهته.. شعرت أنها ستضعف أمامه خصتاً عندما استمعت لصوته الباكي يتوسل لوالدها قائلاً..
“ابوس جزمتك يا عم محمد خليها تخرج تقابلني.. عايز أشوفها وأطلب منها السماح”..
صك” محمد” على أسنانه متمتماً بسره..
” استغفر الله العظيم واتوب اليه”..
نظر له نظره حارقه، وبغضب قال..
“هو انت صنفك ايييه.. بقولك بنتي بقت مكتوب كتابها على راجل تاني غيرك، ومش عايزه تشوف وشك.. اتكل على الله من هنا شوف حالك بعيد عننا وسبنا في حالنا، وكفايا اللي شوفناه منك ومن عمايلك السوده يا أخي”..
ابتلع”سيف” غصه مريره وبندم تحدث قائلاً.. “عاميلي السوده ربنا عاقبني عليها أشد عقاب، وانت راجل مؤمن وعارف ان ربنا غفور رحيم.. يبقي احنا البشر مش هنرحم بعض”..
أنهى جملته ونظر ل” نجوي” يستجديها ان تساعده حتي يسترد “هبه” كما كانت تفعل معه دوماً..
لكنه صعق، واتسعت عينيه على وسعهما حين رمقته “نجوي” بنظرة استحقار، وتحدثت بتحذير قائله..
” أمشي من هنا يا جدع أنت بدل ما اتصل على “بدر” عريس بنتي يجي يكسرلك رجلك علشان يحرمك تقرب من مراته ولا حتي تنطق اسمها على لسانك تاني”..
“انا جيت من غير ما تتصلي بيا يا أمي”..
كان هذا صوت “بدر” الذي خطي من باب الشقه المفتوح وبلحظه كان أمسك “سيف” من ياقه قميصه، وسدد له لكمه قويه جعلت الدماء تنفجر من أنف وفم “سيف” بغزاره..
صرخت” نجوي” صرخة مدويه، وأسرع” محمد” بابعاد “بدر” الذي قبض على عنق “سيف”، وهم بلكمه مره أخرى بقوة أكبر وهو يقول برجاء..
“كفايه يا بدر يا ابني ليموت في ايدك”..
حاول “بدر” الوصول ل “سيف” وهو يقول بغضب عارم..
“سبني يا عمي انا عايز اخلص عليه الحيوان اللي ماشي ورا هبه في كل حته؟”..
“بدر!!”.. كان هذا صوت “هبه” التي ركضت مسرعه لخارج الحمام وخطت داخل غرفة والدتها ارتدت إسدال للصلاه فوق منامتها القطنيه، وهرولت بخطي مرتجفه نحو الخارج..
نظر لها “بدر” بأنفاس مهتاجه متلاحقه من شدة انفعاله..
بينما نظر لها” سيف”بلهفه، واعين تترقرق بها عبرات الخزي والندم..
وقفت هي بثبات وملامح جامده لا تحمل اي مشاعر، ونظرت لوالدها وتحدثت بتعقل وهدوء مريب أثار قلق الجميع..
“من فضلك يا بابا عايزه اقعد مع بدر 5دقايق لوحدنا”..
صمتت لبرهه وتابعت بجمله جعلت الجميع ينظر لها بصدمه حين قالت..
“متمشيش يا سيف لأني هقعد معاك انت كمان 5دقايق لوحدنا”..
يتبع..
↚
غضب البدر!!..
“هبه”..
بعدما قالت إنها تريد أن تحدث كلاً من “سيف” و”بدر” علي انفراد..
ساد الصمت أرجاء المكان..
اعتلت ملامح الجميع نظرات مختلفه.. بين الدهشه،الذهول، وبالطبع الغضب..
ولكن نظرتها هي بارده.. جامده.. رغم عينيها التي تلتمع بها عبراتها.. إلا انها استطاعت السيطره عليها..فبكائها الآن سيظهر مدي ضعفها..
إذاردت لعابها بتوتر، وهي تتنقل بنظرها بين ماضيها ، ومستقبلها..
أطلقت زفرة نزقه وهي تتطلع ل “سيف” ماضيها الأسود،وتنقلت بعينيها نحو “بدر” حاضرها، ومستقبلها الذي انتظرها اكثر من ثلاث سنوات دون كلل أو ملل حتى أخيراً أصبحت زوجته..
ليظهر ذلك ال “سيف” الذي دوماً يعكر عليها صفو حياتها،ولكن هناك جزء بقاع قلبها شبه مرحب بظهوره.. يجعلها تنهر نفسها بشدة، وحسمت قرارها بطلبها هذا..
تود رؤية رد فعل “بدر”.. هل سيوافق على طلبها ويتركها تجلس برفقته؟!.. انتفض قلبها بخوف حين لمحت ملامحه الغاضبه ومع ذلك عينيه ترمقها بنظراته الحانيه حتي أثناء غضبه..
بينما “سيف” نظرته لها تشتاقها دون أرادتها فهو نسخه مطابقه لصغيرها.. أنتبهت على حالها فأطبقت جفنيها بعنف وهمت بالحديث..
لتقفز بفزع حين دوي صوت “بدر” الغضوب قائلاً بصرامه شديدة دبت القلق بقلبها..
“ولا ثانيه واحده.. مش هسيبك لحظه واحده تقعديها مع البني آدم دا يا هبه.. مستحيل يحصل”..
تراقص قلبها فرحاً، وظهرت شبه ابتسامة على ملامحها الحزينه جعلت وجهها يستعيد رونقه قليلاً مما أشعل غضب، وغيرة “سيف”، وهو يري نظرتها الفخوره به..
بينما نظرتها له كانت دوماً يملؤها الخزي، والأسف، وكثيراً الاشمئزاز..
صك على أسنانه، ونظر ل “بدر” بشرار يتطاير من عينيه، وقطع المسافه بلحظه بينهما حتى أصبح أمامه مباشرة، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفه..
“اوعي تفكر سكوتي على ضربك ليا دا ضعف مني، ولا انا خايف منك مثلاً”..
حرك رأسه بالنفي، وأشار على” محمد” والد هبه مكملاً..
” أنا عامل حساب للراجل الكبير اللي واقف وسطنا”..
“والراجل الكبير دا يبقي حمايا أبو مراتي اللي أنت بتحاول تكلمها وهي على زمتي لأنك واحد ***وفاكر كل الناس زيك، وعم محمد أكيد مش هيلومني على اللي هعمله فيك”..
قالها “بدر” وهو يهجم عليه فجأه دو سابق أنظار.. يسدد له لكمات متفرقه..
استجمع “سيف” قوته، ودفعه بعيداً عنه بعنف وهو يقول..
” هبه لسه عايزاني بدليل إنك كاتب عليها بقالك أكتر من 5شهور وهي رافضه تروح بيتك لحد دلوقتي، وانت عارف كده كويس بس بتكدب نفسك”..
كلماته كانت كالخناجر تطعن قلب “بدر” دون رحمه، ولكنه تجاهل حديثه، وهم بالهجوم عليه مره أخرى وهو يقول بوعيد..
“انا شكلي هخلص عليك انهارده”..
” لا يا بدر”..
صرخت بها “هبه” وهي تركض نحوه، وبلحظه كانت ألقت نفسها داخل حضنه.. ملتفه بكلتا يدها حول خصره تضمه بكل قوتها دافنه وجهها بصدره وتبكي بنحيب بصوت مكتوم..
شعر بأن الوقت والعالم قد توقف من حوله..
فعلتها هذه جعلت جميع جروحه تشفي، اثلجت قلبه، واشعلته بأن واحد خصتاً حين وصل لسمعه صوتها الباكي تهمس له من بين شهقاتها بتوسل..
“كفايه عشان خاطري”..
↚
رفعت وجهها الغارق بالعبرات، ونظرت له.. كان هو يرمق “سيف” بنظرات جامده عكس فرحته الغامره بفعل زوجته التي تستكين داخل حضنه لمرتها الأولى..
فكت هي إحدى يديها من حول خصره، وسارت بها على جسده ببطء حتي لمست أناملها المرتجفه لحيته.. تحثه على النظر لها غافله عن حركتها هذه التي بعثرت مشاعره،وجعلت قلبه أوشك على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته..
على الفور خضع لنداء قلبه، ومال برأسه عليها، وألتقت أعينهما بنظره تحمل الكثير من المشاعر المختلطه،
ومن بين دموعها التي تهبط بغزاره على وجنتيها..
أهدته ابتسامتها النادره متمتمه بلهفه ظاهره على محياها، وكأنها تخبره انه منقذها الوحيد من حزنها..
“انا مش مستغنيه عنك”..
لهنا، ولم يحتمل أكثر.. على مضض ابتعد بعينيه عنها، ونظر ل “سيف” الذي تسمر مكانه من شدة صدمته.. ينظر ل “هبه” المحتضنه زوجها بحسره وندم، وحقد بدأ يظهر بعينيه تجاه “بدر” ..
ليرفع “بدر” يديه حولها، وحاوطها بهما بحمايه، وذاد من ضمها داخل حضنه بقوه وكأنه يريد اخفائها بداخله..
“خلصت كده يا سيف، ويله اتكل على الله من هنا ورينا عرض كتافك”..
كان هذا صوت “محمد” الذي أقترب من “سيف” ودفعه بحده لخارج المنزل مكملاً بتحذير..
” لو فكرت تتعرض لبنتي وجوزها تاني هبلغ عنك”..
هبطت دمعه حارقه من عين “سيف” مسحها سريعاً،ورسم ابتسامة مصطنعه على محياه، وتحدث بثقه قائلاً..
” بنتك هتطلق من اللي بتقول عليه جوزها دا، وهترجعلي”..
نظر ل “بدر” وتابع بتأكيد..
“والأيام بنا، وبكره أفكرك”..
تصلب جسد “بدر” بقوه مما دفع “هبه” لضمه لها أكثر كمحاوله منها لتهدئة وتيرة غضبه التي شعرت بها من أنفاسه المتهدجه..
“دا هيحصل فعلاً بس في أحلامك، وفي خيالك المريض..يله غور في داهيه من هنا”..
قالتها “نجوي”، وهي تغلق الباب بوجه “سيف” بغضب، وغيظ..
تنهدت “هبه” براحه بعد ذهاب “سيف”، وحاولت تبتعد عن “بدر” بخجل.. لكنه لم يترك لها مجال للبعد، وجذب رأسها لصدره، ومال على جبهتها لثمها بعمق مغمغماً..
” انتي كويسه؟ “..
زاد خجلها، وارتباكها أضعاف، وبصوت يكاد يسمع قالت..
“اممم.. الحمدلله كويسه.. بس عايزه أسألك على حاجه”..
رفع كف يده، ومسح عبراتها العالقه بأهدابها بأصابعه..
“قولي كل اللي في قلبك يا هبه، وانا سامعك”..
صمتت لبرهه، وبتساؤل قالت..
“البنات في الكليه هيتجننو عليك، ويتمنو إشارة واحده منك، وانت سبتهم كلهم واختارتني انا.. اشمعني انا يا بدر؟!”..
……………………………….
” أيوب”..
جذب مقعد ووضعه بجوار الفراش الجالسه عليه “حبيبة” زوجته..
جلس أمامها، وأمسك يديها بين يديه، وضغط عليهما برفق، وتحدث بصوته الحنون قائلاً..
“بصيلي يا حبيبة”..
رفعت وجهها ببطء، ونظرت له بعتاب لا يخلو من عشقها الشديد له..
ابتسم لها ابتسامته التي تخطف أنفاسها، ورفع يدها على شفاتيه قبلها بحب مدمدماً..
” اممم قلبك بقي قاسي عليا أوي يا أم أحمد”..
اعتلت ملامح “حبيبة” الدهشه، واشارت بيدها المحتضنه يد زوجها تجاه قلبها مردده بذهول..
“قلبي أنا اللي قاسي يا أيوب؟!”..
↚
عادت بيدها نحو قلبه، واراحت كفها على صدره مكمله..
“أمال قلبك انت اللي طاوعك وهيخليك تسافر وتسبني هنا من غيرك يبقي ايه؟! “..
“اجابها “أيوب” بلهفه قائلاً..
“يا حبيبتي قولتلك هما 3شهور بس بإذن الله وهرجعلك، وممكن أرجع قبلهم كمان لو مقدرتش اثبت كفاءة.. لأن مش أي حد بيقبلوه في المستشفى دي”..
ابتسمت له ابتسامة هادئه، وبثقه قالت..
“بأمر الله هتنجح، وبجداره كمان يا دكتور أيوب، وهيختاروك وهتفضل هناك على طول.. مش 3شهور بس، وانت عارف كده كويس”..
أخذ”أيوب” نفس عميق، وتحدث بأسف قائلاً..
“دي حقيقه فعلاً.. انتي عندك حق فيها”..
جحظت اعين “حبيبة” وتطلعت له بنظرات منذهله.. ليتابع هو بتعقل..
” حبيبة انتي مدركة يعني ايه أكون جراح في مستشفي الدكتور مجدي يعقوب أكبر مستشفي خيري في مصر؟، ويمكن العالم كمان! “..
احتضن وجهها بين كفيه..
“متخيله إني ممكن أرفض عمل إنساني كبير زي دا؟!، ولو فعلاً قبلوني أكيد هبعتلك تيجي انتي والولاد تقعدو معايا مره، وانا هاخد إجازات واجلكم مره.. لانك اكيد عارفه ان أمي مستحيل تعيش بره بيتها، ومش هكون مطمن عليها غير وانتي معها.. بس ادعيلي يا حبيبة يقبلوني معاهم.. دي أمنيتي”..
“اطمن انا هفضل مع ماما زينب، وأنت ربنا يوفقك،ويحققلك كل اللي بتتمناه يا أيوب”..
قالتها “حبيبة” وهي تبعد يده عنها برفق مكمله..
” هدخل الحمام اخد شاور سريع علشان متأخرش على هبه أكتر من كده”..
أنهت جملتها،وهبت واقفه، وسارت نحو الحمام بخطوات مهروله..
ليوقفها صوت” أيوب” يقول بقلق..
” حبيبة انتي ناويه على ايه بالظبط؟! .. لأن بصراحه هدوئك دا مخوفني”..
اجابته “حبيبة” دون ان تلتفت له..
“متخفش يا أيوب مش هعمل زي حد واسيبلك البيت وامشي”..
كانت تلك أخر كلماتها قبل ان تغلق باب الحمام ووقفت خلفه مستنده عليه بظهرها.. واضعه كف يدها على فمها تكتم شهقاتها الناتجه عن بكائها الشديد محدثه نفسها..
“انا خلاص مبقتش عايزه الدكتور أيوب اللي دايماً بعيد عني دا”..
تأوهت بصوت خفيض مكمله بشتياق..
“واحشني الاسطي أيوب اللي مكنش يقدر يبعد عني لحظه واحده”..
بينما “أيوب” يقف أمام الباب مستند بكلتا يده وجبهته عليه.. يستمع لصوت بكائها بقلبه، وبرجاء تحدث قائلاً..
“افتحي يا حبيبة أيوب”..
يتبع..
↚
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
داخل إحدي القاعات الصغيرة التي تتميز بالفخامة و الرقي، مّرت ساعات الفرح سريعًا بين الأهل و الاصدقاء، لكن كان “بدر” رغم فرحته إلا أن عينيه يظهر بها لمحة حزن لم يستطيع إخفائها خاصةً عن زوجته التي تمكن القلق من قلبها و ذاد خوفها أضعاف و هي تراه يتطلع بلهفة كل ثانية تجاه باب القاعة تاره و بين “أيوب” تاره أخرى و كأنه ينتظر قدوم شخصًا مهم للغاية بالنسبة له..
“مالك يا بدر.. أنت مستني حد؟!”..
همست بها “هبة” داخل أذنه أثناء رقصتهم الهادئة أخر فقرات الحفل، حاوط خصرها بكلتا ذراعيه و ضمها لصدره بقوة مردفًا بتنهيدة..
“نفسي فرحتي تكمل يا هبة”..
هنا ظنت أنه يقلق من قدوم طليقها فأبتسمت له برقة، و همست بيقين قائلة..
“بإذن الله هتكمل على خير”..
تعمق النظر داخل عينيها، يرمقها بنظراته المُتيمة بشوقٍ يفيض من عينيه،
لحظات قليلة مّرت و هو يتمايل بزوجته على أنغام موسيقى هادئه، لتتوقف فجأة و يصدح صوت أغنية جعلت جسده يتصلب، و يضم “هبة” له أكثر أثار الريبة بقلبها حين رأته يوجهه نظره تجاه” أيوب ” الذي تفهم نظرته فهرول مسرعًا تجاه والد “بدر” و والدة “هبة” سحبهما برفق لخارج القاعة بأكملها لتلحق بهم “حبيبة” مسرعة، و قد دب القلق بقلبها هي الأخرى..
“أيوب في أيه؟.. أنت واخد ماما و عمو أحمد رايح بيهم فين؟!”..
أجابها “أيوب” بابتسامة مطمئنة قائلاً..
” هنطلع على بيت باباكي.. مامتك تجيب عشا العروسة و هنوديه على شقة جوزها و هنرجع على طول.. خليكي أنتي مع أختك و إحنا بأمر الله مش هنتأخر متقلقيش”..
ذهب “أيوب ” بسيارته معاهم، و عادت” حبيبة” لداخل القاعة بملامح متعجبة من كلمات الأغنية المذاعة، لتندهش أكتر حين رأت” بدر ” يجاهد حتى يسيطر على دموعه التي خانته و بدأت تهبط من عينيه التي تدور بانحاء المكان بلهفة شديدة..
” أنت الغالي يا أخويا، من بعد أمي و أبويا،
أنت الغالي يا أخويا من بعد أمي و أبويا،
أخويا حزام ضهري، أفديه بروحي و عمري،
أخويا حزام ضهري أفديه بروحي و عمري”..
ارتجف قلب “هبة” بذعر من هيئة زوجها الذي يمسح على وجهه بكف يده ليخفي دموعه، و فجأة تعالت شهقاته حين وقعت عينيه على امرأة خطت للتو من باب القاعة ترتدي الزي الشرعي كاملاً، لا يظهر منها أي شيء سوي عينيها التى تنهمر منها العبرات أسفل نقابها..
قبض على كف زوجته، و سحبها معه بخطي شبه راكضة نحو تلك المرأة التي ركضت هي الأخرى نحوه فاتحة ذراعيها له، ليرتمي داخل حضنها و يضمها بقوة أمام أعين زوجته التي بدأت تبكي لبكاءه..
“كنت واثق إني مش ههون عليكِ يا شروق و هتيجي فرحي”..
قالها “بدر” بفرحة غامرة، لتجهش “شروق” في البكاء و تحدثت بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة قائلة..
“مبروك.. ألف مبروك يا حبيبي.. مبروك يا قلب أختك”..
اعتلت الدهشة ملامح “هبة” و “حبيبة” التي وقفت بجوارها، و نظروا لبعضهما بصدمة مرددين بنفس واحد..
” أخته ؟!!”..
أبتعد “بدر” عن حضن شقيقته، و سحب “هبة” نحوهما، واضعًا إحدي ذراعيه حول كتف شقيقته و الأخر حول كتف زوجته و نظر لشقيقته و تحدث بفخر..
“هبة مراتي يا شروق”..
↚
و من ثم نظر لزوجته و تابع بسعادة أضاءت وجهه و اخفت لمحت الحزن من عينيه قائلاً..
“شروق يا هبة تبقي أختي الكبيرة”..
تطلعت له “هبة” بدهشة فضغط على كتفها بأنامله برفق، و نظر لها نظره يخبرها بها أنه سيشرح لها كل شيء فيما بعد،
لتعانقها “شروق” بحب حقيقي شعرت به “هبة” فبادلتها عناقها بودٍ ، ابتعدت عنها “شروق” بضعة انشات و نظرت ل “بدر” بفزع، فابتسم لها و هو يقول.. “متقلقيش بابا مش هنا.. أول ما الأغنية اشتغلت عرفت إنك جيتي فخليت واحد صاحبي ياخده بعيد عن القاعة”..
تنهدت “شروق ” بارتياح قبل أن ترفع نقابها بحذر و تكشف عن وجهها ل “هبة” التي ذُهلت من الشبة الشديد بين زوجها و شقيقته..
“مبروك يا هبة.. ألف مبروك يا مرات أخويا.. ربنا يبارك لكم في حياتكم و يعوض قلوبكم ببعض “..
قالتها و هي تخرج من حقيبة يدها علبة مخملية فتحتها ليظهر بها طقم كامل من الذهب مكون من أسورة، خاتم، قرطين، قلادة..
“لبس عروستك شبكتها يا بدر”..
أردفت بها بنبرة راجية، و هي تعطيها له و عينيها تستجديه بأن يقبلها منها..
ظهر الأسف على ملامح” بدر”، و أمسك يدها رفعها على فمه و قبلها بعمق مغمغمًا..
“حضورك فرحي يا شروق ده بالنسبالي أحلى و أكبر هدية”..
بكت “شروق” و هي تقول.. “بس أنا جايبة هدية لمرات أخويا و النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قبل الهدية.. أوعى ترفضها لو ليا معزة في قلبك يا بدر.. و أطمن دي من فلوس شغلي أنا مش من فلوس جوزي”..
أصر “بدر”على عدم أخذها منها، لتنظر هي ل” هبة” و تتحدث بنبرة متوسلة..
“قوليله يقبلها مني و ميكسفنيش يا هبة”..
تنقلت” هبة” بعينيها بينهما بحيرة، و همست لزوجها بصوتها الناعم الخجول قائلة..
” شكلها حزينة أوي.. متكسرش بخاطرها يا بدر “..
ساد الصمت المُطعم بالتنهيد حتى أخذها منها “بدر” على مضض، و لكنه لم يلبسها لزوجته، فتفمهت “شروق ” أن والده لو رأي هذه الهدية على زوجة إبنه سيعلم بحضورها،
“أنا عندي طيارة كمان ساعة و لازم أمشي دلوقتي” ..
أردفت بها و هي تعانق” بدر” وتقبل كتفه مرات متتالية مكملة بغصة مريرة يملؤها الأسى..
“الحضن ده توصله لبابا يا بدر.. و بوس لي أيده و قلبه و عنيه”..
كانت “هبة” تبكي من شدة تأثرها بهما، لتنظر لها “شروق” و تتحدث بابتسامة متألمة..
” خلي بالك من بدر يا هبة.. زي ما هو هيخلي باله منك و هيحطك جوه قلبه”..
……………………. صلِ على الحبيب……
مازالت” ورد” تقف مكانها تختلس النظر بعين واحدة على ما يحدث حولها، جميع من بالمنزل هرولوا تجاه “جبل” العائد بعد سنوات طويلة من الغياب يلقون عليه التحية، و يأخذوا منه الهدايا بتهليل و فرحة غامرة..
قبل يد جده العجوز “رضوان” مغمغمًا..
“واحشتني يا جدي”..
تطلع له “رضوان”بفخر، يرى نفسه و شبابه به، فهو أول أحفاده و عزيز قلبه بعد وفاة أبنائه واحد تلو الأخر ..
“تعالي في حضني يا جبل يا والدي”..
أنصاع “جبل” لطلبه على الفور، و عانقه بلهفة، ليربت “رضوان” على ظهره بقبضة يده ببعض القوة مرددًا..
“راجل من ضهر راجل و إسم على مسمى يا جبل “..
“قول اللهم صلِ على النبي محمد يا أبا الحج.. ربنا يحفظك و يحميك من عين كل اللي شافك يا جبل يا أبن وفاء ولا صلي على محمد “.. قالتها “وفاء” بقلب أم متلهف على إبنها..
جذبه جده اجلسه بجانبه على أريكته الخاصة، و تجمعت العائلة كلها من حولهم إلا تلك ال” ورد” ، والدته و شقيقاته البنات ” علياء و هناء”، و و زوجة عمه” صباح ” و بناتها” فردوس و زهور”..
” الله.. أمال فين ورد مرات ابنك يا أم جبل؟! “..
قالها “رضوان” ببوادر غضب،نظرت “وفاء” ل “صباح” و غمزت لها في الخفاء و هي تقول..
“هي ورد لسه في الحمام يا صباح؟”..
أجابتها “صباح” بتوتر قائلة..
” ما أنتي عارفة أنها كانت بتغسل انهاردة من طالعة الشمس”..
لكزت ابنتها “فردوس” و تابعت بأمر قائلة..
↚
“قومي يا بت يا فردوس نادمي على أختك أوام، قوليلها جوزك وصل بالسلامة “..
ركضت الصغيرة مسرعة لتصدم ب” ورد”التي كتمت فمها بكف يدها على الفور حتى لا تفضح أمرها..
سحبت شقيقتها بحرص لداخل إحدي الغرف، و تحدث بهمس قائلة..
“بت يا فردوس روحي قوليلهم ورد دخلت شقتها و شكلها نامت عشان أنا خبطت عليها كتير مردتش عليا”..
أنصاعت الصغيرة لحديثها على الفور و همت بالركض من أمامها لكنها أمسكتها ثانيةً مرددة بغيظ..
“استني يا بت خليكي واقفة هنا شوية عشان يصدقوا إنك طلعتي وخبطي عليا “..
وقفت الصغيرة مكانها بستياء، بينما هي عادت للخارج و وقفت مكانها تستمع للحديث الدائر بين والدتها و زوجها..
” دي ورد هتفرح أوي يا جبل يا ابني بمجيتك والله .. إلا هي كان نفسها تجيلك نوبة مع جدها و حماتها و هما بيزروك في مصر بس أنت بقي مكنتش بتقولهم يجيبوها معاهم.. و أنت سيد العارفين إن الواحدة ميصحش تخطي برة عتبة البيت إلا بأمر جوزها”..
” و أديني جيت لحد عندكم بنفسي أهو يا مرات عمي”.. قالها” جبل” بابتسامة مصطنعة، لتعود” فردوس”و تتحدث بعفوية طفولية قائلة..
” ورد قالتلي أقولكم أنها طلعت شقتها و نامت “..
تعالت الشهقات و كاد” رضوان ” بالصياح في وجه” صباح” و توبيخها، ليوقفه” جبل” حين قال بهدوء يُحسد عليه..
” أنا عايز أطلق ورد يا جدي”..
رباااه!!
صدمة أخرست ألسنة الجميع و أعتلي الذهول وجوههم خاصةً” صباح ” التي بهتت ملامحها و أغرقت الدموع وجنتيها ..
بينما “ورد” كانت تتوقع ما يدور بخاطره فلم تتفاجأ من جملته هذه، وقفت مكانها عاقدة ذراعيها أمام صدرها بملامح جامدة تستمع لما يُقال..
” تطلق ورد! .. ليه بس يا والدي؟”.. أردف بها “رضوان” بهدوء ما قبل العاصفة..
نظر له “جبل” نظرة عتاب و تحدث بدهشة قائلاً..
“أنت بجد مش عارف ليه يا جدي؟!.. مش عارف إن ورد أنا بعتبرها زي علياء و هناء أخواتي!”..
خبط “رضوان” بعكازه على الأرض بغضب و هو يقول..
“لاااا معرفش يا جبل غير إن ورد تبقي مراتك و عمرها ما كانت و لا هتكون أختك.. ورد بنت عمك لحمك و دمك اللي مكتوبة على إسمك من أول يوم جت فيه الدنيا لحد ما جوزتها ليك بأيدي و بقت مراتك جاي بعد السنين دي كلها و عايز تطلقها؟! “..
حاول” جبل”السيطرة على غضبه، و تحدث بتعقل قائلاً..
“يا جدي أنا مكسرتش كلمتك زمان لأني كنت لسه صغير و ورد كمان كانت عيله صغيرة و جوازنا ده كان غلط من البداية و أنا جاي انهاردة عشان أصلح الغلط ده لأن بصراحة كده أنا بحب واحدة زميلتي في الكلية و اتفقت معاها على الجواز”..
انبلجت إبتسامة ساخرة على ملامح “ورد” و حدثت نفسها قائلة..
” بتحب واحده عليا و أنا على ذمتك يا جبل يا ابن وفاء”..
اتسعت ابتسامتها بشررٍ مكملة بوعيد..
” إما علمتك الأدب مبقاش أنا ورد الجبل”..
رفعت يدها و فكت عقدة شعرها الأسود الغجري الطويل الذي يصل لأخر ظهرها، قرصت خديها بأصابعها عدة مرات حتى توردت وجنتيها أكثر بحمرة قانية أظهرت جمال بشرتها الحليبة، و عينيها السوداء الواسعة ذات الرموش الكاحلة..
خلعت عبائتها البيتية الواسعة، و بقت بمنامتها القطنية الحمراء التي تظهر جمال جسدها الممشوق، أخذت نفس عميق قبل أن تسير بخطي واثقة فاجأت الجميع بطالتها الساحرة إلا هو رمقها بنظرة خاوية من المشاعر، وقفت أمامه مباشرةً، نظرت لعينيه نظرة مليئة بالتحدي و هي تقول بإصرار..
“أنا كمان عايزاك تطلقني يا جبل”..
……………………………. لا إله إلا الله وحده لا شريك له……..
المرأة اذا وجدت الحنان و الأحترام في البديل نست الماضي عكس الرجل لا ينسى حبيبته مهما كان البديل أجمل، و هذا ما يحدث الآن مع “سيف” يقف على مسافة من منزل حبيبته الوحيدة ” هبة” يتابعها بأعين تذرف دمعًا، و قلب ينزف دمًا و هي محمولة على ذراعي “بدر” زوجها..
الندم يمزق روحه بسكينٍ بارد، كم تمنى في تلك اللحظة أن يقتل ذلك ال بدر و يخطفها منه و يهرب بها، لكنه ذاق مرارة السجن مرة و لن يغامر و يدخله ثانيةً و يبتعد عنها،
“مش هسيبك يا هبة.. مش هسيبها ليك يا بدر الكلب”.. ظل يرددها بصراخ مقهور داخل سيارته و هو يخبط على المقود بكل ما أوتي من قوة..
يتبع..
↚
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
الحب الصادق ليس بكلمة ينطقها المحب، إنما هو رحمةٌ، عطفٌ، مشاعر، أحساس صادق يدخل السكينة و الطمأنينة قلب المحبوب،شمس بخيوط ذهبية تبعث دفئًا ليقينا من برد الشوق..
وقفت “هبة” داخل غرفة نومها الجديدة بمنزل زوجها “بدر” في حيرة من أمرها، تنتقي شيء من الخزانة يناسب جسدها الهزيل، و لكن جميع الثياب بلا استثناء كبيرة جدًا عليها خاصةً أنها فقدت الكثير من وزنها في الفترة الأخيرة قبل زواجها..
تنقلت بعينيها بين إسدال صلاتها التي ترتديه، و بين القميص الأبيض الحريري المعلق على المشبك الخشبي، تنهدت بحزن و فكت حجابها ليظهر شعرها الذي أصبح بالكاد يصل لبداية كتفها بعدما قامت بقص نصفه، و غيرت لونه للون الكستنائي فأعطاها طالة جديدة كليًا في منتهي الرقة تُبهر كل من يراها..
خلعت اسدالها و تناولت القميص بيد مرتجفة أرتدته على الفور، لتسقط حمالات القميص الرفيعة من على كتفيها و من ثم سقط القميص هو الأخر من على جسدها أرضًا ، بقت واقفة بثيابها الداخلية البيضاء تضحك على حالها ضحكة يملؤها الوجع و عينيها تذرف الدموع بغزارة..
جلست فوق قميصها ضامة قدميها لصدرها و أجهشت بنوبة بكاء حاد محدثة نفسها بحسرة..
“عملت في نفسك كده ليه يا بدر.. أيه يجبرك على الجواز من واحدة مبقاش فيها لا حياة و لا روح و محسوبة على صنف الستات بالبطاقة بس”..
كان “بدر” بردهة المنزل ينتظرها للمرة الثانية بعدما صلي بها صلاتهما الأولى في أول ليلة بحياتهما معًا، و دلف هو للمطبخ جهز أشهى الطعام اعدته لهما حماته و”حبيبة”شقيقة زوجته، وضع الطعام على الطاولة و ظل ينتظر خروجها على أحر من الجمر..
بدء القلق يغزو قلبه حين طال الإنتظار، فسار تجاه الغرفة و طرق على الباب برفق مرددًا بلهفة..
“هبة.. أنتي كويسة؟”..
لم يأتيه رد منها، انقطعت أنفاسه حين استمع لصوت أنينها المكتوم، فقتحم الغرفة دون سابق إنظار، دار بعينيه يبحث عنها بنظرات مذعورة حتى وجدها على تلك الحالة التي جعلت نبضات قلبه تتسارع بجنون ، هرول راكضًا نحوها و جلس جوارها أرضًا، و احتواها كلها داخل صدره بين ذراعيه مغمغمًا ..
“أيه اللي حصل؟!”..
سيطرت على بكائها قدر استطاعتها، و مدت يدها تجاه الروب المعلق بجوارها، فاسرع “بدر” بجلبه لها، و ساعدها على ارتدائه و هو يقول بحنو..
“ألبسي على مهلك.. متخفيش مني”..
” مش خايفة منك يا بدر.. خايفة عليك مني أنا و من حزني و كأبتي والله”..
همست بها بصوتها المتحشرج بالبكاء، و نهضت أمامه على ركبتيها لتتمكن من احتضان وجهه بين كفيها، فتأمل هو ملامحها و شعرها الذي يراه لمرته الأولى بافتنان..
زال دموعها بأصابعه بمنتهي الرفق، و أبتسم لها ابتسامته الجذابة و هو يقول..
” من فضلك متقوليش على مراتي كئيبة دي تاني لأني واثق أنها أكتر بنوتة فرفوشة و كلها حياة و شقاوة بس الظروف اللي مّرت بيها كانت صعبة عليها شويتين تلاتة و بإذن الله هنعديها سوا و ترجعي أحسن من الأول يا هبة”..
استندت بجبهتها على جبهته و همست بتمني..
“نفسي.. نفسي يا بدر أبقى كويسة عشانك أنت “..
لف يده حول خصرها و ضمها له بقوة و تحدث بفرحة غامرة قائلاً..
” أنسى أي حاجة و كل حاجة زعلتك في يوم و عيشي فرحة انهاردة معايا يا هبة.. انهاردة أحلى يوم في عمري كله عشان أنتي هنا معايا منورة بيتك و أختي حضرت فرحي “..
أبتسمت بستحياء و نظرت لعينيه التي تُشع فرحة و عشق حقيقي، و همست بنعومة..
” بصراحة اتخضيت لما لقيتك بتحضن واحدة غريبة و اتفاجأت لما قولت أنها أختك.. ليه معرفتنيش عليها قبل كده؟! “..
داعب أرنبة أنفها بأنفه، و تحدث بتنهيدة قائلاً..
” أكيد هجاوبك على السؤال ده بس مش دلوقتي ولا انهاردة خالص عشان عندي سؤال ليكي و عايزك تجاوبيني بصراحة”..
بلحظة جف حلقها و شحب لونها، و تطلعت له بنظرات يملؤها الخوف مرددة بتوتر..
” اسأل يا بدر و هجاوبك بصراحة”..
ضيق عينيه و ترمقها بنظرة متفحصة، شهقت بخفوت حين حملها فجأة على ذراعيه و انتصب واقفًا، و سار بها تجاه الفراش المتناثر عليه أروع و أجمل الورود، و تحدث بجدية مصطنعة..
↚
” أبوكي عارف يا هبة إنك هتباتي عندي الليلة؟”..
تطلعت له بدهشة و من ثم قهقهت بقوة تضحك من قلبها لأول مرة منذ عدة سنوات، تعلقت بعنقه بغنج مدمدمة..
“اممم.. عارف إني هبات عندك الليلة”..
مال بها على الفراش، و رفع يده يمسد بأنامله الباردة على وجنتيها المتوهجة مغمغمًا..
” و كل ليلة و من اللحظة دي مش هتفارقي حضني أبدًا”..
شعر بأرتجاف جسدها بين يديه، و محاولتها للفرار منه، ليحكم سيطرته عليها محاوطها بجسده و تحدث بتعقل قائلاً..
” اسمعيني يا هبة أنا كنت ناوي أسيبك على راحتك و مقربش منك غير لما تكوني حابة قربي ده.. بس دلوقتي في اللحظة اللي بكلمك فيها دي أنا حابب أمحي أي زعل أو وجع جوه قلبك بطريقتي، و كمان بصراحة أنا بتمني قربك و عايزك و هتجنن عليكي يا هبة”..
ختم جملته و لثم شفتيها بقبلة كانت رقيقة في بادئ الأمر ليري رد فعلها و مدى تقبلها له، تراقص قلبه فرحًا حين ظلت ساكنة بين يديه،خضعت أمام فيض مشاعره الجياشه التي اغرقها بها و لم ترفض قربه..
………………………….. لا إله إلا الله وحده لا شريك له………
صفعة كادت أن تهبط علي خد “ورد” لولا يد “جبل” التي أمسكت يد جده بلحظة الأخيرة..
“من أمتي عندنا حريم تقف قدام رجلها و تطلب الطلاق يا بنت ****!”.. صاح بها “رضوان” و هو يدفع “جبل” بعنف، لكنه لم يهتز حتى و ظل ممسك بيده حتى لا تطول تلك التي أصبحت كالفأر المبتل بسبب خوفها الشديد من جدها، مما دفعها للأختباء خلف ظهر” جبل” متشبثة بقميصه بكلتا يدها و تتحدث بصراخ قائله..
” ما هو يا جدو اللي قال الأول عايز يطلقني عايزني أقوله أيه يعني! لا ونبي مطلقنيش و خليني على ذمتك! أبويا الله يرحمه قالي اللي يبعني مشترهوش أسيبه يغور في ستين داهية تاخده و أكسر وراه زير كمان”..
نظر لها” جبل” نظرة يتطاير منها الشررٍ، لتصدمه هي أكثر حين ابتعدت خطوتين للخلف، و وضعت يدها بخصرها و رمقته بنظرة مستهزءة من أعلى لأسفل رافعة إحدي حاجبيها و هي تقول..
” أنا بقيت عليك و فضلت على ذمتك أكتر من سبع سنين و أنت رميني هنا و لا بتسأل عني حتى بمكالمة في التليفون.. كنت تتصل بيهم و تكلمهم كلهم واحد واحد و لما يدوني التليفون تقفل في وشي.. استحملت غيابك و صبرت على معاملتك ،و بعد كل ده جاي تقول إنك بتحب واحدة تانية و أنا لسه مراتك و على ذمتك و كمان عايز تطلقني عشانها ؟! “..
اقتربت منه و نظرت لعينيه بقوة أذهلته ،و هي تقول..
” و لا أنت بتعمل كل ده عشان ترد لي اللي عملته فيك في أول جوازنا؟ “..
خبطت بكف يدها على مكان الجرح التي سببته له بأسنانها و الذي ترك علامة دائمة بذراعه و غمزت له بعينيها مكملة..
” لدرجة دي العلقة اللي كلتهالك مقصرة فيك و مش قادر تنساها بعد كل السنين دي؟!”..
تعالت الشهقات من جميع الواقفين، و جحظت أعينهم بصدمة من جرائة” ورد” التي وصلت لحد الوقاحة،
تفاقم غضب “رضوان” من حديثها المتهور الذي بسببه رأي إصرار “جبل” على موقفه تجاهها، فصاح بغضب عارم قائلاً..
” أبني الله يرحمه قصر في ربيتك و علمك البجاحة لحد ما عينك وسعت و شوكتك قوية و خلتك واقفه قدامي تردي عليا كلمة بكلمة وتغلطي في جوزك قدمنا “..
ختم حديثه و نظر لوالدتها نظرة تفهمت منها مقصده..
” حقك علي راسي يا أبا الحج أنت و جبل .. أنا هربيها بأيدي من أول و جديد “.. قالتها “صباح” و هي تهجم على “ورد” جذبتها من شعرها أسقطتها أسفل أقدام زوجها، ليلقي لها” رضوان “عكازه العاج ألتقطه بلمح البصر و هبطت به على جسد “ورد” بكل ما أوتت من قوة..
برغم خطائها بحقه إلا أنه هم بالدفاع عنها، ليوقفه جده الذي أمسكه بلهفة، و سحبه بعيدًا عنها و هو يقول بأمر..
“سيبها تربيها دي قليلة الرباية يا جبل”..
أستشاط “جبل” غضبًا فهدر بصوته الأجش قائلاً.
” ورد لسه على ذمتي يا جدي و مسمحش لحد يمد إيده عليها”..
هنا تركه “رضوان الذي أبتسم بخبث بعدما وصل لهدفه، و هو يرى” جبل”يهرول مسرعًا تجاه” صباح ” التي كانت فقدت كل ذرة تعقل بها و كسرت العكاز على جسد ابنتها..
“كفاية يا مرات عمي هتموت في إيدك “.. قالها و هو يسيطر على إنفعالتها المتضاربة، حاولت “صباح” الافلات من يده و الهجوم على “ورد” الملقاة أرضًا بصمت أثار دهشته، لم تدافع عن نفسها، حتى أنها لم تبكي، ملتزمه الصمت، صمت مريب و نظراتها ثابتة عليه هو فقط..
“سيبني يا جبل.. سيبني اموتها و أخلص من شرها اللي عايزة تطلق و توقف حال أخواتها البنات”.. تفوهت بها “صباح” بأنفاس متلاحقة كادت أن تنقطع من شدة إجهادها و مع ذلك لم تكف عن محاولة الهجوم على ابنتها ثانيةً، مما أجبر “جبل” على جذب “ورد” من معصم يدها يحثها على النهوض، نهضت بالفعل بملامح يظهر عليها الألم، ليسرع هو و يخفيها خلف ظهره غير منتبه أنها أصبحت هكذا قريبة لقبضة “رضوان” الذي قبض فجأة هو الأخر على حفنه سخيه من شعرها أدار وجهها له مردفًا..
↚
“بقي أنتي مديتي إيدك على جوزك يا قادرة يا بنت ال****”..
ختم جملته و بغمضة عين كان لكمها لكمة قوية بقبضة يده الأخرى أسقطتها أرضًا فاقدة الوعي في الحال ..
لهنا و جن جنون” جبل ” فصاح في الجميع بصوتٍ جوهري و هو يضرب بقدمه الأثاث من حوله حطمه تمامًا..
“هو أنا مش مالي عين حد فيكم.. شايفني *** مش راجل عشان تضربوا مراتي قدامي!!” ..
مال عليها رفعها بمنتهي الخفة من خصرها، و حملها بيد واحدة على كتفه ، و أنتصب بها واقفًا و تحدث قبل أن يغادر بها المكان.. “الله في سماه اللي هيمد إيده عليها تاني ما هرحمه و لا هعمله خاطر حتى لو كان مين بالذي”..
نظروا الجميع لبعضهم و رفعوا أيديهم على فمهم يكتمون ضحكاتهم..
بينما هرولت خلفه” وفاء” و الدته و هي تقول بلهفة..
” أطلع بيها على شقتكم يا جبل يا ابني”..
أنهت جملتها بزغروطة عالية أوقفته عن السير و استدار ينظر لها بفم مفتوح من صدمته بفعلتها هذه الغير متوقعة، فابتسمت له إبتسامة بلهاء تدل على شدة فرحتها به..
” بتزغرطي على خيبة أية يا أمه؟! “..
كانت تصعد معه على الدرج، حتى وصل للطابق الثالث، فمدت يدها و فتحت له الباب، دلف هو بزوجته للداخل، لتصدح “وفاء” بزغروطة أخرى جعلته يصطك على أسنانه بغيظ، فرمقته بنظره غضب طفولية و هي تقول..
“أيه يا واد يا جبل.. فرحانة بيك و برجعتك لبيتك و لمراتك يا ضنايا”..
همت بغلق الباب عليهما، لكنه سحبها من يدها برفق، و أغلق الباب مغمغمًا ..
“أدخلي يا أمه فوقي البلوة اللي على كتفي دي على ما أخد دش من تراب السفر”..
كان يتحدث و هو يضعها على أقرب أريكة متعمد عدم النظر لوجهها نهائياً..
دار بعينيه يتفقد المكان من حوله، كانت الشقة مساحتها كبيرة للغاية، بها الأثاث الجديد الذي كان يرسله هو من مصر على ذوقه الخاص، سار للداخل عبر ممر طويل يؤدي لغرف النوم و دلف لداخل واحدة بها حمام، و بدأ يخلع ثيابه..
” و افوقها أنا ليه؟ ما تفوقها أنت بمعرفتك هي مراتي و لا مراتك!”.. قالتها “وفاء” و هي تبحث عنه حتى وجدته بإحدى الغرف يقف بسرواله الجينز عاري الصدر، أبعدت عينيها عنه و هي تُسمي بسرها، ليتحدث و هو يخرج هاتفه من جيب سرواله مغيرًا مجري الحديث..
“هرن على عليا أختي تطلع لي الشنطة عشان أخد منها غيار”..
” لا مترنش على حد أنت ليك غيرات هنا في الدولاب مراتك غسلها و مخليها زي الفل”..غمغمت بها “وفاء” و هي ترمقه بنظره مندهشة حين رأته يضع الهاتف على أذنه و يتحدث بصوتٍ هاديء عكس هيئته قائلاً..
“أيه يا حبيبي.. أنا وصلت البلد متقلقيش.. هاخد دش سريع كده و هكلمك تاني.. أوعى تنامي”..
كانت” ورد ” بالخارج بدأت تستعيد وعيها روايدًا روايدًا، تحاملت على نفسها و اعتدلت جالسة بوهن، كتمت آهة متألمة و هي تمسح الدماء التي تسيل من أنفها، لتداعب حواسها رائحة عبق زوجها التي ملئت ثيابها أرغمتها على الإبتسامة رغم الدموع التي تجمعت بعينيها،
شعرت بسعادة بالغة تغمرها حين تذكرت وقوفها خلف ظهره، و دفاعه عنها، و حمايته لها، كّبر الفتى المراهق الذي تزوجها و أصبح رجل يغزل منها ألف امرأة، يخدعها بتنهيدة أجبرها تنهض و تركض إليه و هي على علم أنه لا يبالي،
سكب عطره على ثيابها، وتلك أفضل المكائد، و بقايا خصلة من شعره على كتفها تقتلها إشتياقًا لعناقه، أيقنت الآن إنه كان دومًا ظلها الظليل رغم فراقه..
سارت بلهفة حافية القدمين للداخل حين استمعت لصوته يأتي من الدخل يتحدث مع والدته..
“مين اللي كلمتها دي يا جبل؟!”..
اجابها ببساطة قائلاً..
↚
“دى سارة.. حبيبتي اللي هاخدك معايا عشان أطلب ايديها”..
ضربت “وفاء” على صدرها بقوة مرددة..
“سارة حبيبتك! .. طيب و ورد مراتك يا ابني؟!”
أخذ نفس عميق زفره على مهلٍ، و تحدث بأسف قائلاً..
“ورد متنفعش تكون مراتي و لا أم عيالي يا أمي لأن تفكرنا مختلف عن بعض تمامًا، و لأني بحب واحدة غيرها و عمري ما حبيتها و لا هحبها”..
تعمد رفع صوته مؤكدًا على كل كلمة قالها حين رأي طيف “ورد” التي تقف أمام باب غرفته..
………… صلِ على الحبيب………….
بإحدى الدول التى تعتبر وقر للبؤر الإرهابية ، وصلت”شروق” للتو إلى منزل زوجها المحاوط بمجموعة كبيرة من الرجال المسلحين، دلفت بخطي متعثرة، تجر قدميها المرتعشة جرًا..
“حمد لله على السلامة يا هانم”..
انتفضت بفزع حين استمعت لصوت زوجها الغاضب..
رسمت قوة زائفه على ملامحها قبل أن تبعد نقابها عن وجهها الذي يظهر عليه أثر البكاء، و تحدثت ببرود تُحسد عليه..
“الله يسلمك يا وليد”..
اقترب منها بخطي بطيئة كالأسد الذي يستعد للإنقضاض على فريسته، و هبط برأسه عليها ليتمكن من النظر لعينيه و تحدث بغضب من أسفل أسنانه قائلاً..
“برضوا عملتي اللي في دماغك و حضرتي فرح أخوكي؟؟”..
ليستطرد دون إعطائها فرصة للرد بصياح جوهري..
“أنتي عارفة عملتك دي كلفتني اييييييييييييه يا هانم عشان أقدر ارجعك ليا تاني؟!”..
صرخت بوجهه فجأة صراخ مقهور مرددة و هي تلكمه على صدره بكلتا يديها ..
“كنت سيبني يا أخي.. رجعتني لييييييييييييه.. كنت سيبني يمكن يقتلوني و أرتاح من اللي أنا فيه “..
سيطر عليها و ضمها لحضنه بقوة شل حركتها، و قبل رأسها قبلة عميقة مغمغمًا..
” أنا أسيب روحي و لا أسيبك أنتي يا شروق.. أنتي الهوا اللي بتنفسه.. أنا عايش بيكي”..
مالت برأسها على كتفه و بكت بكاء حاد مرددة بتقطع من بين شهقاتها..
” حبك دمرني و خسارني أبويا اللي عمالي عزا و خد عزايا عشان يعرفني أنه عمره ما هيسامحني”..
نظرت لعينيه بعينيها الغارقة بالدموع و تحدثت بتوسل قائلة..” عشان خاطري كفاية لحد كده و سلم نفسك يا وليد قبل ما يقتلوك”..
“و يرضيكي أسجن و منالش الشهادة!!”..
صرخت بهياج مرددة بحسرة..
” لييييييه بتعمل فيا كده.. لييه عايز تحرق قلبي أكتر ما هو محروق”..
ضمها من جديد و همس بلهفة داخل اذنها قائلاً “أهدي يا حبيبتي.. خلاص أهدي حقك عليا”..
ظل يربت على ظهرها حتى هدأت نوبة غضبها، و بكائها قليلاً..
” واحشتيني “.. همس بها و هو يخلع عنها حجابها، و يغمرها بوابل من قبلاته المتلهفة،
كانت تقاومه بضعف و هي تقول بنبرة عاشقة..
“أبعد عني أنا بكرهك”..
“اممم.. ما أنا عارف إنك بتكرهيني أوي أوي.. و أنا كمان بموت في كل حاجة فيكي”..
دمدم بها و هو يحملها بذراعيه، لف قدميها حول خصره، و إنهال على شفتيها بقبلة جامحة..
أنتهي الفصل..
واستغفروا لعلها ساعة استجابة..
يتبع..
↚
..بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
“يُقال أن الرجل يُحب ليسعد بالحياة، أما المرأة تحيا لتسعد بالحب”..
سطعت شمس نهار يومًا جديد، استيقظت “حبيبة” منذ بكرة الصباح، وقفت بمطبخها تطهو أشهى المأكولات و ألذ الحلويات خصيصًا لشقيقتها العروس، أنعشت المنزل بل المنطقة بأكملها برائحة الطعام الذكية التي تُسيل لعاب كل من يستنشقها،
برغم أنها تشعر بتعب يُهاجمها من حين لأخر، أجبرها على التقيأ أكثر من مرة لكنها لم تهتم، و تابعت ما تفعله حتى أنتهت من إعداد أصناف متنوعة من كل ما لذ و طاب..
“يا صباح الجمال على حبيبة قلب أيوب”..
قالها “أيوب” و هو يخطو لداخل المطبخ، و اقترب منها حاوطها بذراعيه، ظهرها مقابل صدره..
كانت واقفة مستندة بكلتا يدها على طاولة أمامها، غالقة عينيها تنتظر ليهدأ هذا الدوار الذي يُطيح برأسها كلما نهضت من مقعدها..
شعر “أيوب “بالقلق حين وجدها ملتزمة الصمت ، لم ترد عليه، و لا حتى إستدارت له، فمد يده و قبض على ذقنها بأطراف أصابعه يحثها على النظر له و هو يقول بلهفة..
“مالك يا حبيبة؟!”..
خرج صوتها لاهث، مجهد تقول بضعف..
“مش عارفه يا أيوب مالي انهاردة.. بدوخ و الدنيا بتلف بيا و رجعت كذا مرة و!! “..
توقفت عن الحديث فجأة، و لفت وجهها نظرت له بأعين جاحظة، لتجده يبتسم لها بعبث مرددًا..
“و أيه؟”..
أقترب بفمه من أذنها، و تابع بهمس بصوته المزلزل قائلاً..
“و متأخرة بقالها أسبوع مش كده؟ “..
تهربت من عينيه، و اعتدلت بوقفتها، دفنت نفسها داخل حضنه و هي تحرك رأسها له بالإيجاب بخجل شديد، ضمها له بقوة مردفًا بفرحة غامرة..
“شكلك عملتيها و هتخاوي أحمد و أيمن و تجبلنا بنوتة طعمة زي مامتها”..
رفعت رأسها و نظرت له نظرة عتاب أخفت السعادة التي غمرتها مدمدمة..
” اممم.. مامتها اللي أنت هتسيبها و تسافر من غيرها!!”..
طبع قبلة رطبة على خدها و تحدث برزانته المعهودة قائلاً..
“ممكن متفكريش في أي حاجة تضيقك أو تعكر مزاجك على أصبح كده من دلوقتي لأخر الشهر “..
عقدت حاجبيها و تحدثت بستفسار قائلة..”و اشمعني يعني لأخر الشهر؟! “..
أبتسم لها ابتسامته الجذابة و هو يقول..
” عشان أنا واخد أجازة أسبوعين ليكِ مخصوص”..
“بجد يا أيوب!”.. صرخت بفرحة و هي تقفز بين يديه، ليلتقطها هو بلهفة و حملها من خصرها رفعها عن الأرض داخل حضنه مغمغمًا..
“أيوه بجد يا عيون أيوب.. بس هاخدك المستشفى معايا انهاردة عشان أطمن عليكي قبل ما أوديكي ل هبة”..
قالت” حبيبة “برجاء.. “لا يا أيوب بالله عليك وديني لأختي الأول .. أنا منمتش طول الليل من قلقي عليها بسبب اللي حصل إمبارح بعد ما أنت روحت توصل ماما و عمو أحمد”..
” أيه اللي حصل ؟! “..
وضعت أصابعها أسفل ذقنها بتعجب و هي تجيبه..
” بدر جوز أختي طلع عنده أخت إسمها شروق أكبر منه جت الفرح إمبارح وعرفنا عليها و الغريب أنها مشيت بسرعة من غير حتى ما تستني باباها و الأغرب أنه عمره ما جاب سيرتها لا ل هبة اللي اتفاجأت بيها إمبارح و حتى والده لما جه معاه يطلبوا ايديها قال لبابا إن بدر إبنه الوحيد بعد وفاة مراته و بنته!! “..
↚
التزم” أيوب ” الصمت مصطنع الدهشة بملامحه ولم يخبرها بحديثه مع” بدر” الذي استأمنه على سره..
” متعلميش أيه اللي في النفوس يا حبيبة و بعدين أنتي عارفة كويس المشاكل اللي بتكون بين الأهل.. المهم تطمني على أختك عشان أنا أطمن عليكي “..
أبتسمت له بدلال و هي تقول..
“طيب مش لازم نروح المستشفى.. هجيب إختبار من الصيدلية و نتأكد هنا”..
مسد على وجهها بأنامله بكل ما يملك من رفق، و همس بنبرته العاشقة قائلاً.. “هنزل أنا أجيب ليكي اللي أنتي عايزاه بس ادخلي أرتاحي شوية على ما أحضر لك فطار معتبر يعجب السيادة و بعد كده هعملك اللي أنتي عايزاه و برضوا هاخدك المستشفى عشان اطمن عليكي أكتر “..
زمت شفتيها و هي تقول..
“عارفة إنك مش هترتاح إلا لما تكشف عليا بنفسك يا دكتور أيوب.. بس أنا مليش نفس دلوقتي.. هدخل أخد شاور و بعدين أصحى الولاد و ماما زينب و نبقي نفطر كلنا سوا”..
شهقت بخفوت حين مال عليها وحملها بخفة على ذراعيه، و سار بها خارج المطبخ قاصدًا غرفتهما..
“حيث كده يبقي خليني أكشف عليكي دلوقتي عشان قلبي يطمن”..
……………………….. لا إله إلا الله وحده لا شريك له……..
” بدر “..
فتح عينيه التي تضوي ببريق العشق، لوهلة ظن أنه استيقظ للتو من إحدي أحلامه برفقة معشوقة روحه، لكنه تنهد بارتياح و فرحة تغلف قلبه حين أيقن أن ما عاشه هذه المرة كان حقيقة و ليس حلم..
“هبة” زوجته هنا معه تحت سقف واحد ، يجمعهما فراش واحد..
غارقة في نومًا عميق داخل حضنه بين ضلوعه، تأملها بنظراته المُتيمة، يتفرس ملامحها، و يغمرها بقبلاته الرقيقة التي تُشبه رفرفة الفراشات على كل أنش بوجهها..
صدح صوت جرس الباب جعله يبتعد عنها على مضض، فتململت هي مدمدمة بأسمه أثناء نومها جعلت قلبه يخفق بجنون من شدة سعادته..
نهض مسرعًا ،و ارتدي ثيابه أرتداها على عجل، و سار لخارج الغرفة غالقًا بابها خلفه، مر بطريقه على الطعام الذي أعده ليلة أمس نسي أمره تمامًا، فكيف يشتهي للطعام و هو غارق في أنهار من العسل..
فتح باب الشقة ليجد شخصًا غريب حامل بيده صندوق هدايا كبير ..
“صباح الخير يا فندم.. أنا مندوب شحن و معايا أوردر بأسم مدام هبة محمد بلغها أنه مدفوع بالكامل و تقدر تستلمه بعد ما تمضي على وصل الإستلام بنفسها”..
“مين اللي باعته؟!”.. قالها “بدر” بملامح بدت مخيفة، و قد ظن أن المدعو “سيف” هو من أرسله..
ليجيبه المندوب بعملية قائلاً..
“حضرتك اسم المرسل مكتوب في الإيصال تقدر مدام هبة بس اللي تقراه قبل ما تمضي”..
” في أيه يا بدر؟! “..
قالتها” هبة” التى ارتدت إسدالها و خرجت من غرفتها تبحث عن زوجها، وقفت بعيدًا عن فتحة باب الشقة..
نظر لها “بدر” نظرة لا تخفي غضبه الذي بدأ يتفاقم، ارتجف قلبها بين ضلوعها حين رد عليها بهدوء عكس قسمات وجهه..
” في أوردر جاي عشانك واقف على أمضتك “..
أنهى حديثه و مد يده للمندوب الذي اعطي له الإيصال المغلق و معه قلم، أخذهم منه و أعطاه لزوجته دون أن يفتحه..
حبست “هبة” أنفاسها قبل أن تمد يدها و تأخذه منه، و فتحته بتوتر نجحت في إخفاءه، لتتهلل أساريرها و تدون إمضاتها بلهفة و هي تقول..
” ده من حبيبة أختي”..
أقتربت من الباب وأعطت الإيصال للمندوب في يده، و أخذت من الصندوق وضعته على طاولة صغيرة خلف الباب، و إستدارت تطلع لزوجها الذي أغلق الباب وهو يتنهد بارتياح، و قد عادت ابتسامته الدافئة لملامحه الوسيمة..
“صباحية مباركة يا أجمل عروسة”..
↚
توردت وجنتيها بحمرة قانية حين جذبها من خصرها و عانقها بقوة داخل صدره، لتبادله هي عناقه هذا بلهفة، و قد اختفت الفرحة الزائفة التي رسمتها على محياها، و تطلعت للصندوق الموضوع خلف ظهر زوجها بذعر شديد..
بينما رحل المندوب بدراجته البخارية، ليوقفه” سيف” الذي قطع عليه الطريق بسيارته و تحدث بنبرته الصلبة قائلاً..
“هاا.. عملت اللي قولتلك عليه بالظبط؟”..
“أطمن يا سيف باشا.. الأمانة وصلت و المدام لما قرت الوصل قالت إن أختها اللي بعته الاوردر”..
انبلجت إبتسامة أمل على ملامح “سيف” الذي أخرج من جيبه حفنه سخيه من المال واعطاها للمندوب و هو يقول..
“خد دول مش خسارة فيك.. بس لما أكلمك تسيب كل اللي في أيدك و تجيلي جري عشان الهدايا اللي جاية هتبقي كتير”..
………………………………….. صلِ على الحبيب……
داخل غرفة مظلمة أضاءتها أشعة الشمس، جلست “ورد” طول الليل بمفردها، لم يغمض لها جفن بعدما استمعت لحديث زوجها مع والدته، و كلماته الجارحة التي مزقت فؤادها..
لم تنطق بحرف واحد و سارت بخطي شبة راكضة لغرفة مقابل الغرفة المتواجد بها زوجها، و دلفت للداخل غالقة الباب خلفها بقوة كادت أن تحطمه،ظلت تطلع بصورة والدها الظاهرة على هاتفها ، و تردد بحسرة..
“الله يرحمك يا أبا.. معرفتش معني الإهانة و الذل إلا بعد موتك يا حبيبي”..
كانت مدللة أبيها، لم يجرُء أحد على مسها بكلمة واحدة حتى و لو كانت والدتها و جدها، كان والدها محاوطها بحمايته جعل شخصيتها قوية تُشبه الرجال بجرئتها،بينما هي أرادت تعويضه عن خلفه الولد الذي كان يتمناه،
ليبدأ هو في تلبية كل طلباتها مهما كانت من شدة حبه و فرحته بها، حتى خطفه الموت منها و هي بعمر الثانية عشر عام، ليقرر جدها تزويجها بأبن عمها “جبل” بعد وفاة والدها بعام واحد..
و برغم أنها كانت تظن أنها لا تكن لزوجها أي مشاعر بقلبها، ليأتي أسم تلك ال “سارة” لينفض الرماد الموضوع فوق نيران عشقها المتآجج تجاه رجلها التي لم تكن تعلم حتى بوجوده، لتضع قبضة يدها فوق قلبها الملتاع، و تهمس بسرها بملامح منذهلة..
“قلبك بيغلي ليه كده أنتي غيرانة عليه ولا أيه يا ورد؟! معقول أكون بحبك يا جبل!”..
انتفض قلبها و تسارعت نبضاته حتى كاد أن يغادر صدرها من عنف دقاته حين استمعت لصوت حمحمته، قفزت من مقعدها وقفت أمام المرآة تتأمل هيئتها، لتجحظ عينيها من أثر اللكمة الذي لكمها لها جدها التي حولت لون خدها من الأحمر إلى الأزرق..
شعرت بألم مبرح يفتك برأسها، و على جسدها بأكمله،فخلعت كنزة منامتها ببطء متأوه بألم بصوتٍ مكتوم، و من ثم سروالها و بقت بقميص قطني أسود قصير للغاية، لتلجمها الصدمة للحظات حين رأت فخذها المجروح جرح يشبة شق السكين و أيضًا تحول لون جسدها الحليبي للأزرق و الأحمر معًا بسبب ضربة قوية من العكاز أدت لكسره..
↚
“أما دفعتك تمن العلقة اللي كلتها بسببك دي يا جبل يا ابن وفاء مبقاش أنا ورد الجبل”..
همست بها من بين أسنانها بوعيد، و هي تعدل منامتها حتى ترتديها مرة أخرى..
شهقت بخضة حين طرق باب الغرفة، و استمعت لصوته ينطق إسمها بنبرة دغدغت حواسها..
“ورد أنتي صاحية؟..لو صاحية أخرجي من فضلك عايز أتكلم معاكي “..
برغم أن أسلوبه مهذب و راقي جدًا معاها، إلا أنه لم يروقها بتاتًا، أثار غضبها جعلها تصطك على أسنانها كادت أن تهشمهم من شدة غيظها، ألقت منامتها أرضًا، و اندفعت نحو باب الغرفة وقفت خلفه و تحدثت دون أن تفتحه قائلة..
“بقي أنا تقولي من فضلك!! ليه شايفني لابسة بورنيته؟ ما تقولي يا آنسة ورد أحسن و لايق عليا أكتر كمان يا جووزززي”..
تعمدت الضغط على كل حرف بأخر كلمة بطريقة أفقدته أعصابه،لتطرق هي على الباب بكف يدها بغضب شديد مكملة..
“يا بتاااع ساااارة”..
هنا هو الذي عض على قبضة يده من لسانها السليط، دار حول نفسه عدة مرات هامسًا بسره..
“و دي أتكلم معاها إزاي بس ياربي ؟!”..
مسح على خصلات شعره الفاحم مكملاً بتمني..
” أنا نفسي أدخل أحدفك من الشباك و أريح البشرية من لسانك”..
أخذ نفس عميق زفره على مهلٍ كمحاولة منه ليهدأ، و تحدث بتعقل قائلاً..
“يا ورد أنا بتكلم معاكي بإحترام يبقي تردي عليا بإحترام و متحاوليش تختبري صبري عشان متغباش عليكي”..
ضحكت ضحكة خليعة جعلت عينيه تتسع على أخرها، مردفة بلامبالاة..
” هتتغابي عليا هتعمل أيه يعني؟ هتضربني مثلاً! مش هتلاقي في جسمي مكان بعد العلقة اللي كلتها بسببك”..
” بسبب لسانك اللي عايز قطعه.. و أخرجي بقي خلينا نتكلم بالعقل قبل ما المأذون يجي “..
رباااه!!!
شحب لونها فجأة ،و كأن قلبها توقف عن النبض بعد جملته هذه، لم تنتبه على حالها و هي تفتح الباب بلهفة لتصدمه بهيئتها الفاتنة التي حبست أنفاسه..
” و المأذون جاي ليه؟ “..
لم يقوي على رفع عينيه من عليها، و كأنها ألقت سحرها عليه، ابتلع لعابة بصعوبة قبل أن يُجيبها ..
“عشان هطلقك يا ورد”..
“و هو أنت اتجوزتني أصلًا عشان تطلقني يا جبل؟!”..
قالتها بنبرة ناعمة لم تنطق بها من قبل خاصته هو وحده بها،
شملها بنظرة متفحصة من عينيه التي أشتعلت بها نيران الرغبة تمكن من إخفاءها ببراعة،و تحدث بنبرة جادة لا تحمل الجدال قائلاً..
“أنتي بالنسبالي بنت عمي وبس”..
سارت نحوه حتى توقفت أمامه مباشرةً، و نظرت لعينيه بعينيها المُدمرة و تحدثت بنبرة يملؤها التحدي..
“و أنت بالنسبالي ابن عمي و جوزي”..
عقدت ذراعيها أمام صدرها الذي جعله على وشك فقدان صوابه ، فكور قبضة يده كمحاولة بائسة منه لتلجيم نفسه عنها حين تابعت بإصرار..
” جوزي يا جبل.. حقي اللي مش هفرط فيه بسهولة و هعمل اللي ميتعملش عشان أحافظ عليك”..
ساد الصمت بينهما لبرهةً، قطعه” جبل” مردفًا بأسف..
” أنا جاي من مصر مخصوص عشان أخلص حكايتنا دي و هرجع انهاردة لشغلي و دراستي و حبيبتي اللي مستنياني فياريت لو ليكي طلبات قبل الطلاق تقوليلي عليها هنا.. لأننا في الأخر أهل و مينفعش نتكلم قدام الناس الغريبة اللي هيشهدوا على طلاقنا “..
مدت يدها و ربتت على كتفه ببعض العنف مرددة ..
” يعني ده أخر كلام عندك؟! “..
رفع حاجبه لها بحركة جعلته بغاية اللطافة مغمغمًا..
” أه أخر كلام عندي”..
↚
” تمام.. أنا كنت عايزة أحافظ على بيتي عشان ميتخربش زي ما بيقولوا بس مدام أنت مصمم و واخد قرارك يبقى تبعت تجيب المأذون”.. قالتها و هي تستدير و تعود لداخل الغرفة، دون إرادة منه عض على شفتيه السفلية و هو يتابع تمايل خصرها بغنج كاد أن يطير اللُب من عقله..
“و لو على طلباتي فاطمن أنا مليش طلبات لأننا زي ما أنت قولت إحنا في الأخر أهل يا جبل”..
…………………………….. سبحان الله العظيم…….
أصوات مرعبة تُصم الأذان بين طلق ناري حي، و قنابل، و أسلحة نارية متعددة، تكبيرات و صراخات بكلمات تُحث على الجهاد تستيقظ” شروق ” عليهم كل صباح..
و أحيانًا تفتح عينيها على هجوم مسلح حقيقي من جماعات أخرى على عداوة مع جماعة زوجها،و ليس إحدي التدريبات مثل الآن..
رمشت بأهدابها، و فتحت عينيها ببطء لتجد إحدي خادمتها ممسكة بسلاح ناري مصوب على رأسها..
“اتشاهدي على روحك؟! “..
بلمح البصر و بمنتهي الإحترافية كانت استحوذت “شروق” على سلاحها و أطلقت عليها النار أسقطتها أرضًا في الحال، و انتفضت من فراشها ليظهر قميصها النبيذي الحريري ذو فتحة على طول قدمها تظهر الرابطة حول فخذها التي تحتوي على سلاح ناري سحبته هو الأخر، و وقفت خلف نافذة غرفتها تبحث عن زوجها الذي يقف في قلب المعركة ، و بدأت تطلق النار بدقة قناصة ماهرة على كل من يحاول إصابته ..
أستمر إطلاق النار المتبادل لفترة ليست بقليلة حتى قضوا على كل غريب دلف لمنطقتهم، و صدح صوت التهليل و التكبير دليل على إنتصارهم..
ركض “وليد” مسرعًا تجاه الغرفة المتواجده بها زوجته، اقتحمها و عينيه تبحث عنها بلهفة..
كانت تعيد تلقين خزانة أسلاحتها غير عابئة لوجوده..
“أنتي كنتي بتضربي نار من الشباك و أنتي بقميص النوم ده؟!”..هدر بها بصوتٍ يشبه زئير أسد غاضب..
تطلعت له بنظرات ذائغة تدل على خوفها من نوبة غضبه، و اجابته بصراخ قائلة..
“متقلقش محدش شافني.. كنت واقفة ورا الستارة”..
أقتربت منها و خطفها بعناق محموم ، يضمها بتملك مجنون مدمدمًا..
” اممم.. و بدافعي عني ليه لما أنتي بتكرهيني.. أنا علمتك عشان تعرفي تدفعي عن نفسك مش عني”..
“ما أنا بدافع عنك عشان أعيش يا وليد”.. همست بها و هي تطلع له بنظرتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا، و تابعت بأنفاس متهدجة..
“أنا مقدرش أعيش من غيرك لو إتصابت أنا اللي هموت”..
“عشان كده عايز أخلف منك ولد يا شروق قبل ما أنفذ العملية اللي هنول فيها الشهادة بأمرالله “..
كانت تصيح بغضب عارم في وجهه كلما ذكر تلك الجملة و تمنع نفسها عنه قدر استطاعتها حتى لا تحمل منه، وإن حدث الحمل تتخلص منه قبل أن يعلم هو بوجوده، لكن اليوم أذهلته حين بادلته عناقه هذا، و أعلنت له استسلامها لطلبه، مما دفعه للشك بأمرها فقبض على عنقها فجأة، و ونظر لعينيها نظرة متفحصة و هو يقول ..
” أنتي في حد جندك يا شروق؟!”..
يتبع..
↚
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
الحب هو أخف أسباب الذنب و أكثرها تبريرًا لطلب الغفران، و لذلك كلما ازداد حبنا تضاعف خوفنا من الإساءة إلى من نُحب، نسعى فقط إلى سعادته حتى و لو لم نكن جزءًا من هذه السعادة..
و هذا ما يفعله “بدر” مع زوجته “هبة” من وقت ما أصبحت زوجته حتى يري الفرحة تُزين ملامحها و يمحي الحزن عن قلبها و قد ظن إنه نجح في تحقيق هدفه، لكن أحيانًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن..
وصلت “حبيبة” برفقة زوجها لمنزل شقيقتها “هبة” التي ركضت مسرعة و عانقنها بقوة..
“هبة يا حبيبتي.. ألف ألف مبروك يا أحلى عروسة “..
قالتها “حبيبة” بحب شديد، و من ثم أطلقت وابل من الزغاريط جعلت حالة من البهجة و السرور تمليء المكان..
“نورتنا والله يا أيوب”..
أردف بها ” بدر ” و هو يفتح له الباب على مصراعيه،
ليدلف “أيوب” حامل على يده الكثير من الهدايا و الطعام التي اعدته زوجته بنفسها..
لتستغل “هبة” انشغال زوجها مع زوج شقيقتها، و سحبت “حبيبة” معاها إلى غرفة نومها..
“مالك يا هبة.. أنتي بتترعشي ليه كده! “..
رفعت “هبة” يدها وضعتها على جبهتها و هي تقول بضعف..
“سيف.. سيف يا حبيبة بعت لي أوردر هنا.. و شكله كده مش ناوي يسيبني في حالي”..
جحظت أعين “حبيبة” و أردفت بذهول قائلة.. “بعت لك أوردر هنا على بيت جوزك؟!”..
حركت “هبة” رأسها بالايجاب و هي تُشير لها بعينيها على البوكس الموضوع طاولة بمنتصف الغرفة..
تنقلت “حبيبة” بعينيها بين شقيقتها و بين هذا البوكس الذي أثار الريبة لقلبها و أردفت بتساؤل قائلة..
” و بدر عمل أيه لما عرف؟!”..
” بدر لسه معرفش.. أنا كدبت و قولت إن الاوردر ده أنتي اللي بعتاه”.. همست بها “هبة” بندم..
“كدبتي يا هبة!!”..
تنهدت “هبة” بحزن و هي تقول..
“من خوفي على بدر والله يا حبيبة.. خوفت أقوله و أنا لوحدي يسيبني و يروح لسيف و يتخانق معاه .. قولت أستنى لما تيجي أنتي و جوزك و تبقوا معايا و أنا بقوله”..
زفرت” حبيبة”بضيق و هي ترمق البوكس بنظرات يتطاير منها الشرر..” و ياترى باعت لك أيه الحيوان ده؟ “..
قالتها و هي تسير نحو البوكس و بدأت بسحب الشريط الأسود المعقود به..
اقتربت” هبة” هي الأخرى ببطء،تطلع لما تفعله شقيقتها بنظرات ذائغة، و قد شعرت بقبضة قوية تعتصر قلبها على حين غرة..
فتحت “حبيبة” البوكس و ليتها لم تفعل، شهقت شهقة عالية حين رأت ما بداخله و أسرعت بضم “هبة” التي أصبحت بعالم أخر من هول ما رأت و بدأت تبكي بكاء حاد..
…………. صلِ على الحبيب…….
كانت “ورد” تقف أمام المرآة تمشط شعرها الرطب بعدما أخذت حمام دافيء لعله يهدأ آلام جسدها، بينما قلبها ضجيجه لن و لم يهدأ إلا بالوصول لهدفها الذي يتلخص في شخص واحد هو زوجها “جبل”..
↚
نهرت نفسها حين تذكرت تلك الليلة التي أساءت له فيها، و أعترفت أنها كانت مخطئه بحقه مرددة بندم..
“ذودها أوي معاك يا جبل و عندك حق في زعلك مني بس مش لدرجة إنك تطلقني! “..
صكت على أسنانها بغيظ مكملة.. “و لا تعرف واحدة تانية و تحبها عليا و كمان تقولها في وشي و تقهرني”..
مشطت شعرها الأسود الحريرية برفق و هي تبتسم بدلال مردفة بثقة.. “جبل مش ممكن يسيب ورد ده أنا مكتوبة على إسمه من وأنا في اللفة.. هو أكيد بيهددني بحكاية الطلاق دي عشان يخليني اتأسف له على غلطتي في حقه “..
خفق قلبها بخوف حين استمعت لصوت طرقات عنيفة على باب المنزل يليه صوت حماتها “وفاء” تصيح بغضب قائلة..
” مين اللي بعت جاب المأذون اللي تحت ده يا جبل؟! “..
” أنا يا أمي “..
قالها” جبل” و هو يرتدي قميصه الأبيض، تطلعت له” وفاء ” بصدمة..
” أنت هتعمل اللي قولت عليه فعلاً يا ابني؟! عايز تطلق مراتك اللي رهنتها جنبك كام سنة و لما أخيرًا رجعتلها عايز تطلقها!!”..
قال” جبل”بهدوء ..
” يا أمي أنا قولتلك إن جوازي من ورد كان غلط، و لو فضلت على ذمتي هتبقي غلطة أكبر لأني بعتبرها زي أخواتي البنات و عمرها ما هتتنقل من المكانه دي خصوصًا إني بحب سارة و هتجوزها و أنا مش عايز أظلم بنت عمي معايا أكتر من كده”..
فتحت” وفاء ” فمها لتتحدث، لكنها صمتت ثانيةً حين رأت “ورد” تقترب من” جبل” بلهفة ظاهرة على ملامحها المذعورة،
شعرها المبتل منسدل على ظهرها، ترتدي منامة صفراء بحالات رفيعه، و هوت شورت قصير، توقف” جبل” عن غلق أزرار قميصه حين لمح هيئتها التي جعلت جمرات من النار تشتعل بأعماق قلبه رغم جمود ملامحه..
هرولت “ورد” مسرعه حتي توقفت أمام زوجها مباشرةً، نظرت لعينيه بعينيها الواسعة و همست بصوتٍ مرتعش قائلة..
“أنت عايز تطلقني بجد يا جبل؟!”..
ألتزم الصمت و ظل يتطلع لها بنظرات خالية من المشاعر، لتغادر ” وفاء” على الفور تاركة لهما بعض الخصوصية..
ساد الصمت بينهما طويلاً، تنتظر “ورد” إجابته بشق الأنفس، لكنه ظل ينظر لها بعينيه التي جعلت قلبها يرتجف بين ضلوعها حين لمحت بها نظرة عاتبة..
فقررت هي قطع الصمت و أردفت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة..
“أنت لسه زعلان مني عشان اللي عملته معاك زمان؟!”..
فركت كفيها ببعضهما و تهربت بعينيها منه..
“أنت عارف إني كنت عيلة صغيرة”..
اقتربت منه أكثر حتي أصبحت المسافة بينهما لا تُذكر ، و مدت يدها بستحياء و بدأت تغلق له باقي ازرار قميصه واحد تلو الأخر، و من ثم عادت النظر لعينيه من جديد لكن تلك المرة كانت نظرة يملؤها الشوق مرددة..
“أنا آسفة يا جبل على كل كلمة قولتها في حقك وقتها و زعلتك مني .. أنا بعترف لك إني غلطت في حقك”..
أهدته ابتسامتها الخلابة، و رفعت ذراعها المرمري وضعته على شفتيه و تابعت بغنج..
“و لو على العضة ردهالي و عضني و نبقي خالصين”..
أخذ “جبل” نفس عميق لتتسلل رائحتها المسكرة لأنفه و تشعل كل حواسه، قربها منه إلى هذا الحد الذي كاد أن يفقده صوابه، لكنه بقي ساكنًا يحاول تلجيم نفسه عنها..
“تعالي يا ورد”..
نطق بها أخيرًا و هو يقبض على كف يدها برفق، و سحبها خلفه نحو أقرب أريكه، جلس و أجلسها بجواره و تحدث بامتنان قائلاً..
“أنا مديون لك بالشكر يا بنت عمي.. اللي عملتيه معايا خلاني أسيب البلد و أقابل دكتور أيوب اللي غيرلي حياتي و بفضله بعد ربنا بقيت أدرس و أشتغل لحد ما بقيت الاسطي جبل و الدكتور عبد الرحمن”..
نظر لها بابتسامته الجذابة مكملاً .. “و رجعت دلوقتي عشان أديكي حريتك و أحلك من جوازة أنا و أنتي اتغصبنا عليها”..
بهتت ملامح” ورد” حين رأت مدى إصراره على طلاقها، فنهضت من مكانها فجأة و جلست على قدميه محاوطة عنقه بذراعيها متمتمة ببوادر بكاء..
” بس أنا مش عايزة أطلق منك يا جبل”..
فعلتها هذه شُلت حركته و حتي تفكيره، خاصة حين همست بنعومة..” لأني مينفعش أكون غير ورد الجبل”..
↚
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
الزواج لابد أن يكون عن تراضٍ، معاملة حسنة، مشاركة طواعية، عذوبة بعد كبد النهار، وأمان على وسادة الثقة، وسلام بأطباق الرضا حتى نكون معًا بوجه الحياة ..
كان “بدر” جالسًا مع “أيوب” بغرفة الضيوف حين أستمع بقلبه قبل أذنه صوت بكاء زوجته، فنتفض من مقعده و هرول مسرعًا نحوها، بينما بقي “أيوب” بمكانه احتراماً لحرمة المنزل و اكتفي بطلب رقم زوجته التي مازالت مع شقيقتها بالداخل..
“في أيه يا هبة.. أيه اللي حصل يا حبيبة”..
قالها “بدر” و هو يقطع المسافة بينه و بين زوجته في خطوتين و جذبها بلهفة من حضن شقيقتها لداخل حضنه هو..
لم تنطق أي منهما على سؤاله، يبكيان بحرقة بكاء يقطع نياط القلوب، لتقع عينيه على الصندوق المفتوح المملوء بثياب و ألعاب أطفال ، هنا تأكد من شكوكه حول هذا الصندوق..
” دي هدوم سفيان.. ابني.. حبيبي اللي ملحقتش أشبع منه”..
همست بها “هبة” بصعوبة من بين شهقاتها الحادة، و هي تكافح بضراوة حتى تبتعد عن حضن زوجها، و بدأت تأخذ أغراض صغيرها و تستنشق رائحته فيهم، و تضمهم لصدرها بلهفة شديدة، و قد تبخرت كل قوتها الزائفة التي كانت تتحلى بها كل هذه السنوات..
كانت متماسكة فوق استطاعتها، لم تظهر حزنها لأحد، و ظلت تواسي والديها و شقيقتها على موت فلذة كبدها و هي في أشد الحاجة للمواساة، نجحت في الصمود كل تلك الفترة حتى جاء هذا الصندوق الذي كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، جددت حزنها و حرقة قلبها على وحيدها فصرخت بانهيار مخيف مرددة..
“إبني مات يا حبيبة.. سفيان راح مني.. ااااه يا ابنى.. يا حرقة قلبي عليك يا ضنايا”..
حاول “بدر” السيطرة على حركاتها الهستيرية، ضم جسدها المتشنج بين ذراعيه ظهرها مقابل ظهره هامسًا بأذنها بنبرة متوسلة..
“هششش.. أهدي حبيبتي”..
كانت “هبة” في حالة هياج مرعب كمن فقدت عقلها حرفيًا مما دفع” حبيبة” بالركض لخارج الغرفة و هي تصرخ بأسم زوجها..” أيوب ألحق هبة.. ألحق أختي أبوس أيدك”..
“أية اللي حصلها يا حبيبة!!”.. غمغم بها “أيوب” الذي احتوي زوجته محاوطًا خصرها بذراعه، يربت بكف يده على ظهرها كمحاولة منه لتهدئها..
“سيف اللي ربنا ينتقم منه بعتلها هدوم و لعب ابنها و حتي صوره و صورها و هي حامل فيه”..
قالتها و هي تسحبه معاها تجاه غرفة شقيقتها، ليوقفها” أيوب” و يتحدث بتعقل قائلاً..
” مينفعش أدخل عندها من غير ما جوزها يإذن يا حبيبة”..
صرخت “حبيبة” بوجهه قائلة بغضب ..
“أنت مش سامع صريخها.. أدخل أكشف عليها.. أديها أي حاجة تهديها يا أيوب بالله عليك “..
قال “أيوب” بهدوء و هو يجذبها برفق و عاد بها لغرفة الضيوف مرة أخرى ..
“سبيها تصرخ و تطلع كل اللي في قلبها و جوزها معاها لو احتاج لحد فينا هينادي علينا”..
كانت “هبة” تجلس أرضًا تضم ثياب صغيرها و صورته و تردد بهذيان..
” سفياان.. يا قلب أمك واحشتني يا ابني”..
بينما “سيف” جالسًا خلفها يضمها بذراعيه و حتي قدميه فأصبحت داخل جسده كلها، يقبل كتفها مرات و مرات بلا توقف، و يمسد بكف يده على موضع قلبها بحنان بالغ،ارتمت بثقل جسدها على صدره، و مالت برأسها على كتفه،
رفعت رأسها ومن ثم عينيها التي تنهمر منها العبرات، و نظرت له نظرة يملؤها الآلم و الحزن و الندم، و همست بتقطع بصوتٍ مبحوح قائلة..
” اآآأنا آسفة يا بدر كدبت عليك”..
رفع أنامله و زال دموعها بمنتهي الرقة، غمر وجنتيها المتوهجة بقبلاته الرطبة العميقة مغمغمًا..
“متتأسفيش .. عايزك تعيطي..تصرخي.. تطلعي كل اللي في قلبك بس و أنتي جوه حضني كده”..
ختم حديثه بضمها لصدره بقوة، اعتدلت هي و حاوطت خصره بكلتا يديها، دافنه وجهها بين حنايا صدره و أطلقت العنان لحزنها الذي جعلها تردد بصراخ مقهور..
“آآآآآآه يا ابني”..
……………………. صلِ على الحبيب……..
↚
” جبل “..
أصبح بحاله يرثي لها بفضل دلال زوجته عليه الذي أيقظ شوقه لها، و للشوق سوءات، ارتجاف النبض، وتعثر الكلمات، ضياع الزفير بصدر يختنق، لنخفي عار الشوق، و نخصف عليه بخطوات الهرب ..
كان يستند بجبهته على جبهتها، و قد تعالت وتيرة أنفاسه و أوشك على ألتهام شفتيها اللتان يدعونه بألحاح ليقترب، لكنه سيطر على مشاعره ببراعة، و رسم الجمود على ملامحه و هو يقول ..
” أنا خت قرار و مش هينفع أرجع فيه يا ورد”..
شهقت “ورد” بخفوت حين حملها بخفه من خصرها فجأة بعدها عنه، و انتصب واقفًا يهندم قميصه و هو يقول بنبرة جادة لا تحمل الجدال..
“ألبسي و حصليني على تحت خلينا ننهي الحوار ده عشان أرجع لشغلي”..
نهضت “ورد” و اقتربت منه بخطوات غاضبة حتى توقفت أمامه مباشرة و تحدثت بهدوء مريب، هدوء ما قبل العاصفة..
“يعني ده أخر كلام عندك يا جبل؟!”..
لم ينظر لها “جبل” و مثل أنشغاله بأرتداء حزامه الجلدي حول خصره..
” أيوه أخر كلام عند!! “..
قطع حديثه و رفع رأسه نظر ل “ورد” بصدمة حين قبضت على ياقة قميصه فجأة و جذبته عليها حتى تلامست أنفهما و تحدثت بأنفاس متهدجة تلفح بشرته تُطيح بعقله قائلة..
“أنا مبعرفش أرتب و أذوق الكلام زي ما أنت بتعمل بس عايزاك تبقي عارف إنك حقي في الدنيا “..
نظرت لعينيه بتحدي و إصرار شديد مكملة..
“و أنا مبسبش حقي”..
أنهت جملتها واختفت من أمامه، ليلتقط هو أنفاسه التي سلبتها هي، يحاول يقنع نفسه أنه لا يحمل بقلبه لها أي مشاعره ، و أن قراره هو القرار الصحيح،
غادر الشقة على الفور حتى لا يُطيع قلبه و يدلف عنها و يخطفها بعناق محموم يحطم به عظامها، هبط لأسفل ليجد الجميع يجلسون بإنتظاره، يسيطر على الأجواء الحزن و الغضب و بكاء “صباح” والدة “ورد” تبكي بنجيب..
“يا جبل راجع نفسك يا ابني و متستعجلش ؟!”..قالها “رضوان” بنبرة راجية..
نظر له “جبل” وتحدث بأسف لحظة دخول “ورد” قائلاً..
“بالعكس أنا اتأخرت أوي أوي على القرار ده يا جدي و دلوقتي جه وقته عشان محدش يتظلم أكتر من كده لا ورد و لا البنت اللي بحبها و متفق معاها على الجواز و لا أظلم نفسي”..
لم ينتظر رد من أحد، و تابع حديثه قائلاً ..
” شوف شغلك يا مولانا”..
لتتعالي أصوات الهمسات، و البكاء لكن غطي على الجميع صوت” ورد” وهي تقول ..
“أنا مش عايزة أطلق من جوزي يا عم الشيخ.. بس هو اللي مصمم يطلقني”..
أردفت بها “ورد” بصعوبة من بين شهقاتها الحادة، قطعت قلوب جميع الحاضرين بنبرتها الحزينة، المنكسرة، حتى أن “جبل” كاد أن يصدق بكائها الزائف هذا،
لتتابع حديثها الذي كان كالصاعقة سقطت على رأس جميع الحضور، و خاصةً زوجها الذي تلفظ بأفظع الشتائم بسره حين قالت ببراءة مصطنعة…
” مع أني قولتله أني ستر وغطا عليه و راضية أعيش و أكمل معاه و أفضل على ذمته حتى لو فضلنا زي الأخوات العمر كله”..
هنا تحدث المأذون بعملية قائلاً..
“لو كلامك صحيح يا بنتي.. كده يعتبر مكتوب كتابك بس لأنك لسه بكر، و لو أنت طلقتها يا ابني مش هيبقي ليها عدة لأن المطلقة بعد العقد وقبل الدخول بائنة بينونة صغرى لا تعود لك إلا بعقد ومهر جديد وإذنها ورضاها
وليس لها عدة ولو عادت لك من غير عقد فهذ زواج باطل
ولو عادت لك بعقد جديد تحسب هذه الطلقة عليكما” ..
ضربت “ورد” بكف يدها على صدرها متمتمة..
“أوعى تطلقني يا جبل هتتحسب علينا طلقة”..
نهض المأذون و جمع أغراضه مردفًا بتعقل قبل أن يغادر ..” مراتك باقية عليك يا ابنى.. أخذي الشيطان و شيل فكرة الطلاق من دماغك”..
أبتسم لها “جبل” إبتسامة أثارت الذعر بداخلها دفعتها للركض فجأة وسط دهشة الجميع، ركضت بأقصى ما لديها من سرعة و هي تردد..
“يااا لهووي هيتحول لتنين مجنح و هيبخ نار فينا كلنا و هتموتي يا ورد”..
تعالت الشهقات حين تفاجئوا ب” جبل”الذي نهض من مكانه و بدأ يفك حزامه الجلدي من حول خصره حتى خلعه و لفه على قبضة يده و ركض بخطوات واسعة خلف تلك ال “ورد” و هو يصيح بغضب عارم قائلاً..
“هتجري تروحي مني فيييين.. ده أنتي يوم أهلك أسود انهارده “..
دارت” ورد” حول نفسها ذهابًا وإيابًا تبحث عن مكان تختبئ منه فيه و هي تلطم خديها..
يتبع..
↚
مّر وقت ليس بقليل، حدث خلاله الكثير من الأشياء، ساءت حالة “هبة” للغاية و دخلت في حالة إنهيار تام ، لم يتركها زوجها خلال تلك الفترة الصعبة، ظل بجانبها طيلة الوقت حتى أنه أوفى بوعده و حقق لها أعظم أمانيها و أخذها إلى بيت الله الحرام ،فعلته هذه خففت عنها كثيرًا و لكنها للأسف لم تعود لطبيعتها إلى الآن..
الخوف مسيطر عليها دائمًا، أصبحت ترتعب من صوت جرس باب الشقة ظنًا منها أنه طليقها و أرسل لها شيئًا أخر يسود به حياتها،
من بعد تلك الليلة التي أرسل لها أغراض صغيرها، ظلت هي تبكي بنحيب حتى غرقت في نومًا مُتعب استيقظت منه باليوم التالي وجدت زوجها بجوارها، لكن و جهه و يده بهما علامات تدل على أنه خاض عراك شرس !
لم تُجرأ على سؤاله حينها لكنها تأكدت أنه لقن “سيف” درسًا قاسيًا لن ينساه لذلك لم يرسل لها شيئًا أخر من بعدها، أما “بدر” ألتزم الصمت و تعامل كأن لم يكن شيء، لا يشغله سوي رؤيتها بخير، يعمل كل جهده ليلمح ابتسامتها من جديد..
و لخاطره تحاول هي بشق الأنفس التعافي من حزنها ظاهريًا إلا أن بأعماقها صرخات مكتومة متألمة نابعة من قلب أحترق بقسوة،
نظرات زائغة من أعين كساها الحزن منذ سنوات،
رهبة، خوف، مشاعر مختلطة تسبب لها رجفة عنيفة بجسدها الهزيل..
لفت يديها حولها تحتضن نفسها متمتمة بسرها بصوتٍ متقطع..
“لا لا أهدي و بطلي خوف بقي.. بدر مش زي سيف أبدًا يا هبة”..
انتفضت بفزع، و زاد ارتجاف جسدها حين حاوطها “بدر” بذراعيه بحماية ظهرها مقابل صدره،
ولنكن أكثر صراحة فقد أخفاها بين ضلوعه و ساعده صغر حجمها على هذا كثيرًا..
مال برأسه عليها حتي أستقر بشفتيه على عظمة الترقوه، لثمها ببطء مدمدمًا..
” اممم معقوله لسه خايفة مني بعد كل دا يا هبة؟!”..
أطلقت آهة قوية، و هي تستدير بهدوء و تنظر له بابتسامة حزينة مردفة بأسف..
“مش أنا اللي خايفة”..
لفت يدها حول خصره، و ضمته بكل قوتها دافنة وجهها بصدره، وببكاء أكملت..
“قلبي اللي مرعوب من كتر الوجع اللي عاشه يا بدر”..
عانقها عناق محموم، و مد يديه حاوط وجهها بكفيه أجبرها على النظر لعينيه..
” أنا معاكي لحد ما أداوي قلبك و انسيكي أي وجع شوفتيه يا حبيبتي”..
همس بها من بين قبلاته المتفرقة على كامل وجهها..
همست “هبة” بغنج قائلة..
“حبيبتك!.. مش متعودة اسمعها منك رغم إنك بتثبتها لي في كل لحظة “..
أبتسم لها ابتسامته الجذابة، و داعب أرنبة أنفها بأنفه و هو يقول.. “من هنا و رايح أتعودي عليها.. لأنك أنتي لوحدك اللي حبييتي”..
تعمق النظر داخل عينيها و تابع بلهفة عاشق صادق ينبض قلبه بعشق حقيقي ظاهر بعينيه و بكل أفعاله معاها..
“سبحان من زرع حبك في قلبي.. بحبك يا هبة.. وعايزك تتأكدي أني دايمًا هكون معاكي في ضهرك.. متخفيش من أي حاجة و من بكره هتيجي معايا الكلية و ترجعي لدراستك و مذاكرتك و أنا هذاكرلك بنفسي لحد ما تنجحي و بتقدير كمان و تبقي أحلى و أجمل مهندسة هبة الزيني في الدينا كلها”..
لن تنكر أن نظراته لها و همسه بتلك الكلمة بكل هذا الشغف زلزلت قلبها بين ضلوعها جعلتها بعالم ثاني ، توردت وجنتيها بحمرة قانية، و أبتسمت له ابتسامتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا..
“هو أنا ينفع أقولك واحشتني يا بدر؟ “..
↚
تهللت أساريره بسبب جملتها هذه التي كانت بمثابة ضوء أخضر يدعوه ليقترب منها ثانيةً بعدما تمنعت عنه غصبًا عنها بسبب سوء حالتها النفسية، كانت زوجة له ليومًا واحد فقط، و ظل هو صابر عليها بصدرٍ رحب كل هذه المدة، مقدرًا حزنها و ما مّرت به..
لف يده حول خصرها جذبها عليه حتى لصقها به، و قد اشتعلت بعينيه نيران رغبته بها، فهمس بأنفاس لاهثة تلفح برودة بشرتها، تُطيح بعقلها..
“ينفع طبعًا لأنك أنتي كمان واحشتيني أوي يا هبة.. قوليلي كل اللي في قلبك و اللي أنتي عايزاه بس وضحي واحشتك إزاي بالظبط؟”..
عضت على شفتيها بحركة تدل على خجلها منه لكنها أفقدته صوابه بها ، و تحكمه في سيطرته على نفسه معاها، فمال بوجهه على وجهها و همس بصوته المُدمر قبل أن يلتقط شفتيها بين شفتيه بلهفة قائلاً..
“أنتي واحشتيني كده!! “..
لم تمنع نفسها عنه كعادتها مؤخرًا،غلبها شوقها له فاستجابت لجنونه بها معلنة إستسلامها الكامل له قلبًا و قالبًا..
……………….. لا إله إلا الله وحده لا شريك له…
“حبيبة”..
استيقظت للتو من نومًا مُتعب، ركضت مسرعة تجاه المرحاض و بدأت تتقيأ بقوة، و تأن بألم..
تعاني من القيأ الصباحي بسبب حملها..
ظلت تتقيأ حتى شعرت بدوار قوي يصيب رأسها، فتهاوي جسدها دون إرادة منها و ارتمت أرضًا تُصارع دوارها بوجه شاحب يتصبب عرقًا..
غزت الدموع عينيها، و انهمرت بغزارة على وجنتيها، و كتمت آهة ملتاعة محدثة نفسها..
“آآه كده يا أيوب.. هونت عليك تسافر و تسيبني لوحدي من غيرك كل الوقت ده”..
صدح صوت رنين هاتفها بنغمة زوجها الخاصة، و كأنه استمع لندائها بقلبه، حاولت النهوض أكثر من مرة لكن دوارها كان أقوى منها لم يمهلها، بل و هاجمها التقيأ من جديد فظلت تتقيأ حتى لم يتبقي شيئًا بمعدتها فبدأت تبثق الدماء..
لم يتوقف رنين هاتفها إلا بعد عدة مرات، ليصل لاذنها صوت رنين هاتف “زينب” حماتها تتحدث بفرحة غامرة قائلة..
“أيوب.. يا قلب أمك يا ضنايا واحشتني”..
“أنتي أكتر يا أم أيوب.. طمنيني عليكي و على أخواتي و حبيبة و الولاد عاملين ايه كلكم”..
قالها “أيوب” بقلق جمٍ ظاهر بنبرة صوته..
تنهدت “زينب” تنهيدة حزينة و تحدثت بعتاب قائلة..
” بقالك شهر ونص بعيد عننا و كل ما نتصل بيك نلاقي تليفونك مقفول أو واحدة ترد علينا تقولنا إنك في العمليات.. مراتك مش عارفة تتلم عليك بمكالمة تليفون حتى.. مش كفاية إنك سيبها في أول حملها و أنت عارف إن وحمها بيبقي صعب أوي و بيتعبها أخر تعب”..
صك “أيوب” على أسنانه كاد أن يهشمها و هو يقول..” عارف إني مقصر معاكم و مع حبيبة بالذات يا أمي و ليها حق تاخد على خاطرها مني بس أنتي عارفة إن غصب عني.. فهميها إن بعدي عنها مش بساهل عليا”..
صمت لبرهةً و تابع بنبرة راجية..
” و خليها ترد عليا.. أنا هتجنن من قلقي عليها “..
نهضت “زينب” من فراشها على مهلٍ، و سارت لخارج غرفتها متوجهه لغرفة” حبيبة” مردفة..
” طيب خليك معايا على ما أشوفها لك يمكن لسه نايمة يا ابني.. أنا هخبط عليها أهو اصحيها و أخليها ترد عليك”..
“و أنا معاكي مش هقفل”.. غمغم بها” أيوب ” بقلب تسارعت دقاته من شدة قلقه على زوجته معشوقة روحه..
طرقت “زينب” على باب الغرفة مرارًا و تكرارًا و هي تهتف بأسم زوجة ابنها..” حبيبة.. أنتي صاحية يا بنتي.. جوزك على التليفون عايز يصبح عليكي”..
نفذ صبر” أيوب” فتحدث بتوسل قائلاً.. أدخلي شوفيها يا أمي”..
↚
فتحت” زينب” الباب و دارت بعينيها تبحث عنها، لتجد الفراش خالي، سارت تجاه حمام الغرفة و شهقت بقوة قبل أن تصل إليه حين لمحت قدم” حبيبة” الملقاه أرضًا، ضربت بكف يدها على صدرها وهي تقول بخضة.. “يا كبدي يا بنتي.. أيه اللي نابك يا حبيبة”..
جن جنون” أيوب ” و بدأ يصيح بصوتٍ مرتعب..
” مالها حبيبة يا أمه.. ردي عليا قوليلي فيها أيه”..
كانت “زينب” ألقت الهاتف من يدها و مالت على “حبيبة” تضرب برفق على وجنتيها تحاول أفاقتها..
“فوقي يا حبيبة.. فوقي يا ضنايا أيه اللي جرالك بس يا بنتى؟! “..
أمسكت الهاتف و تحدثت بفزع قائلة.. “أيوب حبيبة واقعه في الحمام و وشها أصفر زي الليمونة”..
دار حول نفسه و هو يجذب شعر رأسه بعنف كاد أن يقتلعه من جذوره، و تحدث بأنفاس أوشكت على الانقطاع من شدة خوفه على زوجته..” أمي حاولي تطلعيها من الحمام و لبسيها اسدالها و أنا هقفل معاكي و أكلم عبد الرحمن ينزل يكشف عليها “..
” حاضر يا ابني.. هي فاقت أهي بس بترجع جامد أوي يا أيوب”..
لكم “أيوب” الحائط بقبضة يده لكمه أصابت أصابعه بعدة جروح، و أردف بهدوء عكس صخب قلبه.. “حاولي تأكليها بقسماته أو بسكوته تكون مملحة هتلاقي في كذا علبة في درج جنب السرير”..
” حاضر يا ابنى هحاول أكلها بس ابعتلي الواد عبد الرحمن أوام”..
أغلق” أيوب ” الهاتف و أتصل برقم أخر و وضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد بنفاذ صبر..
“دكتورنا الغالي اللي واحشني “..
” جبل أنت فين؟ “..
عقد” جبل”حاجبيه بتعجب و هو يجيبه..” أنا في البيت بجهز عشان عندي شغل هخلصه و بعدين هطلع على الكلية.. في حاجة يا اسطى أيوب؟! “..
” أنزل حالاً عندي البيت هتلاقي أمي مستنياك عشان تكشف على أم أحمد و أنا هفضل معاك على التليفون بلغني بحالتها بالظبط “..
هرول “جبل” بخطوات راكضة خارج الغرفة التي يقيم بها، تلك الغرفة التي كانت ل” أيوب ” من قبل، الغرفة السرية بأخر طابق الذي كان يذاكر فيها بالخفاء حتى استطاع الحصول على الدكتوراه في جراحة القلب و الأوعية الدموية، و” جبل” يسير الآن على خطاه و قد اعتبرته”زينب” ابنها الرابع من شدة حبها له ..
………………………..صلِ على محمد …….
“شروق”..
تقف داخل الحمام مستندة على الحائط، تنظر للسماء بأعين دامعة، تناجي ربها بقلبها يحقق امنيتها التي لطالما تتمناها بستماتة،
تفرك يديها ببعضهما بتوتر و هي تنظر في ساعة هاتفها، تنتظر مرور خمسة دقائق كما مدون على عبوة إختبار الحمل التي تقوم بفعله..
مرت تلك الدقائق ببطء شديد كما لو كانت سنوات طويلة،
كتمت أنفاسها و هي تسير بخطي مرتجفة نحو حافة حوض الاستحمام الموضوع عليه الإختبار، و نظر للنتيجة التي ظهرت بها شرطتين دليل على أنها تحمل بأحشائها جنين من زوجها الذي يقتله الشوق ليعيش تلك الفرحة و يصبح أب لطفل منها هي..
شهقت بقوة و قد تراخي جسدها فجلست على ركبتيها أرضًا تبكي و تضحك بآنٍ واحد، واضعة كف يدها على فمها تكتم صوتها..
“شروق.. أنتي جوه ؟”..
كان هذا صوت “وليد” الذي عاد للتو بعد غياب أكثر من أسبوع،
“وليد!!!”..صرخت بها و هي تنهض مسرعة، و اندفعت لخارج الحمام و من ثم لداخل حضنه مباشرةً، استقبلها هو بلهفة محاوطها بذراعيه، أخذ نفس عميق يملأ رئتيه بعبق رائحتها مدمدمًا..
“اممم واحشتيني يا نقطة ضعف وليد و مش عارف أمنع نفسي عنك حتى بعد اللي عملتيه فيا”..
لكمته بقبضة يدها علي ظهره، و حاولت الإبتعاد عن حصاره لها بجسده إلا أنها فشلت، فعبست بملامحها و تحدثت بغضب مصطتنع قائلة.. “ده على أساس إني لحقت أعمل فيك حاجة؟! .. ده أنت أول ما بصيت في عيني عرفت إن في حد جندني و أول ما سألتني اعترفت لك على طول و بقيت العميلة بتاعتك أنت و ببعت للظابط المعلومات اللي أنت عايز توصلها ليهم!!!”..
تطلع لها بنظراته المتفحصة، و تحدث بأسف قائلاً.. ” بس في حلقة مفقودة لسه موصلتش ليها “..
ابتسم لها إبتسامة مزيفة مكملاً بثقة..” بس على مين ده أنا وليد العربي.. هوصل و هعرف دماغك دي هتودينا لفين بالظبط”..
رفعت يدها، و فكت عقدة شعرها فنسدل على ظهرها بهيئة خطفت أنفاسه ، حاوطت عنقه بدلال و مالت على كتفه برأسها و بمنتهي الخفة وضعت حبة دواء صغيرة كانت تخفيها داخل عقدة شعرها..
كان هو يضمها لصدره بشوقٍ و يده تجول بحرية على كامل جسدها..” عشر أيام بعيد عن حضنك.. بقيت أحافظ على حياتي عشانك.. بقيت أعد الساعات بالدقيقة عشان ارجعلك.. عملتي فيا أية بس.. عقلي هيطير مني بسببك”..
↚
“و ياترى عملت أيه من غيري في العشر أيام دول؟!”.. غمغمت بها بنعومة و هي تعبث بأزار قميصه..
اجابها بفخر و هو يغمر شفتيها بقبلة جامحة..” عملت صفقة سلاح كبيرة فيها نوع سلاح جديد لازم أعلمك تضربي عليه”..
بهتت ملامحه حين لاحظ شحوب وجهها الشديد، ارتمت بثقل جسدها عليه و قد أصبحت قدميها غير قادرة على حملها، نظرت له بأعين ذائغة، و أمسكت كف يده بيدها التي أصبحت باردة كالثلج وضعتها على بطنها، و همست بصوتٍ ضعيف متقطع..
“آاانا أسفة يا وليد”..
جحظت عينيه على أخرها بصدمة و قد أدرك أنها حامل منه و تقوم باجهاض الجنين كعادتها، لكن هذه المرة ربما يفقدانها هي الأخرى خاصةً أن الطبيب حذره بسبب خطورة حالتها المرة السابقة..
“شرروق.. لاااا متعمليش فيااا كده”..
صرخ بها و هو يحملها على ذراعيه، وضعها على الفراش،لكنها تمسكت بقميصه بقبضة يدها، و بكت بوهن أثناء همسها بأنفاس لاهثة بنبرة متوسلة.. “أنا محاولتش أجهض نفسي والله يا وليد..بالعكس نفسي أكون أم لطفل منك و مش عايزة أخسر ابننا المرادي..عشان خاطري وديني المستشفى.. خلينا نلحق ابننا”..
نظر لها كالتائهة خروجه بها يعتبر مهمة مستحيلة ، ليرتعد قلبه حين لمح دمائها ملئت الفراش، ضرب كل شيء عرض الحائط و قد توحشت نظرة عينيه و تحدث بصوته الأجش قائلاً..
” هوديكي المستشفى يا شروق بس استحملي شوية و أوعى تروحي مني”..
أحضر ثيابها و نقابها و البسهم لها، و من ثم حملها على يديه و هرول مسرعًا لخارج الغرفة و من ثم لخارج المنزل متوجهه نحو سيارته أمام أعين الجميع المتسعة على أخرها،
وضعها داخل السيارة بحرص شديد غالقًا حولها حزام الأمان ، و أسرع نحو مقعد السائق جلس به و قاد السيارة بأقصى سرعة ممكنة لخارج منطقته بأكملها..
تعلم أن ذهابه بها للمستشفى فيه خطورة كبيرة ، و من الممكن أن يتم القبض عليه و هذا هو ما تريده و ما سعت لفعله..
………………. سبحان الله العظيم….
“ورد”..
ظلت مستيقطة طول الليل حتى أشرقت الشمس بنورها، و ارتدت أدنائها و حجابها و غادرت المنزل دون علم أي أحد، حسمت قرارها بالذهاب لزوجها العنيد الذي يأبى مسامحتها..
لأول مرة بحياتها تخرج بمفردها، و الأدهي أنها سوف تسافر من بلدها البعيدة جداً إلى مصر و هي حتى لا تعلم عنوان إقامته! ،
لم تكلف نفسها بالتفكير مرتين، أصبحت غير قادرة على تحمل شوقها له، ستذهب إليه و تعترف بما يجول في خاطرها، ستخبره أنه سيد قلبها و رجلها الوحيد منذ نعومة اظافرها..
“أركب لمصر منين يا عم الحج؟”..
قالتها “ورد” لرجل عجوز يقف بعربة طعام و هي تعطي له ثمن الطعام الذي ابتاعته منه..
اجابها الرجل ببشاشة قائلاً..
“اركبي يا بنتي عربية من هنا توديكي الموقف و في الموقف هتلاقي عربيات كتير بتحمل مصر”..
انصرفت من أمامه بعدما شكرته، و وقفت تنتظر مجيئ سيارة بشجاعة و فرحة غامرة رغم الكارثة التي فعلتها..
مّر أكثر من ساعتين حتى وصلت أخيرًا للموقف و استقلت أول سيارة ذاهبة إلى مصر، جلست بجوار النافذة مستندة برأسها عليها، تنظر للطريق بشرود تتذكر أخر مرة رأت فيه زوجها قبل أن يتركها و يعاود لعمله و دراسته..
.. فلاش باااااااااااك…
كان غضب “جبل” وصل لزروته بعد حديث زوجته الجارح أمام الجميع الذي مس رجولته، جعلته أقسم لو امسكها بيده في تلك اللحظة سيمزق لحمها بأسنانه..
“عاملة اتأسف لك و أقولك حقك عليا.. متزعلش مني و أنت قلبك جامد و لا همك أسفي و أني جيت على نفسي و براضي فيك عشان أحافظ على جوازنا و مصمم تطلقني و كمااان تقول للمأذون قدام الكل إنك بتحب واحدة تانية و متفق معاها تتجوزها عليا!!”..
عقدت ذراعيها أمام صدرها، حركت فمها للجانبين بحركة ساخرة مكملة بجمله كانت بمثابة سكب الزيت على نيران غضبه و غيظه منها..
” مش لما تتجوزني أنا الأول “..
كانت” وفاء” و بناتها و شقيقات” ورد” جميعهم ممسكين ب” جبل” يحاولون منعه عنها بشق الأنفس، بينما هو يجاهد بصعوبة بالغة ليسيطر على غضبه حتى لا يطول أحدًا منهم..
“انتي فعلاً ناقصة رباية و أنا بقي هربيكي من أول و جديد”..
قالها و هو يدفع الجميع عنه أسقاطهم أرضًا إلا والدته”وفاء” تجنبها عند قصد، فقالت بنبرة راجية..
” متاخدش على كلامها يا ابني.. دي مش فاهمة معني اللي بتقوله و لا تقصده”..
صعدت “ورد” على إحدي المقاعد وقفت عليه واضعة يديها في خصرها و صاحت بغضب طفولي قائلة..
“لا أنا فاهمة وقاصدة كل كلمة يا مرات عمي و كمان أنا متربية أحسن تربية يا سي جبل”..
ترقرقت عينيها بالعبرات و تابعت بصراخ قائلة..
↚
” بس عايزاك تحط نفسك مكاني و تقولي هتحس بأيه لو أنا قولت للمأذون أني عايزه أطلق عشان بحب راجل تاني غير جوزي و متفقة معاه على الجواز؟! “..
لهنا و طفح الكيل، فقد كل ذرة تعقل كان يتحلى بها،و بلمح البصر كان تخطي الجميع قاطعًا المسافة بينه و بينها و هو يصيح بصوته الأجش..
” كل اللى فات كوم و اللي قولتيه دلوقتي ده نيلة سودة تانية و حطتيها فوق دماغك “..
هذه المرة لم يعطي لها فرصة الهروب منه، خطفها بذراعيه كخطاف رفعها على كتفه رأسًا على عقب، و اندفع بها لداخل شقتهم غالقًا الباب خلفه بالمفتاح..
كانت تحاول الافلات من بين براثنه بضراوة، لكنه أحكم امساكها، لم ترى أمامها سوي الاختباء منه فيه لتنجو بحياتها من نوبة غضبه بدلاً من الهروب منه الذي لن يجدي نفعًا..
بلمح البصر كانت لفت يديها و حتي قدميها حول خصره، و دفنت نفسها داخل حضنه و تحدثت بنبرة مرتعشة تدل على خوفها قائلة.. “الحقني يا عبد الرحمن جبل هيموتني”..
كانت تدفن وجهها بين حنايا صدره، كتمت صارخة متألمة حين قبض بكف يده على حفنه سخية من شعرها، و جذبها منه بقوة أجبرها على رفع رأسها و النظر له..
كانت عينيها مليئة بالخوف الحقيقي و قد توهجت وجنتيها، و ارتعشت شفتيها بهيئة جعلتها قابلة للالتهام، خاصةً حين همست بنبرة راجية..
“أوعى تطلقني يا جبل” ..
رفعت يدها وضعتها على لحيته، و جذبته عليها حتى تلامست انفهما مكملة بستحياء..
“أنا عايزة أفضل مراتك”..
ختمت جملتها و مست شفتيه بشفتيها بقبلة عديمة الخبرة فجرت بركان من الشوق بأوردته..
لم يشعر بنفسه و هو يتجاوب معاها و يقبلها برقة سريعًا ما تحولت لقبلة عميقة، أخذها في عناقٍ محموم ليجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام غضبه منها و هو يتناول شفاهها في قبلة عنيفة خالت بأنها سوف تزهق أنفاسها عن آخرها و هو يرتمي بها فوق الفراش ..
رنين هاتفه الذي صدح هو الذي اوقفه بأخر لحظة عن ما كان سوف يفعله، انتفض من عليها كمن لدغه عقرب، و كأنه استعاد وعيه الذي أوشك على فقدانه بسببها منذ ثوانٍ..
لم يتفوه بكلمة واحدة و لا حتى نظر لها قبل أن يأخذ أغراضه بأكملها و يغادر من أمامها كالرياح العاصفة قبل حتى أن تنهض من مكانها..
نهاية الفلاش باااااااااااك…
أغمضت”ورد” عينيها باشتياق شديد لزوجها، ف للشوق سوءات، ارتجاف النبض، وتعثر الكلمات، ضياع الزفير بصدر يختنق، لنخفي الشوق، و نخصف عليه بخطوات الهرب، و ها هي هربت من أجله و هي حتى لا تعلم كيف ستصل إليه ..
على صعيد أخر كان “جبل” بطريقه لمنزله بعد يومًا شاق بين عمله و دراسته حين صدح رنين هاتفه برقم والدته “وفاء” أخذ نفس عميق زفره على مهلٍ قبل أن يضغط زر الفتح ويرد عليها بهدوء قائلاً..
“أيوه يا أمي”..
أتاه صوتها الباكي تقول بصراخ..
“جبل الحقنا يا ابنى مش لاقين ورد من طالعة الشمس”..
سقط قلبه أرضًا و انقطعت أنفاسه و هو يقول بعدم استيعاب.. “يعني أيه مش لاقين ورد!!”..
يتبع..
