رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول بقلم نور سعد

رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول بقلم نور سعد

رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول هي رواية من كتابة نور سعد رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول

رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول بقلم نور سعد

رواية نورك في قلبي كاملة جميع الفصول

-أنتِ يا زفتة ياللي اسمك ليل.
-:نعم يا ماما.
ـ جتك موو، أنا قولتلك كام مرة مبحبش كلمة ماما دي؟ أنا مش أمك يختي ولا عمري هكون.
ـ أنا لما قولتلها ماما كنت بقولها بتلقائية، مكنش قصدي أضايقها! دموعي خانتني ونزلت على خدي، وبصوت مرعوش قولتلها: حاضر يا طنط؛ نعم كنتِ عايزاني؟
وبنبرة كلها شك كانت بتسألني: يعني طول النهار كنتِ جوه أنهاردة ومحدش شاف وشك! أية كنتِ بتعملي أية كل دَ؟!
رديت عليها ببساطة: بذاكر، امتحاناتي خلاص مش فاضل عليها غير يومين.
وبسخرية وعدم أقتناع قالتلي: طب قومي ياختي اغسلي المواعين اللي في الحوض، قال بتذاكري قال، تلاقيكي بتكلمي شباب على المحمول؛ ما أنتِ ماشيك على طول آعوَج.
وبما أني متعوده على الأسطوانة الجميلة دي، فَمردتش عليها وسبتها ودخلت على المطبخ.
                             "هي"
أنا ليل، عندي 18 سنة، في 3ثانوي، وخلاص كلها يومين وأمتحاناتي تبدأ، يعني خلاص فاضل تكة على حلمي، بحلم طول عمري أني أدخل طب، طب قسم أورام، من يوم ما أمي ماتت وأنا مستنيه اليوم اللي أفتح فيه مستشفى للأورام، وأعالج فيها كل مرضى الأورام والسرطان، ومتهيألي مش محتاجين أعرفكم على سعاد.. طنط سعاد؛ مرات بابا، بابا أتجوزها وأنا عندي 9 سنين، يعني بعد موت أمي بسنة، وطبعًا مش محتاجين أقولكم معاملتها معايا عامله أزاي؛ عشان أكيد عرفتوا، بس أكيد عايزين تعرفوا سبب معاملتها ليا صح؟ تمام هتعرفوا مع الأحداث؛ زي ما هتعرفوا حاجات كتير أوي عني وعن حياتي، وعشان تعرفوا أهم مشكلة في حياتي لازم أقولكم موصفات شكلي، أيوا محدش يستغرب.
أنا ولا طويلة ولا قصيرة؛ تقدروا تقولوا طولي مناسب، بس جسمي نحيف شوية، وعيوني عسلي ، وشعري أسود غجري مجعد، أما بقى لون بشرتي؛ فهو أسمر؛ ومن هنا أتسميت ليل؛ وبالظبط زي ما جيه في دماغك دلوقت هو ده سبب أكبر مشاكلي " التنمر على لون بشرتي وجسمي النحيف"
                         ***************
- طنط سعاد أنا نازله.
-في داهية يا حببتي.
مهتمتش لردها لأني تقريبًا أتعودت، وسبتها ونزلت.
- ألو يا وعد...  الحمد لله يا حببتي، عاملة إية أنتِ؟.. أنتِ فين؟... آه آه شوفتك أهو.
قفلت معاها لما شوفتها دخلت الشارع اللي كنت مستنياها فيه. 
- أنا جيت. 
ضحكت أنا وبمسك أيديها عشان نمشي وقولتلها:  نورتي يختي، يلا بسرعة هنتأخر على الدرس.
- أووف اي كل ده؟ ده أحنا كنا شوية وهنلزق في الكراسي!
ضحكت على كلامها اللي عمره ما هيتغير لأنها مش بتحب الدروس وده بسبب إنها بتزهق من القاعدة لمدة طويلة، ضحكت بيأس منها وقولتلها: يعني مراجعة ليلة الأمتحان عايزاها تكون قد أية يا وعد؟!
مرتدش على كلامي لأنها كانت بتشاور لصحابها يقربوا وبتقول لهم: نهلة جميلة تعالوا. 
وفعلًا جُّم ناحيتنا وسلموا علينا.
نهلة: أزيك يا بيبي؟
كانت جملة بسيطة موجهة لوعد، بس قالتها بعد ما بصتلي بقرف! مهتمتش؛ وقولت أكيد أنا اللي فهمت غلط.
وعد: الحمد لله يا روحي،  أزيك يا جميلة عاملة أية؟ 
جميلة:  الحمد لله.
وعد: آه نسيت أعرفكم، ليل صاحبتي؛ ما انتوا عرفنها يا بنات.
تقريبًا وعد حست بأحراجي منهم فقالت تعرفنا على بعض؛ ده على أساس أننا منعرفش بعض مثلًا؟!
-آه عرفاها، أزيك؟
خرجت من تفكيري على جملة جميلة ليا.
- الحمد لله.
قولت الجملة وسكت، وقبل ما أستأذن عشان أمشي كانت نهلة بتميل على وعد وبتوشوشها  بكلام مسمعتوش، بس الغريبة أنها كانت بتبصلي! 
نهلة: أنتِ أية اللي ممشيكي مع الأشكال دي بس يا بنتي؟
وبنغزة في كتف نهله من وعد: بس يا بت اسكتي.
حسيت بحرج شديد وأنا واقفة وسطهم، وأحساسي أنهم بيتكلموا عليا مكنتش عرفه أكدبوا، وبصوت مبحوح قولت.
- طب أنا ماشية بقى عشان أتأخرت، سلام.
سبتهم ومشيت من قبل ما أسمع رد حد فيهم عليا، سبتهم وأنا حاسة أنهم بيضحكوا عليا!
                      ***************
الحقيقة أحساس ليل كان صح، وفعلًا أول لما بعدت عنهم بخطوات كان صوت ضحكاتهم بيعلى أكتر وأكتر.
كانت نهلة بتحاول تسيطر على نفسها من الضحك وقالت: أي يا بنتي الأشكال اللي أنتِ ماشية معاها دي؟ أنتِ مش شايفه شكلها عامل أزاي؟
آيدّتها جميلة وهي بتقول: أيوا يا بنتي،  ولا لونها؛ يامامي تحسوا أنهم بيخوفوا بيها الأطفال.
وبعد ما خلصوا كلامهم وسخريتهم كانت صوت ضحكاتهم بتضوي في المكان من تاني، سيطرت وعد على ضحكها وقالت بتبرير لموقفها: يعني هو أنا هعمل إية بشكلها منِك ليها؟ كفاية عليا أنها دحيحة وبتنفعني في الأمتحانات  وطول السنة بتنقذني  من أيد أبويا وأمي بدرجادي العالية، ده غير بقى أنها معايا في اللجنة؛ يعني ممكن تنفعني آخر السنة.
ضحكة عالية خرجت من نهلة وهي وبتغمزلها وبتقول: أما أنتِ عليكِ دماغ يا بت، لأ وأنا اللي قولت بتحبيها وبتاع، أتاريكي مش سهلة.
-يا بنتي كلوا فوق المصلحة، ولا أية؟
كانت دي الجملة اللي قالتها جميلة ليهم، وفعلًا هي دي الجملة الوحيدة الصح اللي أتقالت من حد فيهم؛ فعلاقتهم هما الثلاثة كانت ومزالت مبنية على المصلحة فقط يا عزيزي.
ضحكت وعد ونهلة على جُملة جميلة، وبضحك قالت وعد: في دي بقى تروو من هنا لبكرا، يلا بقى نروح ناكل في أي مكان عشان أنا جعانة.
                           ************
أحب أعرفكم بيهم.
وعد، صاحبة ليل الوحيدة، هي ملجأها وكل ما ليها في الدنيا، بتعتبرها أكتر من أخت ليها، وده بسبب أنها البنت الوحيدة اللي قربت منها ومتنمرتش عليها، أو نقدر نقول متنمرتش عليها قدامها..
وعد شعرها أسود مموج، طولها وجسمها متناسقين، وبشرتها قمحاوية، وعيونها بني.
جميلة: تكون صاحبة نهله المُقربة، أو نقدر نقول ضل نهلة، وده بسبب ماشيها على خط سير نهلة مبقاش ليها شخصية، ولا حتى تفكير مُستقل! 
جميلة هي أقصر وحده فيهم، جسمها متناسق مع طولها، شعرها أسود سواد الليل، وعيونها خُضر زي الخُضرا، وبشرتها فاتحة.
أما نهلة: فَهي رئيس مجلس أدارة الشلة، هي اللي بتحرك الكل زي ما هي عايزة، وكل حاجة بتكون عايزاها بتكون لصالح مصلحتها في المقام الأول.
نهلة شعرها بني قصير، وعيونها أسود، بشرتها قمحاوية، أما طولها؛ فَهي طويلة، أطول وحدة فيهم، وجسمها برضه متناسق جدًا مع طولها.
                   ****************
                               "هي"
شهر الأمتحانات عدى ومحستش بيه، لا وكمان أسبوعين عدوا من الأجازة منغير ما أحس، وأنهاردة النتيجة! خلاص فاضل على الحلم تكه فعلًا!
ـ ها يا بابا فتح؟
رد عليا للمرة اللي مش عرفه الكام وقالي: لسه، قعدي بقى خيلتيني.
كتفت أيديا وفضلت رايحه جاية قدامهم وأنا على أعصابي، هما لية بيعملوا فينا كده؟ لية ليعبوا بِ أعصابنا بالشكل ده؟ هما لية..  ثانية وحدة ده الموقع فتح!!!
فوقت من أفكاري على صوت بابا وهو وبيصرخ بكلمة وحدة"فتح" :فتح يا ليل فتح.
وبكل خوف وفرحة وقلق كنت بسأله: بجدد؟؟ كام؟.. جبت كام؟؟
وبدون أي مقدمات كان بيقف من مكانه وبيحضني وهو وبيصرخ وبيقول: 98٪ يا ليل 98، مبروك مبرووك يا عيوني.
مكنتش مصدقة، حسيت أني أتشليت من الفرحة، أنا.. أنا المفروض أعمل اية؟ أفرح أتنطتت؟ أومال أنا لية بعيطت؟! منغير ما أحس كنت بتبت في بابا أكتر ودموعي نزلت بدون أدنى إرادة مني، خرجت من حضنه وأنا بصرخ وبتنطتت وبغني كمان.
- طب وحيات قلبي وأفراحه، وونينينيييي وصباحه، طب الناجح يرفع أيده هيهه، الناجح يرفع أيده هيهه.
- يااااه، أخيرًا هدخل طب، أخيرًا يارب حلمي بقى بين أيديا.
جملة تلقائية طلعت مني وأنا بصرخ من السعادة، لكن في صوت كده جيه ما بين فرحتي وخلاني مش فاهمة اللي أتقال!
ـ طبّ؟!! طبّ أية يختي؟ هو أنتِ لسة هتقعدي في أرابزنا تاني 7 سنين؟! ولا أنت رأيك أية يا حسام؟
كانت جملة مستفزة من سعاد، بصيت لبابا وأنا بحاول أستوعب اللي هي بتقوله، كنت ببص له وأنا مستنيه يقول حاجه يخرسها بيها! أيوا أنا كنت مستنياه يزعقلها، يقولها بس أسكتي بنتي هتدخل الكلية اللي هي عايزاها، بس أنا أتصدمت من رده عليها!!
ـ أيوا يا سعاد عندك حق، شوفيلك أي كلية يا ليل 4 سنين عشان تخلصيها بسرعة، أنا مفيش حيل أصرف على تعليم 7 سنين كمان.
ثانية وحده أي اللي بيحصل ده؟ بقى بعد ما خلاص فاضل على حلمي خطوة ألاقي اللي بيفوقني ويقولي أصحي الحلم ده مش من حقك! محستش بنفسي غير وأنا بصرخ فيهم بكل قهر: انتوااا بتقولوا أية؟ كليه أي اللي مش هدخلها؟ يعني أنا سهرت وتعبت واتمرمط كل المرمطة دي عشان ادخل الكلية اللي بحلم بيها، عشان أوصل للي بتمناه؛ ولما أوصل تقولوا لا مش هتدخلي الكلية اللي أنتِ بتحلمي بيها؟ بالبساطة دي عايزين تهدوا كل حاجة؟
-يووه، ليل بلاش كلام كبير وأفورة بقى، خلص الكلام على كده، شوفيلك كلية تانية.
خلص كلامه وسبني ودخل أوضته منغير ما يديني فرصة أني أرد عليه، ومراته بصيت ليّا بشماته ودخلت وراه! أنا.. أنا حقيقي حسيت أن جسمي كله أتشل عن الحركة، عقلي أتشل من التفكير، حسيت كأن حد دلق عليا جردل مياه ساقع متلج!  يعني حلمي اللي بحلم بيه وبسعاله بقالي 6سنين يتهدم في ثانية؟! بعد ما كان خلاص بين أيديا! كان! أنا بقول كان! يعني خلاص كل حاجة راحت؟ تعبت وزهقت من التفكير اللي ملوش فايدة، خدت بعضي ودخلت أوضتي، فضلت أبكي كَالعادة، هو أنا يعني حِيلتي أية غير دموعي؟
                      **************
أما عند حسام وسعاد.
-البت صعبت عليا يا سعاد دَ كان حلمها من يوم ما أمها الله يرحمها ماتت وكان نفسها تدخل طب.
ضحكت وبسخرية قالت: يعني يخويا هتعمل أيه بالكليات ما في الأخر هتتجوز.
-عرفة أنا عندي فكرة، أحنا ممكن نجوزها، تاخد أول سنة وهي مخطوبة وتاخد باقي سنين الدراسة في بيت جوزها، منها تكون حققت حلمها، ومنها أفرح بيها.
-ومين إن شاء الله اللي هيتعمي وهياخدها بمنظرها ده!
أتضايق حسام من سخريتها من شكل ليل وقالها: لو على العرسان فَهما كتير يا سعاد، عندك آسر أبن مهران صاحبي كان طالب أيديها أصلًا وأنا اللي أجلت الموضوع لبعد الثانوية.
-وده عنده كام سنة؟ ولا بيشتغل أية؟
-ده شاب صغير في تالتة كلية طب، والعيادة بتاعتة فتحها من ست شهور بأسم أبوه، وشغال فيها دلوقت.
-طب والله حلو.
قال بحماس: خلاص أنا هفتح الموضوع مع مهران بكرا وهشوف دنيته أية، لو لسة عايزها هديلهم معاد يجوا فيه.
وبهمس في نفسها: بقى في الأخر هتتجوز دكتور المقشفه  دي!
-أنتِ بتقولي حاجة؟
-مبقولش، أنا هنام تصبح على خير.
الحقيقة أن حسام زيه زي أبهات كتير، هو بيحب بنته جدًا جدًا، بس مش بيقدر يعبر أو يظهر مشاعره، أو بمعنى أصح مبيعرفش،  وبالتالي بيحصل فجوة كبيرة جدًا بين الأب وبنته، وبالنسبة لسعاد فَ دي ليها حكاية لوحدها.
                           ********
                                "هي"
عدى أسبوعين، أسبوعين محبوسه فيهم في أوضتي، أسبوعين مش بعمل فيهم حاجة غير أني ببكي وبس، خرجت من تفكيري على صوت رنة التليفون، كانت وعد هي اللي بتتصل.
ـ الو يا وعد.
-أزيك يا لولو، بقولك هو ينفع تيجي معايا عشان اجيب هديه لماما عشان عيد ميلادها؟ 
- والله يا وعد تعبانه ومش بكلم بابا أنتِ عارفه.
-بليز يا ليل  بليززز حاولي مش عايزه اروح لوحدي.
وبعد زن قولت:حاضر هحاول.
كنت قاعدة على سريري مش بعمل حاجة، قاعدة أتعودت عليها من يوم ما أتخانقت مع بابا، بس الغريب أن بابا جيه وخبط على بابي.
ـ ليل عايز اتكلم معاكِ.
ـ أتفضل
-بصي أنا عارف أنك عايزه تدخلي كلية طب مش كده؟
للحظة الأمل دب في قلبي من تاني، والسعادة عرفت طرقها لقلبي، رديت بلهفة: آه آه، والله ده حلمي.
-طيب في عريس جاي يتقدمك بكرا، هو عارفِك وشافك أكتر من مرة، هيجي بكرا هو وبباه، هتقعدي معاه وتشوفي الدنيا فيها أية، ولو تمام ومرتاحة هنقوله على موضوع كلية طب ولو وافق هتاخدي أول سنة وأنتِ مخطوبة، وهتكملي في بيت جوزك.
الفرحة أتبخرت، الأمل أتحول لخذلان، من شدة صدمتي مكنتش عرفة أرد أقول أية، بس كل اللي طلع مني هو سؤال، سؤال مبني عليه حياتي.
- ولو موافقش على الكلية؟ أية اللي هيحصل؟
ببساطة رد عليا وقال: ولا حاجة هبقى أتصرف وقتها، بس الأكيد أنه هيوافق، أصل هو دكتور وبباه دكتور، فَ أكيد مش هيعترض، يلا عن أذنك.
الحقيقة ملقتش كلام أقوله، خذلاني من أبويا كان أقوى من أي حاجة، حقيقي مش مصدقة أنه موافق أن واحد غريب هو اللي يتحكم في مستقبلي! بجد مش مصدقة، هو ده حقيقي أبويا!
  لقيت أن البُكى ملوش لازمة، خلاص اللي أتقال هو اللي هيحصل، قومت ولبست واستأذنت أني أنزل مع وعد وفعلًا نزلت لها.
ـ حبيبي عاملة أية؟
رديت عليها وأنا بسلم عليها: تمام الحمد لله، ها هتروحي فين؟
-مالك في أية؟
تقريبًا أنا كنت مستنيه السؤال ده عشان أطلع كل اللي جوايا، وبالفعل منغير ما أحس كنت ببكي وبحكلها كل اللي حصلي في الفترة اللي فاتت.
خلصت كلام وأنا لسة ببكي، الحقيقة أنا كنت مستنياها تواسيني، أو تطيب خاطري بشوية كلام، كنت مستنية منها حاجات كتير بس اللي حصل عكس كل ده، اللي حصل أنها قابلت دموعي وقهرتي على حالي بضحك وأستهزاء!
كانت بتضحك وبتقول: أهدي بس شوية، وفيها أية يا ستي؟ ما يمكن يطلع واد حليوه، أنتِ قفوشة لية؟
مكنتش مستوعبة هي بتقول أية، ومنغير ما أحس زعقت فيها: أنتِ بتضحكي يا وعد؟ بقولك واحد ولا شوفته ولا أعرفه هو اللي هيحدد مسقبلي فَتضحكِ! بجد هو للدرجادي مشاعري تافهة عندك؟
أختفت ابتسامتها المستفزة وقالت بهدوء: يعني أنتِ في أيدك أي تعملي يا ليل؟ لازم تقبلي الوضع بمزاجك بدل ما تقبلي برضه بس غصب عنك، ويلا عشان منتأخرش.
ملقتش كلام أقوله، مكنتش عرفة المفروض أقولها أية أصلًا، أنا عرفة أن مفيش حاجة في أيدينا نعملها، المفروض ٱني أقولها أنا كنت مستنياكِ تواسيني، هو أنا المفروض أقول لصاحبتي ٱنا محتاجة منك أية؟! تجاهلت كل حاجة وقولت لها.
ـ عندك حق، يلا عشان منتأخرش.
مشينا شوية ووصلنا للمحل اللي هي عايزاه.  
-ها يا قمرات عايزين أية؟
ـ عايزه هدية لـ مامي بس تكون شيك كده.
شاور لها على ساعة في الفترينه وقال: بصي الساعة دي جميلة أوي، وبتكون شيك جدًا في الأيد.
-آه حلوة أووي.
ضربتني بخفه في كتفي وسألتني: ها أية رأيك؟ 
ابتسمت بالعافية وقولت: جميلة فعلًا.
ابتسامة كبيرة اترسمت على وشها وقالت بحماس: خلاص هناخدها.
بدِلّها صاحب المحل الابتسامة وقالها: مبروك عليكِ أنتِ وماما.
بدل نظراته ليا وقال ببتسامة بسيطة: وأنت يا أسمراني يا قمر، مش هتاخدي حاجه لمامتك؟
-لا دي مامتها متوفيه يا عمو، يلا بعد أذنك مشينا.
الدم هرب من عروقي، حسيت أني أتسمرت في مكاني، هو.. هو أنا المفروض أقول أية؟ المفروض أعمل أية في موقف زي ده؟ وبما أن مفيش أجابة، فَكانت أجابتي هي دموعي. 
تقريبًا حست أنها حرجتني فقالت ببتسامة مرتبكه:ةأنا كنت بهزر، أنتِ عارفه أني مقصدش حاجة صح؟
وبحركة سريعة كنت بلف وشي للناحية التانية وبمسح دموعي، مردتش عليها وسكت، وصاحب المحل سبنا ودخل يجيب الفاتورة، وأخيرًا لَميت بواقي أعصابي وقولت: بقولك أيه أنا دماغي وجعاني أوي فَهروح أنا ماشيه، أبقي قولي لطنط كل سنة وهي طيبة.
خلصت كلامي وسبتها ومشيت منغير ما أسمع ردها، الحقيقة أنا ممشتش، أنا جريت، جريت لأقرب مكان فاضي عشان أبكي فيه.
                               ***********
جيه صاحب المحل وهو وبيديها الفاتورة سألها: هي فين زميلتك
- مشيت، لية؟
وبعصبية ومنغير ما يحس كان بيزعق فيها وبيحاول يجيب حق ليل.
- هو أيه اللي أنتِ قولتي ده؟ مش دي صاحبتك برضو؟ محدش قالك أن دي قله ذوق يا بني آدمة؟ 
أرتبكت من هجومه عليها وقالت بعصبية: وأنت مالك؟ أمسك الفلوس.
                         *************
                                   "هي"
اليوم عدى بسرعة ومنغير ما أحس جيه وقت المقابلة، المقابلة اللي هتحدد مستقبلي.
- تعالي يا ليل سلمي على عريسك.
جيت وقعدت على أول كرسي قابلني، ومنغير ما أبص عليه قولت برتباك: أهلًا بيكم.
بابا خد أبوه العريس وسبنا وقام عشان نتكلم مع بعض شوية، أتكلم العريس اللي عرفت من بابا أن أسمه آسر وقال: طب مش هتبصيلي؟
رفعت عيوني من على الأرض ببطئ وبصيت له، بس أيه د‌ه؟! آسر، هو ده آسر اللي جاي يتقدملي!
ومنغير ما أحس كنت بقول: أنت آسر مهران؟!
آسر.....
يتبع...
ـ أحم.. ممكن اتكلم معاكِ شوية؟
كانت ليل في كافتريا الجامعة، رفعت وشّها من على الرواية بِبُطيء، وبستغراب قالت:
ـ دكتور عمار! نعم؟ في حاجه؟! 
كان متوتر وبيفرك في أيده بقلق، وبعد صمت دام لثواني قال: 
ـ هو أنتِ مرتبطة؟ قصدي يعني مخطوبة أو كده؟
- نعم؟! وأنت مالك؟ قصدي يعني.. ليه؟
تقريبًا أتحرج أكتر من ردها؛ لذلك أتنحنح بكسوف وقال:
ـ أصل أنا الصراحة معجب بيكِ من يوم ما شوفتك في الكلية؛ فَيعني قولت أسالك على حالتك الأجتماعية، مش أكتر.
قفلِت الرواية اللي قدامها بعصبية، وبغضب وعصبية قالت: 
ـ طيب طيب... انا مش مرتبطة ومش هرتبط، تمام؟ أتفضل بقى وياريت متتعداش حدودك تاني.
طبعًا عمار أتحرج لأبعد الحدود، وبكل هدوء لَملِم كرامته اللي كانت فاضله وسبها وقام.
كانت بتتنفس بعنف، حاولت تهدي نفسها على قدر الإمكان، وفتحت الرواية وبدأت تقرأ فيها من جديد، بس الحال مدمش كتير بسبب اللي دخلت عليها وقالت: 
- ممكن أقعد معاكِ؟
وبعصبية قفلِت الرواية من جديد وهي بتزعق وبتقول:
ـ يادي اليوم الوسود، نعم؟ خير؟
البنت أتخضت من زعيقها فيها، وبحرج وخوف قالت:
ـ أنا...أنا آسفة أني ازعجتك.
وبرسمية رسمِت ابتسامة صفرا على شفايفها وقالت: 
ـ لا عادي، خير في أيه؟ وأنتِ مين أصلًا؟
حرجها أختفى تدريجي، وابتسامة عريضة أترسمت على وشها هي وبتقول: 
ـ أنا ليلى، اللي شهدت قدام العميد.
وبنفس الابتسامة الصفرا ليل ردت عليها وقالت:
ـ آه اهلًا، خير بقى؟ 
وبحرج أتكلِمت من جديد وقالت:
ـ أصل يعني أنا شيفاكِ بتقعدي لوحدك على طول، هو ممكن نبقى صحاب؟
قالت طلبها بكل بساطة، أما ليل؛ فمقدرتش تمسك نفسها وأنفجرت من الضحك! كانت ليلى بتبص عليها بتعجب مش فاهمة في أيه، كانت ليل بتضحك لدرجة أن عينيها دمعت من كتر الضحك، ومن بين ضحكاتها قالت:
ـ  تصدقي بجد ضحكتيني أوي.
خَدت نفَس، سيطرت على نفسها بقدر الإمكان وقالت: 
ـ هو يعني أيه صحاب؟ أي الكلمة دي؟ دي زي ما يكون سمعتها قبل كده؟!
الحقيقة أن ليلى كانت فكراها بتتريق عليها؛ ولذلك رفعت حاجبها وقالت: هو في أيه؟ هو أنا قولت نكتة؟
لكن ليل ضحكت تاني وقالت ببساطة:
ـ  آه والله نكتة.
سكتت لثواني وبتهجم كملِت كلامها:
ـ بس نكته تقيلة ودمها تقيل.
كانت ليلى بتسمع ليها بهدوء، وبحركة لا إرادية من ليلى كتفت أيديها وسألت: 
ـ ده ليه بقى؟ هو في احسن من الصحاب؟
- يا بنتي هو يعني إيه صحاب اصلًا؟ مفيش حاجه اسمها صحاب، اسمها مصالح متبادله، مش صحاب لا، شكلك فاهمه غلط.
وبدون أي إذن سحبت كرسي وقعدت عليه! وقالت بهدوء: يسلام! أنتِ بتقولي كده ليه؟ صحاب يعني تعيشوا الحلوة والمرا سوا، تلاقي حد تتكلمي معاه وأنتِ متضايقة، ولما تكوني وقعة في مشكلة بتجري عليه أول واحد، ولما تكوني متضايقة يعرف أنتِ فيكِ إيه من عنيكِ، من صوتك، هو مش هيستني لما تقوليله أنك زعلانة أو متضايقة، كلمة صاحب ليها أكتر من معنى على فكرة.
الحقيقة أن ليل سابتها تخلص كلامها وضحكِت من جديد، كانت بتضحك من كل قلبها، بس من وسط ضحكها عينيها دمعت! عينيها دمعت كأنها بتبكي! ولكن ليل تجاهلت دموعها دي وقالت: آه منا عارفه كل الكلام ده، وكنت بعمله كمان، بس كان بيترد ليا على هيئة تريقة، وكلام بيوجع، كان بيرجعلي على شكل تهزيء وتقليل من نفسي قدام الناس، كنت بشوف صاحبتي وهي بتسمع أن حد بيتريق عليا مثلًا وصاحبتي دي بتستقبل اللي سمعته ده بضحك! كنت اقولها أنا في مشكلة؛ تقولي طيب نامي بس وبكرا نبقى نشوف الحوار ده، أقولها حلمي بيتدمر قدامي؛ فكري معايا في حل، تضحك وتقولي خليكِ فرفوشة وخدي الموضوع ببساطة! مش هما دول برضه الصحاب اللي كنتِ بتقولي عليهم؟
خلصت كلامها وهي بتمسح دموعها بعنف، ولكن ليلى  بندفاع كانت بتنفي براسها وبتقول: 
ـ لا لا، دول مش صحاب، مستحيل يكونوا صحاب، ومش عشان أنتِ وقع في طريقك حد بالشكل ده؛ يبقى تقولي الناس كلها كده، لا مش صح أبدًا. 
أخيرًا ليل فاقت، أخيرًا أستوعبِت هي فين وبتعمل أيه وبنتكلم مع مين وبتقولها إية! مسَحِت الباقي من دموعها بعنف، وقفت وهي بتلِم باقي حاجاتها بسرعة، وبعصبية قالت:
ـ أنا بتكلم معاكِ ليه اصلًا! بعد أذنك.
خلصِت كلامها وسبِتها ومشيت منغير ما تسمع كلامها، مِشِيت من الكلية كلها ورجعت على البيت.
                      ************
والحقيقة أن اللي حصلها كان أكبر منها، اللي حصلها غيّر مِنها كتير، وأهم حاجة أتغيّرت فيها هي شخصيتها!
الأسبوع عدى بسرعة، منغير أي أحداث تُذكر فيه، والنهاردة معاد تسليم بحث دكتور عمار.
"في جامعة القاهرة داخل إحدى مدرجات كلية الطب البشري" 
كانت وعد واقفة مع جميلة في كافترية الكلية وبتتكلم في التليفون. 
- أنتِ بتقولي أية بس يا نهلة؟
...
ـ والله لو عرفت هتخرب الدنيا، وأنا مش مستغنيا عن نفسي.
...
يوووه طيب، باي.
خلصت المكالمة وكان شكلها متعصب، قربت منها جميلة وبستفهام سألتها: 
ـ في أية؟ مالك؟
خَدت نفسها، وبغيظ وعصبية قالت: 
ـ ست نهلة بتقولي أسرق البحث بتاع ليل منغير ما تحس؛ عشان متقدموش وتشيل مادة الدكتور عمار زيها.
- شكل كده نهلة مش هتجبها لِبر، المهم أنتِ هتعملي أيه؟
كانت وعد بتبص لـ ليل اللي دخلت الكافتريا قدامها، وهي وبتتاب حراكتها قالت:
ـ بصي أنا هشغلها وأنتِ خدي البحث حطيه في شنطتك.
الحقيقةأن جميلة خافت، وبتوتر قالت:
ـ لا ياختي، أنا مالي؛ أنا مش عايزه مشاكل. 
- يووه يا جميلة؛ أيه الجُبن اللي أنتِ فيه ده! ما تخلصي عايزين نجيب حق نهلة، هي مش صاحبتني برضه؟
وطبعًا بما أن وعد عرفة نقطة ضعف جميلة؛ فضغطت عليها بالطريقة الصح، وبنائًا عليه تراجعت جميلة عن رأيها، وبعصبية كانت بتقول ليها:
أنا مش جبانه يا وعد؛ وبعدين هي فين أصلًا أنا مش شيفاها.
وببتسامة أنتصار كانت وعد بتشاور على المكان اللي قاعدة فيه ليل وبتقول: 
ـ أهى، قاعده هناك في الكافتريا.
لكن عند ليل،؛ فَهي كانت قاعدة في الكافتريا وقدامها كباية شاي، وقبل ما تفتح روايتها وتبدأ تقرأ فيها كانت ليلة ظهرت قدامها وبتقولها: 
-ممكن أتكلم معاكِ؟
رفعت وشُها ليها، ولما عرفت هي مين مسحت وشّها بأيديها بزهق وقالت: 
ـ تاني أنتِ! خير في إية؟
ليلى تجاهلت أسلوب ليل تمامًا، ابتسمت ليها وشَدت كرسي وقاعدت عليه وقالت: 
ـ أصل بصراحة كده أنا عايزاكِ في موضوع مهم.
كانت ليل بتبص ليها بملل، وبحركة لا إرادية كانت بتحُط أيديها تحت دقنها، ومع حراكتها كملت ليلى كلامها وقالت: 
ـ أنا سمعت وعد وجميلة بيتكلموا وبيقولوا.... بيقولوا أنهم هيسرقوه البحث بتاعك، البحث بتاع دكتور عمار اللي هيتسلم انهاردة، هيسارقوه منك عشان تشيلي المادة.
ملامح ليل متغيرتش مع سماعها لكلام ليلى، ولكنها أستنيت لما خلصت كلام وبعدين مسكت روايتها وبكل برود كانت بتقولها: 
ـ تمام، شكرًا للمعلومة.
خلصت كلامها وهي بتبتسم لها برسمية، أما ليلى فمقدرتش تمنع فضولها وسألتها: 
ـ أيوا يعني هتعملي أيه؟ 
وبملل وابتسامة صفرا قالت: 
ـ مخلاص بقى يا عسلية، قولنا شكرًا، مش كده برضه؟
وبأصرار محدش يعرف مصدره سألتها من جديد: 
ـ طب أنتِ فكرتِ في اللي قولتلك عليه؟
الحقيقة أن ليل مستحملتش أكتر من كدة، وبعصبية كانت بتقفل الرواية وبتقولها:
ـ  لا مفكرتش، واتفضلي بقى عايزه أقعد لوحدي.
الحقيقة أنها أتحرجت جدًا، وبكل كسوف كانت بتلملم كرامتها وبتسبها وتمشي. 
أما عند وعد وجميلة؛ فلأتنين أستنوا لما ليلى مشيت وقربوا منها وبدأت وعد بالكلام وقالت:
ـ ليل هو ممكن أتكلم معاكِ؟
وبكل ملل قفلت الرواية من جديد ورفعت وشّها ليها وهي بتقولها: 
ـ خير؟
وعد مَدت لها أيديها بإشارة منها أنها عايزاها بعيد وقالت:
ـ تعالي بس عيزاكِ على إنفراد.
بدلت نظراتها بين أيديها الممدوده وجميلة اللي واقفة جمبها وضحكت بسخرية وقالت: 
ـ والله أنتِ اللي جايبه معاكِ جميلة.
- يووه يا ليل، هو أنا هخطفك؟ يلا بقى.
قالت جملتها وهي بتمسِك أيديها وبتحركها لقُدام، وبملل أتحركِت معاها منغير كلام.
خدتها وبعدوا شوية عن الترابيزة، ووعد كانت حريصة أنها تخلي ضهر ليل للتربيزة، وبالفعل عرفت وعد تخترع حوار معاها في حين أن جميلة خدت البحث اللي كان في شنطة ليل، وبأشارة من جميلة أنها خلصت؛ كانت وعد مسكت أيد ليل وبدأوا يرجعوا ناحية التربيزة.
وبكل براءة كانت وعد بتقولها:
ـ  ياريت بجد متكونيش زعلانه مني، وتكوني قبلتي آسفي، ماشي يا لولو؟
وفي المقابل قابلت ليل كلامها ببتسامة باردة وقالت: 
ـ آه طبعًا.
-يلا باي يا قلبي.
بصت على شنطتها بصه سريعة وقبل ما جميلة ووعد يبعدوا عنها بخطوات كانت نور ماسكة جميلة من هدومها من ورا (بمعنى أصح قفاها) مسكتها بغيظ وطبعًا جميلة أتخضت وبشهقة فزع قالت:
ـ  أي ده! في أيه؟!
قابلت ليل فزعها بضحكة سخرية وهي بتقول:
ـ  لا أبدًا يا بيبي، حبيت اقولك بس أن البحث اللي في شنطتك ده بتاعي.
وبرتباك بدلت وعد نظراتها بين ليل وجميلة، وبعصبية وصوت مرعوش قالت وعد:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا ليل؟ سبيها عيب كده؟
وببرود ردت عليها:
ـ عيب! طيب أنا مش سيباها ومش هسيبها غير قدام عميد الكلية.
وقبل ما جميلة تزعق أو تعمل أي رد فعل كان سبقها خطوات دكتور عمار ناحيتهم، وفي ثواني كان واقف قدامهم وهو بيزعق بعصبية وبيسأل بنفعال: 
-في إيه هنا؟ وأنتِ ماسكه زميلتك بالشكل ده ليه؟ نزلي أيدك عيب كده.
نزلت أيديها بهدوء، وبثقة قالت: 
ـ دلوقت يا دكتور الأنسة سرقت البحث بتاعي.
خافت جميلة من كتر العيون اللي بدأت تبصلها، وبصوت مرعوش قالت: 
ـ كدابه، كدابة والله يا دكتور.
كتفِت ليل أيديها بهدوء وقالت: 
ـ طب أنا كدابة وعايزه اشوف الشنطة بتاعتها دلوقت قدام حضرتك.
وبسبب نظرة الرعب اللي وعد شافتها في عيون جميلة قالت بعصبية وصوت عالي: 
ـ هو أي قلة الأدب دي يا دكتور؟! أنا مسمحش إنها تتهم صاحبتي بالشكل ده أبدًا.
قابل عمار صوتها العالي بعصبية وزعيق وقال:
ـ  بس اسكتوا.
نقل نظراته لجميلة وقال لها بحذم: 
ـ دكتورة جميلة أفتحي شنطتك حالًا قدامي.
وبحركة غير إرادية تَبتت جميلة في شنطتها وقالت بخوف:
ـ ليه يا دكتور؟ كده عيب والله.
خَدّ نفسه وبهدوء مَد أيده ليها وهو بيقول:
ـ اسمعي الكلام لو سمحت، هاتي الشنطة.
مديت أيديها بالشنطة وهي بتترعش، وعينيها بتلف على الوشوش اللي بتتفرج عليها، وفي لحظة حسِّت أن الدنيا كلها وقفت بيها.
- بحث الدكتورة ليل حسام بيعمل أيه في شنطتك يا دكتورة جميلة؟ 
العيون كلها بتتفرج، كل اللي حواليها بيتوشوشوا، همهامتهم عالية لدرجة إنها سمعاها، خانتها دموعها وبخوف وقلب مش قادرة تسيطر على دقاته قالت:
ـ والله يا دكتور دي وعد هي اللي قالتلي اعملي كده، والله أنا مليش داعوه.
وبكل عصبية وبإشارة منه لِجهة مكتب عميد الكلية قال:
ـ ولا كلمة، قدامي على عميد الكلية أنتِ وهي.
راح بعيونه ناحية ليل، وفي ثواني أتحولت نبرة صوته من عصبية وغضب لليِّن وهدوء، وقال: وأنا متأسف ليكِ يا أنسة ليل بالنيابة عنهم، تقدري تتفضلي.
خلص كلامه وأتحرك ناحية مكتب العميد ومعاه جميلة ووعد، أما ليل فَخدت نفسها بهدوء وأتحركت من المكان، وبعد تفكير طويل قررت أنها تروح وتشكر ليلى، لأنها أخيرًا برضو أدركت أن لولا تحذرها ليها كانت هتشيل المادة بجد!
كانت ليلى قاعدة على تربيزة لوحدها بتشرب عصير، وبتردد قربت منها... وبحرج قالت:
ـ أحم، أنا..أنا آسفة.
رفعت وشها ليها، وبدون أي مقدمات اترسمت ابتسامة كبيرة على وشها، وبحماس قالت لها: 
ـ مش هقبل أعتذارك غير لو وافقتي على طلبي.
الحقيقة أن ليل أتسغربت كلامها وحماسها! والأغرب كان إصرارها! وبحاجب مرفوع قالت: 
ـ ده أنتِ ما صدقتي بقى!
ضحكت ليلى وقالت: 
ـ الصراحة آه، ها موافقة؟
خلصت كلامها وهي بتمِد لها أيديها، بصيت لأيديها بتردد وقبل ما تحط أيدها في أيد ليلى قالت: 
ـ بس توعديني أنك مش هتسألي عن أي حاجة فاتت؟
هزت رأسها بفرحة، ومسكت هي أيديها بحماس وقالت:
ـ أوعدك.
قعدوا الأتنين سوا وبدأوا يتكلموا في أي شيء، وبعد مدة صغيرة أتحركوا للمحاضرات الأخيرة، وعرفوا في محاضرة دكتور عمار أن وعد وجميلة شالوا مادة دكتور عمار مع نهلة، وبعد طويل طويل ومليان بالأحداث أخيرًا اليوم أنتهى.
ـ أنتِ ساكنة فين يا ليلى؟
- ناحية شبرا كده.
- ده في سكتي، تعالي يلا نروح سوا.
مسكت ليلة أيد ليل وأتحركوا خطوتين، لكن وقفهم صوت حد بينده على ليل.
- ليل استني.
بصِت لمصدر الصوت، وبنبرة صوت هادية، عكس اللي بيحصل في دقات قلبها ردت بهدوء:
ـ  نعم خير؟
الحقيقة أن صاحب الصوت كان آسر، آسر مهران. 
قرب منها خطوتين، وبنغس الهدوء بتاعها كان آسر بيسألها: 
ـ هو أنتِ مش فكراني بجد؟
وقبل ما ترد كانت ليلى خدت خطوتين لورا عشان تديهم حرية يتكلموا براحتهم، وبهدوء ردت عليه ليل وقالت: 
ـ لا والله مش واخده بالي.
قرب خطوتين كمان، خطوتين هزّوا كيانها، وبنبرة هي عرفاها ومش حافظة قدها قال: 
ـ بس أنتِ فكراني يا ليل، وفكراني كويس أوي كمان.
مقدرتش تسيطر على دموعها أكتر من كده، رجعت خطوتين لورا، وبصوت مهزوز، وشهقات من قادرة تسيطر عليها قالت: 
ـ يارتني نسيتك ياخي ونسيت اليوم اللي شوفتك فيه.
قابل دموعها بكل ندم، وبنبرة راجيّة كان بيقولها:
ـ  والله كان غصب عني، اللي حصل مكنش سهل، مقدرتش أشوفك كده. 
خدّ نفس طويل، وبكل آسف قال: 
ـ حقيقي آسف، كنت غلطان.
ضحكت من بين دموعها، وبكل وجع وكسرة نِفس قالت:
ـ مكنش سهل عليك! أيوا فعلًا عندك حق، طب خير أية اللي فكرك بيا؟ وبالجامعة؟ أنت مش اتخرجت برضه؟ 
قرب منها الخطوتين اللي هي بعدتهم، وبندم ورجاء ظاهر في نبرة صوته قال: 
ـ جيت عشان وحشتيني، جيت عشان بحبك، جيت عشان عايز أرجعلك تاني يا ليل.
ابتسمت بسخرية؛ مسحِت دموعها بكف أيديها بعنف وقالت بثبات وثقة مش لايق على دموعها اللي لسه أثرها موجود! وقالت: 
ـ وأنا مبكرهش حد قدك يا آسر.
خلصت كلامها ومشيت، مشيت ومبصتش وراها، وليلى أول لما شافتها خلصت كلام قربت مِنها؛ ومشيت معاها بهدوء بدون ما تسألها عن أي شيء، هي بس حاولت تخفف عنها بالضحك وبس، حتى لو فشلت؛ لكنها كانت بتحاول! 
                    **************
بعد ما سابتها ليلى ومشيت، كانت ليل بتلِف في الشارع بدون وجهة، وبعد بُكى دام لساعات، أخيرًا قررت أنها ترجع البيت، ومع دخلوها الشقة قابلت والدها وسعاد، وبدون أي مقدمات كانت بتقول: 
-بابا، أنا محتاجاك تساعدني، أنا عايزة أفتح مركز طبي للأورام.
وقبل ما والدها يرد كانت شهقة خرجت من سعاد، ومعاها كلماتها المُعترضة: 
ـ مركز أية يختي! هو أنتِ فاكره نفسك أتخرجتي خلاص، ده أنتِ لسه عيلة في تانية طب، والسنة اللي فاتت سقطتي فيها! مركز أية ده اللي عايزة تفتحيه بالسنة طب اللي معاكِ!
الحقيقة هي كانت بتسمع كلامها وهي بتحاول تتنفس بهدوء، بمعنى أصح بتحاول تسيطر على غصبها، بس في الأخر فشلِت، وبعصبية وغضب مقدرتش تسيطر عليهم قالت: 
ـ وأنتِ مالك أنتِ؟ بتتحشري في اللي ملكيش فيه ليه؟ حد واجهلك كلام أساسًا وأنا معرفش؟ أب وبنته بيتكلموا، بتحشري نفسك وسطنا ليه؟!
أخيرًا أتدخل حسام-والد ليل- ولما أتدخل كان بيزعق لـ ليل وبيقولها:
ـ  بس بقى عيب كده، وبعدين مركز أيه ده يا ليل؟ أنتِ ولا عندك خبرة ولا عندك تكلفة المركز، هو أي كلام وخلاص!
حاولت تسيطر على غضبها على قدر المستطاع وقالت:
ـ بس أنا بقول محتاجة مساعدتك يا والدي على فكرة، بقول لحضرتك محتاجاك تكون في ضهري.
-أيوا يعني أعمل أيه؟
ابتسمت بسخرية وردت بتهجم على سؤاله: 
ـ يعني حضرتك تموّلي المشروع، يعني حضرتك تساعدني وتجبلي دكاترة كبار يكونوا جمبي، أنت ممكن تعمل حاجات كتير أووي يا بابا.
وللمرة التانية تدخل سعاد في كلامهم هي وبتقول: 
ـ يموّلِك أيه يختي؟ هو محل فطير! ده مركز طبي، يعني عايز ملايين، أنتِ شكلك بتحلمي.
وقبل ما ليل تصُب غضبها عليها كان حسام بيتكلم وبيأيد رأي سعاد! وبيقول ببساطة: 
ـ سعاد عندها حق، مركز طبي أية، يستي لو على الدكاترة فَده أمر سهل، لكن فلوس المركز نفسه أجبهالك منين؟! بقولك أيه؛ خرجي الموضوع ده من دماغك، وركزي في مذاكرتك أحسن.
قررت إنها هتنهي النقاش، مش هتدخل معاه في مجادلة مش هتجيب أي نتيجة؛ لكنها خدت نفسها بهدوء وقالت: 
ـ تمام، طب أنا عايزة ميراثي من المرحومة أمي، ياريت تجهزلي المبلغ، وأنا لما أحتاجه هطلبه منك، أتمنى تكون مستعد في أي وقت، عن أذنك.
وقبل ما تتحرك من مكانها وقفها صوت حسام وهو بيقول بسخرية:
ـ ليه هو ورث أمك هيفتحلك مركز طبي! أنتِ بتحلمي يا ليل؟!
خلص كلامه وهو بيضحك، قابلت سخريته منها ببتسامة صغيرة وقالت: 
ـ هتصرف بقى يا والدي العزيز، أصل حضرتك مش عايز تساعد بنتك الوحيدة، يبقى مش قدامي غير أني أساعد نفسي، عن أذنك.
خلصِت كلامها وسابتهم ودخلت أوضتها، وكالعادة أول لما أتقفل عليها باب أوضتها سمحت لدموعها إنها تتحرر، وبعد بُكى دام لشوية وقت، وقفها أخيرًا رنة موبايلها.
- ألو، مين؟
ـ  أنا ليلى، عاملة أية دلوقت؟
مسحت دموعها بعنف، وقالت بنبرة حاولت أنها تكون طبيعية: 
ـ آه أزيك، معلش مش مركزة.
-في أيه؟ أنتِ كنتِ بتعيطِ ولا أية؟
- لا لا، بعيط أيه، مكنتش بعيط.
نهت كلامها وشهقة بُكى خرجت منها منغير قصد، ودموعها أتحررت من جديد بعدها.
وبصوت ملهوف وخايف سألتها ليلى: 
ـ مالك يا ليل؟ أية اللي مضايقك؟
مسحت دموعها للمرة اللي مش عرفة عددها وقالت: 
ـ مفيش حاجة يا بنتي والله.
وبعصبية سألتها ليلى من جديد: 
ـ خلصي يا ليل في أيه؟
بعد تفكير دام لدقايق، وبعد ما حست أنها محتاجة تتكلم، خَدت نفس وبدأت تحكلها، رجعت تحكي بعد ما كانت خدت عهد على نفسها أنها مش هتحكي لأي مخلوق تاني على أي حاجة تخُصها، ولأن الأنسان لازم يفضفض، لازم يخرج اللي جواه عشان يخفف على نفسه؛ فَهي مقدرتش تصون الوعد ده، وكسرته أو لما قلبها أرتاح لحد، وبدأت بالفعل تحكيلها كل حاجة، وختمت كلامها وهي بتقول: 
- أنا حلم حياتي يا ليلى أني أفتح مركز أورام، ونفسي حقيقي أني افتحه دلوقت، بس طبعًا التكلفة والخبرة وحاجات كتير منعوني، زي ما حكيتلك يعني.
- يعني هو ده اللي كنتِ بتعيطِ عشانه يا ليل.
خَدت نفس من جديد وقالت:
ـ لا، عشان لما جيت وقولت لبابا كسر نفسي للمرة اللي مش عرفة عددها، كل مرة باجي وأكون حاطة أملي على حاجة؛ يجي هو بكل بساطة ويهدمها، الخذلان من أقرب حد ليكِ بيتسبب لك بأكبر وجع، المهم أني نهيت النقاش أني هاخد منه ورث المرحومة أمي وأنا هتصرف، معرفش هتصرف أزاي بمبلغ صغير زي ده اصلًا! بس قولت له كده وخلاص، وحقيقي أتمنى أني أعرف أتصرف؛ عشان أنتصِر عليه ولو لمرة وحدة.
كانت ليلى بتسمعها بدقه وتركيز، وبعد ما ليل خلصت كلامها، رسمت ليلى ابتسامة جانبية وقالت بثقة:
ـ طب واللي يحللك الموضوع ده كله، ويقولك حل.
- أزاي؟
-بصي يا ستي.
ـ أنا عندي الحل. 
ـ واللي هو؟ 
وببساطة قالت: 
-  أنا بابا يكون أسامة عبد الغني لو تسمعي عنه، دكتور أورام كبير أووي في القاهرة، وهو بالفعل بقاله مدة طويلة بيعمل دراسة جدول لمشروع المركز الطبي للأورام، وفكرة المركز اللي حكتيلي عنه هي تقريبًا نفس الفكرة اللي باله، وكمان بدأ في التنفيذ من شهر، اشترى مركز وحاليا بيجهزه، وبابا ناوي أن المركز ده يكون فيما بعد ليا أنا، بس حاليًا هيفتحه بأسمه عشان التصريح طبعًا، فَ لو قولت لبابا أن صاحبتي هتدخل شريكة معايا وبعد ما نتخرج نديره أنا وأنتِ، أكيد مش هيعترض.
خلصت كلامها وبعدين سألتها بحماس:
ـ  ها أي رأيك؟
ولكن ليل كانت دقات قلبها بتعلى وبتزيد مع كل كلمة ليلى بتقولها، والابتسامة كانت عرفه طرقها تمام، ورغم إنها فرحت بكلامها ليلى ولكنها قالت بسخرية: 
ـوأنا المبلغ اللي معايا ده يدخلني معاه شريكه! أحنا هنهزر! وبعدين هو بباكِ هيوافق بالبساطة دي؟
- لا موضوع أنه يوافق ده خلي عليا، لكن الفلوس لو طلع المبلغ صغير ممكن تكوني شريكة بالربع أو عشرة في المية حتى، بصي سبيني بس أكلم بابا وأقولك هيحصل أيه.
يلا روحي نامي دلوقت ونتقابل في الكلية.
قفَلت معاها وهي قلبها بيرفر من الفرحة، أخيرًا حست من قلبها أن ربنا هيعوضها، هيعوضها عن اللي حصلها، وربنا أخيرًا هيكرمها بكرمه.
قامت ومسحت دموعها اللي نزلت من عيونها بدون شعور، وقررت إنها تقوم تصلي؛ وتشكر ربنا على كرمه معاها، وتشكره أن مع كل ضيقة بتحصلها أيده بتكون سنداها.
                         **************
لكن في أوضة حسام.
-البنت اتغيرت أوي يا سعاد.
وبعصبية وتهجم قالت:
ـ  وبقت قيلة الأدب يا حسام.
ومع سماعه لكلامها أتعدل في قاعدته ورد بعصبية:
ـ  اللي شافته ليل مش سهل أبدًا يا سعاد، كويس إنها خرجت من الحالة اللي كانت فيها أصلًا. 
خلص كلامه وسند ضهره على السرير من تاني وقال:
ـ أنا بفكر أعملها المركز الطبي اللي نفسها فيه، كل مرة بتطلب مني حاجة بخذلها ومش بوافق، عايز أفرح قلبها، والمشروع ده حلم عمرها من سنين.
وبدون أي مقدمات ردت عليه سعاد بعصبية وغضب ظاهرين في صوتها وإنفعالها:
ـ تعملها أيه يا حسام؟ أنت أتجننت ولا أيه، ده مشروع عايز ملايين، وبعدين هي حتت بت لسه طالبة في سنة تانية هتعرف تدير مركز طبي زي ده! وأصلًا الترخيص هيطلع لها أزاي  وهي لسه طالبة؟  وأفرض الترخيص طلع هي هتعرف تتعامل مع المرضى! أفرض حد مات تحت أيديها بسبب تشخيص غلط، ولا جلسة كيماوي غلط؛ أيه اللي هيحصل وقتها؟  هتروح في داهيه وهتاخدك وراها، الموضوع كبير عليها أوي يا حسام مش بالسهولة اللي أنت وبنتك فكرنها.
وبعد صمت دام لدقايق، أخيرًا أتكلم وقال:
ـ عندك حق، الموضوع كبير أووي.
ابتسامة جانبية عرفت طارقها لشفايفها وقالت بنتصار: أيوا،  عين العقا يا خويا، يبقى تشيل الفكرة دي من دمااغك خالص، تمام؟ يلا تصبح على خير.
خلصت كلامها وخَدت وضع النوم، وحسام سكت لدقايق ونام هو كمان.
                    **************
عدى اليوم بسرعة، وليل دلوقت قاعدة في كافية في الجامعة مستنيه في ليلى.
- يا صباح الحلويات، عاملة أية؟
ابتسمت ليل بتوتر أول لما شافتها، وقالت: 
ـ تمام، عملتي أيه؟ قولتي لبباكِ؟
ضحكت ليلى على ملامحها المتوترة وقالت:
ـ  أيوا يا ست المستعجله، وعندي ليكِ أخبار قمر زيك كده.
ابتسمت وبلهفة سألتها:
ـ أيه قولي.
شَدت كرسي وقاعدت قصاد ليل وقالت: 
ـ بصي يا ستي، أنا قولت لبابا على الموضوع، ووافق من حيث المبدأ، قالي أن عادي تدخلي معايا شريكة، بس المشكلة أن التكلفة بتاعت المركز كبيرة حابتين، فَ أنا أقترحت أن بالمبلغ اللي معاكِ تساهمي بيه في تجهيز المركز من حيث الأساس يعني فاهمة، وبعد دراسة الجدول هيقولك هيكون دي نسبة قد أية، وقالي كمان أننا نقدر ننزل معاه تدريب في المركز أول لما يجهز.
- يعني المركز لسه هيتعمل له الأساس؟ ده كده ولا سنة عشان يجهز.
-يا بت لا، أفهمي يا ليل، بابا أصلًا خلص المركز، بس المبلغ اللي هياخده منك هيكون تمن الأساس اللي هو عمله، فهمتي؟
وبحماس قالت: فهمت، طب نسبتي دي هتتكتب في عقد وكده ولا أيه؟
- أيوا طبعًا، قولي بس أنتِ لبباكِ، وبعدها نعمل عقد أنك شريكة ب 10٪. مثلًا أو حسب ما هيطلع نسبتك
سكنِت الفرحة قلبها أخيرًا، بس قطع فرحتها سؤال خطر على بالها وقررت تسأله لـ ليلى بدون تفكير:
ـ بس أزاي بباكِ وافق بالسهولة دي، متنسيش أنك لسه متعرفنيش يا ليلى، أزاي بقى وافق أني أكون شريكة معاه.
وببساطة ردت وقالت: 
ـ أبدًا؛ تقدري تقولي أول سبب أن بابا كان محتاج سيولة عشان يكمل اللي ناقصه في المركز، وتاني سبب لأني قولت لبابا أنك صدقتي من أيام أعدادي وأني واثقه فيكِ.
الحقيقة أن ليل أستغربت من كلامها وقالت: 
ـ بس أنتِ متعرفنيش يا ليلى، أنا ممكن أكون مش كويسة الى فكرة.
وبدون أهتمام كانت بتمسك  المنيو وبتقول: 
ـبس أنا واثقه فيكِ، ها هتطلبي أيه؟
                       **************
خلصت مُحاضراتها ورجعت على البيت، رجعت وهي كلها حماس وأخيرًا الفرحة زارت قلبها.
- عملتي أيه أنهاردة في الكلية يا ليل؟
وللحظة حست أنها عايزة تحكي لوالدها على اللي حصل، كان شعور ملوش تفسير بالنسبة لها، بس قررت في الأخر أنها تحكي له فعلًا.
- الحمد لله. 
ـ يدوم الحمد. 
قعدت قصاده على الكنبة، ركزت في عيونه وبدون مقدمات قالت: 
ـ تعرف يا بابا أني حكيت امبارح لصاحبتي على المشروع وحلمي، تعرف يا بابا قالتلي أيه؟
وبكل أهتمام سألها: 
ـ أيه؟
- قالتلي أن بباها بيجهز من 6شهور لمركز طبي للأورام و......
حَكيت لحسام على كل اللي حصل وكانت المفاجأة أنه قالها: 
- دكتور أسامة عبد الغني؟! أنا عارفه كويس.
سكِت وبعدين قال:
ـ بصي أبقي أتصلي بصاحبتك وقولي لها أني عايز أقعد مع بباها النهاردة. 
وبستغراب قالت: 
- حاضر يا بابا، بعد أذنك.
خلصوا كلام ودخلت ليل على أوضتها، أما سُعاد فَدخلت عليه بعصبية وغضب وبدون أي مقدمات كانت بتسأله: 
- خير هو أنت هتقابل الدكتور ده ليه؟
ومنغير أي أهتمام لعصبيتها رد وقال ببساطة: 
ـ عشان بفكر أدخل ليل شريكة بالنص مع دكتور أسامة.
ومنغير ما تحس كانت بتنفجر فيه وبتقول:
ـ  مشروع أيه يا عنيا؟!
لَف وبهتمام بدأ يوضح لها رأيه:
ـ أصل المشروع كويس جدًا يا سعاد، وكمان دكتور أسامة عبد الغني أكبر دكتور جراحة أورام في القاهرة، يعني  هيكون معاها وكمان شريك معاها، يعني مشكلة التكلفة أهي أتحلِت، وهو اللي هيدير المشروع، ومتهيألي ده أحسن مشروع أقدر أأمن بي مستقبل البنت.
وبعصبية وغضب ردت عليه وقالت:
ـ أنت هتجنني! هتدفعلها كل الملايين دي في حتت مشروع؟
وبنفس العصبية قال لها: 
ـ وأنا أشيل الفلوس لمين يا سعاد؟ هو أنا عندي غيرها؟ وبعدين هو أنتِ كنتِ جبتيلي عيال وأنا حوشت عنهم فلوسي يعني عشان تيجي تقوليلي الكلمتين دول؟! روحي نامي يا سعاد، روحي.
سكتت للحظات، بس السكوت ده مدمش كتير بسبب أنفجارها في البُكى، والغريبه أنه كان بُكى صادق وخارج من قلبها فعلًا، وبحسره على نفسها ومن بين شهقاتها قالت: 
ـ هو يعني بمزاجي! هو أنا يعني مش عايزه أخلف زي كل الستات وأبقى أم يا حسام؟
وللحظة حس بالندم بسبب اللي قاله، قرب منها وطبطب عليها وقال: 
ـ أنا آسف، مش قصدي والله، أنتِ بس اللي عصبتيني، طب خلاص طيب أنا آسف.
مرتدش عليه فقرب عليها أكتر وهو وبيبص ناحية أوضة ليل قال: طب ما تجيبي بوسة؟
ابتسامة جانبية اترسمت على شفايفها رغم دموعها اللي لسه مجفّتش وبكسوف قالت:
ـ أحنا في الصالة يا رجل أختشي. 
ضحك بصوته كله وقال وهو بيقوم وبيشدها معاه: 
ـ طب ما تيجي ندخل أوضتنا عشان البت.
                           *****************
                                    "هي"
- ليل أجهزي بكرا هنروح نقابل عمك أسامة.
كانت دي جملة حسام لليل بدون مناسبة، بتعجب سألته: 
ـ أسامة مين؟!
ضحك على استغرابها وقال: 
ـ دكتور أسامة عبد الغني أبو صاحبتك، أنا روحتله زي ما قولتيلي ولسه جاي من عنده، أتفقنا أننا هنمضي العقود، وأنتِ هتكوني شريكة معاه بالنص، وهو تقريبًا قدامه 6شهور ويتم الأفتتاح، بس لحد ما تتخرجي هو اللي هيدير المركز.
الحقيقة إني مكنتش مصدقه اللي بيتقال، معرفتش أستوعب كل اللي أتقال مرة وحدة! معقول! معقول ما بين يوم وليلة حلمي يتحقق ويكون بين أيديا كمان! معقول أبويا هو اللي ساعدني، هو اللي ساعدني أني أخد أول خطوة في حلمي بعد ما كان السبب في تحطيمه ليا من قبل! حقيقي مستحيل..
بس مكنش مستحيل، ولا كان حلم، ده كان حقيقة، وفعلًا العقود أتكتبت، واللي بابا قاله حصل، والست شهور عدوا بسرعة غريبة، وعملنا أفتتاح المركز، ونزلنا بالفعل تدريب فيه أنا وليلى من شهرين.
ودلوقت بس أقدر أقول أن حلمي بقى بين أيديا.
- في مرضى جُداد؟
سؤال عملي أتعودت أني اسأله كل يوم، وجاتلي الأجابة من البنت اللي مسؤلة عن الحالات الجديدة وقالت: 
- أيوا يا دكتور، في بنوتة جت عملت أشاعات والنتيجة طلعت أمبارح بليل، وطلعت أيجابي وبلغناها وجاية النهاردة.
وبتساؤل قولت: 
ـ وطلع أيه بالظبط؟
ـ سرطان في الجلد، في المرحلة التانية.
- تمام، أول لما توصل دخليها عندي على طول، وهاتي التحاليل والأشاعات بتاعتها على مكتبي.
- حاضر.
                         **************
                                "هي"
-المريضة برا.
فتحت الملف بتاعها وقرأت الأسم بسرعة في سري:
ـ  سارة مهران، 25سنة، سرطان في الجلد.
-دخليها يا ياسمين.
قولت أخر كلامي بصوت مسموع، وفعلًا خرجت ياسمين ودخلت المريضة.
وبوجة شاحب وتعبان دخلت المريضة، المريضة اللي أخر وحده في العالم ممكن تيجي في بالي أنها تكون قدامي! وبصوت هامس سمعته بالعافية قالت: 
ـ مساء الخير.
ومنغير وعي ولا أدراك لقيت نفسي بقول: 
ـ سارة! مستحيل..
خَدت بالي من اللي قولته بسرعة فصلحت كلامي وقولت:
ـ  قصدي.. قصدي عاملة أيه؟ ألف سلامة عليكِ، أقعدي.
واضح أن هي كمان أتصدمت لما شافتني، رفعت عيونها عليا ورجعتهم تاني للأرض وقالت بتعجب: 
ـ ليل!!
ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت: 
ـ تصدقي أنك أخر واحده كنت ممكن أتوقع إنها تكون الدكتورة اللي بتعالجني...صحيح داين تُدان..
رَميت كل الذكريات اللي جت في دماغي وراه ضهري، صَفيت ذهني وقلبي من أي ذكرى سودا أفتكرها لما شوفتها، ورسمت ابتسامة بسيطة وقولت:
ـ  الكلام ده ملوش لازمة، ده قدر مش أكتر ولا أقل، وبعدين أنتِ أقوى من كده، والمرض لسة في أوله، ومن رأي أننا نبدأ أول جلسة كيماوي من النهاردة، عشان كل ما نبداء أسرع كل ما ناخد نتيجة أسرع والأمل يكبر أكتر، صح ولا أيه؟
رسمت على شفايفها ابتسامة باهته وقالت: 
ـ صح، أكيد صح.. 
وبتردد سألِت وقالت: 
ـ هو ممكن تكوني معايا في الجلسة النهاردة؟
ابتسمت بحُب وقولت لها وأنا بتقدم بخطوات ليها: 
ـ أكيد طبعًا، يلا بينا.
خدتها ودخلنا أوضة الجلسات بعد ما بلغت حد يجهزلنا الأوضة لأول جلسة، الممرضة جهزتها وفعلًا بدأت الجلسة، كان كل ما الكيماوي يجري في عروقها كل ما ملامحها تبهت أكتر، مسكت أيديها وأنا ببتسم ليها، كأني بقويها بلمسة أيد أو ابتسامة بسيطة، بس الحال مدمش كتير بسبب الشخص اللي دخل علينا بدون إذن. 
- الجميل عام...  ليل؟! أنتِ بتعملي أيه هنا؟!
قلبي دق بعنف، عيوني كانت بتلف في المكان كله بسرعة غريبة، كأنها بتدور على مهرب، مسكت نفسي وسيطرت على رعشة أيدي اللي أتملكتني فاجأة، وببتسامة قولت وأنا بقف في مكاني وبسيب أيديها: 
..... 
يتبع.....
ـ هو ممكن تكوني معايا في الجلسة أنهاردة؟
ـ أكيد طبعًا، يلا بينا.
خدها ودخلنا أوضة الجلسات، الممرضة جهزتها وفعلًا بدأت الجلسة، كان كل ما الكيماوي يجري في عروقها كل ما ملامحها تبهت أكتر، مسكت أيديها وأنا ببستم لها، كأني بقويها بلمسة أيد أو ابتسامة بسيطة، بس الحال مدمش كتير بسبب الشخص اللي دخل علينا...
-الجميل عام...  ليل؟! أنتِ بتعملي أيه هنا؟!
قلبي دق بعنف، عيوني كانت بتلف في المكان كله بسرعة غريبه، كأنها بتدور على مهرب، مسكت نفسي وسيطرت على رعشة أيدي اللي أتملكتني فاجأة، وببتسامة قولت وأنا بقف في مكاني: 
ـ منا دكتورة أورام، أنتَ نسيت؟
وبنبرة كلها آسف وندم قال:
ـ  أنا آسف يا ليل.
ابتسامة جانبية اترسمت على شفايفه، بس واضح أنها كانت ابتسامة سخرية وقال:
ـ اللي عملتوا فيكِ بيترد ليّا في اختي يا ليل.
مكنتش عايزة أسمع، وعشان كده قولت وأنا بحاول انهي الحوار اللي فتحه: 
ـ ملوش لزوم الكلام ده دلوقت يا أستاذ آسر، عن أذنك عشان عندي شغل.
لفّيت ناحية سارة وكملت كلامي وقولت:
ـ هخلص شوية شغل وارجعلك تاني، أتفقنا؟
ابتسَمِت، سبتها وخرجت من الأوضة، وتقريبًا كنت شبه بجري وبروح على مكتبي.
- عامله أيه يا جميل؟ عرفت أنك حضرتي جلسة كيماوي مع المريضة، ده من أمتى بقى.
الحقيقة أن دماغي مكنتش موقفة تفكير في اللي حصل، وبدون أي أدراك قولت لـ ليلى: أصل المريضة اللي جت أنهاردة تبقى سارة، سارة أخت آسر!
لقتها قابلت كلامي بسخرية وبضحكة بسيطة قالت:
ـ ده على أساس أني عارفه مين آسر ومين سارة؟ أنتِ ناسيه أني معرفش عنك حاجة يا دكتور؟
أخيرًا خـدت بالي أنا قولت أيه، وقفت بعصبية وبدون مبرر زعقت وقولت:
ـ طيب بعدين بعدين، أنا هقوم أشوفها خلصت الجلسة ولا لسه.
خلصت كلامي وسبتها وروحت لسارة، كان آسر مِشي، حمدت ربنا وكملت معاها الجلسة وأخيرًا اليوم عدى بكل التُقل اللي حصل فيه.
                        *************
عدى شهرين منغير أي أحداث جديدة، وخلاص فاضل شهر والدراسة ترجع، وبالمناسبة نتيحة سنة تانية ظهرت وكانت ليل وليلى تفوقوا وعدوا السنة بأمتياز، لكن وعد وجميلة ونهلة؛ شالوا أكتر من مادة، ومنهم مادة دكتور عمار، طبعًا طلعوا سنة تالتة وكان معاهم المواد اللي شالوها وكأن ربنا بياخد حق ليل منهم.
"في مركز دكتور أسامة عبد الغني، خصوصًا في مكتب ليل."
- في حالات جديدةالأنهاردة؟
كان سؤال من ليل وهي بتقلب في الورق اللي قدامها بعملية، ردت عليها ليلى وقالت:
ـ آه في أكتر من مريض جاين النهاردة ياخدوا جلسات، خلصوا  أمبارح التحاليل وهيبدأوا النهاردة.
- كام حالة؟
- 4 حالات.
-طب أبعتيلي ملفين عشان أقرأهم، وخلي حالتين معاكِ.
وقفت وقالت: تمام، هروح وابعتلك الملفات.
                        *************
"وفي مكان تاني، خصوصًا في مطعم في وسط البلد."
- أيه يا بنتي؟ ماسكة الفون من ساعة ما جينا ومش مبطله ضحك، اللي واكل عقلك.
خلصت كلامها وهي بتغمز لها بمشاكسة، الكلام كان متوجهة لـ نهلة من جميلة، قابلت نهلة كلام جميلة ببتسامة وهي بتقفل الفون وبتقول: 
ـ خلاص قفلت أهو.
- ليه؟ هو أنتِ كنتِ بتكلمي مين أصلًا؟
اترسمت على شفايفها ابتسامة كبيرة وقالت: 
ـ بكلم أياد.
قابلت جميلة أجابتها بعصبية وصدمة شديدة، ومنغير ما تحس زعقت وهي بتقول لها: 
ـ نعم ياختي؟! أياد؟ أياد عصام اللي في كلية علوم يا نهلة؟
وبحركة سريعة راحت عيون نهلة على الناس اللي قاعدين حواليهم واللي نظراتهم كلها بقت عليهم بسبب صوت جميلة، قربت نهلة من جميلة وبغضب قالت:
ـ في أيه صوتك يا جميلة، و أيوا أياد عصام، في أيه مالك؟! 
بصِّت هي كمان على العيون اللي عليهم وبهمس قالت: 
ـ أزاي يعني بتكلمي أياد يا نهلة؟! ما أنتِ عرفه أن وعد بتحبه بقالها سنتين، ده لما كانت بتتخانق معاه كانت بتجري علينا عشان نقولها تعمل أيه، ده يوم ما راحت وأتكلمت معاه أحنا اللي قولنالها تعمل أيه، أيه نسيتي كل ده؟
وبعصبية ونفاذ صبر قالت: 
ـ يووه، هو مش بيحبها أنا مالي، أياد أصلًا بيحبني من قبل ما وعد تكلمه، وقالي أنه لما كلم وعد كلمها عشان يعرف يوصلي، أنا مالي بقى.
تقريبًا جميلة مكنتش لاقيه رد تقوله، وكل اللي قالته هو:
ـ أنتِ مالك! دي... دي صاحبتك على فكرة!
قابلت نهلة جملتها بسخرية، وببتسامة صفرا رسمتها على وشها قالت وهي بتبص ناحية الباب وبتشاور لـ وعد اللي دخلت المطعم: 
ـ طب قَفّلي على الحوار بقى عشان صاحبتك جت.
راحت بعنيها ناحية الباب وشافت وعد وهي جاية عليهم وبتشاورلهم، ررسمت ابتسامة بصعوبة وهي بترفع أيديها وبتشاور ليها.
قربت منهم وعد وببتسامة قالت.
- أزيكم يا بناويت؟ وحشتوني.
سابقت نهلة جميلة بالرد وقالت:
ـ أزيك يا بيبي عاملة أيه؟
- تمام، ها طلبتوا أكل ولا لسه؟
                          **************
                                  " هي"
"نرجع مرة تانية للمركز."
كنت واقفه مع ياسمين المسؤلة عن الحالات الجديدة، وبعملية سألتها: 
-حد جيه من الحالات الجديدة؟
ـ أيوا يا دكتور، في حالتين وصلوا ودخلوا لدكتور ليلى: وفي حالة لسه واصله بس شكله جاي غصب عنه، ومامته بتقنعوا برا.
خلصت كلامها وهي بتشاور على شاب وأقف هو ومامته، وشكله كان متعصب وبيزعق.
هزّت لها راسها وقربت منهم خطوتين وسمعته وهو بيقول: 
- قولت مش هدخل، مش هدَخل الزفت ده في جسمي، وبعدين أيه شغل العيال الصغيرة ده يا ماما؟ بتضحكِ عليا عشان أجي وتحطيني قدام الأمر الواقع!
كان لسه هيمشي بس مامته مسكته من الچاكت وقالت له بدموع ورجاء: 
ـ يبني أستنى بس، عشان خطري أستنى.
فَلت أيدها من الچاكت بعصبية وقال: 
ـ سبيني.
الحقيقة أني مقدرتش أستحمل أكتر من كده، وقررت أني أتدخل قبل ما يتحرك من مكانه ويمشي.
- طب هو ممكن نتكلم شوية؟
لَف لمصدر الصوت وبعصبية أكتر ونفعال قال: 
ـ وأنتِ مين أن..ليل؟!
الصدمة لَجِمِت لساني، حسيت أن كل أطرافي أتشلِت عن الحركة،  الحروف طارت من لساني، بس..بس أخيرًا نطقت وقولت: 
ـ دكتور عمار! مستحيل..
كان هو عكسي، مكنش مصدوم، مكنش مخضوض زيِّ، وببتسامة باهتة  قال: 
ـ آه يا دكتور، عمار.
هدوءه لخبطني أكتر، هز كياني أكتر وأكتر، وبحروف ملخبطة وكلام مش مفهوم قولت: 
ـ أزاي؟ قصدي.. أنت حصلك..لا لاا..
خَبيت وشي بأيدي بسرعة وأتنفست بصعوبة، أما هو.. فَضحك، ضحك ضحكة كلها كسرة ووجع، وبعدين قال بهدوء: 
-أهدي، أهدي يا دكتور مفيش حاجة مستهلة التوتر ده كله، أيوا أنا مريض لوكيميا، سرطان في الدم..عادي يعني مش أول ولا أخر واحد.
أخيرًا عرفت أهدّي نفسي، أخيرًا لَميت أعصابي ورجعتها التلاجة من تاني، وبهدوء قولت: 
ـ طب ممكن نتكلم شوية؟
أتنهِد وبص لمامته اللي كانت بتترجاه بعيونها، بَصّ ناحيتي من تاني وقال: 
ـ طبعًا..
ابتسمت ومشيت ناحية مكتبي، وهو كان ورايا، دخلت المكتب وهو جيه قعد قدامي، وبكل جدية سألته: 
- ممكن أفهم ليه حضرتك مش راضي تاخد الجلسات؟
مَردش؛ فكملت: 
- لو مكتتش دكتور في كلية الطب وفاهم الخطر اللي أنت فيه كنت هعذرك، لكن أنت أكتر واحد فاهم.
ابتسم ببساطة وقال: 
ـ وأخد الجلسات ليه، وأنا عارف أن مفيش فايدة.
أتنَهِد وكمل: 
ـ مجرد سّم هيدخل جسمي ويهلكني ويدمرني بكل معنى الكلمة، وفي الأخر النتيجة وحدة..
وبعِند وأصرار كنت بقوله: 
ـ لا بقى يا دكتور، حضرتك حسب التقارير اللي قدامي أنك لسه في المرحلة الأولى، يعني نسبة الشفا عالية، وحسب التقارير برضه أن في خلال 6 جلسات بالكتير هتتعافى. 
ابتسم بسخرية وكتف أيده وقال: 
ـ  آه عندك حق، عشان بعد ما أتعافى وأرجع لحياتي الطبيعية، ألاقي الخلايا السرطانية أتجدد في جسمي من جديد، وأكتشف أني لازم أوقف حياتي عشانه من جديد... مش صح برضو يا دكتور؟
كنت..كنت بسمعه وأنا باخدت نفَسي بعنف، كنت بحاول أسيطر على نفسي على قد ما أقدر..بس...بس فشلت، فشلت ومنغير ما أحس بنفسي كنت بنهآر قدامه..
شكله أتغير، ملامحه قلقت، نبرته أتغيرت وأتحولت لنبرة متأسفة وقال يكل لهفة: 
ـ أنا... أنا آسف، أهدي طيب، مقصدش والله، أنا قولت أيه طيب؟
مكنتش قادرة أسيطر على نفسي، كل اللي قدرت أعمله أني أقول له من بين شهقاتي:
ـ برا...أخرج برا..
مهتمش بكلامي، ومخرجش برا، وأنا مكنش فيا طاقة أني أقرر كلامي تاني؛ فَكتفيت أني أشاور له على الباب، وهو برضه مدنيش أهتمام، ومستسلمش وقال: 
ـ مش خارج غير لما تهدي، وبعدين أنا مش فاضي عايز أخد الجلسة..ولا أروح؟
- بجد؟ هتاخد الجلسة؟
كنت أخيرًا قدرت أتكلم وأسيطر على نوبة البُكى اللي أتملكتني فاجأة، نطقت الكام كلمة دول وسكتت وهو في المقابل ابتسم، وبعدها قال: 
ـ هاخد الجلسات بس بشرط.
مسحت دموعي بأيدي، ورديت عليه وأنا بفُك شعري وبلمه من أول وجديد: 
ـ اللي هو؟
قام وقف، قرب مِني خطوة ومد أيده ناحيتي وقال: 
ـ تقبلي نكون أصدقاء.
قلبي دق..وحسيت أني أتلخبطت، بس تجاهلت كل حاجة وقولت وأنا برفع حاجبي:
ـ أنت هتستغلني يا دكتور ولا أيه؟
وبمكر قال: 
ـ آه الحقيقة، أصل دي فرصتي برضو..
مسكت خصلة من شعري وأنا وبلفها على صباعي قولت: أفكر...
-طب أنا هروح دلوقت، ولما تفكري أبقي قوليلي بقى...
خلص كلامه واداني ضهره، وقفت ومسكت في دراعه بسرعة وأنا بقول له: أنت رايح فين يا عم، أقعد خلاص موافقة.. 
خدته من دراعه وأقعدته قدامي زي العيل الصغير، مسكت الملف بتاعه من على مكتبي وقولت بتذمر: 
ـ ممكن تقعد بقى عشان أعرف أقراء التقرير، منا بحايل في ابن أختي من ساعة ما جيه.
كَتِف أيده قدام صدره وقال ببراءة عرف يتقنّها وقال: 
ـ أتفضلي يا دكتور. 
سكِت خمس ثواني وبعدها قال: 
ـ طب أي رأيك أقولك أنا أسهل؟
بصيت له بمكر وقولت:
ـ قول وأنا بقراء.
ابتسم بحماس وبدأ يعرفني بنفسه:
ـ  أنا عمار حسين، عندي 28 سنة، خريج كلية طب جامعة القاهرة، خريج 2016 يعني من اربع سنين أتخرجت وأتعيّنت مُعيد في الكلية، طبعًا أنتِ عرفه بقى، وأنا وحيد أمي وأبويا، عندي عيادة صغيرة لسة فاتحها من سنة تقريبًا، وحالتي المادية كويسة جدًا و...
الحقبقة أني حسيت الدنيا بتلف بيا بسبب رغيّه، وبدون شعور كنت بمسك راسي وبزعق فيه بعصبية:
ـ بااااس، أنا قولت قولي على اللي في الملف، مش عرفني بنفسك! 
بَربش بعيونه ببراءة وقال: 
ـ مش بعرفك على نفسي الأول يا جدع..
رفعت حاجبي وقولت:
ـ لا يا شيخ!
-طبعًا أوماال.
ضحك وقال: 
ـ طب هاا..خلصتِ الملف؟
قفَلت الملف وقولت: آه.. وزي ما قولت لك، هما 6جلسات بالكتير وهتكون زي الفل، قدامي يلا عشان ناخد أول جلسة.
خلصت كلامي وأنا بقف مكاني وبتحرك ناحية الباب، بس وقفني صوته وهو بيقول:
ـ هو ممكن تحضري معايا الجلسة؟
لَفيت بجسمي ناحيته وقولت له: 
ـ طلباتك كترت يا دكتور، أتفضل قدامي..
خَدته ونزلنا على الدور الأول عشان ياخد أول جلسة، بس وأحنا في الممر قابلت سارة، ولسوء حظي كان معاها آسر.
- سارة عامله أيه؟
ابتسمت بحماس أول لما شافتني وقالت بأمتنان: 
ـ أنا تمام يا دكتور، بجد.. بجد شكرًا ليكِ أوي، أنا خلاص فاضلي جلستين وأخلص.
ابتسمت من كل قلبي على المرحلة اللي وصلت ليها، ولروحها اللي رَدت فيها من تاني وقولت: 
ـ هايل، بجد أنا فخورة بيكِ.
الصراحة أن اللحظة الحلوة مش بتدوم برضو يا جماعة، لأن في صوت مزعق جيه أتدخل فاجأة وبعصبية قال:
ـ مين ده يا ليل؟ وأزاي تمشي مع رجل غريب كده وتقعدي تضحكِ!
كان صوت وكلام آسر! مكنتش فاهمة هو ماله أو أيه اللي بيقوله ده!  وقبل ما عمار يرد عليه، رديت أنا بستفهام: 
ـ وأنت مالك معلش؟
تقريبًا ردي أستفزه أكتر؛ فَصوته عِلي أكتر وبعصبية زيادة قال: 
ـ مالي أزاي أنا خطيبك على فكرة..
خلص جملته وأتنفس بعنف، والصراحة أنا مكنش عندي رد.. بس كل اللي قولته هو توضيح بسيط على كلامه
-كنت خطيبي..  فعل ماضي، فعل ماضي حصل وأنتهى ومحبش أبدًا أني أفتكره، وحدودك معايا تلتزم بيها، وأوعى تسمح لنفسك أنك تكلمني بالأسلوب أو بنبرة الصوت دي مرة تانية..مفهوم يا أستاذ آسر؟
مستنتش رده وسبته ومشيت، وعمار حصلني على طول، كنت بتنفس بعنف، أيدي بدأت تترعش، الذكريات بدأت تجري في دماغي بشكل مُرعب، كأن اللي حصل من سنين حصل أمبارح! وأنا.. وأنا مش حمل أي تعب نفسي دلوقت، أنا مش حمل ذكريات تنهش في قلبي وتاكل في روحي من جديد، خرجت من الدوامة اللي دخلت فيها من غير ما أحس بسؤال عمار: 
-هو ممكن اسألك على حاجة ومتضايقيش.
أخيرًا خرجت من الحالة دي، أتحركت ناحية الجهاز وركبت الكانولا في أيده، وبدأ الكيماوي يمشي في عروقه، قَعدت قدامه وبعد تنهيده قولت: 
ـ قول.
-مين آسر، أو... بصي أنا عارف أنه كان خطيبك، وأنكم سبتوا بعض، مع أن باين في عيونكم أنكم بتحبوا بعض لسه، أنا مش فاهم..
كان بيقول كلام متلخبط، ومش مترتب، ولكني وبدون مبرر لقيت نفسي بقابل كلامه بتهجم وعصبية شديدة وبقول! 
- بحبه!  أنا مبكرهش حد قده، واللي زي آسر ده مبيعرفش يحب، بيعرف يحب نفسه وبس..
حَط أيده على خده وسأل ببساطة: 
ـ طب هتحكيلي؟
خَدت نفَس وسألته: 
ـ عايز تعرف أيه؟
-بصراحة أنا عايز أعرف أيه اللي غيرك بالشكل ده، أنتِ في سنة أولى مكنتيش كده، بس أنا سبت الكلية سنة ورجعت لقيتك لسه في سنة تانية! وكل حاجة متغيره، سبتي خطيبك..شكلك متغير، معاملتك متغيره، حتى معرفش أزاي أنتِ في تانية مش تالتة! وأزاي تتحولي من البنت الهادية والأنطوائية لبنت كل يوم بمشكلة شكل عند عميد الكلية، في حاجات كتير مش واضحه في حياتك يا ليل.
ضحكت وقولت بمشاكسة عكس ما كنت متوقعه!
- ده أنت مركز معايا أوي مشاء لله عليك.
تقريبًا أتحرج فقال: 
ـ أحم أصل يعني.. بصي بقى أنا قولتلك اللي فيها يوم ما كلمتك في الجامعة، وأنتِ يومها قومتي بالواجب معايا وخلتيني ألم اللي متبقي من كرامتي في كيس بلاستك؛ فَ بس يعني..
حسيت أني حرجته؛ فحبيت أغير الموضوع وقولت:
ـ طيب أول حاجة أنا حاليًا في سنة تانية عشان أنا عيِد سنة تانية..
أتحولت ملامحه من المشاكسة للمتعجبة واللي مش مقتنعه وسأل: 
ـ أزاي سقطتي يعني؟ بس أنتِ كنتِ شاطرة جدًا..
ضحكت وقولت بتوضيح: لا أنا مدخلتش الأمتحانات أصلًا.
- ليه؟
خَدت نفَس طويل وقولت:
ـ ما هي دي بقى بداية الحكاية.
-وأنا كُلي أُذان صاخية، أتفضلي أحكي.
وقفت وأنا بطلع الاب توب من الشنطة بتاعتي وقولت وأنا بركب الفلاشة في مكانها: أنا هحكيلك عشان محتاجة أحكي يا عمار، هحكيلك عشان لازم اللي جوايا يخرج حتى لو على شكل كلام!
كان مركز معايا ومع حراكتي، شاور تلى الابتوب وسأل: 
-هو أنتِ بتعملي أيه؟ 
بصيت له وقولت ببتسامة: 
ـ دي فلاشة هسجل اللي هحكيه، لأن في حد في حياتي ليّ حق عليا أنه يعرف حكايتي، ويمكن كان المفروض هو اللي يجي ويقعد قدامي القاعدة دي، وهو اللي سامع مش أنت.
طبعًا مكنش فاهم مني حاجة، وأنا مهتمتش أني أوضح ولكني دوست على زرار التشغيل،ط وقَعدت قصاده وأنا بسترجع كل لحظة عَدت عليا في الفترة اللي فاتت، وحقيقي مستغربة من نفسي أني حكيله كل حاجة حاولت أنساها من سنين، بس... بس يمكن عشان الجرح مبيتنسيش أصلًا! أو يمكن طاقتي خلصت من الكِتمان والهروب، ويمكن جيه الوقت اللي أريح قلبي فيه واتكلم بقى!
وبالفعل قعدت قصاده وبدأت أحكي له من بداية الحكاية...
يتبع....
-هو أنتِ بتعملي أيه؟ 
بصيت له وقولت ببتسامة: 
ـ دي فلاشة هسجل اللي هحكيه، لأن في حد في حياتي ليّ حق عليا أنه يعرف حكايتي، ويمكن كان المفروض هو اللي يجي ويقعد قدامي القاعدة دي، وهو اللي سامع مش أنت.
طبعًا مكنش فاهم مني حاجة، وأنا مهتمتش أني أوضح ولكني دوست على زرار التشغيل،ط وقَعدت قصاده وأنا بسترجع كل لحظة عَدت عليا في الفترة اللي فاتت، وحقيقي مستغربة من نفسي أني حكيله كل حاجة حاولت أنساها من سنين، بس... بس يمكن عشان الجرح مبيتنسيش أصلًا! أو يمكن طاقتي خلصت من الكِتمان والهروب، ويمكن جيه الوقت اللي أريح قلبي فيه واتكلم بقى!
وبالفعل قعدت قصاده وبدأت أحكي له من بداية الحكاية، 
من سنتين تقريبًا أتخطبت لـ آسر، أتخطبنا سنة ونص، وحقيقي كانت أسعد فترة في حياتي، هي آه كانت كلها كدب في كدب ومشاعر مش حقيقية...بس..بس كنت مبسوطة وقتها، ودخلت تانية كلية، وقبل الأمتحانات بشهر، حصل اللي شقلبلي حياتي.
                         ****************
"من سنتين، في كلية طب، جامعة القاهرة."
                                    "هي"
كنت كالعادة داخله أحضر المحاضرة لوحدي، لأني أتعودت أن وعد مش بتحضر محاضرات أصلًا، ومعتمدة أعتماد كُلي عليا وعلى تلخيصاتي، ومش هي لوحدها الحقيقية...لا، دي هي وصحابها! 
وفي وسط المحاضرة، بعد ما الدكتور وقف بنت وسألها سؤال رخم مكنِتش عرفه تجاوب عليه، بحركة تلقائية مني كتبت لها الأجابة بسرعة وشاورت لها إنها تقولها، وبما أنها كانت قاعدة جمبي عرفت تقرأها بسهولة وأنقذتها من بطش دكتور عصام.
-أووف، شكرًا.
وبنفس الهمس قولت لها ببتسامة:
ـ العفو، أنا ليل.
- وأنا فريدة.
خلصنا المحاضرة وخرجنا نتكلم شوية، وبعدها وبعفوية شديدة وحماس قولت لها: 
-تيجي أعرفك على صحابي؟
جملة بسيطة قولتها ببساطة، مع أني مكنتش حساها، ولا فاهمة معناها، بس... بس حسيت أني عايزة أقولها، وبنفس الحماس وافقت وخدتها وعرفتها على وعد ونهلة وجميلة..
-أزيكم يا بنات، أعرفكم دي فريدة، اتعرفت عليها في المحاضرة انهاردة.
كلهم بصوا لبعض بستغراب، وببتسامة بسيطة قالت وعد:
ـ  أهلًا.
ـ  أزيك؟
كان ده سؤال جميلة البسيط، ابتسمت لهم فريدة وردت على سلامهم، لكن نهلة متكلمتش، أكتفت بس أنها تهمس لوعد في ودنها وبما أني بعرف أقراء لغة الشفايف، ولأن غصب عني كنت مركزة معاهم وقتها عرفت أنها كانت بتقول لها: 
- وهي دي مش خايفة منها لتطلعلها بليل؟!
قابلت وعد همسها وتريقتها عليا بضحكة!
فريدة تقريبًا حست بحرجي وسطهم فحبت تلطف الجو وقالت ببتسامة: 
ـ طب أنا هروّح يا ليل، تيجي معايا؟
كنت لسه هرد وأقولها آه، بس سبقتني وعد وهي بتسحبني جمبها وبتقول بتهجم: 
ـ لا أحنا لسه هناكل وليل هتقعد معانا، روحي أنتِ.
أستغربت من كلامها، بس فعلًا فريدة مشيت وأنا روحت معاهم على مطعم عشان ناكل، أنا..أنا مش عرفه هما ليه خدوني معاهم! مع أن طول القاعدة كانوا بيتكلموا مع بعض ويبصوا عليا ويضحكوا! وأنا مش عرفه أيه اللي المفروض أعمله! بس اللي أنقذني من الموقف ده وقتها هو دوخه! في ثواني دماغي لَفّت بيا، وجسمي تقيل أكتر، جسمي كله تلج..وبعدها محستش بنفسي غير وأنا بفتح عيني في أوضة في مستشفى!
- حمدالله على سلامتك.
كانت أول جملة أسمعها بعد ما فتحت عيني، كانت من دكتورة ماسكة الكالونا وبتحطها في أيدي، وبعدها سمعت صوت وعد وهي بتتنهد وبتقول:
ـ  أوووف، أخيرًا.
بتعب مسكت راسي وسألت وأنا بدور بعيني عليهم: 
ـ هو في أيه؟
ابتسمت الدكتور بهدوء وقالت: 
ـ مفيش حاجة، تعبتي بس شوية ونقلوكِ على المستشفي.
كنت لسه هرد، بس سبقتني نهلة وهي بتقول بزهق واضح في نبرة صوتها:
ـ وبقالك ساعة ونص مش راضيه تفوقي، وقعتي قلبنا الله يحرقك قولنا لتكوني موتّي ولا حاجة وتودينا في داهية.
كنت..كنت لسه هرد عليها ولكن قطع صوتي دخول أبويا علينا وهو مخضوض عليا وبيزعق.
-ليل..ليل أيه يا حببتي، حصلك أيه؟
كلهم بعدوا عن السرير شوية، وأنا عدلت نفسي وببتسامة بسيطة قولت له: 
ـ متخفش يا حبيبي، أنا كويسة، أنا بس شكلي أُغم عليا من الأرهاق.
ضَمني له وباس خدي وهو بيتنهد براحة، ووعد أتدخلت وهي بتمسك أيد نهلة وقالت:
ـ طب يا أنكل نستأذن احنا بقى، ألف سلامة عليكي يا لولو.
خرجت ومع خروجها قالت الدكتورة لبابا.
-متقلقش هي بقت كويس، أحنا عملنا ليها شوية فحوصات والنتيجة هتطلع على بكرا، يبقى حد يجي يستلمها.
وبقلق بدل بابا نظراته ما بيني أنا والدكتورة، وبخوف سألها: 
ـ هو في حاجه يا دكتور؟
ابتسمت بلُطف وقالت: 
ـ لا لا أبدًا، عايزه أعرف بس أي سبب الأغماء؛ لأنها قعدت كتير فاقدة الوعي.
اليوم عدى، ورجعت البيت وكنت كويسة، وتاني يوم روحت أنا وفريدة نجيب نتيجة التحاليل.
-بقولك لو سمحت، هو تحليل ليل حسام ظهرت؟
سكتت وبدأت تقلب في التحاليل اللي قدامها لحد ما وقفت قدام ملف وقالت وهي بتقراء منه:
ـ  ليل حسام، آه التحاليل ظهرت بس لازم تروح للدكتور بتاعها في أسرع وقت. 
-ليه هو في حاجة؟
ـ آه المريضة عندها سرطان في الدم، وفي المرحلة الأولى، يعني لازم تتابع مع الطبيب المُعالج عشان تبداء جلسات كيماوي في اسرع وقت.
في الحقيقة انا مسمعتش حاجه غير أول كلمتين بس.. "المريضة عندها سرطان في الدم!"  محستش بعدها بحاجة، الدنيا وقفت..الحركة قلِت، والناس سكتت! لما فوقت كنت في أوضة في المستشفى للمرة التانية! بس..بس المرة دي كان الحال مختلف، كانت الأوضة حزينة، كلهم بيبكوا، وفريدة معاهم بتبكي زيهم، وقبل ما أتكلم ولا أفهم أنا حصلي أيه بابا..بابا بص ليّا وهو مسيطر على دموعه وبيقول: 
-أيه يا ليل؟ مالك يا حببتي، ده....ده مرض عادي وهتخفي منه، هو.. هو أنا اللي هفهمك برضو يا دكتور؟
أتحركت فريدة وقاعدت جمبي وببتسامة مرعوشه قالت: 
ـ آه...آه وأنتِ.. وأنتِ في المرحلة الأولى، يعني مش هتحتاجي جلسات كتير، هما شوية جلسات معدودة وهتكوني زي الفُل.
خلصت كلام وأنا كنت ساكته..كنت ببص عليهم وعلى تعبيرات وشهم.. وعلى نظراتهم، نظراتهم اللي كلها شفقه! معلقتش على كلامهم، ولا عملت أي حاجة، كل اللي عملته أني صرخت..صرخت بكل قوتي وخرجتهم برا الأوضة، وهما من الصدمة سبوني أهدى، بس الحقيقة أني مهدتش..أسبوع عدى على نفس الحال، كنت حابسة نفسي أوضتي ومش بخرج ولا بشوف الناس، حتى أبويا مكنتش بشوفه، كنت رافضه أني أتكلم مع حد ولا أن حد يدخلي، لحد ما في يوم فريدة جات ليا البيت.
-يعني أيه يعني أقعد اسبوع مشوفش الأقمر ده؟ أحنا هنهزر ولا أيه؟
مرتضش أكسفها ورديت عليها بسخرية: 
ـ لا فيكِ الخير، تصدقي أن أنتِ الوحيدة اللي أفتكرتيني.
وبدون أي مقدمات لقتها بتزعق فيا وبتقول: 
ـ أيه يا بنتي السلبية اللي أنتِ فيها دي؟ يعني لو مكنتيش دكتورة وفاهمة كنت هقول أيه، سبتي أيه للناس يا ليل، وبعدين مش عايزه تخفي عشان آسر حتى! عشان أمتحاناتك! عشان نفسك يا ليل.
وبنفس السخرية رديت عليها:
ـ آسر!  آسر اللي مشوفتش وشه من يوم ما تعبت صح؟ 
وبسرعة ردت عليا بتبرير منطقي ومُقنع لعقلي وتفكيري وقتها.
-أنتِ ناسية أنه بيمتحن يا ليل، ده خلاص فاضل على أمتحاناته أقل من أسبوعين، ودي سنة التخرج بتاعته، أكيد أول لما يفوق هيبقى جمبك، ومش هيسيبك أبدًا، طب بالنسبة ليكِ؛ هتفضلي كده لحد أمتى يا ليل؟ الأمتحانات مش فاضل عليها غير هو أسبوعين، أيه هتستسلمي؟
الحقيقة أن  كلامها اللي قواني وقتها، كانت هي أكبر حافز ليا أني أكمل وأقف على رجلي، وأني أخد الكيماوي فعلًا، وقبل أول جلسة آسر جيه وفضل يبرر ليا سبب غيابه عني، وعدت أول فترة وأمتحنت أول مادتين، وكنت خَدت أول 3جلسات، وطبعًا أعراض الكيماوي كانت بدأت تظهر، يعني...حواجبي بدأت تقع، ومعاها شعري، وملامحي بانت عليها الأرهاق..وفي الجلسة الرابعة تقريبًا آسر طلب مني أنه يحضر معايا الجلسة، كان أول مرة يجي معايا، وكان أول مرة يشوفني وأنا مُرهقة أووي كده..حسيت وقتها أنه..أنه مش عجبه شكلي! كان مش بيتكلم..ولا راضي يبص ليّا حتى! قعد معايا يومها نص ساعة تقريبًا وبعدها أستأذن ومشي! مهتمِتش وسكتت..سكتت ومتكلمتش ولا سألته على سبب هروبه مني، بس جيه معاد الجلسة الأخيرة، الجلسة اللي بعدها هعمل الفحوصات عشان أعرف السرطان لسه موجود ولا...ولا أتعفيت منه، يومها آسر جالي وقالي أنه هيحضر معايا الجلسة، فرحت يومها جدًا.. خصوصًا أنه كان جاي مبسوط... هو آه كنت حاسه أنه قلقًا شوية بس.. بس أنا فرحت أنه مهتم بيا.. حسيت أنه بيعوضني عن غيابه عني.. أو أنا اللي حسيت كده.. ووقتها كان لسه فاضل ليا 4مواد تقريبًا وأخلص أمتحانات.
كنت حاطة الكالونا في أيديا وبدأت الجلسة، وبحماس وفرحة بصيت له وقولت: 
ـ تعرف أني فرحانة أنك معايا؟ تعالى.. تعالى ناخد سيلفي. 
ابتسم وخد مني الفون وأتصورنا.. وبعد ما خلصت الجلسة وقف قدامي وقال.. وقال اللي مكنتش أتخيل في يوم أني أسمعه منه...
-أنبسطتي؟ 
ومنغير ما أحس كانت الابتسامة عرفت مكانها، وبحماس قولت: 
ـ جدًا يعني. 
ابتسم، وبتوتر قال: 
ـ حبيت أن أخر ذكرى لينا تكون ذكرى سعيدة يا ليل.
مفهمتش الكلمة، سكتت شوية وسألته: 
ـ يعني أيه أخر ذكرى؟!
كان بيفرك في أيده بتوتر، وبنبرة ضعيفة ومتوترة قال:
ـ أنا..أنا آسف يا ليل، مش هقدر أكمل.
مقدرتش أفهم الكلمة، أو أنا اللي منعت دماغي تترجمها، حسيت أن الدنيا وقفت، وبدون إراده لساني نطق بعدم فهم: آسف! آسف أزاي؟ ومش هتقدر تكمل أيه؟
ومنغير أدنى مجهود مِني قالي كل حاجة في قلبه. 
- يعني مش هقدر أكمل معاكِ يا ليل، مش هقدر أتجوز واحده مريضة لوكيميا، أنا..  أنا مش قصدي بس أنا حقيقي مش هقدر أشوفك بالشكل ده، مش هقدر أشوف شكلك كده،  مش هقدر أشوف ملامحك وهي بتتبدل بالشكل ده، مش هقدر أشوفك وأنتِ كده يا ليل، و مش هقدر استحمل أن بعد الجواز يكون بنسبه 80% مينفعش تحملي لأن جسمك دخل فيه الكيماوي! مش هقدر أني أضحي بأحساس الأبوه يا ليل، مش قادر ومش هقدر، أنا آسف.
أنا... أنا مكنتش مستوعبه أيه اللي أتقال ده! هو بجد ممكن حد يقول كده! هو ممكن حد يموت حد بالبطيء بالشكل ده! وبكل قوة العالم فضلت متماسكه، كل اللي صدر مني وقتها أني ابتسمت وقولت له: 
ـ وأنا قبلت آسفك يا دكتور آسر.
وقبل ما أمشي قربت من ودنه وبهمس قولت: 
!  بس حقي ربنا هيجيبه ليا لحد عندي، لأني مش مسامحه فيه يا دكتور.
خلصت كلامي وأنا بحط دبلتي في أيده ومشيت..مشيت وأنا مش حاسه بحاجة.
طبعًا مش محتاج أقولك أني دخلت في مرحلة أكتئاب شديدة، وأني أنعزلت عن العالم لمدة شهر تقريبًا، ومتهيألي عرفت دلوقت سبب أني عيِد السنة؛ وهو أني مدخلتش الأربع مواد اللي كانوا فاضلين، ورفضت أعمل الفحوصات مرة تانية، وفضلت شهرين مش عرفه أنا أتعافيت ولا لسه في جسمي السرطان...بس الصراحة أن فريدة الوحيدة اللي مسبتنيش، كانت بتجيلي على طول، وقبل كل أمتحان كانت بتيجي وتتحايل عليا عشان أنزل بس أنا كنت برفض لدرجة أني في مرة طردتها من البيت! وقولت لها مش عايزة أشوف وشك تاني! بس هي مخدتش على كلامي وكانت بتجيلي برضه، لكن في مرة جاتلي، كان شكلها غريب، أنا فكرة يومها أنها جت وزعقت مع طنط سعاد ودخلت عليا منغير أستأذان، وأول لما شافت وشي صرخت فيا، وشدت السماعات من ودني وهي بتقول: 
-أنتِ أيه الزفت اللي أنتِ بتعملي ده؟ أيه مبسوطة دلوقت لما عيدي السنة من تاني؟ بعد ما كان خلاص فاضل أربع مواد، مبسوطة وأنتِ ممكن تعيدي الجلسات كلها من الأول بعد ما كان خلاص هتتعافي، دمرتي وهتدمري حياتك عشان رجل يا ليل؟  وياريته رجل! ده بواقي رجالة.
ـ  ما تردي عليا! خرستي ليه؟
فَضت شحنة غضبها كلها في وشي، ونهت صرخها بسؤالها، أتنهدت وأنا ببص عليها بتسغراب من أنفعالها الزايد، وبتعب قولت:
ـ أقول أيه؟
قعدت قدامي، وبهدوء عكس الحالة اللي كانت فيها من خمس ثواني قالت: 
ـ قولي أي حاجة، قولي أنك مش هتستسلمي للي أنتِ فيه، قولي أنك هتعملي فحوصات وتشوفي أنتِ وصلتي لأيه، قولي أنك هترجعي تشوفي حلمك، قولي أنك هترجعي لحياتك.
سبتها لما خلصت كلام، وقولت بهدوء:
ـ  لا..مش هقدر يا فريدة.
كان ردي هو فتيلة النار اللي سحبته عشان تنفجر في وشي من جديد! وقفت بعصبية وبغضب صرخت في وشي:
ـ أنتِ ليه ضعيفة كده؟ أنتِ ليه بالسلبية دي؟ أمتى هتكوني قوية؟ أمتى هتواجهي المجتمع والعالم؟ أمتى هتقومي على رجلك وتجيبي حقك من أي حد أذاكِ؟ لحد أمتى هتفضلي كده؟ عرفه..أنتِ هتفضلي طول عمرك كده، سلبية وضعيفة، هتفضلي طول عمرك القطة المكسوره اللي مستنيه أي حد يجي عشان يلعب في حياتها زي ما هو عايز، عمرك ما هتتغيري يا ليل، يا خسارة.
خلصت كلامها وسبتني ومشيت، مشيت وسبتني وسط أفكاري وكلامها اللي بيتردد في عقلي قبل ودني، سبتني ومن هنا بدأت ألاقي نفسي، بدأت ألاقي ليل يا عمار.
بعد المقابلة دي قررت أني أتغير، قررت أني مش هسيب نفسي للريح يعمل فيا اللي هو عايزه، قررت أني هكون أنا، وقفت على رجلي من تاني، وبفضل فريدة عرفت أخد أول الخطوات، وكانت أولها أني عملت الفحوصات من جديد وعرفت أني أتعافيت..عرفت أني أنتصرت على السرطان..وبعدها بدأت أهتم بجسمي وشكلي، وبدأت أرتب أولوياتي من أول وجديد، بس وأنا في أول المشوار عرفت أن فريدة هتسافر، وفعلًا هاجرت..هاجرت أمريكا وسبتني، بس حتى لما هاجرت كانت معايا على طول، مكالمات..وفيديو كول، حقيقي مسبتنيش لحظة، وعدت الأجازة ورجعت الكلية، وأنا بَعيِد سنة تانية، وعرفت بالصدفة أن وعد وشلِتها عادوا السنة برضو! أول يوم ليا في الجامعة كنت حاسه نفسي أني غريبة، كانت العيون كلها بتبص عليا بطريقة غريبة، والهمهات بتعلى بين كل أتنين كل ما بقرب من أي حد، كان في حاجة غلط، لحد ما كنت قاعدة في الكافتريا وبنت جت قاعدت جمبي وقالت: 
-ألف سلامة عليكِ يا قمر.
بصيت ناحيتها بستغراب، كانت بنت معرفهاش، هي بتقولي كده ليه؟ محدش في الجامعة يعرف أني كنت تعبانة غير فريدة ووعد وصحابها، وهما...وهما أكيد مش هيقولوا لحد مثلًا! هو ده كان تفكيري وقتها، ابتسمت وسألتها:
ـ  معلش بس هو أنتِ بتقولي ليا ألف سلامة ليه؟
البنت اتوترت، وابتسامتها بدأت تختفي، وبحرج بان على ملامحها قالت: 
ـ هو يعني.. هو مش أنتِ كنتِ.. قصدي أنتِ كنتِ بتحاربي الكانسر والحمد لله انتصرتي عليه صح؟
أتصدمت من اللي قالته، بس بسرعة ابتسمت وسألتها بلطافة: 
ـ آه صح يا روحي، أنتِ بقى عرفتي منين؟
ابتسمت وقالت برتباك وهي بتبص ناحية وعد ونهلة وجميلة اللي كانوا لسة داخلين الكافتريا: 
ـ أصل نهلة وصحابها في رحلة السفاري بتاعت الصيف، قالوا أنك تعبانة يعني وعشان كده محضرتيش الأمتحان وعيدي السنة. 
- وهما قالوا ليه؟
-كنا بنتكلم عادي وجيه أسمك في وسط الأسئلة؛ فدكتور عصام سأل عليكِ ونهلة قالت له حكايتك، ويومها بحكم أن معظم الدفعات كانت في الكامب معانا الخبر أنتشر بسرعة.
الصدمة أتملكتني، مكنتش عرفه أقول أيه، كل اللي قولته أني سألتها بعدم تصديق: 
ـ ووعد ونهلة عملوا كده!
البنت أتحرجت واستأذنت ومشيت، وأنا بكل عصبية وغضب روحت ناحيتهم، وقبل ما أقرب منهم سمعتهم! سمعتهم وهما بيتكلموا عليا..
نهلة: يعني مدخلتيش المحاضرة؟
وعد: ما خلاص الآله الكاتبة رجعت تاني، أتعب نفسي ليه؟
جميلة: على أساس إنها هترجع معاكِ زي الأول؟
ردت وعد بثقة وقالت:
ـ هعرف أرجعها لينا تاني، وبطريقتي يا بنتي. 
رجعت جميلة تاني وقالت: 
ـ بس.. بس هي أكيد تعبانة، مش هتعرف تعمل اللي كانت بتعمله لينا الأول وتخلص 4 أبحاث في أقل من اسبوعين وتنقل لينا كلنا المحاضرات أكيد مش هتقدر يا جماعة.
ضحكت نهلة وقالت: لا ياختي هتقدر اومال وعد مسمياها آله كاتبه ليه؟ وبعدين أومال هتبقى وسط شلتنا ببلاش مثلًا؟ لازم تخدمنا يا ماما.
ضحكت وعد وضافت على كلامها: 
ـ بس أي رأيكم اللي عملناه فيها السنة اللي فاتت؟ البت أتشرددت في الجامعة كلها، وكلهم عرفوا أنها مريضة كانسر يا حرام.
وبفخر قالت نهلة:
ـ  بس متنسوش أن ده كله كان في مصلحتنا. 
سألت جميلة بأهتمام: 
ـ صحيح هو أنتوا  ليه قولتوا للدفعة كلها عن مرض ليل؟ 
ابتسمت نهلة وبدأت توضح:
ـ  عشان ببساطة تشوف نظرة الشفقة في عين الناس اللي حواليها، وكمان عشان تكسب عطف المُعيدين لو احتاجناها تقول لحد فيهم أن البحث أتأخر مثلًا وقتها هيكون مرضها مساعد أن الدكاترة تسكت ومتتكلمش، وحاجات كتير من دي.
خلصت كلامها والكل حياها على تفكرها، وأنا...وأنا وقفت متسمّره في مكاني..مكنتش عرفه المفروض أعمل أيه، مكنتش عرفه مين دول؟ هما دول بجد صحابي؟ دول اللي أنا بمشي معاهم؟ هي دي وعد اللي كنت بقول عليها أختى؟ كان كل اللي في دماغي هما ليه بيعملوا كده؟ أيه اللي ممكن يخلي ناس بالحقاره دي كلها؟ قربت منهم بهدوء وظهرت قدامهم، لأني كنت وقفه شبه مستخبيه عشان أسمع حقارتهم، قربت منهم وظهرت قدامهم وبهدوء قولت...
يتبع...
ـ أيوا أنا الست وأنا اللي كلمتي بتمشي في البيت. 
ـ وجوزك؟ 
ـ ماله؟ 
ضحكت! وبستهزأ قالت: 
ـ لو أنتِ اللي مماشيّة البيت؛ كده بقى كيس جوافة مش جوزك خالص! 
الحقيقة أني متعصبتش، بالعكس، ضحكت وقولتلها: 
ـ لا هو رجل وكل حاجة، لكن أنا اللي بمشّي البيت عادي يعني. 
أتدخلت وحدة صاحبتنا في الكلام وقالت بكل ثقة وجديّة! 
ـ جماعة من الأخر كده، نور شخصيتها قوية، ويوسف شخصيته ضعيفة، هي بتحب تقود البيت وهو معندوش مشكلة في ده، يبقى سو؛ أحنا مالنا؟ 
كلامها صح، أنا كأنثى شخصيتي قوية، مبحبش حد يفرض عليا رأيه، بحب رأيي أنا اللي يمشي ويتنفذ، هو زوجي؟ آه لكن من حقي يكون ليا رأي وقرار بعيد عنه. 
ـ أنا مش هودّي البنت الحضانة وهي لسه مكملتش 3 سنين! 
ـ وأنا عايزة أوديها! أنا الي بتعب معاها طول النهار مش أنت! 
قرب خطوة، وبعصبية وإنفعال قال: 
ـ وأنا قولت مفيش حضانات للبنت، وخلص الكلام. 
ـ تمام يا يوسف. 
عايز يمشي كلمته وخلاص، بدون فهم وبدون مبررات، مجرد أنه سمع من حد أن بلاش حضانة في السن ده يبقى مفيش حضانة، لكن أنا عايزة أيه؟ طظ مش مهم، والحقيقة أن الأسلوب ده ميمشيش معايا. 
ـ فين الغدا؟ 
ـ معملتش، أطلب أكل لو عايز. 
أتعصب، وقف بغضب وقال: 
ـ هو أحنا هنفضل في الحال ده كتير؟ 
وبنفس عصبيته وقفت وقولت: 
ـ واللهِ البنت هادّة حيلي طول النهار، أعملك أيه؟ أقطع نفسي عشان أعجِب؟ 
وبغيظ وقلّة حيلة قال:
ـ ماشي يا نور. 
بعرف أخد أحقي؟ بعرف وبجدارة، مش موافق على طلبي؛ يبقى أخليه يوافق بطريقتي. 
ـ نور أنتِ هتفضلي قالبة وشّك عليا كده كتير؟ 
كان جاي يتكلم معايا بهدوء، وبنفس تكشيرة الوش اللي مصدراها بقالي أسبوع قولتله: 
ـ لا دي طبيعة وشّي، أتعود عليها، أصل طول ما أنا تعبانة وحيلي مهدود مش هعرف أضحك وأهزر وأخد بالي من البيت وبيك، الواحد عشان يهتم بنفسه لازم يكون رايق، هروق أزاي وأنا بجري وراه البنت وبزعق كل خمس دقايق؟ 
وبحنان، وبتراجع عن حدته وإصراره قال: 
ـ يعني هي مشكلتك مع البنت؟ 
لفّيت وشّي له بهدوء وقولت: 
ـ آه. 
قرب مِني، وبهدوء قال: 
ـ خلاص أنا موافق البنت نوديها الحضانة. 
كسبت؟ أيوا، بعرف أخد منه اللي أنا عايزاه وبطريقتي، جايز الناس بتقول عليا أنا واللي زيي أننا ممشيّن جوازتنا!  ولكن ميهمنيش الناس بتقول أيه، المهم أني مرتاحة. 
ـ طب وجوزك؟ تفتكري هو مبسوط بالأحساس ده؟ مفكرتيش في شكله قدام الناس؟ 
أتخضيت! كنت بسرح شعري في المرايا وبدون مقدمات  لقيتحد شبهي بالظبط ظهرلي! لا وكمان بيكلمني! 
ـ ماله جوزي؟ وأنتِ مين؟ 
ـ مش مهم أنا مين، المهم أني جاية اسألك سؤال محدد، جوزك، مش بتفكري في جوزك وأحساسه؟ 
حسيت بصداع، مش فاهمة هي بتقول أيه، مسكت دماغي وبتوهان سألت: 
ـ أيه؟ 
ـ مش متخيلة هو بيحِس بأيه صح؟ ولا حتى عارفه هو بيتعرض لأيه بسببك، بس أنا هوريكِ. 
وفي لحظة كانت بتظهر دوامة، دوامة ظهرت في المرايا وكأنها بتسحبني معاها، وفعلًا سحبتني معاها! 
                        *******************
ـ أومال فين مراتك؟ 
ـ مجتش، تعبانة شوية. 
وكأن بجملتي دي أديتهم التصريح بالإنفجار! 
أبويا قرب مني، وبكل عصبية وغضب قال: 
ـ أنت أيه يا أخي، مفيش كلام بيجيب معاك فايدة أبدًا، هتفضل دايمًا ست هي اللي ممشياك! فرح ابن عمك مراتك متجيش فيه ومتعرفش تحكم عليها تيجي! يا شيخ يا خسارة تربيتي فيك، يا خسارة. 
الكلام اللي بسمعه دايمًا، الكلام اللي بيوجعني في كل مرة بسمعه وكأنه جديد على وداني، مع إنه... مع إنه بقى حاجة بسمعها بستمرار بسببها! 
ـ أوعى يا راضي تكون دلدول لمراتك زي أخوك، أنا عايزك رجل في بيتك وكلمتك هي الأولى والأخيرة. 
جملة سمعتها بالقصد من أبويا! بيوصي أخويا الصغير ميكنش زيي! دايمًا كنت بسمع كلامهم وأنا متكتف، مش بيكون في أيدي حاجة، أنا شخصيتي ضعيفة، وهي شخصيتها قوية، دايمًا بسأل نفسي أيه الحل في وضعنا ده؟ وفي كل مرة كنت مش بوصل لأي شيء! 
ـ نور أنا عزمت أهلى على الغدا، عايزك تعملي عزومة تشرفيني بيها. 
وعكس ما كنت متخيل! لقتها أتعصبت، وبكل غضب قالت: 
ـ عزمتهم منغير ما تقولي؟ ده اسمه أيه ده؟ افرض مش فاضية ولا تعبانة يعني! 
وبهدوء رديت عليها وقولت:
ـ قولت أكيد مش هتعترضي يا نور! 
خدت نفسها وقعدت تاني، رفعت وشّها ليا وقالت: 
ـ خلاص محصلش حاجة، بس معلش أنا مش هقدر بكرا أعملهم غدا، ممكن نبقى نجيب أكل من برا. 
ـ طب ما تعملي أنتِ! 
ـ لا مش قادرة، وبعدين أنت اللي اتصرفت من دماغك، أستحمل بقى. 
عديت الموقف، مش عايز أتكسف مع أهلي، وعشان كده سكتت! 
ـ أنت الأكل ده كله جايبة من برا يا يوسف؟
كان ده سؤال ماما، ابتسمت وبتوتر قولت:
ـ كله عشانكم يا ست الكل، كلي بالهنا والشفا. 
ـ وأنتِ يختي مطبختيش ليه؟ ولا عشان العزومة مش على هواكِ تفلسي الواد؟ 
أتحرجِت، مسكت الأكل وحطته قدام أمي وقالت: 
ـ لأ طبعًا يا طنط، أنا بس كنت تعبانة شوية ومقدرتش أقف المطبخ. 
ـ تعبانة! طيب. 
خلصوا أكل، واليوم عدى أو أنا اللي أفتكرته أنه عدى على خير؛ لكنه مكنش لسه عدّى! 
ـ يا بني حرام عليك اللي بتعمله ده. 
ـ في أيه بس يا بابا؟ 
ـ في أني عايزك تكون رجل في بيتك، مش رجل شكلًا بس! 
قال الكلمتين بتوعه وسبني ومِشي، هما ليه كلهم شايفني كده؟ مع... مع أني كنت فاكر أن محدش يعرف! أنا كنت بضحك على نفسي وبقول أكيد محدش واخد باله أني مراتي هي اللي ممشياني! زي ما بقيت بسمع منهم! 
                        *******************
شوفتي جوزك بيحِس بأيه بسببك؟ 
رجعت تاني البيت، كل اللي فات هي اللي ورتهولي! كانت مواقف عدت من فترة ولكن هي ورتهالي من قريب! من قريب أوي! مكنتش متخيلة إن يوسف بيسمع الكلام ده بجد! ولكن ثواني، إذا كنت أنا بسمع الكلام ده من صحابي البنات، هل هو مش بيسمعه! 
حاسه أني دماغي ملخبطة، فيها صراع مش عرافه أنهيه! 
ومرة وحدة لقيت نفسي بقف وبزعق في اللي ظهرتلي في المرايا بدون وعي. 
ـ بقولك أبعدي عني، أنتِ مين وعايزة مني أيه؟؟ 
مرتدش عليا، كل اللي عملته إنها أختفت! أختفت وأنا مش فاهمة مين دي وعايزة مني أيه!
ـ نور. 
ـ نعم؟ 
ـ عايز أتكلم معاكِ. 
كان جاي من الشغل وشكله غريب، متلخبط ومتوتر! وأنا كنت تعبانة ومش قادرة لأي مناقشة بعد اللي حصلي! وعشان كده قولت: 
ـ أنا تعبانة ومحتاجة أنام يا يوسف. 
وقبل ما أتحرك لقيت أيده بتمسكني بعنف وبيقول بغضب جديد عليه! 
ـ وأنا عايز أتكلم قولت. 
خدت نفس وهديت، سحبت أيدي من أيده وقعدت على السرير وقولت: 
ـ أتفضل قول. 
أتحرك كام خطوة، وقف قدامي وقال: 
ـ أنا مش هقبل أني أكون جوز الست تاني يا نور، لازم يكون في حل. 
كنت محاوطة راسي بأيدي وبسمعه، رفعت راسي ببطئ وسألت بعدم فهم: 
ـ يعني أيه؟ 
حط أيده في جيبه، ثبت عينه عليا وقال بنفعال: 
ـ يعني أنا زهقت يا نور من اللي بسمعه كل يوم بسببك، ويأما نحط حل، يأما.... 
سكت! وأنا وقفت قصاده، وببطئ سألته وأنا بحاول أستوعب هو عايز يقول أيه: 
ـ يأما أيه يا يوسف؟ 
ـ يأما هنتطلق يا نور. 
الدنيا لفّت بيا، وبعصبية وإنفعال كنت بصرخ في وشه وبقول: 
ـ..... 
يتبع....
- كل ده شايلينه في قلوبكم؟!
كلهم أتخضوا، كانوا بيبصوا لبعض بدون كلام، واللي اتكلم فيهم كانت وعد، بدلت نظراتها ما بينها هي ونهلة وقالت بنبرة مُرتبكة مهزوزة:
ـ هو.. هو أنتِ سمعتي أيه؟
قربت خطوة، وبسخرية رديت عليها وقولت: 
ـ سمعت كل اللي أتقال..ها أيه تبريرك يا صاحبتي؟
بصِت لنهلة وجميلة ومعرفتش ترد، وقبل ما تحاول ترد كانت نهلة هي اللي بترد ببرود غريب وقالت: 
ـ أيوا فيها أيه يعني أنك عرفتي؟ هو انتِ عرفتي حاجه غلط؟ دي الحقيقة عادي يعني.
مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده، وبكل أنهيآر وقهر وقلة حيلة،كنت بصرخ فيهم: 
ـ ليه؟ ليه كل ده؟ أنا عملتلكم أيه؟ ده... ده أنا كنت بقول عليكوا صحابي! 
نقلت نظراتي لوعد وكملت بقهر:
ـ وأنتِ ياوعد، ده أنا كنت بعتبرك اختي! تطلعي زيهم! 
بصيت ليهم كلهم وكملت: 
ـ ده أنا كنت بتسحمل تريقتكم عليا وضحككم عليا، وكل مرا كنتوا بتكسفوني فيها قدام الناس، كنت بستحمل كل القرف اللي بتعملوا فيا عشان كنت بقول صحابي وهو ده هزارهم! لا لااا صحابي إكيد مكنوش قصدهم.
خلصت كل كلامي، ووقفت أتنفس بعنف، كنت متخيله أنهم هيتكسفوا يردوا عليا وإن مش هيكون ليهم عين يبصوا في عيني حتى! بس..بس طلع كل دي خيالات في عقلي أنا بس، أستنوا لحد ما خلصت كلام وكانت أول وحده ترد هي نهلة لما قالت: 
- خلصتِ الفلم ده؟ واضح أنك صدقتِ نفسك أووي وعيشتِ الدور كمان، فوقي يا ماما أنتِ...
قطعتها وعد بإيديها وكملت هي وبتقرب مني كام خطوة وقالت: 
ـ وبعدين أيه كنت بعتبركم صحابي؟ وأنتِ اختي! وأنتِ مش عارف أيه! ده على أساس أنك كنتِ لاقيه غيرنا يعني! أنتِ كنتِ وسطينا وأنتِ عرفه أن محدش طايقك، أنتِ كنتِ معانا عشان متكونيش لوحدك يا ليل، وكنتِ عرفه أن ضريبة ماشيك معانا هو أنك بتخلصلنا مصالحنا، فوقي لنفسك وحيات أبوكِ وبلاش الدور اللي أنتِ عايشه في ده. 
منغير ما أحس كانت أيدي بتنزل على خَدّ وعد، ضربتها بالقلم بكل قهر وخذلان، بس اللي حصل بعد كده أن القلم  أترد ليّا في وقتها واحد وأتنين وتلاتة، هجموا عليا في نفس اللحظة وطبعًا أنا جمبهم كنت ولا حاجة، وبعد اللي حصل كلهم خدوا فصل أسبوعين لأن الخناقة كانت في كافتريا الجامعة، وبعد  اللي حصل ده رجعت لنقطة الصفر من تاني، قفلت على نفسي شهر كامل، ولا بخرج ولا بشوف حد، بس خلال الشهر كله كانت جملة فريدة بتتردد في ودني باستمرار(أمتى هتكوني قوية؟ أمتى هتواجهي المجتمع والعالم؟ أمتى هتقومي على رجلك وتجيبي حقك من أي حد أذاكِ؟ لحد أمتى هتفضلي كده؟ عرفه..أنتِ هتفضلي طول عمرك كده، سلبية وضعيفة، هتفضلي طول عمرك القطة المكسورة اللي مستنيه أي حد يجي عشان يلعب في حياتها زي ما هو عايز، عمرك ما هتتغيري يا ليل، يا خسارة )  وكانت جملتها دي هي سر تغيري الجذري، خدت قرار مع نفسي أني هتغير، وليل الضعيفة هدفنها وهكون حد جديد، حد لي رأي وشخصية، شخص عنده ثقة في نفسه، ومؤمن بذاته. 
وكانت أول خطوة في خطتي هي أني أروح لدكتور نفسي عشان يساعدني ألملم بقايا نفسي، دكتور أيهاب كان نعمة الصديق حقيقي، فضل معايا لحد ما فوقت لنفسي، وجلساته معايا فرقت جامد، وأقترح عليا أني أنزل چيم وألعب لعبة من العاب القتال، وفعلًا نزلت ولعبت كراتية ولقيت نفسي فيها جدًا، وبعد 3شهور كنت أتغيرت 180°  شكليًا ونفسيًا.
رجعت الكلية على أمتحانات الترم الأول وأمتحنت بكل هدوء كنت لسه مخلصتش علاجي، وبعد مرحلة العلاج ما خلصت كنت رجعت على الكلية بقى في الترم التاني، وكنت بدأت أمارس حياتي طبيعي من جديد ، طبعًا مش محتاجة أقولك أن الكل أتصدم، آه صحيح بس مكنتش زي دلوقت كنت أتغيرت في المعامله لكل شكلي مكنتش وصلت لسه للجسم ده، المهم أنهم كلهم كانوا مستغربين طريقة ردي وطريقة كلامي، ووقتها فكرة أن نهلة جت وحبت أنها ترخم عليا عشان تشوف ردي عليها هيكون أيه، والحقيقة أن الرخامة اللي كانت جايه ترخمها عليا قلبت بخناقة، وطبعًا مش محتاجة أقولك أن الخناقة دي أنا اللي عملتها قصد عشان الموضوع يكبر وأعرف أضربها.
ضحكت وكملت له سرد الحكاية:
ـ وفعلًا الخناقة كبرت وجت فرصتي، خدت حقي منها وقتها وهي مكنتش قدرة ترفع أيدها توقفني حتى، بس المشكلة أن الحوار ده قفل على أني كنت هترفد، لولا بابا جيه وكلم العميد وخلصنا الموضوع على حرماني من دخول مادة، مفرقليش والترم عدى، السنة كلها قصدي، وطلعنا السنة الجديدة ومحصلش فيه غير أول شدّ بنا، ودَ كان بسبب أني كنت عايزة أوريهم نفسي وشكلي بعد ما جسمي أتظبط وبقيت أحلى منهم، وفعلا قد كان، وهي اللي جرت شكلي وقتها مش أنا والله، ومن نيتها السودا هي اللي خدت فصل أسبوعين وقتها.
ضحكت وكملت: 
ـ وبسبب الفصل شالت المادة بتاعتك.
NORA SAAD
                         ****************
"عوده للواقع" في مركز الدكتور أسامة عبد الغني.
شلت الكالونا من أيده وأنا ببتسم وبقول: 
ـ وبس يا سيدي، هي دي حكايتي كلها.
ابتسم، وزي ما يكون أفتكر حاجة؛ فقال بسرعة:
- طب آسر؟  آسر جالك من كام شهر، يوم أول جلسه ليا،  ولما أتكلم قال خطيبك، إنه كان خطيبك يعني هو  تواصل معاكِ تاني بعد ما سبتوا بعض؟ 
قعدت قدامه واتنهدت وبدأت أوضح له:
ـ  لا يا سيدي، أنا مشوفتش وشه أصلًا من يوم ما سبته، بس نسيت أقولك أن ربنا كبير أووي يا عمار، واللي عملوا معايا أتردله بالحرف...بس في أخته.
عقد حواجبه وسأل بعدم فهم واضح على ملامحه:
ـ  أزاي يعني مش فاهم!
- هقولك.
                         ****************
"قبل شهرين، في غرفة جلسات الكيماوي"
كانت سارة طلبت مني أني أحضر معاها الجلسات، وبنائًا على طلبها كنت بحضر معاها، وفي مرة كنت قاعدة معاها وبنتكلم عادي سوا، لقتها بدون أي مقدمات سكتت وبصيت ليا كتير وبعدين قالت: 
- تعرفي يا نور أن ربنا أنتقم لك من آسر. 
لما جابت سيرته جسمي كله أترعش، وبنبرة ثابته عكس اللي حصل جوايا لما سمعت أسمه قولت لها:
ـ  آسر ميهمنيش دلوقت عشان أكون عايزة أعرف عنه حاجة.
ابتسمت وكملت كلامها:
ـ أنا عرفت آسر سابك ليه، وعرفت كمان الكلام اللي قاله ليكِ، وعرفت أنه كسر قلبك ومسّ كرامتك، عرفت وملومتش عليه حتى، متكلمتش وقتها، ماما شجعته وحَيّته على اللي عمله وأنا سكتت، مزعقتش فيه، ولا أعترض على اللي حصل، كل اللي عملته أني سكتت. 
سكتت لثواني ومسحت دموعها وأنا مع كلامها المشهد أتعاد قدامي من جديد، ودموعي عرفت طرقها، مسحت دموعي أنا كمان ووقفت بسرعة وقولت: 
ـ سارة الكلام ده مل...
مسكت أيدي ومنعتني أني أتحرك؛ فسكتت ووقفت مكاني، بصيت ليا من بين دموعها وقالت:
ـ أقعدي وسبيني ٱكمل. 
قعدت فعلًا وسبتها تكمل بدموعها اللي كانت مغرقه وشها، وهي كملت:
ـ موضوعك خلص، والأيام عَدت، وكلنا نسيناكِ، بس ربنا منساش، ربنا مش بينسى حق حد يا ليل، من كام شهر تعبت أووي، وكشفت وعملت تحاليل عشان أعرف مالي، وأكتشفت أني عندي سرطان، الدنيا كلها وقفت بيا، حسيت أني في كابوس، الخبر نزل علينا زي القنبلة، كلنا أفتكرناكِ وأفتكرنا اللي حصل فيكِ بسبب آسر، وكنت.. كنت مستنيه من جوزي أنه يقف جمبي، كنت مستنياه يقولي أنا جمبك أنا مش هسيبك، أنا هفضل معاكِ لحد ما نعدي الأزمه دي، بس....بس كل ده محصلش، اللي حصل أنه قالي(أنا مش هقدر أستحمل يا سارة، مش هقدر أستحمل اني مكونش أب، أنتِ لما يدخل فيكِ السم ده مش هتقدري تخلفي، وأنا مفيش حاجة تجبرني أني أقبل بالموضع ده، ومش هقدر أشوفك وأنتِ شعرك وحواجبك بيقعوا، مش هقدر أشوفك وأنتِ بتموتي بالبطيء أنا...أنا آسف بس أنتِ طالق.)
شهقاتها عِليت، وأنا دموعي مبقتش قادرة أسيطر عليها، لكن هي كملت من بين شهقاتها وقالت:
ـ طلقني..طلقني وقالي نفس الكلمتين اللي آسر كسرلك بيهم قلبك، بس...بس أنتِ ربنا كان بيحبك، ربنا بينلك آسر قبل ما تتجوزيه، قبل ما تبني حياتك معاه، ربنا جبلك حقك منه يا ليل.
                         ****************
NORA SAAD
"عودة مرة أخرى للواقع"
ابتسمت وأنا بمسح دموعي وقولت:
ـ  بس هي دي حكايتي يا سيدي.
ابتسم وقال بمرح عشان يخفف الجو شوية:
ـ يااه يا جدع، كل ده وجع، بس تعرفي أن كل اللي حصل ده كويس.
عقدت حواجبي وأنا بمسح دموعي وسألت:
ـ ليه بقى؟
رَبع أيده وقال: 
ـ أصل بسبب اللي حصلك بسبب خناقة نهلة وشلتها أنتِ مدخلتيش الأمتحانات،  يعني لولا اللي هما عملوه مكنش زمانك دلوقت عيدِي السنة ولا كان زماني أنا اللي كنت بدرسلك في دفعتك الجديدة وشوفتك، تاني حاجة، لو آسر كان مبنش على حققته معاكِ كان زماني أنا مُنتحر أساسًا، لأني كنت هشوفك وأنتِ مع حد غيري، بصي هو أنا كنت هكون مُنتحر أو عامل جريمة أيهما أقرب مش عارف.
خلص كلامه وأنفرجنا مع بعض في الضحك، ومن بين ضحكي قولت له: 
ـ أي داااا أي داااا؟! أنت بتعاكسني ولا أيه؟
رقصلي حواجبه بطريقة مُضحكة وقال بمشاكسته اللي أتعودت عليها: 
ـ الصراحة آه يا حلو أنت يا حلو.
ضحكت على شكله وضربته على كتفه وأنا بقول:
ـ طب أتلم بقى.
-وكمان بتضربني يا ببلاوي؟
وقفت وأنا بمسك الملف اللي كان معايا وقولت له:  
ـبقولك أيه يلاا هش من هنا، الجلسة خلصت من ساعة.
- اي ده هي خلصت ليه بسرعة المرة دي؟
رفعت حاجبي وقولت بتعجب من تصرفاته اللي تقريبًا هتشلني: 
ـ أنا أول مرة أشوف حد يا أخي عايز جلسه الكيمو متخلصش، ده أنت أنسان غريب جدًا.
ابتسم وبصدق باين في كلماته قال:
ـ  أصل الصراحة أنا الفترة اللي فاتت دي كلها كنت بستنى الجلسات عشان الوقت اللي بقضيه معاكِ. 
اتكسفت ومعرفتش أرد بأيه؛ فقولت: 
- طب يلا ياض من هنا، وأصلًا فاضل جلسة وحده ومشوفش وشك تاني.
-ياض! أنتِ بتصحي جعفر اللي جواكِ في أوقات غير مناسبة على فكرة.
وقفت وراه وزقيته من ضهره ناحية الباب وأنا بضحك وبقول له:
- براا قولت.
كان بيحاول ميمشيش معايا هو وبيقول: 
- أنتِ بتعمل في العيانين بتوعك كده ليه يا جدع؟
ضحكت وكملت زَقّ فيه أنا وبقول: 
- برا قولت.
وصل للباب بعد زقّيه فيه وقال:
ـ خلاص برا برا الله، باي يا لولي.
قفلت الباب ببطيء وأنا ببتسم وبهمس:
ـ باي ياللي مخلبني! 
                         ****************
أما في مكان أخر، بعيدًا كل البعد عن ليل وحياتها.
"في نادي في الزمالك."
-أنت بتكلم مين يابني؟
كان سؤال من حازم صاحب أياد، رفع أياد عينه من على الفون ورد ببساطة: 
ـ دي وعد.
- وعد!  أنت مش مرتبط بنهلة؟
ضحك بصوته كله، وبسخرية قال: 
ـ مرتبط بِمين! يعني أنا يوم ما أرتبط هرتبط بِدي!
- يعني أنت مرتبط بِوعد؟
ضحك من تاني وقال:
ـ هل أنت مفهمتش الجملة الأولى طيب؟ وأنا أرتبط بالاشكال دي ليه؟ أنا بتسلى عادي يعني. 
وبعصبية خفيفة رد عليه حازم وقال: 
ـ بتتسلى بالأتنين في نفس الوقت!  لا والأتنين صحاب!  أنت عبيط يااض. 
المرة دي ضحك بصوت أعلى لدرجة أن عينه دمعت من كتر الضحك، حاول يسيطر على نفسه وقال:
ـ أنت غلبان أووي يا زومي والله، قال صحاب قال! دي نهلة بتقولي أوسـ ـخ كلام على وعد، ووعد نفس الحوار على نهلة، دول أتنين مبيجمعهمش غير المصلحة يسطا، وحقيقي الموضوع طلع لذيذ أوي.
- بقولك أيه مش عليا يا أياد، وبعدين أنت مالك ومال حوارات البنات دي، أخلص كده وقولي أيه اللي في دماغك.
ابتسم أياد على صديقه اللي يعتبر حافظه أكتر من نفسه، وقال:
ـ لا صايع ياض، بس الموضوع كله أني عايز اعلم ست نهلة درس مهم أووي، وتقدر تقول أني بدفعها تمن حاجة هي عملتها زمان، وبالنسبة لوعد فبرضه هفهمها درس صغير كده.
- ليه؟ نهلة عملت أيه بالظبط؟ ودروس أيه دي ياعم الأستاذ.
-هقولك؛ وعد بتحبني من سنة أولى، ولما راحت قالت لـ نهلة أنها بتحبني قالتلها بتحبي مين أياد؟ ده عيل، وفاشل، وبيلعب بالبنات، وصايع، وي وي وي، بس فَ أنا بقى حبيت أدي لنهلة درس حلو اوي، فضلت وراها لحد ما هي اللي وقعت في حبي، وهي اللي جريت ورايا عشان بس تكلمني، وأهو أديني بتسلى.
-يعني عايز تفهمني أن وعد جت قالتلك الحق دي صاحبتي بتقول عليك كذا وكذا.. أحنا هنهزر!
ضحك وقال بتوضيح: 
ـ لا يا عم، هقولك اللي حصل.
                         ****************
"بيحكي أيام وبيقول:  كنا في مطعم في وسط البلد، وتقريبًا ده اليوم اللي وعد أعترفتلي فيه بحبها ليا" 
-طب مدام أنتِ  بتحبيني كده ليه مقولتيش من زمان يا وعد؟ ليه فضلتي مخبيه كل الفترة دي؟
أرتبكت، وكانت بتفرُك في أيديها بقلق، مدِت أيدي ومسكت أيديها بحنان عشان أطمنها أكتر، ابتسمت بلُطف وقولت:
ـ قولي متتكسفيش.
حضَنت أيدي أكتر، وببتسامة هادية قالت:
ـ أصل يعني لما قولت لنهلة صاحبتي قالت أن.. بص خلااص خلاص، مش مهم اللي حصل، المهم أننا مع بعض.
خلصت كلامها وهي بتبتسم، أما أنا فكان لازم أكشّر وأخد موقف عشان أعرف هي عايزة تقول أيه، وقد كان فعلًا
ـ قولي يا وعد قالتلك أيه نهلة؟ 
أرتبكت أكتر بسبب ملامحي وقالت: 
ـ بجد مش لازم. 
وبتصميم أكتر قولت: 
ـ لا لازم، وإلا هعتبرك أنك لسه مش واثقه فيا، وجايز تكوني خايفه تقولي هي قالتلك أيه ليكون هي عندها حق، صح يا وعد؟ 
خلصت كلامي ووقفت في أستعداد إني أمشي، وهي وقفت بسرعة وبنفي لكل كلامي قالت:
ـ لا لا والله، الحكاية مش حكاية ثقه، الموضوع كله أني مش عايزاك تضايق والله. 
خلصت كلامها وهي بتبص في الأرض ومقيده دموعها، أما أنا؛ فقعد من تاني وأنا باخد نفسي وبمسك أيديها في أشارة مِني أنها تقعد من جديد وتهدى، حضنت أيديها وبنبرة حنونة قولت لها: 
ـ وأنا عمري ما هتضايق، أنا بس عايز أعرف هي قالت أيه.
رفعت وشها ومسحت دموعها وقالت: 
ـ قالتلي أنها عرفاك وأنك.....
حكتلي وقتها كل حاجة، ورغم أني كنت متعصب من كل كلمة بسمعها ولكني كنت لازم أصدر وش الامبالاة،  وعشان كده مش إنتهاءها ضحكت وقولت:
ـ بقى هو ده اللي خايفه تقوليه؟ باين أووي يا حببتي أنها غيرانه منك ومكنتش عايزاكِ ترتبطي بالشخص اللي حبيتي، وبعدين مكنش لازم تصدقي أي حاجة تتقال لك كده وخلاص.
صدقتني، وكلامي ريحها وخلاها تهدى خالص، وفي أخر كلامها قالت:
ـ عندك حق، المهم أننا مع بعض دلوقت.
                         ****************
"عودة"
خلص سرد المشهد ودخل في نوبه من الضحك هو حازم.
لكن حازم كان بيسمعه هو وبيضحك وبعدين قال:
ـ يالله، وروحت لفيت على التانية وخلتها تحبك!
رد عليه أياد من بين ضحكاته: 
ـ دي هي اللي جت أعترفتلي بحبها وقالتي أرجوك بليز تعالى نرتبط.
عِليت ضحكاتهم أكتر، وبعد فترة من الضحك سأل حازم: 
ـ طب وعد أي ذنبها؟ وأنت ناوي تعمل أيه؟
مسك كوباية العصير ورجع ضهره لورا وقال بهدوء: 
ـ بصراحة عايز أعلمها أزاي تنقي صحابها بعد كده، بس نهلة هي اللي محتاج أشربها الدرس وحده وحده.
ضحك حازم على كلامه وقال: 
ـ طب أي رأيك يسطا تشتغل في مدسة وتريحنا، عشان تطلع مواهبك كلها.
                         ****************
NORA SAAD
                                    "هي"
عدى أسبوعين منغير أحداث جديدة، بس النهاردة بجد يوم مهم، النهاردة أخر جلسة لعمار، بالرغم أني زعلانه أني مش هشوفه تاني بإستمرار، وأني مش هتكلم معاه تاني زي ما أتعودت الفترة اللي فاتت ولكن... ولكني فرحانة من قلبي أنه أخيرًا خلِص من السم الي كان بيدخل جسمه، وبإذن الله نتيحة التحاليل تقول أنه أتعافى، بما أن مؤشراته كلها بتقول أنه أتعافى فعلًا. 
-يلاا كفارة يسطا، بكرا تجيلي عشان نعمل التحاليل.
كان مُرتبك، طول الجلسة كان ساكت ومش بيتكلم زي عادته، وقف قصادي وقال:
ـ  طب هو يعني بصي هقولك.  
رفعت حاجبي بستغراب من توتره في الكلام وسألته: 
ـ أنجز عايز تقول أيه؟
غمض عينه وخَدت نَفَس وقال:
ـ أنا بجدد طلبي تاني يا ليل، وعايز اتجوزك.
فتح عينه اللي كان قافلها وسأل برجاء ظاهر بوضوح في عينه: 
ـ ها موافقة؟
يتبع...
ـ أنجز عايز تقول أيه؟
غمض عينه وخَدت نفس وقال:
ـ  أنا بجدد طلبي تاني يا ليل، وعايز اتجوزك.
فتح عينه اللي كان قافلها وسأل برجاء ظاهر في عينه:
ـ ها موافقة؟
بصيت على ملامحه، استغربت من نظرة الرجاء اللي لمحتها في عيونه، هو بجد لسه عايز يتجوزني؟ بعد ما عرف كَم الكلاكيع اللي جوايا لسه برضه عايزني أكون شريكة حياته! مسبتش نفسي لدماغي كتير لأني أندفعت بسرعة وسألته بدون تفكير:
ـ خو أنت فعلًا لسه عايز تتجوزني؟ بعد ما عرفت كل اللي حصلي في حياتي؟ أنت واعي للي بتقولوا يابني؟!
قرب خطوتين، ابتسم وقال: 
ـ ايوا يا ليل، عشان ببساطة بحبك، مفيش حد بيختار الشخص اللي هيحبه، ومفيش حد بيعرف يوقف قلبه أنه يدق لحد، ومحدش برضه يسيب اللي قلبه دق له بالسهوله دي! أنا أتعلمت أني لازم أتبت في اللي قلبي أختاره بأيدي وسناني، وأنا مش هسيبك، عشان مش عايز أخسرك.
بعِد خطوتين وقولت وأنا حاسه أن قلبي هينط من مكانه: 
ـ بس مفيش أي دافع يخليك تتمسك بالحب ده! أنت الخسران الأكبر في العلاقة دي. 
قرب الخطوة اللي بعِدها وقال وهو على وشه نفس الأبتسامة: 
ـ وأنا موافق أكون خسران في سبيل أني هكون معاكِ. 
المرة دي أنا اللي قربت خطوة وقولت:
ـ  هتقبَل وتستحمل أنك متكونش أب؟ وخلي بالك ده أحتمال بنسبة 75٪ يعني مش أي كلام. 
قرب خطوة كمان وبثقه قال: 
ـ هو مش في 25% أمل؟ أنتِ معقدة الدنيا ليه؟وبعدين حتى ولو مفيش أمل خالص موافق برضه.
أتنفست بعنف وبعِد خطوة تانية وقولت: 
ـ يعني... يعني مش هيجي يوم وتندم فيه على قرارك ده؟
قرب الخطوة اللي أنا بعِدها وهمس بنبرة دافية:
ـ  يعني أنا بدعي كل يوم أنك تكون من نصيبي، وأنتِ تقوليلي أندم! أيعقل فعلًا؟!
ابتسامتي عرفت طرقها لشفايفي، وبملامح بترقص من الفرحة قولت: 
ـ لا إذا كان كده يبقى سبني أفكر شوية.
ملامحه كلها أتبدلت، الفرحه بانت في عيونه، ملامحه كانت بترقص من الفرحة زي حالاتي ويمكن أكتر شوية! وبكل السعادة سألني وكأنه بيأكد المعلومة اللي وصلت لدماغه: 
ـ يعني أفرح؟ وأفرّح الحجة وأفرح الشارع معايا وأقولهم أنك وافقتي خلاص؟ 
ضحكت على شكله وعلى كلامه، ومن بين ضحكتي قولت له بمشاكسة: 
ـ وفرّح عم حسن الفراش كمان.
غمزت بعيوني وكملت بنبرة خبيثة هو فهمها كويس:
ـ عشان هو اللي هيعملنا الفرح.
ـ فوريرة، عن أذنك.
قال الكلتمتين وجري! كان طاير من الفرحة بطريقة غريبة، حقيقي عمري ما تخيلت أن حد يكون بيحبني بالدرجة دِ، بس..بس أنا كمان كنت مبسوطة، كنت حاسة بشعور غريب ولذيذ، كان..كان قلبي بيرقص مع كل كلمة حلوة بسمعها منه، أنا...أنا شكلي حبيته! أو...أو جايزحبيت وجوده! 
                         ****************
#NORA_SAAD
- يعني هنخرج ولا مش هنخرج؟
كانت ده سؤال عمار لليل، بعد خناق دام لنص ساعة بسبب أنه عايز يخرج مع ليل، وليل رافضه، وبنائًا عليه هو رفض يعمل التحاليل.
- عمار أنت ليه عيل؟
قَعدت قصادها بملل وقال: 
ـ هو كده.
وبستسلام قالت:
ـ  يووه، خلاص قوم هخرج.
ابتسم بأنتصار وبفخر قال وهو وبيقف قصادها: 
ـ ما كان من الأول بدل المناهده دي كلها، ها هعمل التحاليل فين؟ 
وبالفعل أتحركوا وراحوا عملوا كل التحاليل، وعمار أستأذن من والد ليل أنه هيخرج معاها، وبما أنهم أصدقاء وحسام والد ليل أتعرف على عمار في الفترة اللي فاتت، وافق.
-لا بقى كده كتير، أي اللي على عيني دي بني آدم أنت؟!
مسك أيدها وحطها وراه ضهرها من تاني عشان متشلش الشريط القماش اللي كان مغمي بيه عنيها وقال:
ـ يعني مدلعك، وعملك مفاجأة، وبرضه مش عاجب، يبنتي أرحميني بقى!
-يووه يعم أنجز هتخنق.
-هو أنا ملبسهالك في مناخيرك! دي على عينك ياما! وبس رغي بقى وأتنيلي واضي راسك، أيوا أنزلي براسك كده بدل ما تتخبطي، كمان.. كمان، هاتي أيدك، أقعدي...أيوا أقعدي.. بس وصلنا. 
خلص كلامه وكان بيسحب من على عنيها الشريطة، كانوا وصلوا لخيمة! خيمة كبيرة في مكان فاضي شوية كانت الخيمة كلها بلالين وصناديق هدايا، وما بين كل بالونة والتانية دبدوب ماسك شكولاتات.
- عمار! ده...ده يهبل! عملت كل ده أمتى؟!
كان قاعد قصادها في الخيمة ومرَبع رجله، ابتسم لما عرف أنه عرف يفرحها وسألها بسرعة: 
- عجبتك؟
-بقولك تهبل يا عمار تهبل بجد.
مسك أيديها وسحبها لبرا الخيمة، شاور على بوابة كبيرة ظاهرة ليهم من بعيد فيها أنوار كتير وقال: 
ـ حيث كده بقى فأستعدي لباقي المفاجأة.
-أووف، أحنا...أحنا في ملاهي!
-أي رأيك؟
سابت أيده بفرحة طفلة عندها سبع سنين وجريت على الألعاب، سابوا نفسهم لروحهم هي اللي تمشيهم، عملوا كل حاجة وأي حاجة جت على بالهم، والحقيقة أنهم كانوا محتاجين يوم زي ده، كانوا محتاجين يعيشوا يوم منغير تفكير أو قلق أو خوف، زينا بالظبط، كل واحد بيجي عليه فترة وبيفصل من كتر التعب والضغط، بيجي علينا وقت بنكون عايزين نتشحِن من أول وجديد، والشحن بتاعنا ده بيكون على شكل خروجه مُريحه، أو قاعدة مع صحابك اللي بتحبهم، أو تاخد سماعتك وتمشي في شارع هادي مع نفسك أنت والمزيكا اللي بتحبها، كل واحد بيشحِن نفسه بطريقته، المهم أنك تتشحن عشان تقدر تكمل.
-ها هتلعبي حاجة تاني؟
كانت ليل واقفة جمب عمار وبتبص على لعبة معينة، كانت حاسه أنها دايخه بس كانت بتكدب أحساسها، وبكل عِناد ومُعافرة في نفسها قالت:
ـ نلعب دي..أنا...أن ا.
-ليل!
بعد يوم كله ضحك ولعب وهزار كان لازم يحصل حاجة تقلب موازين اليوم، وفي أقل من ثانية كانت ليل فاقدت الوعي وأتنقلت على المستشفى كمان لأنهم فشلوا يفوقوها! 
-يشيخة حرام عليكِ، وقعتي قلبي.
أخيرًا فاقت بعد ساعة من الإغماء تقريبًا، مسكت راسها بتعب وبهمس سألت وهي بتدور بعنيها عليهم:
ـ هو..هو حصل أية؟
وبمشاكسة رد عليها عمار وقال:
ـ  مدام أنتِ مش قد اللعب بتلعبي ليه يا هانم؟ هاا بتلعبي ليه؟
اليوم عدى على خير، ومن بعدها كل حاجة أتشقلبت، كل حاجة بقت أحلى وأحسن، عمار كان أتعافى من المرض تمامًا، وليل نجحت وبقت في فرقة 3طب، وبعد زَنّ ومناقشات وخناقات، أخيرًا ليل وافقت وأتخطبت هي وعمار.
                         ****************
#NORA_SAAD
                                    "هي"
-مبدائيًا كده أنا مش عايزة أعرفك تاني.
بصيت على الباب اللي أتفتح بعصبية، وعلى ليلى اللي قالت الكلمتين بعصبية خفيفة وقعدت قصادي. 
سبت اللي في أيدي وقولت وأنا بتابعها بعيوني بحد مل قعدت: 
ـ يا فتاح يا عليم، في أيه يا بومة؟
-طبعًا بومة، ما أنتِ نستيني خالص، مبقتش في حساباتك خالص، كل حاجة دلوقت بقت عمار عمار، ليل..أنتِ أنتِ نستيني خالص!
وقفت لما حسيت أن الموضوع بجد مش هزار زي ما كنت فكرة، نقلت نفسي على الكرسي اللي كان قصادها، مسكت أيديها بهدوء وقولت لها:
ـ خلصتِ؟
أتنفست بعنف وهي بتحاول تسيطر على دموعها، بس..بس هي غبية، هي غبية عشان لسه بتحاول تداري ضعفها قدامي.
فتحت دراعاتي ليها وأنا ببتسم، ومنغير أي تفكير منها أترمت في حضني وسابت لنفسها حق الاستسلام، كنت بحسس على شعرها وبضمها لقلبي منغير ولا كلمة، أنا عرفه ومؤمنة جدًا أن في أوقات بتكون محتاجة لضمة، بتكون محتاج لحد يضُمك منغير ما يتكلم، سبتها لحد ما هديت خالص وبعدين سألتها بهدوء: 
- ممكن أعرف بقى في أيه؟
عنيها بدأت تلمع من جديد، حضنت أيديها بكف أيدي وهنا بس أتكلمِت وقالت: 
-في أنك بقيتي مطنشاني، من يوم ما اتخطبتي وأنا على الرف..أنا بحبك..وعايزاكِ تكوني مبسوطة والله...بس...بس أنا خايفة..خايفة لتسبيني، خايفة عمار ياخد مكاني..خايفة أرجع لوحدي يا ليل.
المرة دي أنا اللي بكيت..بكيت منغير ما أحس، هي أزاي تفكر كده؟ وقفت صوت تقكيري بسرعة لما قولتلها من بين دموعي:
ـ  عشان غبية، أنتِ غبية يا ليلى، أزاي فكرتِ في كده؟ أزاي عقلك صورلك أني ممكن أستغنى عنك؟ عمار أيه اللي هينسيني صاحبتي! أنتِ أهم وكل حاجة في حياتي يا ليلى، بتقولي خايفه تكوني لوحدك؟! ده...ده أنا اللي منغيرك فعلًا لوحدي، أنا مليش غيرك يا ليلى، الفترة اللي فاتت كنت مشغوله عشان الشغل كان كتير، مش عشان كنت مع عمار ليل نهار زي ما أنتِ فكرة.
- طب ليه لما حبيتِ تتكلمي أتتكلمتِ مع عمار مش معايا؟ وأنا أكتفيتِ أنك تسمعيني التسجيل.
حقيقي مكنتش مستوعبه هي بتقول أيه! موضوع التسجيل فات عليه أكتر من 3شهور! وبنفعال كنت بقولها: 
ـ تسجيل! تسجيل أيه يا ليلى؟! موضوع التسجيل ده بقاله 3شهور يا حببتي! وأنا جيت أديتك التسجيل وحكتلك كل حاجة عشان كنت عايزة أحكيلك، يعني متدكيش التسجيل وبس زي ما بتقولي!
سكتت لثواني، ضيقت عيني وأنا بحاول أفهم بسبب عصبيتها الغير مبرر وسألتها وأنا رافعة صوباعي قدام وشها بحدة:
ـ هو أنتِ أيه اللي فكرك بالحاجات دي دلوقت؟!
خلصت كلامي وأنا بزعق فيها، وهي اتخضت ورجعت لورا بضهرها، مسحت دموعها وقالت:
ـ أصل الصراحة كنت عايزة أعيط، ولقيت موضوع التسجيل ده جيه في دماغي وقعدت أعيط.
أي ده! بجد أيه اللي ربنا أبتلاني بيها دي! مسكت دماغي وأنا بجز على سناني قولت لها: طب غوري يا ليلة من وشي.
وعشان هي عرفه وحافظه أنا لو قومت هعمل أيه فيها؛ فسبتني وجريت، خرجت من المكتب وخمس ثواني ودخلت في نوبة من الضحك، خلصت الشغل اللي في أيدي وقررت أني هروح أمُر على المرضى شوية، بس الحقيقة أني اليوم ده مكنتش متظبطة، وفعلًا اللي كنت خايفة منه حصل! 
                          ****************
كانت ليل بتمُر على المرضى زي العادة، بس منغير أي مقدمات وقعت قدام غرفة مريض! الكل جري عليها، وحالة من القلق والتوتر سيطرت على الكل، وخصوصًا أن الإغماء أستمر معاها مدة طويلة، 3ساعات فاقدة الوعي ومحدش عارف يفوقها، عمار أفتكر أن دي مش أول مرة وقرر أنه هيعملها تحاليل، وبعد ما ركِب ليها المحاليل أخيرًا فاقت.
-هو حصل أيه؟
-في أن الهانم مش راحمه نفسها، ودي تالت أو رابع مرة يغم عليها بالمنظر ده.
كانت جملة ليلى، وكانت هي الشرارة اللي بسببها عمار أنفجر فيهم.
-نعم! وأنتِ يا هانم أيه عادي كده يغم عليكِ كل شوية وعادي؟ حتى مهنش عليكِ يشيخة تعملي تحاليل تشوفي أيه سبب الإغماء، أنتِ هتشليني!
-لا وكمان رافضة تعمل تحاليل.
وبدون أي مقدمات كانت المخدة في وش ليلى من ليل وهي بتصرخ فيها بغيظ: 
ـ أنتِ يا بت حد مسلطك عليا!
مسكت المخدة وسندت عليها، حاولت تصلح الموقف اللي عكته وقالت: عمار أهدى شوية، هما شوية أرهاق من الشغل وهيروحوا لحالهم، عادي يعني.
طبعًا عمار فهم إنها بتصلح الدنيا، قام وقف وبعدم أهتمام للي قالته قال:آ
ـ ه فعلًا، أهو بكرا نتيجة التحاليل هتطلع وهنعرف، مع السلامة.
خلص كلامه وسبهم ومشي، أما ليل فبصت لـ ليلى وسألتها: 
ـ هو عملي تحاليل؟
ابتسمت بغباء وقالت: 
ـ ايوا.
وللمرة التانية حدفتها بالمخدة التانية بعصبية وهي بتصرخ في وشها:
ـ  يشيخة منكم لله.
                         ****************
#NORA_SAAD
"لكن في مكان تاني، في نادي في الزمالك."
- أيه يا بني، أنت فين؟ 
- خلاص أهو داخل عليكِ يا نهلة.
كانت نهلة بتكلم أياد في التليفون، قفلت معاه وخمس دقايق بالظبط وكان قدامها. 
- حبيبي وحشتني أووي.
- وأنتِ أكتر يروحي.
مسكت أيده وسألته بحماس: 
ـ ها بقى يا سيدي، عايزني ليه؟ وأيه هو الموضوع المهم اللي مينفعش يتأجل أكتر من كده؟
حضن أيديها وابتسم وأتحرك معاها ناحية الكافتريا، قعدوا في الكفتريا وكان حريص جدًا أنها لما تقعد يكون ضهرها لباب الكافتريا، قَعد قصادها وقال ببتسامة مالية وشّه: 
- أصل عملك مفاجأة، بس متأكد أنها هتعجبك أووي.
- وأيه هي بقى؟
- دقايق وهتبقى قدامك، المهم أنتِ بتحبيني يا نهلة مش كده؟
خرجت منه بنبرة دافية، وهي بدون إرادة حضنت كف أيده وهمست بحب واضح في عيونها: 
-بحبك! أنا.. أنا وصلت لمرحلة أني بقيت بعشقك يا أياد، بقيت بحبك أكتر من نفسي، تعرفي أني ساعات بَغيِر عليك من صحابك عشان بتقعد معاهم أكتر مني، أنا.. أنا بجد بقيت بعشقك يا أياد، أياد...أوعى في يوم تسبني..بجد...بجدأنا حاسه أن لو ده حصل ممكن يحصلي حاجة.
خلصت كلامها وبدون أي مقدمات شافت وعد قدامها! كانت واقفة قدام تربيزتهم وبالتحديد قصاد نهلة. 
- نعم يا عنياا! بتحبي مين!
وطبعًا مش محتاجين أعرفكم أن دي كانت جملة وعد اللي سمعت كل كلام الغزل اللي نهلة قالته لـ أياد.
كانت نهلة بتلف المكان كله بعنيها بتوتر، وأخيرًا خرجت من صدمتها وقالت:
ـ أنتِ...أنتِ أيه اللي جابك هنا؟!
- أنا أيه اللي جابني هنا! إنتِ ليكِ عين تسألي؟! بتحبي مين يا روح امك؟ هو مش ده العيل الصايع اللي كنتِ بتحظريني منه برضه!
كلامها عصبها؛ فبكل عصبية وغضب صرخت فيها وقالت: 
ـ وأنتِ مال اهلك؟ غيرت رأي يا ستي، هو بيحبني وأنا بحبه أنتِ زعلانه ليه؟! ولا عشان عرفتِ أنه مكنش بيحبك يعني، أنتِ نسيتِ نفسك يا بت! فوقي لنفسك أنتِ مين أصلًا عشان حد يبصلك؟
وبدون أي مقدمات مع انتهاء كلام وعد لنهلة، نهلة كانت مسكت شعرها ونزلوا في بعض ضرب! أما أياد فكان قاعد على التربيزة بكل روقان وبيتفرج عليهم وبيضحك!  وقبل ما الموضوع يكبر والناس تتلم وقف وقرب منهم خطوتين وفصلهم عن بعض بعنف، وبعصبية صرخ فيهم وقال:
ـ أهدوا بلاش شغل الهمج ده.
رجع بضهره خطوتين وهما ثبتوا في مكانهم، كانوا بيتنفسوا بعنف، ولكن هو... ولكن هو بصلهم وضحك من جديد! وما بين ضحكه ده قال: 
- كده أنا عملت اللي أنا عايزه، ومتهيألي كده كل واحدة فيكم عرفت حجمها عند التانية، يلا enjoy أنا بقى.
خلص كلام وسبهم في صدمتهم ومشي! محدش كان مستوعب هو أيه اللي حصل ده!  أول وحده فاقت من الصدمة كانت وعد، بعدت عن نهلة بعصبية وغضب، وقبل ما تمشي وقت قصاد نهلة وبكل كُره وحقد قالت لها: 
ـ أنا لو شوفت وشك تاني هكرهك في اليوم اللي أتولدي فيه يا نهلة، سامعه؟ مش عايزة أشوف خلقتك تاني يا....يا صاحبتي!
خلصت كلامها ومشيت، أما نهلة فلملمت اللي باقي من كرامتها ومشيت! مشيت وحكاية وعد وجميلة ونهلة خلصت لحد هنا، والحقيقة أن في الغالب التلاتة دول بيكونوا موجودين في كل شلة بنات! هتلاقوا نهلة اللي وخده دور القائدة، وكل حاجة ليها متاحة؛ لكن لو حد غيرها عملها تبقا غلط" وأنت ازاي تعمل كده عشان ميصحش!" أما وعد فَ دي الشخص اللي بيكون بيحب القائد أووي، وغصب عنها بتكون ماشيه في سكتهم! ومع الوقت بتلاقي تصرفاتها كلها أتغيرت وبقت زيهم! وبقت ماشية في نفس الموجة بتاعتهم في أقل وقت، وفي اللي زي جميلة، جميلة اللي بتكون دخلت الشلة غلط أساسًا! هيكون مش عجبها اللي حواليها، ولا عجبها تصرفات صحابها، بس بالنسبة ليها مفيش حاجة في أيديها تعملها؛ فبتفضل معاهم، وبترضى بتصرفاتهم وبتقبلهم زي ما هما!
في النهاية أوعى توافق في يوم تدخل بين ناس مش شبهك، أوعى تتنازل وتعمل حاجة أنت مش مقتنع بيها لمجرد إن صحابك كلهم بيعملوها! خليك مميز، حافظ على نفسك وتصرفاتك وأعتقداتك اللي أتربيت عليها واللي أنت كونتها في حياتك، متبقاش نسخة من حد ولا تمشي مجرد ظل أو طيف شخص تاني! 
                         ****************
#NORA_SAAD
                                    "هي"
-أنا زهقت، هفضل محبوسه كده كتير؟
كان عمار قاعد قصادي على المكتب، من وقت ما جيت وهو حابسني في المكتب عشان بس نزلت الشغل النهاردة! لا وكمان راسه ألف سيف منا متحركة من مكاني غير لما نتيجة التحاليل تظهر! رجّع ضهره على الكرسي بكل استمتاع وقال ببرود:
ـ  آه، ومش هتتحركِ غير لما نتيجة التحاليل تظهر ريحي نفسك بقى.
- التحاليل.
خلص كلامه مع دخول ياسمين علينا بالتحاليل، خدها منها وشكرها، فتح الملف اللي في أيده وسكت! لا لا...هو وشه أتبدل! ملامحه أتغيرت! وسكت خالص!
كنت بسأله التحاليل فيها أيه؟ وهو مش بيرد! خبط على المكتب بعنف وأنا بسأله من تاني: 
- في إيه يبني مالها التحاليل؟ شكلها مفهاش حاجه وأنت مكسوف من نفسك، صح صح؟؟
برضه مفيش رد! كل اللي عمله أنه نزل التحاليل من أيده ومكنش عارف ينطق! أعصابي تبعت من شكله؛ فَبدون أي مقدمات سحبت الملف من أيده وهو أتنفض من مكانه وزعق فيا!
- أوعي يا ليل، هاتي الزفت ده.....
كان...كان بيتكلم وبيزعق، بس...بس أنا...مكنتش سامعة حاجة..مكنتش سامعة حاجة من كلامه... كل اللي سمعته واللي كان بيرن في ودني صوت عمار لما قال من فترة كبيرة  "أتعالج عشان بعد ما أتعافى بكام شهر المرض يتجدد في جسمي من تاني!
أنا...أنا عندي كانسر من جديد؟!
يتبع......  
ـ يعني أنا زهقت يا نور من اللي بسمعه كل يوم بسببك، ويأما نحط حل، يأما.... 
سكت! وأنا وقفت قصاده، وببطئ سألته وأنا بحاول أستوعب هو عايز يقول أيه: 
ـ يأما أيه يا يوسف؟ 
ـ يأما هنتطلق يا نور. 
الدنيا لفّت بيا، وبعصبية وإنفعال كنت بصرخ في وشه وبقول: 
ـ نتطلق؟ في الأخر جاي تقولي نتطلق يا يوسف؟؟ 
لقيته بياخد نفسه، بص لبعيد ورجع بعيونه ليا تاني وقال: 
ـ قولت أولًا لازم نحط حل لعلاقتنا يا نور. 
قرب خطوة، مِسك أيدي وقال بهدوء: 
ـ أنا عايز حل، أنا... أنا تعبت! 
خلص كلامه وسبني وخرج من الأوضة وهو بيمسح دموعه اللي خاتته، حاسه أن جوا دماغي في خناقة، خناقة كبيرة قايمة ومش عارفه أنهيها! مشكلة؟ شخصيتنا دلوقت بقت مشكلة؟ 
ـ ممكن أفهم أيه المشكلة اللي من وجهة نظرك عايزنا نحلها؟
كان ده سؤالي ليوسف بدون مقدمات، كان قاعد على الكنبة ومحاوط راسه بأيده، لما سمع صوتي رفع عيونه ليا وقال: 
ـ مشكلة إنك أنتِ اللي مسيطرة يا نور! أنا تعبت من اللي بسمعه بسببك، مش عيب إننا نحاول نحل المشكلة، العيب إننا منعترفش بالمشكلة أصلًا! 
أفتكرت الست اللي ظهرتلي في المرايا، أفتكرت اللي شوفته واللي عرفت إنه بيتعرض له بسببي، أفتكرت أنا كمان كل كلمة كنت بسمعها من صحابي في حق جوزي!  أفتكرت وأفتكرت لحد ما حسيت إنه عنده حق! يمكن مشكلتنا محتاجة حل فعلًا، بدل.... بدل ما أخسر يوسف! 
ـ دكتور عصام عزت، أستشاري علاقات زوجية. 
ردد اللي مكتوب على لافتة العيادة، عيادة دكتور العلاقات الزوجية اللي قررنا أننا هنروحله، وفعلًا روحنا! 
ـ ممكن أعرف أيه المشكلة؟ 
ـ معرفش. 
ضحك ببرود على ردي وقال: 
ـ أومال جيتوا هنا ليه؟ 
وبنفس بروده كنت برد عليه وبقول: 
ـ عشان هو شايف أن في مشكلة. 
ـ عشان هو في مشكلة فعلًا يا نور. 
أتدخل يوسف وقال كده، سكتت ومرتدش أعلق عليه، ولكن الدكتور السمج ده هو اللي أتكلم وقال: 
ـ أول خطوات العلاج إنكم تعترفوا بالمشكلة أولًا يا مدام. 
تبادلنا النظرات وسكتنا، وهو كمل كلام وقال: 
ـ  أحكولي ليه جيتوا هنا؟ 
ـ هتكلم أنا. 
ـ سمعك. 
وبالفعل بدأ يوسف يحكي. 
ـ المشكلة فينا، المشكلة أن أنا شخصيتي ضعيفة، مش هذوقها ولكن دي الحقيقة، أنا شخصيتي كده. 
سكت، بدا يتنفس بعنف، وأنا كملت: 
ـ وأنا شخصيتي قوية، أنا... أنا مش بحب أن حد يمشي كلمته عليا، ولا يتحكم فيا، أنا كمان شخصيتي كده! 
كلامي خلاه ينفعل، وبعصبية رد عليا وقال: 
ـ وأنا الأول كنت فاكر إنه عادي، ولكن الموضوع بدأ يتعبني، أنا مبقتش مستحمل، كل الناس بقت عارفه أن مراتي هي اللي ممشياني! 
ـ هو أنت لسه جاي تكتشف شخصيتي؟ أنا كده من قبل ما نتجوز أصلًا! 
ـ وأنا تعبت. 
ـ ممكن تهدوا. 
كان صوتنا عِلي لدرجة الخناق، اللي سكتنا صوت الدكتور، أحنا الأتنين سكتنا وبدأنا ناخد نفسنا بهدوء، وهو بصّ علينا بتركيز وبدأ يتكلم: 
ـ مبدأيًا لازم نكون متفقين أن كل علاقة لازم يكون فيها شخص هو اللي بيقودها، والشخص ده لازم يكون الرجل عشان المعادلة تكون متزنة. 
شاور عليا وكمل: 
ـ حضرتك شخصيتك قوية، ولكن لازم تقتنعي أن في شخص بقيتي مسؤلة منه وهو اللي هيقود العلاقة، زي ما بالظبط هو دوره إنه يصرف عليكِ عشان هو الرجل؛ فلازم يكون هو قائد البيت عشان هو الرجل برضه. 
كنت هعترض على كلامه لكنه قاطعني لما كمل كلام وقال: 
ـ أنتِ بطبيعتك الكائن الرقيق، الكائن اللي بيحب يريح دماغه، ليه بقى أنتِ مصممة إنك تقولي لا مش هريح دماغي، لا أنا اللي هاخد كل القرارات؟ 
شاور على يوسف وكمل بحِدة: 
ـ كونك انشأت في بيئة متسلطة وده الواضح، وكان نتيجة التسلط ده هو شخص ذو شخصية ضعيفة لازم تعديه، لازم تعدي المرحلة دي من حياتك وتعرف إنك في مرحلة جديدة من حياتك لازم تكون أنت القائد. 
شاور علينا أحنا الأتنين وقال: 
ـ الموضوع كله هيجي بالتدريب.
شاور عليا من جديد وقال:
ـ أنتِ هتدربي إنك تخضعي لكلامه اللي في الغالب بيكون صح على فكرة. 
وبعدين شاور على يوسف وقال: 
ـ وأنت هتدرب إنك تثبت على قرارك، مهما كان رد فعلها لازم تبقى مصمم على اللي عايز تعمله، متخضعش لحيالها اللي بتستعملها ضدك وفي الغالب بيكون غصب عنها، لازم تفكر عقلك كل شوية إنك الرجل، إنك أنت قائد العلاقة وهتنجح. 
. يعني الحل في التدريب؟ 
كان ده رد يوسف، الدكتور رد عليه وقال:
ـ أي حد بيجي ليا هنا بيكون عارف أن حل مشكلته إستشاري، أنا مش هديك دوا وهتكون كويس وزي الفل؛ ولكن لازم تساعدني عشان ننجح. 
لفّ وشه عليا وسأل: 
ـ قوليلي يا مدام، أنتِ مبسوطة كده؟ تفتكري المجتمع بيبص لك بأنهي نظرة؟ 
سؤاله لغبطني، المجتمع! مفكرتش في كده أبدًا! 
وعشان مجالوش رد من ناحيتي أتكلم من جديد وقال: 
ـ أنسي أنك الشخص القوي القائد، أنزلي على أرض الواقع وأفتكري إنك الطرف الضعيف، أنسي طريقة تربيتك اللي أنشئتي فيها، أنتوا الأتنين من حقكم تتشاركوا قرارتكم سوا، ولكن لازم تبقي مهيئة أن ممكن هو يرفض قرار من قراراتك مثلًا. 
خرجنا من عند الدكتور وأحنا متلخبطين، خطوة جديدة خدتها غصب عني، ولكن شكلها هتكون صح! أنا حاسه بكده رغم أني مكنتش مقتنعة! 
ـ هتيجي معايا يا نور العزومة. 
ـ مش عايزة يا يوسف. 
قرب خطوة، وبحنية قال: 
ـ عشان خاطري. 
وقتها أفتكرت الدكتور، وأفتكرت كلامه، هو أنا ليه بقاوح؟ ليه بقول لا وخلاص؟ ليه مش عايزة أريح نفسي؟ مع أن... مع أن طبيعة الكون أن أي علاقة فيها رجل وست لازم يكون الرجل هو الطرف القوي، ليه أنا بقول لنفسي إنه مادام قوي هكون أنا ضعيفة ومجردة من شخصيتي؟ هو مينفعش يكون هو القائد وأنا ليا شخصيتي، وليا صوت وقرار في البيت وفي شغله وفي حياتنا عمتًا؟ أنا ليه مصممة أصعبها على نفسي؟ 
ـ يعني أيه معكش فلوس؟ ولا ده كلام مراتك، طبعًا ما هي أكيد مش عيزاك تساعد أخواتك. 
ـ بابا أنا مش هسمح بالكلام ده تاني، كفاية بقى أنا تعبت. 
كان عند أهله، بباه قاله الكلمتين اللي أتعود عليهم بدون سبب واضح، مجرد أنه قاله مش معايا فلوس لمساعدة أخويا بقيت أنا السبب! ولكن المرة دي هو.... هو أنفجر! 
ـ يعني عجبك أنها تكون هي اللي ممشيّاك كده؟ 
ـ ليه بتقول كده؟ قولي ليه؟ هو عشان أتجوزتها غصب عنكم يبقى هي اللي ممشياني؟ عشان لأول مرة أخرج عن سيطرتكم يبقى هي اللي ممشياني؟ حرام عليكم اللي بيحصل فيا بسببكم، حرام، أنا بقيت ضعيف الشخصية بسبب تربيتكم، بجد حرام! 
خلص كلامه وخدني ومشينا، كلامه صح، وكلام الدكتور صح، هو واللي زيه بقوا كده بسبب تسلط أهلهم، بسبب تنشئتهم الغلط أصبحوا شخصيات ضعاف الشخصية منغير ما يحسوا، والمشكلة إن أهله مش فاهمين ده! مجرد إنه خرج عن طوعهم زي ما بيقولوا وأتجوز حد هما مش راضين عنه يبقى الدنيا أتهدت، وهو مبقاش ابنهم، وشوية وهيتبروا منه كمان! 
ـ تعرفي أني بحبك؟ 
كنا بعد ما رجعنا من عند أهله قعد على الكنبة وكان ساكت، لما قعدت جمبه لفلي وقالي كده بدون مقدمات، ابتسمت بهدوء وحضنت أيده وقولت: 
ـ عارفه. 
عينه دمعت وقال بصوت حاول يظهره أنه طبيعي لكنه فشل: 
ـ تعرفي... تعرفي أني... 
بدأ يبكي! وأنا قربت منه وأنا بحاول أهديه ولكني فشلت وهو كمل وقال: 
ـ على طول شايفيني صغير، هما السبب في شخصيتي، هما السبب في كل حاجة فيا، حتى... حتى لما بدأت أصلح من نفسي مشفوش ده، برضه شايفين أن أختياري غلط عشان مكنش على هواهم، لكن... لكن أنا أختارت صح، أنا بحبك. 
مقدرتش أسيطر على دموعي أنا كمان، بكيت معاه، خدته في حضني بسرعة وأنا بقول من بين دموعي: 
ـ وأنا كمان بحبك، بحبك وبتغيّر عشانك، أحنا بنتغير علشان نفسنا يا يوسف، مش عشان حد، وأنا بحبك ومستعدة أعمل أي شيء عشانك. 
ـ هتفضلي تحبيني؟ 
ـ طول ما فيا نفس يا يوسف. 
"أسعى دائمًا لتغير نفسك لنفسك أولًا"       
-في إيه يبني؟ مالها التحاليل؟ شكلها مفهاش حاجه وأنت مكسوف من نفسك صح صح؟؟
برضه مفيش رد! كل اللي عمله أنه نزل التحاليل من أيده ومكنش عارف ينطق! أعصابي تعبت من شكله؛ فَبدون أي مقدمات سحبت الملف من أيده وهو أتنفض من مكانه وزعق فيا!
- أوعي يا ليل، هاتي الزفت ده.....
كان...كان بيتكلم وبيزعق، بس...بس أنا...مكنتش سامعة حاجة..مكنتش سامعة حاجة... كل اللي سمعته واللي كان بيرن في ودني صوت عمار لما قال من فترة كبيرة "أتعالج عشان بعد ما أتعافى بكام شهر المرض يتجدد في جسمي من تاني!
أنا...أنا عندي كانسر من تاني؟! 
خَد نَفس، ثبت عيونه عليا وقال:
ـ ممكن تهدي، عادي بتحصل كتير يا ليل، هتاخدي كام جلسة وهتخفي وتكوني زي الفل.
ضحكت، فاجأة لقيت نفسي بضحك بدون وعي! وفاجأة سكتت وبكل تهجم قولت:
ـ أتعالج تاني! عشان بعد كام شهر يجيلي تاني! وأفضل في الدايرة دي طول عمري! عشان في الأخر برضه أموت!
سحبت شنطتي وابتسمت بسخرية، أتحركت خطوتين وقولت: 
ـ طب على أية الفرهدة دي؟ ما أنا أقعد أستنى الموت يجي لحد عندي أسهل. 
خلصت كلامي وأنا بخرج من المكتب وبقفل الباب، مهتمتش لصوته اللي كان بينده عليا، كل اللي كنت سمعاه هو صوت بُكى قلبي، قلبي كان بيبكي بقهرة على حالي، هو..هو ليه؟! ليه كل ما أقف على رجلي الدنيا تيجي تديني بالقلم على وشي! ليه كل ما أبدأ أفرح وأحس أني خلاص هوصل للنجوم تيجي ريح ترزعني على سابع أرض! ليه كل ده بيحصلي أنا بالذات ليه؟!
بعد لَف وبُكى وشكوى لربنا، رجلي خدتني ورجعتني للبيت، دخلت كان بابا وسعاد قاعدين قدام التلفزيون، رميت الشنطة على أقرب كرسي وكنت هدخل أوضتي، بس لوقفني صوت بابا: 
- مالك؟ جايه بدري يعني؟
مرتدش وكنت هقفل باب أوضتي من سكان، ولكن اللي وقفني كلام سعاد لما قالت: 
ـ ما تردي يختي! مالك شايلة طاجن سِتّك ليه؟ مات لك ميت!
ومنغير أدنى شعور كنت بنفجر فيها لكن بهدوء!
- عارفه ليه جيت بدري يا سعاد؟ عارف ليه يا بابا؟ 
كنت ببدل نظراتي بينها هي وبابا من سكات، وهما مَردوش، أكتفوا بس أنهم ينقلوا نظراتهم لبعض بستفهام، لكن أنا كملت كلامي وقولت بنفس الهدوء: 
- شكلكم مش عارفين، تمام أنا هقولكم. 
لعبت بصوابعي على التربيزة اللي قدامي لثواني وبعدين قولت: 
- جيت بدري عشان عرفت أن الكانسر رجع لجسمي تاني، الكانسر رجع ياكل في جسمي من جديد يا سعاد، عارفه ده معناه أيه؟
مهتمتش للدموع اللي كانت بتلمع في عيونها ولا لنظرة بابا اللي كانت كلها كسرة، ولا أهتميت لصوتي اللي أترعش والدموع اللي غرفت وشي منغير ما أحس وكملت:
ـ يعني خلاص، كلها كام شهر ولا حاجة وهموت.
هموت وأريحكم مني، هريحكم مني خالص، هترتاحي من قرفي يا سعاد خلاص، هي...هي كلها شهر بالكتير متقلقوش.
خلصت وأنا ببص لهم بهدوء والدموع مش عرفه أسيطر عليها، ولا كنت عرفه أسيطر على الرعشة اللي أتملكت من جسمي، أول لما خلصت سعاد وقفت وحضنتني! ضمتني لحضنها وبدأت تبكي! وكل اللي على لسانها كلمة لأ!
سبتها لحد ما خلصت وبصيت عليها بسخرية، وبكل سخرية العالم قولت لها: 
ـ بجد بتعيطي! أيه صعبت عليكِ للدرجادي؟
صرخت في وشي بدون مقدمات، ومن بين بُكاها قالت:
ـ لا لأ...مش هتموتي...مش هتروحي مني، أنا...أنا بحبك..بحبك والله؛ بس.. بس أبوكِ هو السبب، كنت كل ما احاول أقرب منك وأحاول أبين لك حبي ليكِ أبوكِ يجي ومنغير ما يحس يكرهني فيكِ، كان بيخلق بيني وبينك حاجز منغير ما يحس.
أخيرًا بابا نطق وقال بحزن باين على ملامحه: 
ـ أنا؟! أنا يا سعاد؟
وبطل غِل كانت بتصرخ فيه وبتقول: 
ـ أيوا، أيوا أنت.. في كل مرة كنت بتقولي فيها يلا... يلا شدي حيلك عايز أخاوي ليل، أي ده أنتِ أتأخرتي في الحمل كده ليه؟ دي أم ليل كانت حامل بعد شهر من جوازنا، يووه بقى يا سعاد أنا زهقت أنتِ حتى أبسط حقوقي من عرفه تعملهالي وتجبيلي طفل تاني! وكلام من ده كتير.. كنت...كنت بتكرهني في بنتك منغير ما تحس، خلتني أكره أمها لمجرد أنها خلفت وأنا لأ!  كنت بتحسسني أني ناقصة حاجة، على طول كنت بتحسسني بالعجز وأني قليلة، عارف أنا كام مرة كان نفسي أخدت ليل في حضني؟ كام مرة كان نفسي أعملها حلو عشان أعوضها كن أمها وأعوض نفسي بيها؟ عارف كام مرة معرفتش أعمل كده بسبب كلامك ليا؟؟ وبسبب الكُره اللي كانت بيتزرع في قلبي بسببك، أنا..أنا بحبك يا ليل والله، بحبك ومش عايزاكِ تروحي مني... 
خلصت كلامها ووقعت على ركبتها ودفنت وشها بين أيديها وبدأت تبكي من جديد، أما أنا؛ فابتسمت بحزن وسألت باب بهدوءا: 
ـ ها يا بابا، عرفت أنت كنت بتعمل أيه منغير ما تحس؟ عرفت أنك كنت بتعالج كل المشاكل بطريقة غلط، طب أنت عارف أني عمري ما حسيت بحبك ليا! تعرف أني كنت بحس أنك بتداري حبك ليا! أنت.. أنت طول الوقت مخبي مشاعرك، طول الوقت خايف تحضني! خايف تحسسني بحب الأب لبنته! أنت بجد مجاش في دماغك ولو للحظات أنك ممكن ف يوم تتحرم مني؟! مجاش في بالك يوم أنك تحسسني يعني أيه حضن أب لبنته؟ أنت عمرك ما حضنتني حتى! عمرك ما قولت ليا كلمة تحسسني بالأمان! أنت ليه بتتعامل مع مشاعرك على أنها حاجة عيب تظهر! ليه؟!
صرخت بأخر كلماتي وسبتهم ودخلت أوضتي، كنت..كنت بتنفس بعنف، نفَسي زاد وضربات قلبي سمعاها من مكاني، جسمي كله بيترعش بطريقة غريبة..والدنيا بتسود بالتدريج؛ عشان في أقل من ثواني محسش بنفسي...  
                         ****************
NORA SAAD
بعد مـُدة مش قصيرة كانت أخيرًا فاقت، وكان حواليها سعاد اللي مش عرفه تمسك دموعها، وبباها اللي نظرة الكسرة والحزن مسيطرين عليه مهما حاول يخفيهم، وعمار وليلة اللي قاعدين جمبها من وقت ما فقدت الوعي تقريبًا لأنهم حصلوها على البيت.
بعد وقت من الصمت أخيرًا أتكلمت هي وقالت: طب يا شباب متشكرين على الزيارة، عن أذنكم بقى عايزة أنام.
خلصت كلامها وأدتهم ضهرها في أستعداد للنوم، ثواني والكل أنسحب من الأوضه منغير كلام.
- أهدي يا طنط، هتكون كويسة والله.
كانت دي جملة عمار لسعاد اللي مش عرفه تسيطر على بُكاها، مسحت دموعها وقالت: هي بتحبك يا عمار، وبتحبك أنتِ كمان يا ليلة، خلوها تاخد جلستها عشان تخف، أنا...أنا عايزاها تخف يا عمار، مش هتسحمل أنها تروح مني...
ابتسم وقال: هتخف بإذن الله هتخف، يلا هنستأذن أحنا.
مشي هو وليلة، واليوم عدى على الكل بحزنه وكئابته، بس في سواد الليل اللي الكل كان ييحاول ينام فيه عشان يستعد لليوم التاني كانت هي صاحية وبتجهز شنطة هدومها لأنها قررت أن هي دي النهاية.
                         ****************
                                    "هي"
مسكت شنطة هدومي وأنا مقرره أني هختفي، مش لازم يعني أصعب على الكل، ولا لازم أكون مَحل شفقة، أني أموت لوحدي برضه هيكون راحه أكتر ووجع أقل.
أتسحبت وخرجت من الشقة وأنا مش عرفه أنا رايحه فين، بس أكيد رجلي هتوصلني لمكان في النهاية.
                         ****************
NORA SAAD
- وبعدين البت راحت خلاص؟ شهر كامل والبت محدش يعرف عنها حاجة! هاتولي بنتي، هاتولي بنتي يا ناس.
كان ده كلام سعاد، نفس الكلام اللي بتردده من وقت ما عرفت أن ليل سابت البيت، شهر كامل محدش يعرف عنها حاجة، شهر ومحدش فيهم داق طعم النوم ولا راحة البال، وكالعادة من شهر كانوا كلهم متجمعين في بيت ليل.
ـ معرفتش أي خبر جديد يا عمي؟
كان ده سؤال عمار لحسام والد ليل، قعد على أقرب كنبة وقال: 
ـ ولا أي جديد أنا...أنا حاسس أن حصلها حاجة.
أتدخلت ليلى وهي بتحاول تخفي الدموع اللي كانت هتخونها وقالت:
ـ  لأ..لأ بإذن الله هي كويسة، أنا قلبي حاسس أنها كويسة والله. 
-الشالية!
كلهم بصوا ناحية سعاد اللي قالت كده وهي بتتنفض من مكانها، سألوها بعيونهم وهي فعلًا ردت: 
ـ الشالية بتاع المرحومة أمها، أزاي نسيناه، الشالية مقفول من سنين أكيد هي فيه.
وقف حسام بسرعة وقال وهو بيمسك مفاتيحه:
ـ صح، أزاي تاه عن بالنا، عن أذنكم.
وفي ثواني كان سبهم ونزل وطبعًا كلهم حصلوه، وبعد تلات ساعات كانوا وصلوا للشالية، كان الشالية في رأس البر، وكان مقفول من يوم ما مامتها أتوفت.
وصلوا وكان كل شيء يدُل أن محدش موجود في المكان أصلًا! وده لأنهم في فصل الشتا، وقبل ما اليأس يتملك منهم كانوا شافوا طيف لأمل جاي من بعيد، أمل أن في حد جوه فعلًا، بس أتبخر الأمل ده في ثواني أول لما شافوا أن ليل جوه فعلًا بس مرمية على الأرض! الكل جري عليها وصوت الشهقات والصراخ هو كان سيد الموقف، وبعد فحص من عمار اللي قلبه كان على وشَك الخروج من مكانه أتنقلت للمستشفى في أقل من نص ساعة لأنها كانت قاطعة النفس!
-أنا..أنا دكتور عمار، الكارنية أهو، هدخل معاها.
بعد مناقشات وزعيق وتصميم رأي دخل معاها العمليات، دقايق وكان الدكتور خرج من أوضة العمليات بسرعة عشان ياخد أقرار من أهل ليل.
- لازم تعمل عملية أستئصال ورم حالًا.
وبدون أي تفكير قال حسام: 
ـ أعملها يا دكتور، أعمل أي حاجة بس البنت تكون كويسة.
خَد منه الإقرار وفعلًا بدأ في العملية، وفي لحظة كل حاجة وقفت، الدنيا سكتت، الهواء بقى بارد بطريقة ترعش الوجدان، وصوت تصفير الجهاز هو اللي بيضوي في الأوضة ومعاه صراخ عمار.
-ال...الجهاز بيقف! قلبها بيقف! حد يعملل حاجة، حد يتحرك.
- خرجون براا حالًا، أنعش القلب بسرعة...صدمات كهربائية....
كانت دي أخر حاجة سمعها عمار قبل ما يخرج من أوضة العمليات.
-في أيه يا عمار؟ مالك؟ خرجت ليه؟ في أيه؟
-ليل مالها؟ حصل أيه أنطق!
كان خارج جسمه كله متخشب، وملامحه ثابتة بطريقة غريية، ومنغير أي أدراك منه قعد على ركن جمب الحيطة وبدأ يبكي، ومن بين بُكاه قال اللي وقّف قلب الكل.
- ماتت! قلبها وقف قدام عيني! ليل سبتني ومشيت!مشيت بعد ما أتعذبت في حياتها، مشيت منغير ما تاخد نصبها الحلو من الدنيا، كانت على طول بتقولي أنها بتحبك يا عمي، كانت بتقولي أنها نفسها تحضنك بس خايفة، كان نفسها تحس يعني أب بيحب بنته وعارف يحتويها، كانت نفسها تجرب تقولك يا ماما يا طنط سعاد، كان نفسها تترمي في حضنك وتيجي تشتكيلك مني ومن أبوها ومن العالم كله، كان نفسها حد يسمعها، كان نفسها تحس بأمان ودفى وسطكم، كانت...كانت بتحبك يا ليلى، كانت بتقولي أنك عوض ربنا ليها، كانت بتقولي أنها نفسها تفرحك زي ما بتفرحيها، كانت بتحبنا كلنا ومحدش حسسها بالحب أبدًا..
بعصبية وعنف صرخت سعاد:
ـ لااا...لااا بطل هبل، مين دي اللي ماتت؟ ليل ماتت؟ ماتت أزاي؟ ماتت أزاي هااا؟ أزاي وأنا...وأنا لسه محضنتهاش..لسه مقولتلهاش أني بحبها، لسه معوضهاش عن الأيام السودا اللي عاشتها، لااا..أنت...أنت كداب بنتي عايشة..بنتي اللي ربتها من وهي عيلة خمس سنين عايشة، بنتي اللي كبرت قدام عنيا عايشة، بنتي اللي جالها المرض الملعون ده وقدرت عليه عايشة، بنتي مماتتش بقولك بنتي عايشة متقولش كده...
وبخطوات تقيلة قربت ليلى من عمار، وبهمس قالت: 
ـ هي...هي بجد ماتت؟ بجد يا عمار ليل سبتني؟ طب..طب سبتني لمين؟ هي عرفه أني مليش غيرها..هي عرفه أني منغيرها مش هعرف أعيش..هي قالتلي أنها مش هتسبني! أزاي يا عمار؟ أزاي سبتني كده؟ أزاي أنطق....
صرخت بأخر كلماتها بجنون، وكأن العالم بيتهد قدام عنيها! أما حسام؛ فَبتقل العالم وقف وقال:
- لا إله إلا الله، لك الأمر من قبل ومن بعد.
نص ساعة عَدت عليهم زي السنين، الكل مش قادر ينطق، محدش رجله شيلاه، ولحد دلوقت جثة ليل مخرجتش!
أخيرًا الدكتور خرج، وبخطوات تقيلة ولسان رافض ينطق سأله حسام: 
ـ تصريح الدفن هيطلع أمتى؟
- تصريح أيه؟ البنت عايشة والعملية نجحت الحمد لله.
وهنا أكتر أقول أنهم لما قالوا أن في شوية كلام ممكن يدبّوا فينا الروح من تاني كانوا يقصدوا الجملة دي بالتحديد، الدنيا سكتت من تاني، بس نسمة الهوا الباردة كانت قادرة تنعشهم وتثبِت لهم أنهم مش بيحلموا، ولا أنهم بيخرفوا مثلًا! بعد ثواني من الصمت كان حسام صوته بيضوي في المستشفى بأسم عمار هو وبيقوله:
ـ أوماال... أومال أيه اللي أنت قولته ده يا حيوان!
خلص كلامه وكف أيده كان بينزل على خَدّ عمار، الحقيقة أن عمار مهتمش للقلم اللي خده ولكنه أتقدم خطوة من الدكتور وسأله من تاني بعدم تصديق: 
ـ أزاي؟ أزاي ده القلب...القلب وقف قدام عيني..النبض وقف قدام عيني يا دكتور ومكنتش قابله الصدمات!
- دي حقيقة فعلًا، بس بعد ما خرجت قلبها أستقبل الصدمات الكهربائية وقدرنا ننعش للقلب من جديد، حمدالله على سلامتها.
حزن وفرح، وسعادة ملهاش حدود ومشاعر كتير كانت ملخبطة كيانهم، ليلى أول ما أتاكدت من الخبر صرخت من الفرحة، وسعاد روحها أتردّت فيها تاني، أما حسام فسجد شكر لله، مشاعر كتير ملهاش تفسير، بس كل اللي كانوا حاسين بي وقتها هو كرم ربنا عليهم.
وبعد أربعة وعشرين ساعة تقريبًا ليل فاقت، ومع إلحاح منهم؛ كلهم دخلوا ليها العناية المركزة لمدة خمس دقايق.
حسام قرب منها خطوتين، ولأول مرة يخدها في حضنه، خدها في حضنه وبكى، بكى من كل قلبه على كل لحظة غبية ضيعها من أيده منغير ما يشبع من بنته، بكى بعد ما عرف أنه ممكن في لحظة يخسرها ووقتها هيندم على كل لحظة مَرت عليه وهو بعيد عنها، بكى على كل شعور حلو كان نفسه يظهره ليها ولكن كان بيخبي بسبب هو نفسه مش عرفه!
- سامحيني يا ليل، سمحيني عن كل شعور وحش حسيتي بيه بسببي، سامحيني بسبب شعور النقص اللي كان محاوطك بسببي.
                         ****************
NORA SAAD
بعد مرور أسبوعين.
                                    "هي"
خرجت من المسشفى أنهاردة، من يوم ما فوقت وكل حاجة متغيرة، سعاد مش بتسبني تقريبًا، كل خمس دقايق بتيجي تبص عليا وتسألني لو محتاجة حاجة وتمشي، بابا أتغير معايا180° بقى...بقى كل ما يجي يخدني في حضنه! قبل ما ينزل يبوسني ويحضني ويسألني لو محتاجة حاجة ويمشي! كل كام يوم يجي يقعد معايا ونقعد نرغي في أي حاجة وبعدين يسبني أرتاح! هوو..هو بجد أيه اللي حصل؟ أيه اللي حولهم بالشكل ده!
خرجت من تفكيري على صوت الباب اللي بيخبط، وقبل ما أنطق كانت دخلت أصلًا! كالعادة يعني ليلى كل مرة بتيجي تخبط وبعدين تتدخل منغير ما تسمع رد مني! وقبل ما أتكلم كانت هجمت عليا وحضنتني جامد وهي...وهي بتبكي!
-وحشتيني يا ليل.
فضلت في حضنها وبعدين خرجت من حضنها وأنا بقول: 
ـ ما أنتِ معايا كل يوم في أيه؟! 
قعدت قصادي وهي بتربع رجليها، مسحت دموعها وقالت: 
ـ مش عرفه، حسيت أني عايزة أحضنك وأقولك كده.
وقبل ما أرد كان عمار كمان جيه وأنضملنا.
-يا أهلًا باللي مطلعه عنينا معاها.
-ليه بقى أنا عملت أيه؟ وبعدين تعالوا هنا قولولي هو في أيه؟ من يوم العملية وفي حاجة غلط هو حصل أيه؟ وأنتوا يعني...عرفتوا مكاني منين؟
الحقيقة أن عمار قعد زينا ابستم وقال: 
ـ عرفنا مكانك منين؛ فهو بفضل سعاد عشان هي اللي أفتكرت مكان الشالية، وبفضلها برضه لحقناكِ في الوقت المناسب.
كملت ليلى وقالت:
ـ  أما بقى ليه متغيرين عشان عرفنا قمتك عندنا يا ست ليل.
-ده اللي هو أزاي؟
-أبدًا أصلك موتي ورجعتي تاني.
خلصت كلامها وعمار ضربها بالمخده وهو بيزعق فيها وبيقول: 
- ملافظك يا بهيمة، وبعدين ده كلام يتقال ده؟!
ضحكت وهي بتمسك المخدة منه وبتقول:
ـ الله مش دي الحقيقة.
ابتسمت وأنا بفتكر مشهد مَر في خيالي وبعدين سألتهم: 
ـ هو ده بجد؟ موت أزاي.
رد عمار عليا وهو مبتسم وقال:
ـ آه بجد يا ليل، قلبك وقف قدام عيني في أوضة العمليات وخرجت قولت لهم أنك بعد الشر موتي، وبعد نص ساعة من موت روحنا معاكِ خرج الدكتور وقال أنهم قدروا ينعشوا قلبك بعد ما أنا خرجت. 
ابتسمت للموقف الغريب اللي حصل، وقررت أني أحكيلهم أنا كمان وقولت: طب تعرفوا أني أنا شوفت ماما.
ابتسمت ليلى وهي بتحط أيديها على خدها وقالت: 
ـ بجد؟ أمتى وفين؟
غمضت عيني وبدأت أفتكر المشهد وبدأت في سرده زي ما موجود في خيالي تمام.
-شوفت ماما واقفة على سلّم، ولابسة فستان أبيض جميل أووي، بس السلّم كان طويل جدًا وعالي أووي، أول لما شوفتها جريت أول درجات السلم بكل قوتي، كنت بنده عليها وبعيط! كنت بعيط وبشتكي لها من كل حد أذاني، وهي كانت كل ما تسمع مني تبتسم وبس، وصلت لحد نص السلّم وبعدين تعبت! تعبت وقعدت على السلم وكملت عياط، بس هي نزلت ليا! نزلت ليا درجات السلّم وجت قعدت جمبي وقالت: 
ـ أنتِ بتعيطِ ليه، مش كل حاجة هتتحل بالبُكى والحزن، لازم يكون نفَسك طويل عشان تعرفي تكملي، أرجعي وحاولي من الأول يا ليل. 
وقبل ما أتكلم وأقولها أني ببكي عشان مش عرفه أوصلها كانت سبتني وطلعت درجات السلّم تاني! كانت بتبعد بسرعة غريبة، وأنا ببص لها ومش عرفه أعمل أيه، وفي الأخر مسحت دموعي وقررت أني هرجع تاني، الدرجات اللي طلعتها قليلة هعرف أنزلها تاني، لكن الدرجات اللي فاضله عشان السلم يخلص مش واضحة ومش باين لها ملامح، وفعلًا مسكت فستاني ونزلت وبعدها صحيت وكنتوا حواليا.
فتحت عيني بعد ما خلصت سرد، كانوا الأتنين بصين عليا وعلى ملامحي بتركيز وبيبتسموا!
ضحكت على شكلهم وقولت: 
ـ أنتوا مالكم في أيه؟
قرب مني عمار وجيه جمب ودني وهمس:
ـ بقولك أيه ما تخفي بسرعة بقى عشان الفرح مستنيكِ، وعايز أتدوز يابا الحج.
                         ****************
NORA SAAD
                                    "هي"
بعد سنتين، بعد سنتين من محاربة المرض الملعون اللي أسمه الكانسر أنتصرت، أنتصرت وربنا عوضني، ربنا عوضني عن كل لحظة غامقة في يوم عشتها، عوضني ببيت دافي، عوضني بـِأم معرفتش يعني أيه حنيّة غير في حضنها، عوضني بأب حضنه بيحميني من أذى العالم كله، ربنا عوضني بزوج كل معنى الحب تتمثل في صورته، ربنا عوضني عن كل خراب العالم بصديقة حضنها ملجأ ليا من كل حاجة ممكن تكون بتوجع، ربنا عوضني في شغلي وأني أخيرًا وبعد سنين من الحلم والسعى بقيت أصغر وأشهر طبيبة أورام في مصر والعالم كله، بفضل ربنا وبكرمه عليا أنتوا جاين من كل مكان في العالم عشان تشوفوني، عشان تشوفوا أصغر طبيبة أورام وهي بتتكرم، والحقيقة أني بشكر مرضي، بشكره عشان لولاه أنا عمري ما كُنت هكون هنا، ولا كان هيبقى معايا الناس اللي حرفيًا روحي بقت متعلقة بيهم، حقيقي شكرًا من قلبي على أبتلائي بمرض السرطان.
خلصت كلامي وأنا بنزل من على المسرح والكل بيسقف بحرارة، نزلت وأترميت في حضن عمار، ثواني وكانت كل عيلتي بتضمني معاه! وهنا فعلًا أقدر أقول أن كمل أكبر إنتصاراتي.. 
بعد كل ضيق وأبتلاء، يوجد فرج من الله لك؛ فلا تيأس أبدًا ولا تستسلم لضجيج رأسك ووسواس شيطانك؛ فَالله يعلم بما تمُر بهِ، ويجهز لك عوض يليك بك يا عزيزي.
تمت بحمدلله
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-